فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الروض المربعالبهوتي

باب القسامة] وهي لغة: اسم القسم أقيم مقام المصدر من قولهم: أقسم إقساما وقسامة. وشرعا: (أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم) ، روى أحمد ومسلم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، ولا تكون في دعوى قطع طرف ولا جرح.

و

لا زيادة له على هذه المسألة.

حاشية الروض المربعابن قاسم، حاشية على الروض المربع

القتل . باب القسامة وهي لغة: اسم القسم والجماعة يقسمون على الشيء، ويأخذونه.

ولا تكون في دعوى قطع طرف ولا جرح أي: فلا تكون القسامة في دعوى قطع طرف، ولا في دعوى جرح لأنها ثبتت، على خلاف الأصل في النفس لحرمتها فاختصت بها، قال الموفق، بلا خلاف. وعدها بعضهم عشرة شروط، لصحة القسامة، أحدها: اللوث، من التلوث، وهو التلطخ، يقال: لاثه في التراب، ولوثه ولو كان خطأ أو شبه عمد.

لا زيادة له على هذه المسألة.

الشرح الممتع على زاد المستقنعابن عثيمين

بَابُ الْقَسَامَةِ وَهِيَ أَيْمَانٌ مُكَرَّرَةٌ فِي دَعْوَى قَتْلِ مَعْصُومٍ. مِنْ شَرْطِهَا اللَّوْثُ، .... «القسامة»: مأخوذة من القسم وهو اليمين.

وأصل القسامة أن عبد الله بن سهل بن زيد الأنصاري رضي الله عنه خرج هو ومُحَيِّصة بن مسعود بن زيد الأنصاري رضي الله عنه في جماعة إلى خيبر بعد أن فتحت، يمتارون ـ أي: يشترون ـ التمر، فتفرقوا وكلٌّ ذهب إلى حائط ونخل، فوجد محيصةُ عبدَ الله بن سهل يتشحَّط في دمه قتيلاً، فقال لليهود: قتلتم صاحبنا، فقالوا: ما قتلناه، فرفع الأمر إلى النبي ﷺ فقال: أتحلفون خمسين يميناً وتستحقون دم صاحبكم؟

٢١٬٧٩٥

وفي رواية: تحلفون على رجل منهم أنه قتله، فقالوا: يا رسول الله كيف نحلف ونحن لم نر ولم نشهد؟! فأخبرهم أن اليهود يحلفون خمسين يميناً، فقالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فوداه النبي ﷺ من عنده ، وهذا دليل على أنهم لو حلفوا لملكوا قتله.

وقد كانت القسامة معروفة في الجاهلية، فأقرها النبي ﷺ على ما كانت عليه في الجاهلية ، وهذا دليل على أن المعاملات التي عند الكفار إذا كانت موافقة للشرع فإنه يؤخذ بها، كما أن المضاربة في الأموال كانت معروفة في الجاهلية وأقرها الإسلام. «وهي أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم» صفة القسامة أن يدعي قومٌ أن مورِّثَهم قتله فلان، ويحلفون على أنه هو القاتل، ويكررون الأيمان،

٢١٬٧٩٦

فإذا فعلوا ذلك وتمت شروط القسامة أُعطي المدَّعَى عليه لهؤلاء يقتلونه، فليس فيها بيِّنة، وإنما فيها هذه الأيمان فقط.

ويظهر تعريفها بالمثال:

ادعى ورثة زيد على شخص بأنه هو الذي قتل مورثهم، فقال الشخص: لم أقتله، وقالوا: بل أنت القاتل، ثم تحاكموا إلى القاضي، فقال لهم: أتحلفون على هذا أنّه قتل مُورِّثكم؟ قالوا: نعم، نحلف،

٢١٬٧٩٧

فإذا حلفوا خمسين يميناً على هذا الرجل أنه قاتل مورثهم، أُخذ وقتل.

والقسامة في الحقيقة فيها مخالفة لغيرها من الدعاوِي من وجوه ثلاثة:

الأول: قبول قول المدَّعِي فيها وجعل اليمين في جانبه.

الثاني: تكرار الأيمان فيها.

الثالث: حَلِفُ المدَّعِي على شيء لم يره، ومع ذلك فإنها حكم شرعي.

٢١٬٧٩٨

أما الوجه الأول وهو أنه أخذ فيه بقول المُدَّعِي وجعل اليمين في جانبه، فإنها لم تخالف الأصول عند التأمل؛ لأنّك إذا تأملت الأصول وجدت أن اليمين إنما تشرع في الجانب الأقوى، يعني في جانب أقوى المتداعيين، فليست دائماً في جانب المدَّعَى عليه، فأحياناً تكون في جانب المدَّعَى عليه، وأحياناً تكون في جانب المدَّعِي، فينظر للأقوى من الجانبين وتشرع في حقه، بدليل أن أهل العلم قالوا: لو تنازع الرجل والمرأة في أواني البيت، فقالت المرأة: هذه لي،

٢١٬٧٩٩

وقال الرجل: هذه لي، فالذي يصلح للرجل يكون له بيمينه، فمثلاً دلة القهوة لو قال الرجل: هي لي، وقالت المرأة: هي لي، فإنه يقبل قول الرجل «المدعي» حتى لو كانت الدلّة في يد المرأة، فنقول للرجل: احلف أنها لك وخذها؛ لأن جانبه أقوى.

مثال آخر: لو أنّ رجلاً ذا وقارٍ وهيئة، وعليه مشلح، وثوب، وغترة، وبيده مسحاة عاملٍ، وإلى جانبه عامل رافع ثوبه متحزِّم، وعليه ثوب غير نظيف، ويظهر من مظهره أنه عامل، ويقول: المسحاة لي، فقال الآخر: بل لي وهي بيدي، فهنا المدعي هو العامل، لكن في هذه الحال نغلب جانب العامل، فنقول له: احلف أنها لك وخذها.

مثال ثالث: لو كان رجلان ببلدٍ من عادتهم أن يستروا رؤوسهم بالشماغ، فوجدنا رجلاً حاسر الرأس ليس عليه شماغ، ورجلاً آخر عليه شماغ، وبيده شماغ، والرجل الحاسر يقول لهذا الذي بيده الشماغ: أعطني شماغي، هذا لي، والرجل الثاني يقول: هذا بيدي فهو لي، وأنت مدعٍ، فهنا الرجل المدعي الذي ليس عليه شيء أقوى جانباً، فنقول له: احلف وخذه. فتبين أن القسامة ليست شاذة عن أصول الدعاوي؛ لأن في الدعاوي ما يشهد لها، والقسامة فيها قرائن ترجح جانب المدعين، وهو اللَّوْث، أي: العداوة الظاهرة، كما سيأتي في كلام المؤلف.

٢١٬٨٠٠

وأما الوجه الثاني من المخالفة: وهو تكرار الأيمان، وغيرُها من الدعاوي يمين واحد تكفي، فالقسامة إنما تكرر فيها الأيمان لعظم شأن الدماء، حيث إذا أقدم هؤلاء على اليمين وحلفوا خمسين يميناً أُعطوا الرجل وقتلوه، وهذا أبلغ ما يكون من الخطر؛

٢١٬٨٠١

فمن أجل ذلك كررت بخمسين يميناً.

٢١٬٨٠٢

وأما كونها خمسين يميناً، ولم تجعل عشرة مثلاً، فهذا ليس إلينا، كما أن هذا لا يرِد على أن صلاة الظهر أربع ركعات، ولم تجعل ثماني ركعات مثلاً.

٢١٬٨٠٣

وأما الوجه الثالث: وهو حلف الإنسان على شيء لم يره، فنقول: للإنسان أن يحلف على شيء لم يره اعتماداً على القرائن، وغلبة الظن، والدليل على هذا أن النبي ﷺ أقرَّ الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان، حين قال:«والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني»، فأقره النبي ﷺ لأن عنده غلبة ظن، ولم يقل له: لا تحلف، فإنك لا تدري.

وقوله:«في دعوى» فُهِمَ منه أن الذي يحلف هو المدعِي؛ لأنه لم يقل: في رفع دعوى، ولا

٢١٬٨٠٤

قال: في قتل، بل قال: في دعوى، ولذلك كانت في جانب المدعي.

وقوله:«في دعوى قتل» أفادنا المؤلف أن القسامة لا تكون في دعوى جَرح، ولا في دعوى مال، وإنما تكون في دعوى قتل فقط، فالمال وما دون القتل ليس فيه قسامة كالجروح والأعضاء وما أشبه ذلك.

٢١٬٨٠٥

فلو أن رجلاً ادعى على عدوِّه أنه قَطَعَ يدَه، والعداوة بينهما ظاهرة بيِّنة، فإنَّنا لا نجري القسامة في ذلك؛ لأن القسامة إنما جاءت في القتل،

٢١٬٨٠٦

وأما الأعضاء، والأطراف، والجروح فليس فيها قسامة، ولكننا نقول لهذا المدعي: هل لك بيِّنة؟ أو يُقر المدًّعَى عليه، أو يحلف، وينتهي الأمر.

والدليل على امتناع القسامة في دعوى الأعضاء والجروح تعليل، وهو أن القسامة إنما وردت في دعوى القتل، وهي خارجة عن الأصول والقياس، وما خرج عن الأصول والقياس فلا يقاس عليه، وإنما يقتصر فيه على ما ورد؛ لأنه لا مدخل للعقل فيه، وهذا هو المذهب.

٢١٬٨٠٧

وقال بعض أهل العلم: بل تجرى القسامة في دعوى قطع الأعضاء، والجروح، وعللوا ذلك بأنه لمَّا جرت القسامة في القتل، وهو أعظم من قطع العضو أو الجرح، كان جريانها فيما دون ذلك من باب أولى.

وليست القسامة خارجة عن الأصول، بل الأصول تشهد لها؛ لأننا لو لم نعمل بالقسامة لضاعت الدماء، وهتكت النفوس، فالأصول تشهد لها؛ لأن لدينا لَوْثاً، وهو القرينة الظاهرة التي تؤيِّد دعوى المدَّعِي، فلا فرق إذاً بين النفس وما دونها.

وقوله:«معصوم» علم منه أن دعوى قتل غير المعصوم لا تُسمع أصلاً،

٢١٬٨٠٨

فلو أن أحداً من الكفار الحربيين ادعى أن مورِّثه الحربي قتله المسلمون فلا تسمع الدعوى؛ لأنه وإن ثبت أنهم قاتِلوه فلا شيء عليهم؛ لأنه حربي غير معصوم.

٢١٬٨٠٩

وكذلك لو كان مباح الدم لردَّتِه، أو مباح الدم لزناه وهو محصَن، أو لوجوب قتله في حد قطع الطريق مثلاً،

٢١٬٨١٠

فإن هذا غير معصوم، فلا تسمع الدعوى في قتله؛ لأنه وإن ثبت القتل فهو غير مضمون، فيكون تشكيل الدعوى وسماعها من باب اللغو الذي لا فائدة فيه.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.