ويشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروط: الأول: أن تكون اليمين منعقدة
الشروح عليها
(ويشترط لوجوب الكفارة) إذا حلف بالله تعالى (ثلاثة شروط) : (الأول: أن تكون اليمين منعقدة، وهي) اليمين
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
«ويشترط لوجوب الكفارة ثلاثة شروط» الشرط لغة العلامة،
وفي الشرع ما يلزم من عدمه العدم،
ولا يلزم من وجوده الوجود، يعني أنه إذا عُدِمَ عُدِمَ المشروط، وهو
إما أن يعدم حساً إذا كان شرطاً حسياً،
وإما أن يعدم شرعاً إذا كان شرطاً شرعياً، فمثلاً الصلاة بلا وضوء، فقد يصلي رجل بدون وضوء صلاة كاملة بقراءتها، وركوعها وسجودها، وأركانها، فهي الآن موجودة حساً، لكنها شرعاً غير موجودة.
وقوله:«لوجوب الكفارة» أفادنا رحمه الله أن الكفارة واجبة بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ .
فإن الأمر بحفظها يتناول الأمر بالكفارة؛ لأن ذلك من حفظها.
وكذلك قال النبي ﷺ :«إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فكفِّر عن يمينك»، فأمر بالتكفير، والأصل في الأمر الوجوب.
وقوله:«الكفارة» من الكفر وهي الستر؛ وذلك أن الأصل أن الإنسان إذا حلف وجب عليه إتمام الحلف؛ لأنه حلف بعظيم،
ومن عظمته أن تقوم بما حلفت به عليه؛ لأن الحلف في الواقع تأكيد للشيء بعظمة المحلوف به،
فإذا انتهكت هذا التأكيد فهو كالإشارة إلى انتهاك عظمة المحلوف به، فلهذا وجبت الكفارة، ولولا أن الله تعالى رحم العباد لكان من حلف على شيء وجب عليه أن يتمه بكل حال، إلا لضرورة. «الأول: أن تكون اليمين منعقدة» وهي التي تثبت وتتأكد؛ لأن انعقاد الشيء معناه أن يكون كالعقدة ثابتة، ومثبِّتة للمعقود بها،
لكن تعريفها شرعاً: يقول المؤلف: «وهي التي قُصد عقدها على مستقبل ممكن» فجمعت ثلاثة شروط:
الأول: قصد عقدها.
الثاني: على مستقبل.
الثالث: على أمر ممكن.
فقوله:«قصد عقدها» يفيد أنه لا بد أن يكون الحالف ممن له قصد،
فإن لم يكن له قصد فلا عبرة بيمينه، كالمجنون لو حلف ألف مرة لا تنعقد يمينه، لأنه ليس له قصد،
وكذلك المخرِّف لا تنعقد يمينه؛ لأنه لا قصد له،
وكذلك السكران، ومن اشتد غضبه لا تنعقد يمينهما؛ لأنه لا قصد لهما،
وكذلك الصبي دون التمييز لا تنعقد يمينه،
فإن كان فوق التمييز ودون البلوغ، فظاهر كلام المؤلف أن يمينه تنعقد؛ لأن له قصداً صحيحاً، ولهذا ذكر الفقهاء أن المميز تصح ذكاته؛ لأن له قصداً صحيحاً، وذكروا في باب الإيلاء أنه يصح من المميز، وهذا أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، والقول الثاني وهو المذهب: أنه لا يصح إلا من المكلف.
فأما الذين قالوا: إنه يكفي التمييز، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ ، وقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ، فقالوا: هذا عام، وهذه يمين، وانعقادها والحنث فيها ليس من باب الأحكام التكليفية، ولكنه من باب الأحكام الوضعية، أي أنه سبب وُضع على مسبب. فالصبي لو قتل إنساناً وجبت عليه الكفارة وإذا حنث في اليمين تجب عليه الكفارة.
وأما الذين قالوا: لا بد من البلوغ، فقالوا: إن الكفارة تكفير إثم متوقع لولا رحمة الله عز وجل،
ومن كان دون البلوغ فإنه لا يكلف، فقد رفع عنه القلم فلا تنعقد يمينه، وبناء على هذا لو أقسم من له أربع عشرة سنة، وعشرة أشهر على شيء،
فإن يمينه لا تنعقد، بل لو كان بلوغه في الساعة الثانية عشرة، وحلف في الساعة الحادية عشرة لم تنعقد،
وفي الساعة الواحدة تنعقد؛ لأنه في الأول غير بالغ،
وفي الثاني بالغ، والراجح أنها تنعقد؛ لأن هذا من باب الأحكام الوضعية المقرونة بأسبابها، صحيح أن غير المكلف لا يدري ولا يفهم، لكن له قصد صحيح، بدليل أن ذكاته تصح.
الشرط الثاني: أن تكون على مستقبل،
فإن كانت على ماضٍ فإنها لا تنعقد، مثل لو قال: والله ما فعلت أمسِ كذا، وهو قد فعله، فهذا لا كفارة عليه؛ لأنها يمين على ماضٍ.
الشرط الثالث: أن تكون على أمر ممكن فإن كان غير ممكن لم تنعقد، والممكن ضده المستحيل، والمستحيل تارة يكون مستحيلاً لذاته، وتارة يكون مستحيلاً عادة، وكلاهما على حد سواء،
فإذا أقسم على شيء مستحيل،
فإن يمينه غير منعقدة، فلا كفارة عليه، سواء حلف على فعله أم على تركه؛ لأنه مستحيل، والمستحيل لا تتعلق به كفارة، لأن الحالف على المستحيل،
إما أن يكون على عدمه وهذا لغو،
وإما أن يكون على فعله، وهذا ـ أيضاً ـ لا تكون اليمين فيه منعقدة؛ لأنه من المعلوم أنه إذا حلف عليه فلن يكون، فيكون حلفه عليه تأكيداً له لا وجه له؛ لأن الحلف إنما يقصد به تأكيد فعل المحلوف عليه، وهذا أمر مستحيل، فتكون ـ أيضاً ـ لغواً.
مثال المستحيل لذاته: أن يقول: والله لأقتلن الميت؛ لأن الميت لا يرد عليه القتل، فهذا لا تنعقد يمينه على كلام المؤلف؛ لأن هذا لغوٍ، لأنه لن يقتل الميت أبداً، فقد حلف على نفي المستحيل،
والمذهب أن عليه الكفارة في الحال؛ لأن تحقق حنثه معلوم، فيجب عليه أن يكفر في الحال ولا ينتظر.
ولو تأذّى بنباح كلب، فقال: والله لأقتلن هذا الكلب حياً، أو ميتاً، فهنا تنعقد يمينه؛ لأنه قد يكون حياً، وقوله: حياً أو ميتاً، فهو من باب تأكيد قتله.
ومثال المستحيل عادة: لو قال: والله لأطيرنَّ.
فالخلاصة أنه إذا حلف على أمر مستحيل، فعلى كلام المؤلف أنها لا تنعقد،
والمذهب: إن كان على فعله فهو حانث في الحال، وتجب عليه الكفارة،
وإن كان على عدمه فهي لغو غير منعقدة؛ لأنه حلف على أمر لا يمكن وجوده.
فإذا قال قائل: ما الدليل على اشتراط الاستقبال؟
فالجواب: قوله ﷺ: «من حلف على يمين هو فيها فاجر، يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان».
ولم يقل: إن عليه الكفارة، إنما ذكر أن عليه هذا الإثم، والكفارة تستر الإثم والاقتطاع
إما دعوى ما ليس له،
وإما إنكار ما هو عليه، وهذا يكون أمراً ماضياً لا مستقبلاً.
فَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ كَاذِباً عَالِماً فَهِيَ الْغَمُوسُ، ................
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.