كل إناء طاهر ولو ثمينا يباح اتخاذه واستعماله
الشروح عليها
باب الآنية] هي الأوعية جمع إناء. لما ذكر الماء ذكر ظرفه (كل إناء طاهر) كالخشب والجلود والصفر والحديد (ولو) كان (ثمينا) كجوهر وزمرد (يباح اتخاذه واستعماله) بلا كراهة، غير جلد آدمي وعظمه فيحرم،
لا زيادة له على هذه المسألة.
تحر . باب الآنية هي الأوعية، جمع إناء وجمع الآنية أوان، والأصل أءان وهي الأوعية لغة وعرفا، والوعاء الظرف يوعى فيه الشيء، سمي بذلك لأنه يجمع ما فيه.
كالخشب والجلود والصفر والحديد . (ولو) كان (ثمينًا) لعدم العلة التي لأجلها حرم الذهب والفضة، لأن هذه الجواهر لا يعرفها إلا خواص الناس فلا تكسر قلوب الفقراء، كذا علله بعض الفقهاء.
والصفر والحديد . (ولو) كان (ثمينًا) كجوهر وزمرد الجوهر فارسي معرب، واحدته جوهرة، وهو كل حجر يستخرج منه شيء ينتفع به والزمرد بالضمات وتشديد الراء، وبالذال المعجمة والمهملة جوهر معروف وكبلور وياقوت.
لا زيادة له على هذه المسألة.
بابُ الآنية «باب» الباب: هو ما يُدخَلُ منه إلى الشَّيء، والعُلماء رحمهم الله تعالى يضعون: كتاباً، وباباً، وفصلاً.
فالكتاب: عبارة عن جملة أبواب تدخل تحت جنس واحد، والباب نوع من ذلك الجنس كما نقول:«حَبٌّ» فيشمل الشعيرَ، والذُّرةَ، والرُّزَّ، لكنَّ الشعير شيءٌ، والرُّز شيءٌ آخر.
فمثلاً: كتاب الطَّهارة يشمل كلَّ جنس يصدق عليه أنه طهارة، أو يتعلَّق بها.
لكن الأبواب أنواع من ذلك الجنس، كباب المياه، وباب الوُضُوء، وباب الغسل ونحو ذلك.
أما الفصول: فهي عبارة عن مسائل تتميَّز عن غيرها ببعض الأشياء،
إِما بشروط أو تفصيلات.
وأحياناً يُفَصِّلون الباب لطول مسائله، لا لأن بعضها له حكمٌ خاصٌّ، ولكن لطول المسائل يكتبون فصولاً. «الآنية»، جمع إِناء، وهو الوعاء، وذكرها المؤلِّفُ هنا،
وإِن كان لها صلة في باب الأطعمة ـ لأن الأطعمة لا تؤكل إِلا بأوانٍ ـ لأنَّ لها صلة في باب المياه،
فإِن الماء جوهر سيَّال لا يمكن حفظه إلا بإِناء؛ ولذلك ذكروا باب الآنية بعد باب المياه، ومعلوم أنَّ من الأنسب إِذَا كان للشيء مناسبتان أن يُذكرَ في المناسبة الأولى ويُحَالُ عليه في الثَّانية؛ لأنَّه إِذا أُخِّرَ إِلى المناسبة الثَّانية فاتت فائدتُه في المناسبة الأولى، لكن إِذا قُدِّم في المناسبة الأولى؛ لم تَفُتْ فائدته في المناسبة الثانية اكتفاءً بما تقدَّم.
والأصل في الآنية الحِلُّ، لأنها داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ومنه الآنية؛ لأنها مما خُلِقَ في الأرض، لكن إِذا كان فيها شيء يوجب تحريمها، كما لو اتُّخذت على صورة حيوان مثلاً فهنا تحرم، لا لأنها آنية، ولكن لأنها صارت على صورة محرَّمةٍ.
والدَّليل من السُّنَّة قوله ﷺ :«وما سَكَتَ عنه فهو عَفْوٌ».
وقوله أيضاً:«إن الله فَرَض فرائض فلا تضيِّعوها، وحَدَّ حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمةً بكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها».
فيكون الأصل فيما سَكَتَ اللَّهُ عنه الحِلَّ إِلا في العبادات، فالأصل فيها التَّحريم؛ لأن العبادة طريقٌ موصلٌ إلى الله عز وجل،
فإذا لم نعلم أن الله وضعه طريقاً إليه حَرُمَ علينا أن نتَّخذه طريقاً، وقد دلَّت الآيات والأحاديث على أن العبادات موقوفةٌ على الشَّرع.
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ، فدلَّ على أن ما يَدينُ العبد به ربَّه لا بُدَّ أن يكون الله أَذِنَ به.
وقال ﷺ :«إيَّاكم ومحدثات الأمور، فإِن كُلَّ بدعةٍ ضلالة».
ولا فرق في إِباحة الآنية بين أن تكونَ الأواني صغيرةً أو كبيرةً، فالصَّغير والكبير مباح، قال تعالى عن نبيه سليمان ﷺ : ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ .
الجَفْنَة: تشبه الصَّحفة. وقوله:«وقُدورٍ راسيات» لا تُحْمل لأنَّها كبيرة، راسية لكثرة ما يُطبخ فيها، فتبقى على مكانها، ولكن إذا خرج ذلك إلى حدِّ الإِسراف صار محرَّماً لغيره، وهو الإِسراف لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ .
كُلُّ إِناءٍ طَاهِرٍ، ولو ثَمِيناً ............ «كلُّ إناءٍ طاهر»، هذا احتراز من النَّجس، فإِنَّه لا يجوز استعماله؛ لأنَّه قذر، وفيما قال المؤلِّفُ نظر، لأن النَّجس يباح استعمالُه إِذا كان على وجه لا يتعدَّى، والدَّليل على ذلك حديث جابر رضي الله عنه أن النبيَّ ﷺ قال حين فتح مكَّة:«إِن الله حرَّم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام»، قالوا: يا رسول الله؛ أرأيت شُحوم الميتة، فإِنَّها تُطلى بها السُّفن، وتُدهن بها الجلود، ويَستصبح بها النَّاس، فقال:«لا، هو حرام».
فأقرَّ النبيُّ ﷺ هذا الفعل مع أنَّ هذه الأشياء نجسة، فدلَّ ذلك على أن الانتفاع بالشيء النَّجس إذا كان على وجه لا يتعدَّى لا بأس به، مثاله أن يتَّخذ «زِنْبِيلاً» نجساً يحمل به التُّراب ونحوه، على وجهٍ لا يتعدَّى. «ولو ثميناً»، «لو»: إِشارة خلاف،
والمعنى: ولو كان غالياً مثل: الجواهر، والزُّمرُّد، والماس، وما شابه ذلك فإنه مباح اتَّخاذه واستعماله.
وقال بعضُ العلماء: إِنَّ الثمين لا يُباح اتِّخاذه واستعماله، لما فيه من الخُيلاء، والإِسراف ، وعلى هذا يكون تحريمُه لغيره لا لذاته، وهو كونُه إسرافاً وداعياً إِلى الخُيلاء والفخر، لا لأنَّه ثمين. يُبَاحُ اتخاذُهُ واستِعْمَالُه، إلا آنيةَ ذَهَبٍ وفضَّةٍ، ............... «يُباحُ اتِّخاذه واستعماله»، «يُباحُ»: خبر المبتدأ وهو قوله: «كلُّ إِناء»، والتَّركيب هنا فيه شيء من الإِيهام؛ لأن قوله:«يُباح اتِّخاذُه واستعمَالُه» قد يَتَوَهَّم الواهم أنَّها صفة لا أنها خبر، ويتوقَّعُ الخبرَ، ولهذا لو قال: يُباح كُلُّ إِناءٍ طاهر ولو ثميناً.
لكان أَوْلَى، ولكن على كُلِّ حالٍ المعنى واضح.
وقوله:«اتِّخاذُه واستعمَالُه»، هناك فرق بين الاتِّخاذ والاستعمال، فالاتِّخاذ هو: أن يقتنيَه فقط
إِما للزِّينة، أو لاستعماله في حالة الضَّرورة، أو للبيع فيه والشِّراء، وما أشبه ذلك.
أما الاستعمال: فهو التلبُّس بالانتفاع به، بمعنى أن يستعمله فيما يستعمل فيه.
فاتِّخاذها جائز، وإِن زادت على قَدْرِ الحاجة،
فلو كان عند إِنسان إِبريق شاي وأراد أن يشتريَ إِبريقاً آخر جاز له ذلك، بمعنى أنه يجوز اتِّخاذه وإِن لم يستعمله الآن، لكن اتَّخذه لأنه رُبَّما يحتاجه فيبيعه، أو يستعيره منه أحد، أو يفسد ما عنده، أو يأتي ضيوف لا يكفيهم ما عنده.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.