ولا لمزوجة بأجنبي من محضون "من حين عقد"
الشروح عليها
(ولا) حضانة (لمزوجة بأجنبي من محضون من حين عقد) للحديث السابق ولو رضي زوج
لا زيادة له على هذه المسألة.
حضانة (لمزوجة بأجنبي من محضون من حين عقد) لأن الزوج يملك منافعها بمجرد العقد، يستحق منعها من الحضانة، أشبه ما لو دخل بها، والأجنبي هنا: هو من لم يكن من عصبات المحضون،
فإن كانت تزوجت بقريب محضونها،
ولو كان غير محرم له، لم تسقط حضانتها. قال ابن القيم: لو أراد الإضرار والاحتيال على إسقاط حضانة الأم فسافر ليتبعه الولد فهذه حيلة مناقضة لما قصده الشارع، فإنه جعل الأم أحق بالولد من الأب، مع قرب الدار وإمكان اللقاء كل وقت لو قضي به للأب، وقضى أن لا توله والدة على ولدها، وأخبر أن من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة، ومنع أن تباع الأم دون ولدها، والولد دونها،
وإن كانا في بلد واحد، فكيف يجوز مع هذا التحيل، على التفريق بينها وبين ولدها، تفريقا تعز معه رؤيته ولقاؤه، ويعز عليها الصبر عنه وفقده، وهذا من أمحل المحال، بل قضاء الله ورسوله أحق أن الولد للأم سافر الأب أو أقام.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنت أحق به ما لم تنكحي» فكيف يقال أنت أحق به، ما لم يسافر الأب، وأين هذا في كتاب الله؟ أو في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ أو فتاوى أصحابه؟ أو القياس الصحيح؟ فلا نص ولا قياس، ولا مصلحة،
قال في المبدع: هو مراد الأصحاب،
وفي الإنصاف، صورة المضارة لا شك فيه، وأنه لا يوافق على ذلك.
«ولا لمزوجة بأجنبي من محضون» أي: لا حضانة لمزوجة بأجنبي من محضون، وهو من ليس قريباً له، وهذا ليس بشرط لكنه وجود مانع.
مثاله: امرأة طلقها زوجها وكان له منها طفل، فهنا الأم أحق بالحضانة ما لم تتزوج،
فإذا تزوجت الأم بزوج أجنبي من المحضون سقطت حضانتها لقوله ﷺ :«أنت أحق به ما لم تَنكحي»،
أما إذا كان الزوج من أقارب المحضون فإن حضانة الأم لا تسقط.
والدليل على أن التزوج بغير الأجنبي لا يسقط الحضانة قصة ابنة حمزة رضي الله عنهما حينما خرجت مع النبي ﷺ تنادي: يا عم يا عم، فأخذها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأعطاها فاطمة، فقال لها: دونك ابنة عمك، فنازعه في ذلك جعفر بن أبي طالب، ونازعهما زيد بن حارثة فقال علي: إنها ابنة عمي وأنا أحق بها،
وقال جعفر: إنها ابنة عمي، وخالتها تحتي،
وقال زيد: إنها ابنة أخي، لأنه ﷺ آخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، فقضى بها رسول الله ﷺ لخالتها، وقال:«الخالة بمنزلة الأم» فأخرجها عن كل الثلاثة، ولكن رسول الله ﷺ لحسن خلقه طيَّب نفس كل واحد منهم، فقال لعلي بن أبي طالب:«أنت مني وأنا منك»،
وقال لجعفر:«أشبهت خَلْقِي وخُلُقِي»، وقال لزيد:«أنت أخونا ومولانا».
وهذا لا يعارض قوله ﷺ :«أنت أحق به ما لم تنكحي»؛ لأن الجمع ممكن فيحمل حديث ابنة حمزة على أن الزوج ليس أجنبياً من المحضون، لأنه ابن عمها،
وأما حديث:«أنت أحق به ما لم تنكحي»، فهذا إذا كان الزوج أجنبياً من المحضون، وبهذا تجتمع الأدلة، وما أكثر ما تتأيم المرأة لأجل طفل واحدـ فلا تتزوج خوفاً من أن يأخذه الأب، وهذا في الحقيقة من نقص عقل المرأة؛ لأن الذي ينبغي لها أن تتزوج، والذي أتى بالولد الأول يأتي بأولاد آخرين، وربما يلقي الله في قلبها من محبتهم أكثر من الطفل الثاني، وربما أن الأب لا يطالب بالولد، وربما يوجد من يتوسط بينهما.
ثم إن أهل العلم رحمهم الله اختلفوا في علة كون النكاح مسقطاً لحضانة الأم، فقال بعض العلماء: لما في ذلك من المنة على الطفل المحضون، إذا عاش تحت حضن هذا الزوج الجديد، وكل إنسان لا يرضى أن يكون ابنه تحت رجل أجنبي.
وقال آخرون: بل العلة في ذلك الحفاظ على حق الزوج الجديد، وبناءً على هذا التعليل الأخير لو أن الزوج الجديد وافق على أن يبقى الطفل محضوناً مع أمه لم يسقط حقها، ولكن ما ذكره فقهاؤنا رحمهم الله وهو أقرب التعليلات ـ أن العلة كون هذا الزوج الجديد أجنبياً من المحضون،
وإذا كان أجنبياً ربما لا يرحمه ولا يبالي به ضاع أم استقام. «من حين عقد» أي: بمجرد عقد الزواج يسقط حق الأم،
وإن لم يحصل دخول، حتى لو اشترط على الزوج الثاني أن لا دخول إلا بعد تمام الحضانة،
فإن حقها يسقط؛ لأن العبرة بالعقد،
ولو قيل: إن العبرة بالدخول، وأنها لو اشترطت على زوجها الجديد عدم الدخول حتى تنتهي الحضانة
فلو قيل: إنه في هذه الحال لم تسقط الحضانة لم يكن بعيداً؛ لأن الزوج الجديد لا سلطة له على الزوجة في هذه الحال، ولا يملك تسلمها، ولا يملك أن تنشغل به عن ابنها.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.