ولا زكاة في حليهما المعد للاستعمال "أو العارية"
الشروح عليها
(ولا زكاة في حليهما) أي حلي الذكر والأنثى المباح (المعد للاستعمال أو العارية) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس في الحلي زكاة» رواه الطبراني عن جابر وهو قول أنس وجابر، وابن عمر وعائشة وأسماء أختها، حتى ولو اتخذ الرجل حلي النساء لإعارتهن أو بالعكس إن لم يكن فرارا،
لا زيادة له على هذه المسألة.
زكاة في حليهما) أي حلي الذكر والأنثى المباح وإن لم يستعمله أو يعره، وهذا مذهب مالك، وإحدى الروايتين عن الشافعي، والحلي بضم الحاء وتكسر، والضم أشهر وأكثر، وقد قرئ بهما في السبع، واللام مكسورة، والياء مشددة فيهما، جمع حلي بفتح الحاء وإسكان اللام، ما يزين به، من مصوغ المعدنيان والحجارة.
قول أنس وجابر، وابن عمر وعائشة وأسماء أُختها قال الشيخ وغيره؛
وقال أحمد: فيه عن خمسة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأمر أثر عائشة وابن عمر فرواه مالك، وأسماء وأنس رواه الدارقطني، وكونه لا زكاة فيه هو مذهب مالك والشافعي وأبي عبيد وغيرهم، وذكره الأثرم عن خمسة من التابعين، ولأنه عدل به عن النماء إلى فعل مباح، أشبه ثياب البذلة، وعبيد الخدمة، ودور السكنى،
وعنه: تجب، للعمومات، وحديث المسكتين عند أهل السنن، وحديث عائشة عند أبي داود، وفيهما كلام، وأجيب بالتخصيص أو النسخ، لتظاهر الآثار عن الصحابة، والإجماع على الإباحة،
وقال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء.
ولو اتخذ الرجل حلي النساء لإعارتهن أو بالعكس بأن تتخذ المرأة حلي الرجال لإعارتهم،
وأما تشبه الرجل بالمرأة وعكسه فيحرم للخبر.
«ولا زكاة في حليهما المعد للاستعمال، أو العارية». «حليهما» أي: حلي «الذكر والأنثى»، ولكن لا بد من قيد وهو الإباحة؛ لأن المؤلف
قال في آخر الكلام:«أو كان محرماً ففيه الزكاة».
فتسقط زكاة الحلي بشرطين:
أولاً: أن يكون مباحاً.
ثانياً: أن يكون معداً للاستعمال، أو العارية، سواء استعمل وأعير، أو لم يستعمل ولم يعر.
أما الشرط الأول وهو الإباحة؛ فلأن سقوط الزكاة عن الحلي من باب الرخصة، ومستعمل المحرم ليس أهلاً للرخصة.
مثاله: لو اتخذ الرجل خاتماً من ذهب لوجبت عليه الزكاة في هذا الخاتم إذا بلغ النصاب، أو كان عنده ما يكمل به النصاب؛ لأنه محرم. أو اتخذت امرأة حلياً على شكل ثعبان أو شكل فراشة أو ما أشبه ذلك من صور ذوات الأرواح،
فإن عليها فيه الزكاة؛ لأنه محرم؛ إذ يحرم على الإنسان ما فيه صورة حيوان، أو ما صنع على صورة حيوان.
وأما الشرط الثاني: وهو كونه معداً للاستعمال، أو العارية، أي: للاستعمال الشخصي، أو العارية، وهي بذل العين لمن ينتفع بها ويردها، وهي إحسان محض.
ويخرج بهذا التعريف الإجارة، والرهن، وما أشبه ذلك، ولهذا نقول: إن المستعير لا يملك أن يعير غيره، والمستأجر يملك أن يؤجر غيره بشروط معروفة عند العلماء؛ لأن المستعير مالك للانتفاع، والمستأجر مالك للمنفعة، فمالك المنفعة يتصرف فيها، ومالك الانتفاع لا يتصرف.
فالمعد للاستعمال، أو العارية ليس فيه زكاة.
واستدلوا بما يلي:
١ ـ أنه يروى عن النبي ﷺ أنه قال:«ليس في الحلي زكاة».
٢ ـ قوله ﷺ للنساء يوم العيد:«تصدقن ولو من حليّكن». ٣ ـ أنه قول أنس ، وجابر ، وابن عمر ، وعائشة ، وأسماء ، خمسة من الصحابة رضي الله عنهم.
٤ ـ أن هذا الحلي معد لحاجة الإنسان الخاصة، ولقد قال النبي ﷺ :«ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» وهذا مثل العبد، والفرس، والثياب، وهي لا زكاة فيها.
٥ ـ أن هذا الحلي ليس مرصداً للنماء فلا تجب فيه الزكاة كالثوب والعباءة.
وهذا القول ذهب إليه الإمام أحمد، ومالك، والشافعي رحمهم الله على خلاف بينهم في بعض المسائل، لكن في الجملة اتفقوا على عدم وجوب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال أو العارية. القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد، ومذهب أبي حنيفة: أنَّ الزكاة واجبة في الحلي من الذهب والفضة،
واستدلوا بما يلي:
١ ـ ما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال:«ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، وأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» وهذا عام، والمرأة التي عندها حلي، سواء أكان حلي فضة أو ذهب، صاحبة ذهب أو فضة، وهذا العموم يشمل الحلي وغير الحلي،
ومن قال: إن الحلي خارج منه فعليه الدليل.
٢ ـ ما رواه أهل السنن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:«أن امرأة أتت إلى رسول الله ﷺ ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار، فخلعتهما وألقتهما إلى النبي ﷺ »،
ومن أعلّ رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده بالانقطاع فهو مخطئ، فالأئمة كأحمد، والبخاري، ويحيى بن معين يحتجون به، حتى إنَّ بعض المحدثين قال: إذا صح السند إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فهو كمالك عن نافع عن ابن عمر، لكن هذا مبالغة.
وهذا الحديث له شاهد في الصحيح، وهو ما ذكرناه أولاً وله شاهد أيضاً في غير الصحيح من حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما.
٣ ـ حديث عائشة رضي الله عنها.
٤ ـ حديث أم سلمة رضي الله عنها.
ولا شك أن هذه الأدلة أقوى مِنْ أدلة مَنْ قال بعدم الوجوب.
فإن قال قائل: بماذا نجيب عن أدلة القائلين بعدم الوجوب؟
قلنا: نجيب بما يلي:
أما الحديث:«ليس في الحلي زكاة» فإنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة، فضلاً عن أن يعارض عموم الحديث الصحيح.
ثم إن المستدلين به لا يقولون بموجبه،
فلو أخذنا بموجبه لكان الحلي لا زكاة فيه مطلقاً، وهم لا يقولون بذلك، فيقولون: إن الحلي المعد للإجارة، أو النفقة فيه الزكاة، وهذا معناه أننا أخذنا بالحديث من وجه، وتركناه من وجه آخر، هذا لو صح الحديث.
وأما قوله ﷺ للنساء يوم العيد:«تصدقن ولو من حليكن» فلا دلالة فيه على عدم وجوب الزكاة في الحلي؛ كما لو قلت لآخر قد أعد مالاً للنفقة، وقد بلغ نصاباً: تصدق ولو من نفقتك، فلا يدل ذلك على عدم وجوب الزكاة في هذا المال.
وأما ما روي عن الصحابة الخمسة، فهو لا يقاوم عمومات الأحاديث عن النبي ﷺ ولا سيما أن هناك دليلاً خاصاً في الموضوع، وهو حديث المرأة التي معها ابنتها، فإنه نص في الموضوع، ولا عبرة بقول أحد مع قول رسول الله ﷺ، كما أنها معارضة بآثار غيرهم من الصحابة.
وأما القياس فهو باطل لوجوه:
الأول: أنه في مقابلة النص، وكل قياس في مقابلة النص فإنه يكون فاسد الاعتبار.
الثاني: أنه قياس مع الفارق لأن الأصل في الذهب والفضة وجوب الزكاة، وليس الأصل في الفرس، والعبد، والثياب، وجوب الزكاة فكيف نقيس ما أصله الزكاة، على شيء الأصل فيه عدم الزكاة؟!
الثالث: أنه متناقض؛ لأنه لو كان له عبد قد أعده للأجرة، فليس فيه زكاة،
ولو كان عنده خيل أعدها للأجرة، فليس فيها الزكاة،
ولو كان عنده حلي أعده للأجرة، ففيه الزكاة! وأيضاً لو كان عنده حلي أعده للنفقة ففيه الزكاة،
ولو كان عنده أثاث ونحوه قد أعده للنفقة كلما احتاج باع منه فليس فيه زكاة.
ولو كان عنده ثياب للاستعمال ثم نواها للتجارة فليس فيها زكاة على المذهب
بخلاف الحلي.
إذاً لا يصح القياس،
ومن الغريب أنه على قولهم لا تجب الزكاة في حلي امرأة قد أعدته للتجمل مع كونه من الكماليات وتجب الزكاة في حلي امرأة فقيرة قد أعدته للنفقة، وكان مقتضى الحكمة أن تجب الزكاة على من أعدته للكماليات لا على من أعدته للضروريات.
وأما قولهم: إن الحلي غير مرصد للنماء، فالجواب أن الذهب والفضة لا يشترط فيهما الرصد للنماء بدليل أن الإنسان لو كان عنده دراهم أو دنانير قد ادخرها لا يبيع فيها ولا يشتري وإنما يأكل منها، أو أعدها لزواج أو شراء بيت فتجب فيها الزكاة لوجوبها في عينها.
إيرادات على أدلة القائلين بالوجوب:
أولاً: قالوا: يرد على قولكم: إن قوله ﷺ: «ما من صاحب ذهب ولا فضة» للعموم، أن الرسول ﷺ قال:«في الرقة ربع العشر» والرقة هي الفضة المضروبة؛ لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ فالرقة هي الدراهم، فيحمل قوله ﷺ :«ما من صاحب ذهب ولا فضة» على الفضة المضروبة، والذهب المضروب.
فالجواب على ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أننا لا نسلم أن المراد بالرقة السكة المضروبة؛ لأن ابن حزم رحمه الله قال: الرقة اسم للفضة مطلقاً، سواء ضربت أم لم تضرب،
فإن قلنا: ابن حزم حجة في اللغة فالأمر ظاهر،
وإن قلنا: ليس بحجة، قلنا: إن الرسول ﷺ
قال: «في الرقة في مائتي درهم ربع العشر» وقال: «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة»، فهذا دليل على أن المعتبر مجرد الفضة.
الوجه الثاني: أن نقول: لو سلم أن المراد بالورق الفضة المضروبة دراهم، فذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام لا يعتبر تخصيصاً.
أرأيت لو قلت: أكرم الطلبة، ثم
قلت: أكرم محمداً وهو منهم، فهل هذا يخصص العام أو لا؟.
الجواب: الثاني، فيكرم الجميع، ويكون لمحمد مزية خاصة في الإكرام.
ثانياً: قالوا: إن حديث المرأة وابنتها لا يستقيم الاستدلال به من وجهين:
الوجه الأول: أننا لا نعلم هل بلغ النصاب، أم لا؟ وأنتم تقولون: لا تجب الزكاة فيما دون النصاب.
الوجه الثاني: كيف يقول: «أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار» وهي ـ جاهلة ـ والجاهل معذور لا يهدد.
أجاب عن هذا أهل العلم القائلون بالوجوب بما يلي:
أما الوجه الأول: فأجيب عنه بأجوبة هي:
الجواب الأول: قال سفيان الثوري: تضمه إلى ما عندها، ومعلوم أن الذهب القليل إذا ضم للكثير بلغ النصاب.
الجواب الثاني: قالوا: نحن نوجب الزكاة في الحلي، وسواء بلغ النصاب أم لم يبلغ؛ لظاهر هذا الحديث.
الجواب الثالث: أن في بعض ألفاظ الحديث: «مسكتان غليظتان»، والمسكتان الغليظتان تبلغان النصاب، فتحمل الروايات الأخرى على هذه الرواية، من أجل أن يتحقق اشتراط النصاب.
وأما عن الوجه الثاني: وهو تهديدها بالعذاب وهي جاهلة فأجابوا عن ذلك بوجهين:
أحدهما: أن المقصود تثبيت الحكم بقطع النظر عن الحكم على هذا المعين، وهذا الجواب عميق جداً، وهو أن من منع زكاة الحلي في السوارين فإنه يسور بهما يوم القيامة بسوارين من نار. الثاني: أن التقدير: أيسرك أن يسورك الله بهما بسوارين من نار إن لم تؤدي زكاتهما، فيكون الحديث على تقدير شرط معلوم من الشريعة، وهو أن الوعيد على من لم يؤد الزكاة،
أما من أداها فلا وعيد عليه.
والجواب الأول: وهو أن المراد إثبات الحكم بغض النظر عن هذا المعين، قاعدة مفيدة،
ومن أمثلة هذه القاعدة المفيدة أن النبي ﷺ مرَّ على رجلين في البقيع أحدهما يحجم الآخر، فقال النبي ﷺ :«أفطر الحاجم والمحجوم».
يقول ابن القيم رحمه الله : إنه أورد على شيخه شيخ الإسلام رحمه الله قال: كيف نقول: إن الجاهل لا يفطر، والرسول ﷺ قال:«أفطر الحاجم والمحجوم»؟
فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : إن هذا المراد به إثبات الحكم بقطع النظر عن هذين الشخصين المعينين،
فإذا ثبت الحكم نظرنا في الشخص المعين، وطبقنا عليه شروط لزوم مقتضى هذا الحكم.
وهذا في الحقيقة قاعدة مفيدة لطالب العلم؛ لأن الشرع ليس شرعاً لزيد وعمرو فقط، بل للأمة جميعاً، ونصوصه لا يصادم بعضها بعضاً.
وهذه المسألة؛ أعني زكاة الحلي اختلف الناس فيها كثيراً، وظهر الخلاف في الآونة الأخيرة؛ حيث كان الناس في نجدٍ والحجاز لا يعرفون إلا المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ وهو عدم وجوب زكاة الحلي، ثم لما ظهر القول بوجوب الزكاة في الحلي على يد شيخنا: عبد العزيز بن باز وفقه الله، صار الناس يبحثون في هذه المسألة، وكثر القائلون بذلك وشاع القول بها، والحمد لله، وهذا القول مع كونه أظهر دليلاً وأصح تعليلاً هو متقضى الاحتياط.
فَإِنْ أُعِدَّ لِلْكِرَى، أَوْ للنَّفَقَةِ، أَوْ كَانَ مُحَرَّماً فَفِيهِ الزَّكاة ............
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.