والمحصر إذا لم يجد هديا صام عشرة أيام ثم حل.
الشروح عليها
(والمحصر) يذبح هديا بنية التحلل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} و (إذا لم يجد هديا صام عشرة أيام) بنية التحلل (ثم حل) قياسا على التمتع.
لا زيادة له على هذه المسألة.
أيام بنية التحلل (ثم حل) قياسا على المتمتع أي على هدي التمتع يخير فيه بين صيام أو صدقة، أو نسك ووجه القياس، كون وجوب الهدي فيها بالنص، فلما كان كذلك قاسوا ما يقوم مقامه، على ما نص عليه هناك، ولأنه دم واجب، فكان ذلك بدله، كدم المتعة.
لا زيادة له على هذه المسألة.
«والمحصر إذا لم يجد هدياً صام عشرة»، المؤلف رحمه الله طوى ذكر التصريح بالهدي مع أنه موجود بنص القرآن، ففهم وجوب الهدي من كلام المؤلف، لا بالتصريح لكن باللازم؛ لقوله:«إذا لم يجد هدياً»، فالمحصر يجب عليه الهدي بنص القرآن، قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾، أي: منعتم من إتمام النسك الحج أو العمرة، ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ «ما» هذه موصولة إعرابها مبتدأ، والخبر محذوف والتقدير فعليكم،
فإذا أحصر الإنسان ومنع من إتمام نسكه، فعليه ما استيسر من الهدي.
والمراد الهدي الشرعي المعروف، بأن يكون من بهيمة الأنعام، وبالغاً للسن المقدر شرعاً، وسليماً من العيوب المانعة من الإجزاء.
مسألة: أين يذبح الهدي ومتى؟
يذبحه عند الإحصار، وفي مكان الإحصار،
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ، وقد ساق النبي ﷺ الهدي معه في عمرة الحديبية ، ولكن منعه المشركون أنفة وحميَّة جاهلية، أن يدخل مكة، وهو أولى بها منهم، قال ـ تعالى ـ: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾ مع أنه لو جاء رجل مشرك من أقصى مكان ومن أبعد العرب عن بني هاشم أو قريش لفتحوا له الأبواب، ولكن الله عز وجل سلط رسوله ﷺ عليهم ففتحها عنوة بالسيف، ولولا أنه قال:«من دخل البيت فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، لقتلهم الصحابة في الأسواق.
مسألة: وهل عليه حلق؟
الجواب: ظاهر كلام المؤلف أنه لا حلق عليه، لكن السنة دلت على وجوب الحلق؛ لأن النبي ﷺ أمرهم أن يحلقوا، فتمنَّعوا رجاء ألا ينفذ النبي ﷺ الصلح الذي جرى بينه وبين قريش؛ لأن ظاهره الغضاضة على المسلمين؛ لأن من جملة الشروط أن من جاء منهم مسلماً وجب على المسلمين رده،
ومن ذهب من المسلمين إليهم لم يجب عليهم رده، وهذا شرط فيه غضاضة عظيمة على المسلمين، ولهذا عارض من عارض من الصحابة رضي الله عنهم،
ومن جملتهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال:«يا رسول الله ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نعطي الدنيَّة في ديننا؟
قال: يا عمر إني رسول الله، ولست عاصيه وهو ناصري»، انظر إلى ثقة النبي ﷺ بالله عز وجل حيث قال: وهو ناصري؛ لأن الله تكفل بنصر من أطاعه، فذهب عمر إلى أبي بكر ليساعده على رسول الله فيكون معه، ولكن كان جواب أبي بكر كجواب الرسول ﷺ سواء.
ومن هنا نعرف أن أبا بكر رضي الله عنه أقرب إلى إصابة الصواب من عمر رضي الله عنه؛ لأنه وافق الرسول ﷺ في هذا وحصل ما حصل، فكانت النتيجة أن يحلوا من عمرتهم بدل: لبيك اللهم لبيك، فانقطعت التلبية وأمرهم النبي ﷺ أن يقصروا ولكنهم أبوا رجاء لتغيير الرأي، وليس عصياناً، رضي الله عنهم.
فدخل الرسول ﷺ على أم سلمة رضي الله عنها وكانت امرأة عاقلة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت: اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك، فيحلقك، ففعل ثم قاموا ففعلوا مثل فعله، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمًّا ، انظر كيف كان الاقتداء بالفعل أعظم من الاقتداء بالقول.
ففي هذا الحديث دليل على وجوب الحلق،
وإن لم يكن مذكوراً في القرآن، لكن جاءت به السنة، والسنة تكمل القرآن.
وقوله:«صام عشرة ثم حل» يقتضي وجوب الصوم وأنه لا يحل حتى يصوم العشرة ثم يحل، ودليلهم في ذلك القياس على التمتع؛ لأن كلًّا منهما ترفه بالتحلل من الإحرام.
لكن هذا القياس قياس مع الفارق ومخالف لظاهر النص.
ووجه ذلك أن الحكمين في آية واحدة، حكم الإحصار وحكم التمتع، ومنزل الآية واحد، وعالم بالأحكام ـ جل وعلا ـ،
وقال في الإحصار: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ﴾ فانتقل إلى حكم آخر ولم يذكر الصوم.
ولو كان الحكم واحداً، فهل يذكر الله عز وجل البدل في التمتع ولا يذكره في الإحصار؟!
الجواب: لا يمكن؛ لأنه لما سكت الله عز وجل عن الصيام في الإحصار، وأوجبه في التمتع لمن عدم الهدي، دل على أن من لم يجد الهدي من المحصرين، فليس عليه شيء فيحل بدون شيء.
ثم إن الظاهر من حال كثير من الصحابة رضي الله عنهم أنهم فقراء، ولم ينقل أن النبي ﷺ أمرهم بالصيام، والأصل براءة الذمة،
وفي كفارة القتل أوجب الله عتق الرقبة،
وقال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ذكر خصلتين فقط،
وفي كفارة الظهار أوجب الله عز وجل عتق الرقبة فقال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ ، فذكر ثلاث خصال ولم يقيسوا كفارة القتل على كفارة الظهار، في وجوب الإطعام على من لم يستطع الصوم، مع أنهما في آيتين متباينتين متباعدتين، وقالوا: لو كان الإطعام واجباً إذا لم يستطع الصوم، لذكره الله كما ذكره في آية الظهار.
فنقول هنا: لو كان الصيام واجباً على من عدم الهدي في الإحصار لذكره الله، وهذا وجه كونه مخالفاً للنص.
أما كونه مخالفاً للقياس، فنقول: بينهما فرق عظيم، فالمتمتع ترفه بالتحلل من العمرة، لكن حصل له مقصوده بالحج، والمحصر لم يحصل له مقصوده، فكيف يقاس من حصل له مقصوده على وجه التمام، بمن لم يحصل له مقصوده، فالمتمتع وجب عليه الهدي،
فإن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع لكمال النعمة،
بخلاف المحصر فإن منزلته منزلة العفو.
فظهر بذلك الفرق بينهما، وأنه لا يصح قياس أحدهما على الآخر.
وعلى هذا نقول: المحصر يلزمه الهدي إن قدر، وإلا فلا شيء عليه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.