إلا من قدم صاحبا له فجلس فى موضع يحفظه له
الشروح عليها
(إلا) الصغير و (من قدم صاحبا له فجلس في موضع يحفظه له) ،
وكذا لو جلس لحفظه بدون إذنه،
قال في " الشرح ": لأن النائب يقوم باختياره لكن إن جلس مكان الإمام، أو طريق المارة، أو استقبل المصلين في مكان ضيق أقيم، قاله في المعالي، وكره إيثاره غيره بمكانه الفاضل لا قبوله وليس لغير المؤثر سبقه
أبو المعالي . وكره إيثار غيره بمكانه الفاضل ويتحول إلى ما دونه، كالصف الأول ونحوه، وكيمين الإمام، لما في ذلك من الرغبة عن المكان الأفضل،
وظاهره، ولو آثر به والده ونحوه،
قال في تصحيح الفروع، يكره مطلقا جزم به في الوجيز لقوله: «لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله» ، فالإيثار بالقرب مكروه، هذا المذهب ويحتمل أن لا يكره، إذا كان الذي آثره من أهل الفضل، لأن تقديمهم مشروع،
وقال ابن القيم: قولهم لا يجوز الإيثار بالقرب، لا يصح، وقد طلب أبو بكر من المغيرة أن يبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوفد ثقيف، ففيه جوار طلب الإيثار بالقرب، وجواز الإيثار، وقد آثرت عائشة عمر بدفنه في بيتها، جواز النبي صلى الله عليه وسلم وسألها عمر، ولم تكره له السؤال، ولا لها البذل،
فإذا سأل الرجل غيره أن يؤثره بمقامه في الصف الأول لم يكره له السؤال، ولا لذلك البذل.
. وكره إيثار غيره بمكانه الفاضل لا قبوله أي لا يكره للمؤثر بفتح الثاء قبول المكان الأفضل، ولا رده.
«إلا من قدم صاحباً له في موضع يحفظه له» أي: إلا شخصاً قدم صاحباً له في موضع يحفظه له، مثل: أن يقول لشخص ما: يا فلان أنا عندي شغل، ولا ينتهي إلا عند مجيء الإمام، فاذهب واجلس في مكان لي في الصف الأول.
فإذا فعل وجلس في الصف الأول فله أن يقيمه؛ لأن هذا الذي أقيم وكيل له ونائب عنه.
وظاهر كلام المؤلف أن هذا العمل جائز، أي يجوز لشخص أن ينيب غيره ليجلس في مكان فاضل، ويبقى هذا المنيب حتى يفرغ من حاجاته، ثم يتقدم إلى المسجد.
وفي هذا نظر لما يلي:
أولاً: أن هذا النائب لم يتقدم لنفسه، وربما يراه أحد فيظنه عمل عملاً صالحاً، وليس كذلك.
ثانياً: أن في هذا تحايلاً على حجز الأماكن الفاضلة لمن لم يتقدم، والأماكن الفاضلة أحق الناس بها من سبق إليها.
وظاهر كلام المؤلف أنه يحرم أن يقيم غيره،
ولو كان صغيراً.
والمذهب أنه يجوز أن يقيم الصغير، ويجلس مكانه،
ولكن الصحيح أنه لا يجوز أن يقيم الصغير لما يلي:
أولاً: لعموم النهي: «لا يقيم الرجل أخاه».
ثانياً: لأن النبي ﷺ قال: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به».
وهذا الصبي سابق فلا يجوز لنا أن نهدر حقه،
وأن نظلمه ونقيمه.
ودليل المذهب: قول النبي ﷺ: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى»، وهذا استناد إلى غير مستند؛ لأن المراد بقوله ﷺ :«ليلني منكم أولو الأحلام والنهى» حث أولي الأحلام والنهى أن يتقدموا،
ولو قال:«لا يلني منكم إلا أولو الأحلام» لكان لنا الحق أن نقيم الصغير. ثم نقول: إن في إقامة الصغير عن مكانه مفسدة عظيمة بالنسبة للصغير؛ إذ يبقى في قلبه كراهة للمسجد والتقدم إليه، وكراهة لمن أقامه من مجلسه أمام الناس، ولا سيما إذا كان له تمييز كالسابعة والثامنة.
وهناك مفسدة أخرى غير ما سبق، وهي أننا إذا أقمنا الصغار من الصف الأول، وجعلناهم في صف واحد مستقل فسيلعبون لعباً عظيماً، لكن إذا أبقيناهم في الصف الأول، وصار كل طفل إلى جنب رجل قلَّ لعبهم بلا شك، وهذا القول الراجح هو الذي صوَّبه صاحب الإنصاف، ومال إليه صاحب الفروع، وصرح به المجد جد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله.
وفي الروض يقول رحمه الله :«وكره إيثار غيره بمكانه الفاضل، لا قبوله، وليس لغير المُؤْثَر سبقه».
مثاله: أن تكون في الصف الأول، فأردت أن تتأخر إكراماً لشخص حضر ليجلس في مكانك، فيقول صاحب الروض: إن هذا مكروه.
والدليل على هذا: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا»، فبيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام أن من أهمية الصف الأول أن الناس لو لم يجدوا إلا المساهمة ـ يعني القرعة ـ لاقترعوا عليه، فكيف تؤثر غيرك بهذا المكان، وتتأخر؛ ولأن هذا يدل على أنه ليس عندك رغبة في الخير ولا اهتمام بالشيء الفاضل.
والصحيح في هذه المسألة: أن إيثار غيره إذا كان فيه مصلحة كالتأليف فلا يكره، مثل: لو كان الأمير يعتاد أن يكون في هذا المكان من الصف الأول وقمت فيه، ثم حضر الأمير، وتخلفت عنه، وآثرت به الأمير فلا بأس، بل ربما يكون أفضل من عدم الإيثار.
وما دمنا في الإيثار فإنه ينبغي أن نتكلم عليه فنقول: الإيثار أقسام هي:
١ ـ الإيثار بالواجب: حرام.
٢ ـ الإيثار بالمستحب: مكروه.
٣ ـ الإيثار بالمباح: مطلوب.
٤ ـ الإيثار بالمحرم: حرام على المؤثِر والمؤثَر.
مثال الإيثار بالواجب: رجل عنده ماء لا يكفي إلا لوضوء رجل واحد، وهو يحتاج إلى وضوء، وصاحبه يحتاج إلى وضوء، فهنا لا يجوز أن يؤثره بالماء ويتيمم هو؛ لأن استعمال الماء واجب عليه وهو قادر، ولا يمكن أن يسقط عن نفسه الواجب من أجل أن يؤثر غيره به.
مثال آخر: لو كان شخص في مفازة، ومعه صاحب له، وأتاهما العدو وسلب ثيابهما ولم يبق إلا ثوب واحد، فهنا لا يجوز أن يؤثر صاحبه به، لكن هذه المسألة ليست كالأولى؛ لأنه من الممكن أن يصلي به أولاً، ثم يعطيه صاحبه. ومثال الإيثار بالمستحب: الإيثار بالمكان الفاضل كما لو آثر غيره بالصف الأول فهذا غايته أن نقول: إنه مكروه، أو خلاف الأولى.
ومثال الإيثار بالمباح: أن يؤثر شخصاً بطعام يشتهيه وليس مضطراً إليه، وهذا محمود؛ لأن الله مدح الأنصار رضي الله عنهم بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
وقوله:«لا قبوله» أي: لا يكره قبول الإيثار،
فلو قلت لشخص: تقدم في مكاني في الصف الأول، فإنه لا يكره له أن يقبل ويتقدم.
وقوله:«وليس لغير المؤثر سبقه»، أي: لا يحل لغير المؤثر ـ بفتح التاء ـ سبقه، أي سبق المؤثر.
مثاله: لو آثر زيد عمراً بمكانه فسبق إليه بكر، فإنه لا يحل ذلك لبكر؛ لأن زيداً إنما آثر عمراً.
وأشد منه ما يفعله بعض الناس إذا جاء والصف تام جذب واحداً من الصف، فيتأخر المجذوب من أجل أن يصف معه، فيتقدم ذاك في مكانه؛ لأنه سيؤدي إلى بطلان صلاة المجذوب، ثم هو أحسن إليك وتأخر معك فتسيء إليه هذه الإساءة.
وَحَرُمَ رَفْعُ مُصَلًّى مَفْرُوشٍ مَا لَمْ تَحْضُرِ الصَّلاةُ ..........
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.