الخامس: أن يوجد غالبا في محله "ومكان الوفاء لا وقت العقد"
الشروح عليها
(الخامس: أن يوجد) المسلم فيه (غالبا في محله) بكسر الحاء أي: وقت حلوله لوجوب تسليمه إذا،
فإن كان لا يوجد فيه أو يوجد نادرا كالسلم في العنب والرطب إلى الشتاء لم يصح، (و) يعتبر أيضا وجود المسلم فيه في (مكان الوفاء) غالبا، فلا يصح أن أسلم في ثمرة بستان صغير معين أو قرية صغيرة، أو في نتاج من فحل بني فلان أو غنمه، أو مثل هذا الثوب؛ لأنه لا يؤمن تلفه وانقطاعه، و (لا) يعتبر وجود المسلم فيه (وقت العقد) لأنه ليس وقت وجوب التسليم،
أيضًا وجود المسلم فيه في (مكان الوفاء) غالبًا لم أرهم ذكروا هذه العبارة، لا في الفروع، ولا في الإنصاف، ولا في الإقناع، ولا في المنتهى، واستغربه غير واحد من الأصحاب.
يصح إن أسلم في ثمرة بستان صغير معين عباراتهم مطلقة، لم يقيدوا البستان بالصغر، قال ابن المنذر: إبطال السلم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه، كالإجماع من أهل العلم،
ولابن ماجه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أما في حائط بني فلان فلا» أي لا يجوز السلم، وقد كانوا في المدينة حين قدم عليهم يسلمون في ثمار النخيل بأعيانها، فنهاهم عن ذلك، لما فيه من الغرر، إذ قد تصاب تلك النخيل بعاهة، فلا تثمر شيئًا.
و (لا) يعتبر وجود المسلم فيه (وقت العقد) بل يجوز أن يسلم في الرطب في أوان الشتاء،
وفي كل معدوم إذا كان يوجد عند المحل، وهذا مذهب مالك، والشافعي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم وهم يسلفون في الثمار السنة والستين، فقال: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم» الحديث، ولم يذكر الوجود،
ولو كان شرطًا لذكره، ولنهاهم عن السلف سنتين، ولأنه يثبت في الذمة، ويوجد في محله غالبًا، أشبه الموجود.
فيه (وقت العقد) لأنه ليس وقت وجوب التسليم أي حتى يعتبر وجود المسلم فيه حال العقد، بل يصح السلم، سواء كان المسلم فيه موجودًا حال العقد أو معدومًا.
«الخامس: أن يوجد غالباً» لأنه لا يمكن أن نقول يقيناً؛ لأن هذا الأمر مستقبل، والمستقبل لا يمكن لأحد أن يحكم عليه حكماً يقينياً. «في محله ومكان الوفاء» ـ أيضاً ـ لا بد أن يكون المسلم فيه مما يوجد غالباً في محله، أي: في وقت حلوله. وقوله:«ومكان الوفاء» هذا مكان الحلول، فاشترط المؤلف أن يوجد المسلم فيه في الزمن والمكان عند الحلول؛
فإن جعله إلى وقت لا يوجد فيه المسلم فيه فإنه لا يصح، مثل أن يسلم إليه في عنب يحل في الشتاء فهذا لا يصح؛ لأن العنب في الشتاء لا يوجد، لكن في وقتنا الحاضر يمكن أن يوجد بواسطة الثلاجات، فيكون كلام الفقهاء رحمهم الله مقيداً بهذا، فمتى وجد في محله ومكان الوفاء فإنه يصح.
وقوله:«ومكان الوفاء» ليس مكان العقد؛ لأنه ربما نتعاقد في عنيزة والوفاء يكون في الرياض، فلا بد أن يكون في الرياض، فالعبرة بمكان الوفاء لا مكان العقد. والدليل على هذا الشرط ما يفيده حديث ابن عباس رضي الله عنهما :«كانوا يسلفون في الثمار السنة والسنتين»، ومعلوم أن الإسلاف في الثمار إنما يكون في مكان وجودها، إذ كيف يسلف الإنسان في الثمار في مكان هي غير موجودة فيه؟! هذا من جهة،
ومن جهة أخرى التعليل؛ لأنه إذا لم يوجد في مكان الوفاء، وزمن الوفاء، أدى ذلك إلى التنازع والخصومة بين المسلم والمسلم إليه. «لا وقت العقد» يعني لا يشترط أن يكون المسلم فيه موجوداً وقت العقد؛ وذلك لأن المسلم فيه متعلق بالذمة لا بشيء معين،
فإذا حدده بأجل يوجد فيه، فإنه لا يشترط أن يكون موجوداً وقت العقد وإنما نص على ذلك «لا وقت العقد»؛ لنفي الخلاف في هذه المسألة،
فإن من أهل العلم من قال يشترط أن يكون المسلم فيه موجوداً في وقت العقد وفي وقت الوفاء، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله ولكن لا دليل عليه.
فإن كان لا يوجد في وقت الوفاء لكن يوجد في مكان آخر، فظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح؛ وذلك لما يترتب عليه من المشقة في تحصيله من مكان آخر.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.