ويعرف الجميع بالنداء في مجامع الناس- غبر المساجد- حولا
الشروح عليها
(ويعرف الجميع) وجوبا؛ لحديث زيد السابق، نهارا (في مجامع الناس) كالأسواق وأبواب المساجد في أوقات الصلوات؛ لأن المقصود إشاعة ذكرها وإظهارها؛ ليظهر عليها صاحبها (غير المساجد) فلا تعرف فيها، (حولا) كاملا، روي عن عمر وعلي وابن عباس، عقب الالتقاط؛ لأن صاحبها يطلبها إذا، كل يوم ثم أسبوعا ثم عرفا، وأجرة المنادي على الملتقط.
لا زيادة له على هذه المسألة.
عليها صاحبها . (غير المساجد) فلا تعرف فيها لأن المساجد لم تبن لذلك، وعمر رضي الله عنه أمر واجد اللقطة بتعريفها على باب المسجد، وذكر القسطلاني: لعله إذا وقع التعريف برفع الصوت، لخبر: من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك.
أما لو سأل الجماعة في المسجد بدون ذلك فلا تحريم، ولا كراهة، فالله أعلم.
(حولا) كاملا روي عن عمر، وعلي، وابن عباس رضي الله عنهم، وللخبر وهو مذهب مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي،
وإن أخره حولا أو بعضه بغير عذر أثم ولم يملكها به.
«ويعرف الجميع» يعني جميع ما يجوز التقاطه، الحيوان وغير الحيوان،
أما غير الحيوان فقد ثبت بالسنة؛ لأن النبي ﷺ قال:«اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة»،
وأما الحيوان فقد اختلف العلماء في وجوب تعريفه، فمنهم من قال بوجوب التعريف كما هو كلام المؤلف حيث قال:«ويعرف الجميع»، ومنهم من قال: إنه لا يجب أن يعرفه؛ لأن النبي ﷺ
قال في الشاة يجدها الرجل:«هي لك أو لأخيك أو للذئب»، و «أو» هنا للتخيير، فهي لك إن شئت ألا تعرفها أو لأخيك إن عرفتها فوجدها، أو للذئب إن شئت ألا تأخذها ولا تعرفها فهي للذئب يأكلها، ولكن الصحيح ما ذهب إليه المؤلف أنه يجب أن يعرف الجميع، الحيوان وغير الحيوان.
وقوله:«ويعرِّف» أي: يطلب من يَعْرِفها. «في مجامع الناس» مثل أسواق البيع والشراء، بل وما كان خارج باب المسجد عند خروج الناس من الصلاة، لا سيما صلاة الجمعة مثلاً، فيعرف الجميع.
وكيفية التعريف، أن يقول: من ضاع له المال؟ ولا يعين؛ لأنه لو عيَّن وقال: من ضاع له كذا
وكذا ويفصل، لكان ذلك سبيلاً إلى أن يدعيه أي شخص، ولكن يعمم.
وهل يجب عليه أن يذكر النوع عند الإنشاد، كأن يقول مثلاً: من ضاعت له الدراهم بدلاً من أن يقول: من ضاع له المال؟
الظاهر أنه يجب عليه؛ لأنه إذا قال: من ضاع له المال؟ فقد يتصوره الإنسان غير الذي ضاع له، لكن إذا قال: من ضاعت له الدراهم؟ صار هذا أقرب لفهم المقصود،
وكذلك يقال لو أنه وجد حلياً،
فلو قال: من ضاع له الذهب؟
فإن الناس أول ما يقع في قلوبهم أنه الدنانير، لكن إذا قال: من ضاع له الحلي؟ صار هذا أقرب إلى فهم المخاطب، فيذكر أقرب ما يكون من إدراك الناس له، لكن لا يذكر كل الأوصاف حتى لا يدعيه من ليس له.
فمثلاً إذا وجد دراهم وقال: من ضاعت له الدراهم فإنه يجوز؛ لأنه إذا قال أحد: أنا، سيقول له: كم عددها؟ وما نوعها؟ هل من فئة خمسة، أو من فئة عشرة أو من فئة خمسين، أو من فئة مائة، أو من فئة خمسمائة؟ وهل هي دراهم سعودية أو هل هي دراهم بلد آخر؟ ثم العدد، ثم الكيس إذا كانت في كيس، كل هذا يحددها، إنما يذكر أقرب وصف يمكن للمخاطب أن يعرفه بدون أن يفصل؛
لئلا يدعيها من ليست له.
والتعريف يجب أن يكون فوراً،
فلو أخره فهو آثم ويضمنها ضمان غصب. «غير المساجد»
أما المساجد فلا يجوز إنشاد الضالة فيها، بل قد أمر النبي ﷺ من سمع الذي ينشد الضالة في المسجد فليقل:«لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبنَ لهذا» وهذا من باب التعزير، كما أمر النبي بعدم تشميت العاطس إذا لم يحمد ،
فإذا رأى الإنسان أنه إذا أقام هذا التعزير عُزِّر هو فلا يقدم ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
والحديث يحتمل أن الرسول ﷺ أراد أن نقول كل الجملة «لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا»، ويحتمل أنه قال ذلك تعليلاً للحكم، وكأن سائلاً يسأل: لماذا نقول هذا الكلام؟ قال: لأن المساجد لم تبن لهذا، وعليه فلينظر للمصلحة، إذا كان من المصلحة أن يقولها فليقلها تطميناً لنفسه وقلبه وبياناً للعلة والحكمة، وهذا أحسن؛ لأنك لو قلت:«لا ردها الله عليك» وصِحْت به، سيكون في قلبه شيء، لكن إذا قلت:«فإن المساجد لم تبن لهذا» اطمأن.
ولو فتح المجال للناس أن ينشدوا الضوال في المسجد لامتلأت المساجد من أصوات الناشدين، وألهوا الناس عن ذكر الله وعن الصلاة، فصار الدليل في هذا أثرياً ونظرياً.
وقوله:«غير المساجد» يعم كل ما كان مسجداً،
وأما المُصَلَّيات فلا تدخل في هذا، كما لو نشد الضالة في مصلّىً في دائرة من الدوائر فلا حرج عليه؛ لأن هذا المصلّىً ليس مسجداً؛ ولهذا لا يصح فيه الاعتكاف، وليس له تحية مسجد،
ولا يحرم على الجنب المكث فيه، ولا على الحائض، فهو بمنزلة مصلى الإنسان في بيته. «حولاً» يعني عاماً كاملاً، واعلم أنه إذا أطلق العلماء رحمهم الله الحول أو العام أو السنة فمرادهم بالهلال، أي: السنة الهلالية؛ لأن السنة الهلالية هي السنة الحقيقية التي وقَّتها الله لعباده، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ وهذه التواريخ التي بنيت على أشهر غير هلالية هي في الحقيقة أوهام غير منضبطة بشيء معين، ولهذا تجد بعضها يصل إلى واحد وثلاثين يوماً،
والثاني إلى ثمانية وعشرين يوماً مثلاً، فهذه ليست مبنية على أصل، لكن الأشهر الهلالية مبنية على أصل جعله الله ـ تعالى ـ للناس كما قال الله ـ تعالى ـ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ فكلما رأيت في كلام أهل العلم حولاً، أو سنة، أو عاماً، فالمراد بالهلال.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على أنها تعرَّف حولاً؟
قلنا: ما ثبت عن النبي ﷺ أنه
قال في اللقطة: «اعرف عفاصها، ووكاءها، ثم عرِّفها سنة» فبيَّن الرسول ﷺ أنها تُعَرَّف سنة، ونعلم علم اليقين أن الرسول ﷺ لا يريد أن يبقى ليلاً ونهاراً يعرِّف، فيرجع في ذلك إلى العرف، وقد اجتهد بعض العلماء فقال: يُعَرِّفها في الأسبوع الأول كل يوم، ثم كل أسبوع مرة لمدة شهر، ثم في كل شهر مرة، وهذا التقدير اجتهاد ليس عليه دليل، ولكن الأولى أن يرجع في ذلك إلى العرف.
وإذا وجد اللقطة في مكان بين قريتين، هل يعرفها في واحدة منهما أو فيهما كلتيهما؟
ينظر، إذا كانت هذه السلعة ـ مثلاً ـ معروفة في البلد الشرقي، وليست معروفة في البلد الغربي فإنه يعرفها في البلد الغربي؛ لأن عادة الناس جرت أنَّهم يجلبون السلع إلى المكان الذي تقل فيه، وعلى هذا نقول: هذه السلعة اشتراها مَنْ في البلد الغربي من البلد الشرقي، فنعرفها في البلد الغربي.
فإذا كانت السلعة موجودة في القريتين جميعاً على حد سواء فهل ننظر للأقرب أو للأبعد؟
إن تساويا فنقول: عرِّف فيهما جميعاً، في هذه وهذه؛ لأن احتمال أنه من هذه وارد، واحتمال أنه من هذه وارد، والقرعة هنا لا تتأتى.
فإن كانت إلى إحداهما أقرب، فالظاهر أنه يلزمه أن يعرفها في الأقرب ولا يلزمه في البعيد؛ لأن القريب من المكان له حكم ما قرب منه، ولهذا لما حضرت الوفاة من كان قتل مائة نفس وسأل عابداً وقال إنه قتل تسعة وتسعين نفساً، فهل له من توبة؟ فقال له: ما لك من توبة، فقتله، ثم سأل عالماً فقال له: لك توبة، من يحول بينك وبين التوبة؟! ولكنه أرشده إلى بلد آخر ليس بلد ظلم، وسافر مهاجراً إلى الله، ونزل به الموت في أثناء الطريق، فأرسل الله إليه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، حكمة من الله عز وجل، وإلا فالله ـ تعالى ـ يعلم، فتخاصمت الملائكة، ملائكة الرحمة تقول: نقبض روحه؛
لأنه تاب وخرج وغادر بلده، وملائكة العذاب تقول: نقبض روحه؛ لأنه لم يصل إلى بلد التوبة، فأرسل الله ملكاً يفصل بينهما،
وقال: قيسوا فإلى أيهما كان أقرب فهو من أهلها، فقاسوا فوجدوه إلى القرية التي هاجر إليها أقرب، حتى إنه لما حضره الموت جعل ينوء بصدره وهو في سياق الموت إلى البلد التي كان قد قصدها، وأوحى الله إليها أن تقرَّبي وإلى الأخرى أن تباعدي، فصار أقرب إلى التي قصدها بشبر ، فتولت روحه ملائكة الرحمة، فربما يؤخذ من هذا أن البلد الأقرب يعطى الحكم ويمنع البلد الأبعد. «ويملكه» أي: الواجد.
«بعده» أي: بعد تمام الحول. «حكماً» أي قهراً بدون أن يختار، كما يملك الوارث مال مورثه ـ أي: بدون اختيار ـ وهذا هو المذهب.
وهناك قول آخر: أنها لا تدخل في ملكه إلا إذا شاء، وعلى هذا القول تبقى في يده أمانة،
فإذا تلفت من غير تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان عليه.
وعلى المذهب لو تلف هذا الموجود بعد الحول، أو قبل الحول، هل يختلف الحكم؟
نعم يختلف الحكم، إن تلف قبل الحول بتعدٍّ منه فعليه الضمان، وبغير تعدٍّ فلا ضمان عليه؛ لأنه إذا كان متعدياً فهو كغيره من المعتدين يضمن،
وإذا كان غير متعدٍّ فهو أمين؛ لأن اللقطة الآن بيده على أنها لصاحبها، فيده يد أمانة،
فإذا تلف المال بيده بلا تعدٍّ فلا ضمان عليه.
وإذا تلفت بعد الحول فعليه الضمان سواء تعدى أم لم يتعدَّ؛ لأنها دخلت في ملكه الآن وصارت في ضمانه؛ لأن الشيء الذي في ملكك هو في ضمانك،
فإذا دخلت في ملكه وصارت في ضمانه،
فإن عليه ضمانها بكل حال إذا وجد صاحبها.
وقيل: لا يضمنها إذا لم يتعدَّ أو لم يفرط، فيكون الحكم واحداً، وهذا هو الأقرب؛ لأن الرجل دخلت في ملكه قهراً عليه بغير اختياره، فهي في الحقيقة كأنها ما زالت في ملك صاحبها إذا كان لا يريدها، فكيف يقول: أنا لا أريد أن تدخل ملكي وأبرأ إلى الله منها، ونقول: هي في ملكك،
وفي ضمانك؟! فيه شيء من الصعوبة، فالقول الراجح في هذه المسألة أنه لا ضمان عليه إذا لم يتعدَّ أو يفرط.
وهناك قول ثالث: أنه لا يضمن على كل حال؛ لأنها ما دامت دخلت ملكه فهي ملكه،
فلو ذبح الشاة ـ مثلاً ـ أو أنفق المال فليس عليه شيء؛ لأنه ملكه،
وإذا جاء صاحبها يطلبها، قال له: أنا أنشدتها لمدة سنة وتمَّت السنة فملكتها.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.