ولا تصح الدعوى إلا محررة معلومة المدعى به
الشروح عليها
(ولا تصح الدعوى إلا محررة) لأن الحكم مرتب عليها، ولذلك قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وإنما أقضي على نحو ما أسمع» ولا تصح أيضا إلا (معلومة المدعى به) أي: تكون بشيء معلوم ليأتي الإلزام،
لا زيادة له على هذه المسألة.
«ولا تصح الدعوى» وهي ادعاء الإنسان على غيره حقاً، أو براءة من حق، كأن يدعي على غيره حقاً، فيقول: أنا أطلب فلاناً كذا
وكذا، أو براءة منه بأن يُدعى عليه فينكر، فهذه ـ أيضاً ـ نوع من الدعوى،
وإن كانت تسمى إنكاراً.
فالدعوى أولاً ينظر إليها من ناحية الجواز، فهل يجوز للإنسان أن يدعي على غيره حقاً؟
الجواب: نعم، إذا كان ثابتاً فله أن يدعي عليه الحق،
وأما إذا كان ظلماً فإن النصوص كثيرة في عقوبة من ادعى على غيره شيئاً باطلاً، يقول النبي عليه الصلاة والسلام :«من اقتطع مال امرئ مسلم بيمين كاذبة لقي الله وهو عليه غضبان»،
فإذا جازت الدعوى فلا بد لها من شروط:
الأول: ذكره المؤلف بقوله:
«إلا محررةً» وتحرير الشيء بمعنى تنقيته عن كل الشوائب، وذلك بأن يذكر جنس المُدعى به، ونوعه، وصفته، وقدره، حتى يبقى متميزاً، ظاهراً، محرراً، مخلصاً من شوائب الجهل،
وهذا معنى قوله:
«معلومة المدعى به» فلا يكفي أن يقول المدعي: أنا أدعي عليه طعاماً، فهذه دعوى غير مسموعة ولا تصح حتى يحررها، فيقول: بُرّاً، أو رزاً، أو ما أشبه ذلك، ولا يكفي هذا ـ أيضاً ـ حتى يقول: إن قدره كذا
وكذا، مائة صاع، مائتا صاع، وما أشبه ذلك، ولا يكفي هذا ـ أيضاً ـ حتى يضيف إليه ذكر الوصف، الجودة، والرداءة، وما أشبه ذلك، فالمهم لا بد أن تكون محررة من جميع الجوانب،
ومن كل وجه، فلو ادعى عليه بعيراً لم تثبت؛ لأنها مبهمة حتى يبين، فيقول: بعيراً رباعية، ثنياً وما أشبه ذلك، صفتها كذا
وكذا، جنسها كذا وكذا، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
وقيل: تصح الدعوى غير محررة ويسمعها القاضي، ويطلب من المدعي تحريرها،
فإذا قال: أدعي عليه بعيراً، يسمع، ولكن يقول: صفها، اذكر نوعها، جنسها، وما أشبه ذلك، وهذا أصح، لا سيما في الأمور التي تحتاج إلى دقة وصف، مثل لو قال: أنا أدعي عليه أرضاً، أدعي أن هذا الملك الذي بيده يتصرف فيه لي، فتسمع الدعوى، ثم بعد ذلك يطلب من المدعي أن يحررها ويميزها؛ لأنه لا يمكن الحكم إلا بتحريرها.
واستدل الفقهاء رحمهم الله على ذلك بقول الرسول عليه الصلاة والسلام :«إنما أقضي بنحو ما أسمع»، والقضاء لا يمكن إلا بعد معرفة المقضي به، وإلا فإنه لا يمكن القضاء بشيء مبهم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.