ويحرم القضاء وهو غضبان "كثيرا" أو حاقن أو في شدة جوع أو عطش أو هم "أو ملل" , "أو كسل" أو نعاس أو برد مؤلم أو حر مزعج
الشروح عليها
(ويحرم القضاء وهو غضبان كثيرا) لخبر أبي بكرة مرفوعا «لا يقضين حاكم بين اثنين وهو غضبان» متفق عليه، (أو) وهو (حاقن أو في شدة جوع، أو) في شدة (عطش أو) في شدة (هم، أو ملل، أو كسل، أو نعاس، أو برد مؤلم، أو حر مزعج) ، لأن ذلك كله يشغل الفكر الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب، فهو في معنى الغضب.
وإن خالف وحكم في حال من هذه الأحوال،
الحق في الغالب . فهو في معنى الغضب ولا يستريب عاقل، أن من قصر النهي، على الغضب وحده، دون الهم المزعج، والخوف المقلق، والجوع والظمإ الشديد، وشغل القلب، المانع من الفهم، فقد قل فقهه وفهمه.
(وإن خالف) وحكم في حال من هذه الأحوال يعني الغضب، وما بعده مما يشغل الفكر، ويمنع الفهم.
لا زيادة له على هذه المسألة.
«ويحرم القضاء وهو غضبان كثيراً» هذا من الآداب الواجبة، وهو تجنب القضاء في حال الغضب الشديد، فالقضاء في حال الغضب الشديد محرم. والغضب انفعال يحدث للنفس بسبب ما يثير من مخالفة الهوى، فتجد الرجل تنتفخ أوداجه، وتحمر عيناه ووجهه، ويقف شعره، ويفقد وعيه أحياناً، إذ تصل الحال بالغضبان أحياناً حتى لا يدري أفي السماء هو أم في الأرض؟ ولا يدري ما يتكلم به.
والغضب ثلاثة أقسام: غاية، وابتداء، ووسط، فالابتداء لا يضر؛ لأنه ما من إنسان يخلو منه إلا نادراً، والغاية لا حكم لمن اتصف به في أي قول يقوله، والوسط محل خلاف بين العلماء.
ولنضرب لذلك مثلاً برجل طلق وهو غضبان،
فإن كان من أول الغضب فطلاقه واقع نافذ،
وإن كان في غايته، فطلاقه غير واقع، ولا نافذ، وهذان موضعان متفق عليهما،
وإن كان في وسط الغضب فللعلماء في ذلك قولان مشهوران، أصحهما أن الطلاق لا يقع؛ لأن هذا الرجل الغضبان يجد في نفسه شيئاً يرغمه، ويضطره إلى أن يطلق، مع أنه يدري ما يقول، وقد جاء الحديث عن النبي ﷺ :«لا طلاق في إغلاق».
فالغضب الذي يحرم على القاضي أن يقضي فيه هو الغاية والوسط، والدليل قول النبي ﷺ :«لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان»، والتعليل أن الغضبان لا يتصور القضية تصوراً تاماً، ولا يتصور تطبيقها على النصوص الشرعية تطبيقاً تاماً، والحكم لا بد فيه من تصور القضية، ثم تصور انطباق الأدلة عليها؛ لأن الحكم على الشيء
فرع عن تصوره، والحكم على الشيء لا بد فيه من معرفة الموجِب للحكم، والغضبان لا يتصور ذلك، لا القضية ولا انطباق الأحكام عليها، ولذلك نهى النبي ﷺ أن يقضي بين اثنين وهو غضبان .
وأيضاً فإنه إذا كان أحد الخصمين هو الذي أثار غضب القاضي فهنا محذور ثالث، وهو أنه قد يحمله غضبه على هذا الخصم أن يحكم عليه مع أن الحق له.
وقوله:«وهو غضبان كثيراً» يفيد أنه إذا كان الغضب يسيراً في ابتدائه فلا يحرم القضاء، وقد قضى النبي ﷺ وهو غضبان في قصة الأنصاري مع الزبير بن العوام رضي الله عنه في المسيل الذي تنازعا فيه عند النبي ﷺ؛ إذ كان المسيل يأتي على حائط الزبير قبل حائط الأنصاري، فكان الزبير رضي الله عنه يسقي منه ويدع البقية لجاره الأنصاري، فاشتكى الأنصاري إلى الرسول ﷺ، فترافعا إلى النبي ﷺ فقال:«اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك».
فقوله:«اسق» أمر مطلق يقتضي أنه يسقي زرعه مجرد سقي، ثم يرسل الماء لجاره، فقال الأنصاري ـ عفا الله عنه ـ: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟! فأخذته العزة بالاثم، والإنسان بشر، وإلا فمن يتهم الرسول ﷺ بمثل هذا الاتهام؟! فغضب النبي ﷺ انتقاماً لله؛ لأنه يحكم بأمر الله وشرعه، ثم قال:«يا زبير، اسق حتى يصل إلى الجَدْر، ثم أرسله إلى جارك»، فاحتفظ النبي ﷺ بحق الزبير لما أغضبه الأنصاري، لكن هذا الغضب يسير لا يمنع تصور القضية، وانطباق الحكم الشرعي عليها. «أو حاقن» يعني لا يقضي وهو حاقن، وهو المحصور بالبول،
وأما الحاقب فهو المحصور بالغائط، فلا يقضين بين اثنين في هذه الحال؛ لأن هذه الحال تشبه حال الغضب في عدم تصور القضية وانطباق الحكم الشرعي عليها. «أو في شدة جوع» أي: يحرم عليه القضاء في شدة جوع، حتى وإن كان سببه الصيام،
فلو جاءا يتحاكمان إليه في آخر النهار وهو جائع جوعاً شديداً، نقول: لا تقضِ بينهما،
فإذا صرفهما، فهل يستفيد من ذلك بأن يأكل؟ لا يستفيد ذلك؛ لأنه لن يأكل حتى تغرب الشمس، ولكنه يستفيد أن لا يخطئ في الحكم،
بخلاف المصلي إذا أراد أن يصلي وهو جائع فلا نقول له: لا تصل حتى تفطر وتأكل؛ لأن الصلاة يفوت وقتها،
أما الحكم بين اثنين فلا يفوت وقته. «أو عطش» كذلك لا يقضي في شدة العطش؛ لأن ذهنه مُشوش، حتى يشرب ثم يقضي بينهما. «أو هَمٍّ» أي: شدة هَمٍّ، وهذا أمر خفي، لأن الإنسان بشر تعتريه هموم في بعض الأحيان، لأسباب خارجية، أو أهلية، أو داخلية في نفسه،
فإذا كان في شدة همٍّ وجاءه اثنان يريدان أن يقضي بينهما، فيقول: أنا فكري مشغول، وعندي هموم كثيرة، فلا يقضي بينهما، ومثل ذلك لو كان شخص من أهله مريضاً مرضاً مدنفاً، أو سمع بانتصار بعض الكفار، فانشغل ذهنه بذلك، فحينئذ ينتظر حتى يزول ذلك الهم.
فمن كان مهموماً هما خارجياً أو داخلياً فلا يحل له القضاء في هذه الحال. «أو ملل» أي: لا يقضي في شدة ملل، كأن يكون من الساعة السابعة صباحاً وهو يقضي بين الناس، وصابر على أذاهم وأصواتهم وصخبهم، فلما وصلت الساعة الثانية إلا ربعاً مساء جاءه خصمان ليقضي بينهما، فقال: أنا مللت، ولا أستطيع أن أقضي بينكما، فله ذلك، بل يجب عليه أن يعتذر؛ لأن الإنسان بشر،
ويحرم عليه القضاء، والعلة هي علة تحريم القضاء في حال الغضب. «أو كسل» أي: شدة كسل، كأن يكون به نوم أو نعاس، فلا يجوز له أن يقضي بين الخصوم في هذه الحال،
ولو رضي الخصوم؛ لأن هذا حق لله تبارك وتعالى. «أو نعاس» أي: شدة نعاس، فلا يجوز أن يقضي في شدة نعاس حتى يزول. «أو برد مؤلم» أي: يحرم عليه القضاء في برد مؤلم، كأن يأتيه الخصوم زمن شتاء بارد ليقضي بينهم، فيقول: لا أقضي بينكم، بل أذهب وأتدفأ، أو ألبس ثياباً أكثر، ثم أقضي بينكم. «أو حر مزعج» أي: يحرم عليه القضاء في حر مزعج،
فإذا كان في حر شديد جداً ليس عنده مكيف ولا مروحة، يقول للخصوم: انتظروا إلى آخر النهار، أو حتى أغتسل وأتبرد؛ لأن الحر مزعج لا يجوز معه القضاء.
كل هذه الأحوال التي ذكرها المؤلف مقيسة على قول الرسول عليه الصلاة والسلام :«لا يقضي أحد بين اثنين وهو غضبان»، إذاً كل حال تعتري القاضي تكون حائلاً بينه وبين تصور القضية، أو انطباق الأحكام الشرعية عليها، فإنه يحرم عليه القضاء فيها حتى يزول هذا السبب، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
وَإِنْ خَالَفَ فَأَصَابَ الْحَقَّ نَفَذَ،
وَيَحْرُمُ قَبُولُ رَشْوَةٍ وَكَذَا هَدِيَّةٍ، إِلاَّ مِمَّنْ كَانَ يُهَادِيهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ حُكُومَةٌ، ..............
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.