وعلى رب المال ما يصلحه كسد حائط وإجراء الأنهار والدولاب ونحوه.
الشروح عليها
(وعلى رب المال ما يصلحه) أي: ما يحفظ الأصل، (كسد حائط وإجراء الأنهار) وحفر البئر (والدولاب ونحوه) كآلته التي تديره ودوابه، وشراء ما يلقح به، وتحصيل ماء وزبل والجذاذ عليهما بقدر حصتيهما، إلا أن يشترطه على العامل، والعامل فيها كالمضارب فيما يقبل ويرد وغير ذلك. [فصل في المزارعة] فصل
لا زيادة له على هذه المسألة.
(كسد حائط (٧) وإجراء الأَنهار) . وحفر البئر أي على رب المال، ليتوفر الماء.
وحفر البئر (والدولاب ونحوه) كآلته التي تديره، ودوابه أي وعلى رب المال تحصيل الدولاب، وهو ما تديره الدولاب،
وكذا آلاته التي تديره، ونحوه ما في معناه من أي آلة كانت، وعليه أيضًا تحصيل دوابه التي تديره،
وقال الموفق وغيره: الأولى أن البقر التي تدير الدولاب على العامل، كبقر الحرث، والعمل بالعادة أولى.
والعامل فيها كالمضارب فيما يقبل، ويرد، وغير ذلك أي والعامل في المساقاة،
وكذا المزارعة كالمضارب، فيما يقبل قوله فيه، وفيما يرد قوله فيه، فيقبل قوله أنه لم يتعد ونحوه، لأن رب المال ائتمنه بدفع ماله إليه، ويقبل قوله في غير ذلك، كمبطل لعقدها، وجزء مشروط،
وإن اتهم حلف، صوبه في الإنصاف،
فإن خان فمشرف يمنعه، وإن تعذر فعامل مكانه، قولا واحدًا،
وإن عجز ضم إليه قوي، أو من يقوم مقامه، قال الشيخ: ويتبع في الكلف السلطانية العرف، ما لم يكن شرط، وما طلب من قرية من كلف سلطانية ونحوها فعلى قدر الأموال،
فإن وضع على الزرع فعلى ربه، أو على العقار فعلى ربه، ومطلقا فعادة.
كالمضارب فيما يقبل، ويرد، وغير ذلك . فصل أي في أحكام المزارعة، وهي مشتقة من الزرع، وتسمى مخابرة، ومواكرة، والعامل فيها مزارع، ومخابر، ومواكر، والأصل في جوازها السنة، والإجماع القديم، والحاجة الداعية إلى ذلك، قال الشيخ: المزارعة آصل من الإجارة، لاشتراكهما في المغنم والمغرم؛
وقال ابن القيم: أبعد عن الظلم والغرر من الإجارة،
فإن أحدهما غانم ولابد، وأما المزارعة فإن حصل الزرع اشتركا فيه، وإلا اشتركا في الحرمان.
ذلك . فصل (وتصح المزراعة) لحديث خيبر السابق ولفظه: عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع، وعامل به الخلفاء الراشدون من بعده.
«وعلى رب المال ما يصلحه» أي: ما يصلح المال، يعني ما يعود بصلاح النخل على رب المال، وما يعود بتصريفه على العامل. «كسد حائط» أي: إذا انثلم سور البستان يسده صاحب البستان، لا العامل؛ لأن هذا تابع لإصلاح البستان، فيكون على رب المال. «وإجراء الأنهار» وهذا ـ أيضاً ـ على رب المال، والآن ليس عندنا أنهار، ومقابل إجراء الأنهار إخراج الماء، وإخراج الماء عندنا استخراجه بالمكاين، وهذا يكون على العامل، لكن حفر البئر على رب المال، هذا هو العرف، والعرف المطرد كالشرط اللفظي، يعني الاطراد العرفي كالشرط اللفظي، فما دام الناس اطرد عندهم أن حفر الآبار على رب المال،
وأن استخراج الماء على الفلاح العامل، فإننا نمشي على ما كان الناس عليه. «والدولاب ونحوه» الدولاب هو آلة استخراج الماء من البئر ونحوه، ويستعمل بدل الدولاب الرحى، حيث يستعمل الدولاب في الآبار، والرحى تستعمل في الأنهار، وقد مر علينا استعمال الرحى في باب خيار التدليس، حيث قال المؤلف:«وجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها»، وهذا يشبه التدليس في تصرية اللبن في ضرع بهيمة الأنعام.
وعلى هذا يكون الدولاب في المساقاة على صاحب الأصل، وإدارة الدولاب، وتحريكه أي: تشغيله يكون على العامل.
وقوله:«ونحوه» يعني مما يحتاجه الأصل لو قال قائل: أين في كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ أن هذا عليه كذا أو عليه كذا؟.
نقول: المرجع في ذلك إلى العرف،
وذلك على القاعدة المعروفة:
وكُلُّ ما أَتَى ولَمْ يُحَدَّدِ بالشَّرعِ كالحِرْزِ فبِالْعُرْفِ احْدُدِ فإذا كان العرف مطرداً فبها ونعمت، وهذا هو المطلوب، ونمشي على ما جرى عليه العرف،
وإذا لم يكن مطرداً، وجب على كل منهما أن يُبَيِّن للآخر ما عليه وما له حتى لا يقع نزاع؛ لأنه من المعلوم أن المتعاقدين عند أول الدخول في العقد، يكون كل واحد منهما مشفقاً، وربما ينسى أو يتناسى بعض الشروط، ويقول: هذا هَيِّن، لكن نقول: هذا لا يجوز، فلا بد أن يكون الشيء واضحاً بيّناً؛ لأنه ربما يحدث نزاع ثم لا نستطيع أن نؤلف بين الطرفين. فصلٌ وَتَصِحُّ المُزَارَعَةُ بِجُزْءٍ مَعْلوم النِّسْبَةِ ممَّا يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ لرَبِّها أَوْ لِلعَامِلِ وَالبَاقِي للآخَرِ،
ولا يُشْتَرطُ كَوْنُ البَذْرِ والغِراسِ مِنْ ربِّ الأَرْضِ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ.
«فصل: وتصح المزارعة بجزء معلوم النسبة» المزارعة هي أن يدفع أرضاً لمن يزرعها بجزء من الزرع.
والفرق بينها وبين المساقاة أن المساقاة على الشجر، والمزارعة على الزرع، والفرق بين الشجر والزرع أن ما له ثمر وساق وأغصان يسمى شجراً، وما ليس كذلك فإنه يسمى زرعاً.
مثال الزرع: القمح، والذرة، والشعير، والأرز، وما أشبه ذلك.
وإباحتها من حكمة الشرع، وتيسير الإسلام، فقد يكون عند الإنسان أرض بيضاء لا يستطيع زرعها،
وفي مقابل ذلك عمال ليس لهم ما يكتسبون، فيأخذون هذه الأرض ويزرعونها، فيكون في ذلك مصلحة لصاحب الأرض وللعامل، وهذا لا شك أنه من محاسن الإسلام.
وقوله:«وتصح المزارعة بجزء معلوم النسبة» اعلم أن كل صحيح فهو جائز، يعني إذا قيل: يصح، فالمعنى أنها جائزة؛ لأن الصحة
فرع عن الجواز في الحكم الشرعي لا الوضعي.
وهل كل محرم غير صحيح؟
الجواب: يُنْظَر، فإذا عاد التحريم إلى ذات الشيء، فهو غير صحيح،
وإن عاد إلى أمر خارج فهو صحيح، فتلقي الركبان ـ مثلاً ـ: محرم، والشراء من الركبان حرام، لكن البيع صحيح؛ لأنه لا يعود إلى جهالة المبيع، ولا إلى الربا، وإنما يعود إلى خوف تغرير البائع الذي لم يقدم البلد ولم يدرِ عن الأسعار، ولهذا قال النبي ﷺ :«فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار».
وقوله:«بجزء» هذا شرط خرج به ما لو دفع الأرض لمن يزرعها مجاناً، فهذه لا تسمى مزارعة؛ لأن الزرع كله للعامل.
مثال ذلك: رجل عنده أرض، وله صديق عاطل، فقال له: يا فلان خذ أرضي، وازرعها واسترزق الله بها، بدون أي سهم لصاحب الأرض، فهذه لا تسمى مزارعة، وإنما هي منحة منحها صاحب الأرض لمن يعمل فيها فلا تصح مزارعة؛ لأن المزارعة نوع من المشاركة، لكنها تبرع.
وقوله:«معلوم النسبة» خرج به المجهول،
فلو قال: خذ هذه الأرض مزارعة ببعض الزرع، فهذا لا يجوز؛ لأن البعض مجهول، فلا بد أن يُحَدِّد.
وأيضاً لا بد أن يكون معلومَ النسبة يعني أن علمه نسبي، وليس بالتعيين، فالنسبة أن يقول: ربع، ثلث، عُشر، وما أشبه ذلك، احترازاً من المعلوم بالتعيين، والمعلوم بالتعيين لا تصح معه المزارعة، مثل أن يقول: لك الجانب الشرقي من الأرض، ولي الجانب الغربي، فهذا لا يجوز؛ لأنه قد يسلم هذا ويهلك هذا أو بالعكس.
والقاعدة في المشاركة أن يتساوى الشريكان في المغنم والمغرم،
فلو قال: لك الزرع هذا العام، ولي زرع العام القادم فلا يصح ـ أيضاً ـ لتعيين الزمن لأحدهما دون الآخر، والمثال الذي قبله تعيين المكان لأحدهما دون الآخر.
لو قال: لك ما تزرعه من شعير ولي ما تزرعه من بُر، فهذا لا يصح؛ لأنهما لم يشتركا في النوع.
لو قال: إن زرعتها شعيراً فلك النصف،
وإن زرعتها بُرّاً فلك الربع فهذا يصح؛ لعدم الإشكال فإن زرعها براً له سهم معلوم وهو الربع،
وإن زرعها شعيراً فله سهم معلوم وهو النصف.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.