ولا يلزم الرهن إلا بالقبض
الشروح عليها
(ولا يلزم الرهن) في حق الراهن (إلا بالقبض) كقبض المبيع؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} ولا فرق بين المكيل وغيره، وسواء كان القبض من المرتهن أو من اتفقا عليه، والرهن قبل القبض صحيح وليس بلازم، فللراهن فسخه والتصرف فيه،
فإن تصرف فيه بنحو بيع أو عتق بطل، وبنحو إجارة أو تدبير لا يبطل؛ لأنه لا يمنع من البيع.
(ولا يلزم الرهن) في حق الراهن (إلا بالقبض) قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: الراجح - الذي عليه كثير من العلماء أو أكثرهم - أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وقبض كل شيء هو المتعارف، وقبض الدار والعقار: هو تسلم المرتهن له، ورفع يد الراهن عنه، هذا هو القبض بالإجماع.
قال: فإذا أراد صاحبها أن يأكل أموال الناس بالباطل، ويخون في أمانته لمسألة اختلف فيها، فالرجوع إلى الفتوى بقول الجمهور، وكان أفتى بالقول الثاني لضرورة،
فإن رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسوله في إيجاب العدل، وتحريم الخيانة، فهذا هو الأقرب قطعًا،
وإن رجعنا إلى كلام غالب العلماء فهم لا يلزمون ذلك إلا برفع يد الراهن، وكونه في يد المرتهن.
في حق الراهن (إلا بالقبض) . كقبض المبيع هذا تمثيل للقبض، لا تشبيه، لأن البيع يلزم إذا لم يكن ثم خيار،
وإن لم يقبض المبيع، ويكون تشبيهًا على القول الثاني بلزوم الرهن بالقبض كالبيع.
بالقبض) . كقبض المبيع لقوله تعالى {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} أي فارتهنوا ممن تدينونه رهونا مقبوضة، لتكون وثيقة لكم بأموالكم، قال ابن رشد: اتفقوا في الجملة على أن القبض شرط في الرهن، للآية، ولأنه عقد إرفاق، يفتقر إلى القبول، فافتقر إلى القبض، كالقرض.
فإن تصرف فيه بنحو بيع أو عتق بطل أي فإن تصرف الراهن في الرهن قبل إقباضه، بنحو بيع، من أي عقد كان يخرج به عن ملكه، بطل الرهن. أو تصرف فيه بعتق بطل الرهن،
وكذا لو رهنه ثانيًا، بطل الرهن الأول، سواء أقبض الثاني أو لا، لخروجه عن إمكان استيفاء الدين من ثمنه، ثم البائع مخير، بين إمضاء البيع بلا رهن، أو الفسخ.
بطل أو بنحو إجارة، أو تدبير لا يبطل أي وإن تصرف الراهن في الرهن، تصرفا لا يخرجه عن ملكه، بنحو إجارة قبل إقباضه، لم يبطل الرهن، أو بنحو تدبير وكتابة وتزويج الأمة قبل القبض، لا يبطل الرهن بذلك.
«ولا يلزم الرهن إلا بالقبض»«لا يلزم» أي: في حق من هو لازم في حقه وهو الراهن، إلا بالقبض من المرتهن، يعني لا بد أن يقبض المرتهن الرهن، فلا يلزم بمجرد العقد،
فإن لم يقبضه فالعقد صحيح، لكنه ليس بلازم.
دليل هذا: قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ، فوصفها بأنها مقبوضة.
وقول النبي ﷺ :«الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدَّرِّ يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة»، وهذا يدل على أن المرتهن يقبض الرهن؛ ولأن الرسول ﷺ لما رهن درعه لليهودي أقبضه إياه ،
فإذا كان كذلك فإنه لو لم يقبضه لم يكن الرهن لازماً.
والتعليل أنه لا يتم الاستيثاق إلا بقبض الرهن؛ لأنه قبل القبض على وشك أن يتصرف الراهن فيه بأخذ شيء منه أو بيعه وما أشبه ذلك، وهذا هو المشهور من المذهب، وعلى هذا فإذا رهن شخص بيتاً بدين عليه، ولكن المرتهن لم يقبضه، فللراهن أن يبيع البيت ويتصرف فيه؛ لأن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، ولا قبض هنا، وهذا أحد القولين في هذه المسألة.
القول الثاني: أنه يلزم بالعقد في حق من هو لازم في حقه، بدون قبض وأن القبض من التمام؛ لأننا متفقون على أن الرهن يثبت بالعقد فإذا كان كذلك فقد قال الله تبارك وتعالى : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ، وهذا يدخل فيه عقد الرهن سواء قبض المرهون أم لم يقبض.
وقوله ـ تعالى ـ ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ ، لأن جميع الناس يستقبحون هذا، أي: أن يرهنه ويعطيه ثقةً، ثم بعد ذلك يبيع ويفسخ الرهن، وأيضاً فإننا لو قلنا بعدم اللزوم، لكان في ذلك فتح باب لكل متحيِّل، يتحيل عليه بعدم القبض، ثم إذا تم العقد والرهن ذهب فباعه، وما كان ذريعة إلى الباطل فهو باطل، وهذا القول هو الراجح، للأدلة التي ذكرت.
وأما قوله ـ تعالى ـ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ، فليقرأ الإنسان ما بعدها، حيث قال ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾،
فإن آخر الآية يدل على أنه إذا حصل الائتمان بيننا فإنه لا يجب رهن ولا إشهاد ولا كتابة، وأيضاً ظاهر الآية أنه لا يجوز الرهن إلا في حال السفر، وأنتم ترون جوازه في السفر والحضر وهو الحق، وإنما نص الله ـ تعالى ـ على القبض في المسألة الأولى؛ لأنه لا يمكن أن يتمكن من التوثقة حق التمكن إلا إذا قبض، فهو على سفر، وليس عنده كاتب فلا يتوثق من حقه إلا بالرهن المقبوض؛
لأنه إذا لم يقبضه فإنه يجوز أن ينكر المدين الرهن، كما أن الرهن إنما كان من أجل ألا يحصل هناك تناكر بين البائع والمشتري، وعلى هذا فنقول: ليس في الآية ما يدل على أن القبض شرط، وإنما يدل على أن القبض من كمال التوثقة؛
لأن الله ـ تعالى ـ ذكره في صورة معينة: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾،
ثم أعقب ذلك بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ .
أما الحديث وهو:«الظهر يركب بنفقته، ولبنُ الدَّرِّ يشرب بنفقته» فهذا نعم، نقول بموجبه إذا قبض، وهل هذا يدل على أن القبض شرط للزوم؟
الجواب: لا، وكذلك نقول في مسألة رهن النبي ﷺ درعه عند اليهودي ، فالصواب أنه يلزم بمجرد العقد وهو الذي عليه عمل الناس من قديم الزمان ـ وهو خلاف المذهب ـ فتجد الفلاح يستدين من الشخص ويرهن مزرعته وهو باقٍ في المزرعة، ويستدين صاحب السيارة من شخص ويرهن السيارة والسيارة بيد صاحبها، وكلٌ يعرف أن هذا المرهون لا يمكن أن يتصرف فيه الراهن،
وأن الرهن لازم، ولا يملك الراهن أن يفسخه.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.