فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٨٨٤زاد المستقنعالحنابلةج ١ ص ٧٠ج ١ ص ٧٠

ويدعو في الثالثة فيقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا إنك تعلم منقلبنا ومثوانا وأنت على كل شيء قدير اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة ومن توفيته منا فتوفه عليهما اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله وأوسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وزوجا خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار وأفسح له في قبره ونور له فيه.

الشروح عليها

الروض المربعالبهوتي

(ويدعو في الثالثة) لما تقدم (فيقول: «اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا. إنك تعلم منقلبنا ومثوانا وأنت على كل شيء قدير، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته منا فتوفه عليهما» رواه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة لكن زاد فيه الموفق: «وأنت على كل شيء قدير» ، ولفظ السنة «اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله» بضم الزاي وقد تسكن وهو القرى «ووسع مدخله» بفتح: الميم مكان الدخول وبضمها الإدخال، «واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار» رواه مسلم عن عوف بن مالك أنه سمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول ذلك على جنازة حتى تمنى أن يكون ذلك الميت، وفيه «وأبدله أهلا خيرا من أهله وأدخله الجنة» .

وزاد الموفق لفظ " من الذنوب " (وافسح له في قبره ونور له فيه) لأنه لائق بالمحل،

٦٨٦

وإن كان الميت أنثى أنث الضمير،

٦٨٧

وإن كان خنثى قال: هذا الميت ونحوه، ولا بأس بالإشارة بالأصبع حال الدعاء للميت.

حاشية الروض المربعابن قاسم، حاشية على الروض المربع

للميت، ثم يسلم (ويدعو في الثالثة) لما تقدم أي من قوله: ويخلص الدعاء للميت.

٢٬٤٧٤

وقال عليه الصلاة والسلام «إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء» رواه أبو داود، وصححه ابن حبان، ويدعو بأحسن ما يحضره من الدعاء. قال الموفق: والأولى أن يدعو لنفسه ولوالديه، وللميت، وللمسلمين بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا توقيت فيه، ونص عليه أحمد،

٢٬٤٧٥

وقال: ادع بأحسن ما يحضرك. وأخرج عن أبي الزبير: سألت جابرًا عما يدعى به للميت، فقال: ما أتاح لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر ولا عمر. ومعنى: أتاح؛ قدر، والأمر المطلق بإخلاص الدعاء للميت يقضي بأن يخلص للمسيء كالمحسن،

٢٬٤٧٦

فإن ملابس المعاصي أحوج إلى دعاء الغائب ضد الشاهد، والشاهد الحاضر.

وميتنا وشاهدنا وغائبنا (١) وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأُنثانا المقصود الشمول والاستيعاب، كأنه قيل: اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات. وذكر الصغير لعله لرفع الدرجات.

أحمد والترمذي وابن ماجه، من حديث أبي هريرة وأصله في صحيح مسلم،

٢٬٤٧٧

وفي آخره «اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده» قال ابن القيم وغيره: روي من طرق تدل على أن له أصلاً.

الموفق: وأنت على كل شيءٍ قدير. ولفظة: السنة أي زاد الموفق رحمه الله في المقنع لفظ: وأنت على كل شيء قدير؛ ولفظة: السنة. لكونه لائقًا بالمحل، ونبه عليه ليعلم أنه ليس في متن الحديث.

دارًا خيرًا من داره، وزوجًا خيرًا من زوجه والزوج، بغير هاء، يقال للذكر والأنثى، وقد يقال للمرأة زوجة بالهاء. والمراد بالإبدال الفعلي أو التقديري، أي خيرًا من زوج لو تزوج، إذ منهم من ليس له دار بالدنيا.

وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، وعذاب النار) وهذا من أجمع الأدعية،

٢٬٤٧٨

وقال ابن عبد البر: عذاب القبر، غير فتنته بدلائل من السنة الثابتة.

بالمحل . وإن كان الميت أُنثى أَنث الضمير فيقول: اللهم اغفر لها، وارحمها؛ والأولى أن لا يحول، لعوده على الميت.

الضمير وإن كان خنثى قال: هذا الميت ونحوه كهذه الجنازة، لأنه يصلح لهما، وينبغي عوده على الميت اتباعًا، لإطلاق النص.

الشرح الممتع على زاد المستقنعابن عثيمين

«ويدعو في الثالثة» أي: في التكبيرة الثالثة يدعو بالدعاء المأثور عن النبي ﷺ إن كان يعرفه،

٦٬٦٢٨

فإن لم يكن يعرفه فبأي دعاء دعا جاز، إلا أنه يخلص الدعاء للميت، أي: يخصه بالدعاء.

والدعاء للميت: عام، وخاص، وقد ذكرهما المؤلف رحمه الله، فبدأ بالدعاء العام أوّلاً. «فيقول: اللهم اغفر»، أي: يا الله اغفر، والمغفرة: ستر الذنب مع التجاوز عنه، وليست ستر الذنب فقط، بل ستر وتجاوز، وهي مأخوذة من المغفر الذي يغطى به الرأس عند القتال؛ لأنه يتضمن ستراً ووقاية. «لحينا وميتنا»، أي: لحينا نحن المسلمين، وميتنا كذلك نحن المسلمين، وهذا عام؛ لأنه مفرد مضاف، والمفرد المضاف يعم فيشمل الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد، والشاهد والغائب.

وإنما قلت هذا لتعتبر هذا فيما يأتي. «وشاهدنا وغائبنا»، هذا أيضاً عموم داخل في العموم الأول، والعموم الأول داخل فيه أيضاً أي: يشمل الذكر والأنثى، والصغير والكبير، والحر والعبد، والحي والميت. «وصغيرنا وكبيرنا» كسابقه، فهو عام. «وذكرنا وأُنثانا» كسابقه، فهو عام.

إذا قال قائل: لماذا التطويل والتفصيل؟

قلنا: لأن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط.

والسنّة في الدعاء أن تبسط وتطول لستة أسباب: الأول: أن إطالة الدعاء تدل على محبة الداعي؛ لأن الإِنسان إذا أحب شيئاً أحب طول مناجاته، فأنت متصل بالله في الدعاء، فتطويلك الدعاء وبسطك له دليل على محبتك لمناجاة الله عز وجل.

الثاني: أن التطويل يظهر فيه من التفصيل ما يدل على شدة افتقار الإنسان إلى ربه في كل حال.

الثالث: أن ذلك أحضر للقلب.

الرابع: زيادة الأجر والتعبد لله تعالى؛ فالدعاء عبادة يؤجر عليها الإنسان.

الخامس: أن هذا من باب الإلحاح في الدعاء والله يحب الملحِّين في الدعاء.

السادس: أن بالتطويل في الدعاء قد يذكر شيئاً قد نسيه من الدعاء.

واعتبر هذا بقوله ﷺ :«اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، سره وعلانيته، وأوله وآخره»، «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني»، «اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي»، فهذا فيه تفصيل وعمومات، لكن فائدته ما أشرت إليه من قبل.

٦٬٦٢٩

ولو قيل: إن صلاة الجنازة مبنية على التخفيف؛ ولهذا لا يقرأ فيها دعاء الاستفتاح، فكيف نبسط في الدعاء ونطول؟

فالجواب: أن الدعاء هو مضمون الصلاة، فينبغي البسط فيه،

٦٬٦٣٠

أما دعاء الاستفتاح فإنه لم يرد عن النبي ﷺ أنه كان يستفتح في صلاة الجنازة.

إِنَّكَ تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا وَمَثْوَانَا، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .......... «إنك تعلم منقلبنا ومثوانا»، هذه الجملة تعليل لما سبق، أي: دعوناك بهذا الدعاء، لأننا نعلم أنك تعلم منقلبنا، أي: ما ننقلب إليه، ومثوانا، أي: ما نصير إليه؛ لأن المثوى والمصير معناهما واحد. «وأنت على كل شيء قدير»

٦٬٦٣١

تتمة للدعاء، ولكنها من زيادات بعض الفقهاء؛ لأنها لم ترد في الحديث الوارد عن النبي ﷺ.

ومعناها: أن الله قادر على كل شيء، قادر على أن يوجد المعدوم،

٦٬٦٣٢

وأن يعدم الموجود، وأن يغير الحال من حسن إلى أحسن أو من حسن إلى أردى، وهذه جملة عامة لا يستثنى منها شيء.

وقول صاحب تفسير الجلالين في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *﴾ [المائدة].

قال:«خصّ العقل ذاته فليس عليها بقادر»، فهذا القول منكر، وذلك؛ لأن قوله:«خص العقل ذاته» نقول: أين العقل الذي خصّ ذاته بأنَّهُ ليس قادراً عليها، أليس الله يفعل ما يريد؟!

والفاعل لما يريد يفعل بنفسه؛ فهو قادر على أن يفعل ما شاء وأن يدع ما شاء.

نعم الشيء الذي لا يليق بجلاله لا يمكن أن يكون متعلق القدرة؛ لأن أصل القدرة لا تتعلق به.

كما لو قال قائل: هل يقدر الله على أن يخلق مثله؟

نقول: هذا مستحيل؛ لأن المثلية ممتنعة،

٦٬٦٣٣

فلو لم يكن من انتفاء المماثلة إلا أن الثاني مخلوق والأول خالق.

والأول: واجب الوجود.

والثاني: ممكن الوجود.

ويذكر أن جنود الشيطان جاءوا إليه فقالوا له: يا سيدنا نراك تفرح بموت الواحد من العلماء، ولا تفرح بموت آلاف العباد، فهذا العابد الذي يعبد الله ليلاً ونهاراً يسبّح ويهلل ويصوم ويتصدق لا تفرح بموت الألف منهم فرحك بالواحد من العلماء.

قال: نعم أنا أدلكم على هذا، فذهب إلى عابد فقال له: يا أيها الشيخ هل يقدر الله أن يجعل السموات في جوف بيضة؟

قال العابد: لا. وهذه غلطة كبيرة.

ثم ذهب إلى العالم وقال له: هل يقدر الله أن يجعل السموات في بيضة؟.

قال العالم: نعم، قال: كيف؟ قال: إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون،

٦٬٦٣٤

فإذا قال للسموات: كوني في جوف بيضة كانت، فقال: انظروا الفرق بين هذا وهذا.

فالمهم أنه يجب أن نطلق فنقول: إن الله على كل شيء قدير.

٦٬٦٣٥

فإن قال قائل: عبارة ترد كثيراً عند الناس (إنه على ما يشاء قدير) هل هذا جائز؟.

قلنا: لا يجوز إلا مقيداً؛ لأنك إذا قلت:«إنه على ما يشاء قدير» أوهم أن ما لا يشاء لا يقدر عليه، وهو قادر على الذي يشاء والذي لا يشاء.

لكن إذا قُيِّدَتِ المشيئة بشيء معين صح، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ ، أي: إذا يشاء جمعهم فهو قادر عليه.

٦٬٦٣٦

وكذلك في قصة الرجل الذي أدخله الله الجنة آخر ما كان فقال الله له:«إني على ما أشاء قادر»؛ لأنه يتعلق بفعل معين.

اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلامِ والسُّنَّةِ،

٦٬٦٣٧

وَمَنْ تَوَفَّيتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَيْهِما، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، .......... «اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنّة، ومن توفيته منّا فتوفه عليهما»، هذه الصيغة لم ترد، والوارد:«اللهم من أحييته منّا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان».

فالوارد عن النبي ﷺ أولى أن من أحياه الله يحييه على الإسلام والانقياد التام،

٦٬٦٣٨

ومن أماته فليتوفه على الإيمان.

والحكمة من ذلك: أن الاستسلام الظاهر حين الوفاة قد لا يتمكن الإنسان منه؛ لأنه منهك وفي آخر قواه، فكان الدعاء له بالإيمان في هذه الحال أبلغ؛ ولأن الإيمان هو اليقين، ووفاة الإنسان على اليقين أبلغ.

٦٬٦٣٩

وأما الإسلام فإنه استسلام ظاهر بالعمل، ويكون من المؤمن حقاً،

٦٬٦٤٠

ومن ضعيف الإيمان، ومن المنافق أيضاً.

مسألة: الدعاء الوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام أولى بالمحافظة عليه من الدعاء غير الوارد،

٦٬٦٤١

وإن كان الأمر واسعاً. «اللهم اغفر له وارحمه»، هذا الدعاء الخاص، وبدأ بالدعاء العام؛ لأنه أشمل،

٦٬٦٤٢

أما الخاص فهو خاص بالميت.

وقد وردت السنّة بكل من الدعاء العام والخاص، وقد قال العلماء: يجمع بينهما، لعموم قوله ﷺ :«أخلصوا له الدعاء» فلا بد من تخصيصه بدعاء،

٦٬٦٤٣

وإن كان الدعاء العام يشمله.

والمغفرة: محو آثار الذنوب وسترها، والإنسان محتاج إلى ستر ذنوبه حياً وميتاً.

«وارحمه» أي: بحصول المطلوب.

ولهذا يجمع بين المغفرة والرحمة كثيراً؛ لأن بالمغفرة النجاة من المرهوب، وبالرحمة حصول المطلوب.

وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأَوْسِع مُدْخَلَهُ وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، ...... «وعافه واعف عنه»، أي: عافه مما قد يصيبه من السوء كعذاب القبر مثلاً.

«واعف عنه» أي: تجاوز عنه ما فرط فيه من الواجب في حال حياته.

فالعفو: التسامح والتجاوز عن مخالفة الأوامر.

والمعافاة: السلامة من آثام المحرم.

والمغفرة: محو آثار الذنوب بالمخالفة. «وأكرم نزله»، «نُزُلَهُ»: بالضم، ويقال: نُزْله بالسكون، وهو القِرى، أي: الإكرام الذي يقدم للضيف، والإنسان الراحل هو في الحقيقة قادم على دار جديدة، فتسأل الله أن يكرم نزله أي ضيافته. «وأوسع مدخله»، يقال: مَدخل، ومُدخل، بالفتح وبالضم، فبالفتح: اسم مكان، أي: مكان الدخول، وبالضم: الإدخال، وعلى هذا فالفتح أحسن، أي: أوسع مكان دخوله، والمراد به القبر، أي: أن الله يوسعه له؛ لأن القبر

٦٬٦٤٤

إما أن يضيق على الميت حتى تختلف أضلاعه ـ والعياذ بالله ـ

٦٬٦٤٥

وإما أن يوسع له مد البصر، فأنت تسأل الله أن يوسع مدخله. «واغسله بالماء والثلج والبرد»، الغسل بالماء: أي: استعمال الماء فيما تلوث، وما حصل فيه أذى؛ من أجل إزالة التلويث والأذى.

والمراد بالغسل هنا: غسل آثار الذنوب، وليس المراد أن يغسل شيئاً حسياً؛ لأن الغسل الحسي قد تم بالنسبة للميت قبل أن يكفن.

ولهذا قال:«بالماء، والثلج، والبرد».

أورد بعض العلماء على هذا إشكالاً فقال:

إن الغسل بالماء الساخن أنقى، فلماذا قال:«بالماء، والثلج، والبرد»؟.

والجواب عن ذلك: أن المراد غسله من آثار الذنوب، وآثار الذنوب نار محرقة، فيكون المضاد لها الماء والبرودة.

وقوله:«الثلج والبرد» الفرق بينهما: أن الثلج ما يتساقط من غير سحاب، فيتساقط من الجو مثل الرذاذ ويتجمد.

والبرد: يتساقط من السحاب ويسمى عند بعض أهل اللغة: حب الغمام؛ لأنه ينزل مثل الحب. وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَْبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وأبْدِلْهُ دَاراً خَيراً مِنْ دَارِهِ، وَزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، ........... «ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس»، والوارد في الحديث، «ونقه من الخطايا».

والخطايا: جمع خطيئة، وهي: ما خالف فيها الصواب، سواء كان فعلاً للمحظور أو تركاً للمأمور.

وقوله:«من الذنوب»، لو صح الحديث بلفظ:«الذنوب والخطايا» كما أورده المؤلف. لقلنا: الذنوب: الصغائر، والخطايا: الكبائر.

ولكن الحديث ورد بلفظ «الخطايا» فقط.

وبناء عليه نقول:«الخطايا» هنا تشمل: الصغائر، والكبائر.

وقوله:«كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس»، هذا التشبيه لقوة التنقية، أي: نقه نقاء كاملاً، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وخص الأبيض؛ لأن ظهور الدنس على الأبيض أبين من ظهوره على غيره. «وأبدله داراً خيراً من داره» الدار الأولى دار الدنيا، والثانية دار البرزخ، وهناك دار ثالثة وهي دار الآخرة. «وأبدله داراً خيراً من داره» يشمل الدارين؛ دار البرزخ، ودار الآخرة. «وزوجاً خيراً من زوجه»، أي: سواء كان المصلى عليه رجلاً أم امرأة.

وهناك إشكال؛ لأنه إن كان المصلى عليه رجلاً، وقلنا:«أبدله زوجاً خيراً من زوجه»، فهذا يقتضي أن الحور خير من نساء الدنيا،

٦٬٦٤٦

وإن كان امرأة فإننا نسأل الله أن يفرق بينها وبين زوجها، ويبدلها خيراً منه. فهذان إشكالان؟

٦٬٦٤٧

أما الجواب عن الأول:«أبدله زوجاً خيراً من زوجه»، فليس فيه دلالة صريحة على أن الحور خير من نساء الدنيا؛ لأنه قد يكون المراد خيراً من زوجه في الأخلاق، لا في الخيرية عند الله عز وجل.

وبهذا الجواب يتضح الجواب عن الإشكال الثاني، فنقول: إن خيرية الزوج هنا ليست خيرية في العين، بل خيرية في الوصف، وهذا يتضمن أن يجمع الله بينهما في الجنة؛ لأن أهل الجنة ينزع الله ما في صدورهم من غل، ويبقون على أصفى ما يكون، والتبديل كما يكون بالعين يكون بالصفة، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ .

فالأرض هي الأرض بعينها، لكنها اختلفت،

٦٬٦٤٨

وكذلك السموات.

فإن قيل: إذا كان الميت لم يتزوج فكيف تقول: «وزوجاً خيراً من زوجه»؟.

فنقول: المراد زوجاً خيراً من زوجه لو تزوج.

٦٬٦٤٩

وفي الحديث: زيادة «وأهلاً خيراً من أهله»، لكن حذفها المؤلف رحمه الله. وَأَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ، .......... «وأدخله الجنة» هي: دار المتقين، كما قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ *﴾ [آل عمران]. «وأعذه من عذاب القبر» لأن القبر فيه عذاب، ولكن الله تعالى قد يقي الإنسان عذابه إذا ألح على الله بالدعاء كما أمر النبي ﷺ فقال:«تعوذوا بالله من عذاب القبر».

ولهذا أمر أن يتعوذ الإنسان في كل صلاة إذا تشهد التشهد الأخير، من عذاب القبر، وعذاب النار، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال . «وعذاب النار» معروف.

٦٬٦٥٠

فإن قال قائل: أليس إدخال الجنة يغني عن سؤال أن يعيذه الله من عذاب القبر، وعذاب النار؟

الجواب: لا، فإن الإنسان قد يدخل الجنة بعد أن يعذب في القبر، وبعد أن يعذب بالنار، فأنت تسأل الله أن تدخل الجنة نقياً من عذاب سابق، لا في القبر ولا في النار.

وقوله:«اللهم اغفر له» الضمير للمفرد المذكر،

٦٬٦٥١

فإذا كان الميت أنثى، فهل نقول: اللهم اغفر له، أو نقول: اللهم اغفر لها بالتأنيث؟

الجواب: بالتأنيث؛ لأن ضمير الأنثى يكون مؤنثاً، فنقول: اللهم اغفر لها وارحمها، وعافها، واعف عنها ..... إلى آخر الدعاء.

٦٬٦٥٢

فإن قيل: الحديث ورد بالتذكير فكيف نؤنث الضمير إذا كان الميت أنثى؟

فالجواب: أن هذا الحديث ورد في الدعاء لميت ذكر،

٦٬٦٥٣

ولو أن الرسول ﷺ قال:«إذا صليتم على الميت فقولوا: اللهم اغفر له … إلخ» لتوجه عدم التأنيث، فنأخذ بالنص ونؤوله على ما يناسب الحال.

٦٬٦٥٤

وإن كان المقدم اثنين تقول: اللهم اغفر لهما … وإن كانوا جماعة تقول: اللهم اغفر لهم.

٦٬٦٥٥

وإن كن جماعة إناث تقول: اللهم اغفر لهن.

٦٬٦٥٦

وإن كانوا من الذكور والإناث، فيغلب جانب الذكورية، فتقول: اللهم اغفر لهم، فالضمير يكون على حسب من يدعى له.

ونظير هذا من بعض الوجوه حديث ابن مسعود رضي الله عنه في دعاء الغمّ:«اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك .... ».

والمرأة تقول:«اللهم إني أمتك بنت عبدك بنت أمتك .... ».

٦٬٦٥٧

وإن كان الإنسان لا يدري هل المقدم ذكر أو أنثى، فهل يؤنِّث الضمير أو يذكِّرُه؟.

الجواب: يجوز هذا وهذا، باعتبار القصد،

٦٬٦٥٨

فإن قلت: اللهم اغفر له، أي: لهذا الشخص، أو للميت،

٦٬٦٥٩

وإن قلت: اللهم اغفر لها، أي: لهذه الجنازة. وافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ».

٦٬٦٦٠

وَإِنْ كَانَ صَغِيراً قَالَ:«اللَّهُمَّ اجْعلْهُ ذُخْراً لِوَالِدَيْهِ، وَفَرَطاً، وأَجْراً، وَشَفِيعاً مُجَاباً، .......... «وافسح له في قبره» أي: وسع له؛ لأن الفسحة السعة، وهذا التوسيع ليس توسيعاً محسوساً بحيث يكون قبره متسعاً يملأ المقبرة، لكنه فَسْحٌ غير محسوس إحساساً دنيوياً؛ لأنه من أحوال الآخرة.

وكما ترون في المنام أن الإنسان يرى أنه في مكان فسيح،

٦٬٦٦١

وفي نخيل، وأشياء تبهج نفسه، وهو لا يزال في فراشه، فعذاب القبر يشبه من بعض الوجوه ما يراه النائم،

٦٬٦٦٢

وإن كان أشد منه في كونه حقيقة.

وإنما قلنا ذلك؛ لئلا يورد علينا مورد بأن الناس في قبورهم لا تتسع القبور أكثر مما هي عليه في الواقع؟

فنقول له: هذا أمر غيبي، وليس أمراً حسياً معروفاً. «ونور له فيه»، أي: اجعل له فيه نوراً.

٦٬٦٦٣

قال في الروض:«ولا بأس بالإشارة بالأصبع حال الدعاء للميت»، وهذا فيه نظر!!

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.