فإذا قال: والله لا وطئتك أبدا أو عين مدة تزيد على أربعة أشهر أو حتى ينزل عيسى, أو يخرج الدجال, "أو حتى تشربي الخمر أو تسقطي دينك أو تهبي مالك" ونحوه فمؤل.
الشروح عليها
(فإذا قال) لزوجته (والله لا وطئتك أبدا، أو عين مدة تزيد على أربعة أشهر) كخمسة أشهر (أو) قال: والله لا وطئتك (حتى ينزل عيسى) ابن مريم - عَلَيْهِمَا السَّلَامُ - (أو) حتى (يخرج الدجال أو) غياه بمحرم أو ببذل مالها، كقوله: والله لا وطئتك (حتى تشربي الخمر أو تعطيني دينك أو تهبي مالك ونحوه) أي: نحو ما ذكره (فـ) هو (مؤل) تضرب له مدة الإيلاء للآية
لا زيادة له على هذه المسألة.
(أو) حتى (يخرج الدجال (٩) أو) غياه بمحرم كحتى تتركي صلاة الفرض، أو تسقطي ولدك، أو حتى تزني ونحو ذلك مما مثل وغيره.
الدجال (٩) أو) غياه بمحرم أو ببذل مالها كحتى تسقطي صداقك، ونحوه.
لا زيادة له على هذه المسألة.
«فإذا قال: والله لا وطئتك أبداً» هذه جملة قَسَمية، الواو حرف قسم، وجواب القسم «لا وطئتك» وهو فعل ماضٍ،
فإن قيل: كيف يقول: والله لا وطئتك؟ نقول: إن فعل الماضي إذا وقع جواباً للقسم مقروناً بـ «لا» صار بمعنى المستقبل، فقوله:«والله لا وطئتك» كقوله: والله لا أطؤك،
بخلاف ما لو وقع مقروناً بـ «ما» مثل: والله ما وطئتك، فهذا يكون للماضي.
فإذا قال:«والله لا وطئتك أبداً» فهو مولٍ؛ لأن أبداً تزيد على أربعة أشهر.
وكذلك لو قال:«والله لا وطئتك» فهو مولٍ. «أو عَيَّن مدة تزيد على أربعة أشهر» مثل أن يقول: والله لا وطئتك لمدة مائة وواحد وعشرين يوماً، فهذه المدة تزيد على أربعة أشهر يوماً واحداً، فهو مولٍ. «أو حتى ينزل عيسى» أي: قال: والله لا وطئتك حتى ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام من السماء، فهل هذه المدة تزيد على أربعة أشهر؟ الله أعلم، لكن هذا هو الغالب، مثل ما يقول الناس: والله ما أكلم فلاناً حتى تقوم الساعة، فهذا يعتبر كالتأبيد.
وسبق لنا بالنسبة لنزول عيسى عليه السلام أنه ينزل نزولاً حقيقياً إلى الأرض، وهو حي الآن؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ،
وأما قوله: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ فالمعنى مُنِيمُك، كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾
وقيل: معناها ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: قابضك، كما يقول القائل: توفيت دَيني، أي: قبضته، وليست وفاة النوم، هذا هو الصحيح؛ لأن عيسى ابن مريم عليه السلام ينزل في آخر الزمان كما جاءت الأحاديث، وصحت عن رسول الله ﷺ. «أو يخرج الدجال»«الدجال» صيغة مبالغة من الدجل، وهو الكذب والتمويه، وهذا الدجال يكون في آخر الزمان، يخرج قبل نزول عيسى عليه الصلاة والسلام، ويدعي أول ما يخرج النبوة، ثم يدعي الربوبية، ثم يعطيه الله عز وجل تمكيناً يفتتن به من شاء الله، فإنه يأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت،
فإذا تبعه أهل البادية فإنه ترجع عليهم إبلهم أسبغ ما تكون درّاً، وأوفر ما تكون سِمَناً،
وإذا عصوه أو كذبوه أصبحوا ممحلين، تتبعه أنعامهم كأنها النحل ، هذا الدجال ـ والعياذ بالله ـ فتنته عظيمة، ولهذا أمر النبي ﷺ من سمعه أن ينأى عنه، وقال:«إن الرجل يأتيه فيحسب أنه مؤمن، ثم لا يزال به حتى يفتنه، فمن سمع به فلينأَ عنه»، ففتنته عظيمة جداً، لكن أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن معه جنة وناراً، ولكن جنته نار وناره ماء طيب عذب، ولكنه يموه على الناس، ولهذا سمي الدجال، ويمكث في الأرض أربعين يوماً، اليوم الأول كسنة، اثني عشر شهراً،
والثاني كشهر، والثالث كأسبوع، والرابع كسائر أيامنا،
ولما حدث النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث، قالوا: يا رسول الله اليوم الواحد يكفينا فيه صلاة واحدة؟ قال:«لا، اقدروا له قدره»، فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أننا نصلي في هذا اليوم صلاة سنة كاملة،
وفي هذا إبطال لقول أهل الفلك أن الأفلاك ما تتغير لا بانشقاق، ولا بتأخر، ولا بتقدم، وهذا بناء منهم على أنها أزلية، والأزلي أبدي لا يتغير، ولكنهم كذبوا فإن الأفلاك مخلوقة لله عز وجل يتصرف فيها كما يشاء سبحانه وتعالى.
فإذا قال المولي: حتى يخرج الدجال، فالمدة تزيد على أربعة أشهر غالباً.
أَوْ حَتَّى تَشْرَبِي الخَمْرَ، أَوْ تُسْقِطِي دَيْنَكِ، أَوْ تَهَبِي مَالَكِ، وَنَحْوَهُ فَمُولٍ،
فَإِذَا مَضَى أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَمِينِهِ ـ وَلَوْ قِنّاً ـ فإِنْ وَطِئَ وَلَوْ بِتَغْيِيبِ حَشَفَةٍ فَقَدْ فَاءَ، وَإِلاَّ أُمِرَ بالطَّلَاقِ، .......................... «أو حتى تشربي الخمر» قال: لا وطئتك حتى تشربي الخمر، وهذا ليس معناه أن الخمر حلال، لكن لو فرض أن الزوج قاله، وإلا فحرام عليه أن يقول مثل هذا القول؛ لأن هذا قد يحدوها إلى شرب الخمر إذا اشتاقت إلى زوجها، وهذا قد يقع من بعض السفهاء يكون هو ـ والعياذ بالله ـ مفتوناً بشرب الخمر، فيقول: والله ما أطؤك حتى تشربي الخمر، نقول: هذا يؤمر بالجماع ـ كما سيأتي إن شاء الله ـ وإلا يفسخ النكاح منه.
وظاهر كلام المؤلف مطلقاً، ولكن ينبغي أن يحمل على ما إذا لم تكن نصرانية أو يهودية؛ لأنهم يعتقدون حلَّ شرب الخمر، فهي تشربه،
فإذا قال: والله لا أطؤك حتى تشربي الخمر لا تمتنع. «أو تسقطي دَينك» هذا الزوج يقترض من زوجته، فزوجته مدرِّسة، كلما جاء الراتب قال: اقرضيه لي، حتى اجتمع عنده ثلاثون ألفاً، أو أربعون ألفاً، فقال: والله ما أطؤك حتى تسقطي دينك عليّ، فهذا إيلاء؛ لأنه ما له حق أن يجبرها على أن تسقط دينها، سواء كان هذا الدين عليه أو على غيره، حتى لو كان الدين على صاحبٍ له،
وقال: والله لا أطؤك حتى تسقطي الدين الذي على فلان لك، قلنا: هذا حرام،
ولا يجوز وأنت مولٍ. «أو تهبي مالَكِ» قضاء الدين وهبة المال بينهما فرق، قال: والله ما أطؤك حتى تعطيني حُلَّتك، فهذا هبة مال، أو تعطيني حليك، أو ما أشبه ذلك، فإنه يعتبر إيلاء؛ لأنه يحرم عليه أن يجبرها على هبة المال.
وفي هذه الحال لو أعطته أو أسقطت دينها فإن يلزمه أن يطأ؛ لأنه علقه على فعل شيء حصل. «ونحوه» يعني ونحو ما ذكر مما يضرها، أو يحرم عليها شرعاً، أو يمتنع عليها حِسّاً،
فإذا علق وطأها بما يمتنع حِسّاً أو شرعاً أو يشق عليها ويضرها، فإنه يكون مولياً بذلك،
فلو قال: لا أطؤك حتى تطيري من هنا إلى مكة، فهذا مستحيل، ولا تقل: يمكن أن تطير بالطيارة؛ لأنه بالطيارة ليست هي التي طارت، لكنه طِير بها، وهو يقول: حتى تطيري أنت. «فمول» خبر لمبتدأ محذوف، مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة، هذا هو المولي فما حكمه؟
قال المؤلف:
«فإذا مضى أربعة أشهر من يمينه ـ ولو قنّاً ـ فإن وطئ ولو بتغييب حشفة فقد فاء، وإلا أُمر بالطلاق» يقول المؤلف: يُضرب له أربعة أشهر، وهل ابتداؤها من المطالبة أو من الإيلاء؟ كلام المؤلف صريح في أن الابتداء من الإيلاء لا من المطالبة، والدليل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ، و «تربص» مبتدأ و «للذين» خبر مقدم، فجعل الله التربص مقروناً بوصف وهو الإيلاء، وهذا الوصف يثبت من اليمين، إذاً فالآية تدل على أن ابتداء المدة من اليمين؛
لأنه من حين أن يحلف يصدق عليه أنه مولٍ، وقد قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ فإذا آلى في اليوم السابع والعشرين من شهر محرم ولم تطلبه إلا في السابع والعشرين من شهر ربيع الأول، فيكون مضى عليه شهران، فهل تبدأ المدة من سبع وعشرين ربيع الأول، وتكمل أربعة أشهر فتكون ستة أشهر من اليمين، أو تكمِّل شهرين فقط؟ الجواب: تكمِّل شهرين فقط؛ لأن هذا الرجل من سبع وعشرين محرم صار مولياً، وقد قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.
وقوله:«أربعة أشهر» هذا مبني على القول بأن الرجل لا يلزمه أن يجامع زوجته إلا في كل أربعة أشهر مرة، فلا يجب إذاً على هذا القول أن يجامع زوجته في السنة إلا ثلاث مرات، مع أنه رجل شاب وهي شابة، يقولون: ليس لها حق إلا في كل أربعة أشهر مرة، لكن هذا القول في غاية الضعف؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ، وليس من المعروف أبداً أن يبقى الزوج مع زوجته الشابة، وهما حديثا عهد بعرس، ويجامعها أول ليلة، ثم إذا تزينت له وأرادت منه ما تريده المرأة من زوجها، قال: اصبري، بقي أربعة أشهر، فهل هذا من المعاشرة؟!
لا، ليس من المعاشرة، ولهذا فالقول الراجح في هذه المسألة أنه يجب أن يجامع زوجته بالمعروف، إلا إذا كان هناك سبب، كضعف فيه، أو مرض أو شيء في الزوجة يتكره منه أو ما أشبه ذلك.
وقوله:«ولو قناً» إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: إن القن يجعل له نصف المدة، كما أن القنة عدتها نصف العدة، والصواب: أن القن والحر واحد.
وقوله:«فإن وطئ ولو بتغييب حشفة» ولو لم ينزل؛ لأنه يصدق عليه أنه وطئ، ولهذا يجب به الغسل، ويثبت به المهر، ويلحق به النسب، وتترتب عليه جميع الأحكام المرتبة على إيلاج جميع الذكر،
فإذا كان كذلك فإنه إذا حصل الإيلاج ولو بقدر الحشفة فإنه يثبت الرجوع، ويقال: إن هذا الرجل فاء يعني رجع، ولكن هل يحصل به كمال اللذة؟ لا،
ولو أن الرجل صار لا يجامع زوجته إلا بمقدار الحشفة لقلنا: إنه لم يعاشرها بالمعروف،
وإذا كان قد جاء في الحديث أن الرسول ﷺ قد نهى الرجل أن ينزع قبل أن تقضي المرأة حاجتها ولا يعجلها ، فكيف نقول: إن هذا الرجل قد فاء إلى المعاشرة بالمعروف لمجرد أنه غيب الحشفة؟!
وقوله:«فقد فاء» اختار كلمة «فاء» موافقة للقرآن: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
وقوله:«وإلا أمر بالطلاق» يعني وإلا يفعل قال له الحاكم: طلق، لكن هل يأمره بالطلاق وإن لم تطلب المرأة ذلك؟
الجواب: ظاهر كلام المؤلف أنه يأمره بالطلاق وإن لم تطلب، لكن هذا غير مراد، بل لا حق له أن يأمره بالطلاق حتى تطلب المرأة؛ لأن الحق لها، وهي قد تقول: أنا أرضى أن أبقى معه وإن لم تحصل الرجعة؛ لأنها تريد أن تبقى في بيتها وعند أولادها وفي سكنها،
لكن إذا طلبت قالت: إما أن يرجع أو يطلق، أمره الحاكم بالطلاق.
فَإِنْ أَبَى طَلَّقَ حَاكِمٌ عَلَيْهِ وَاحِدَةً أَوْ ثَلاثاً أَوْ فَسَخَ،
وَإِنْ وَطِئَ فِي الدُّبُرِ أَوْ دُونَ الْفَرْجِ فَمَا فَاءَ،
وَإِن ادَّعَى بَقَاءَ الْمُدَّةِ، أَو أَنَّهُ وَطِئَهَا، وَهِيَ ثَيِّبٌ، صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ،
وإِنْ كَانَتْ بِكْراً أَوِ ادَّعَتِ الْبَكَارَةَ وَشَهِدَ بِذلِكَ امْرَأَةٌ عَدْلٌ صُدِّقَتْ، .....................................
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.