الرابع: الإسلام.
الشروح عليها
(الرابع - الإسلام) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} فلا تقبل من كافر ولو على مثله، إلا في سفر على وصية مسلم أو كافر، فتقبل من رجلين كتابيين عند عدم غيرهما.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(الرابع: الإسلام) لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} قال الشيخ أي صاحبي عدل في المقال، وهو الصدق والبيان، الذي هو ضد الكذب والكتمان،
كما بينه في قوله: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} .
«الرابع: الإسلام» أي: الشرط الرابع، فالإسلام شرط لقبول الشهادة؛ لأنه إذا كانت العدالة شرطاً فالإسلام أساس العدالة، ولهذا فإن الله تعالى دائماً يضيف الشهود إلى ضمير المخاطبين وهم المؤمنون فيقول: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ، ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ،
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ،
وإذا كان الفاسق يجب علينا أن نتبين في خبره ولا نقبله، فما بالك بالكافر؟! فلا بد من أن يكون الشاهد مسلماً بدلالة القرآن والنظر الصحيح؛ لأن الكافر محل الخيانة، وهو غير مأمون قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ ، ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ﴾، يعني لا يألونكم جهداً، ﴿خَبَالاً﴾، يعني أن تقعوا في الخبال، وهو التصرف بغير عقل، ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ ما شق عليكم، فالكفار يسعون بكل جهد أن يكون عملنا خبالاً ضائعاً لا خير فيه.
فإذا كان الكافر مبرزاً في الصدق ـ والكافر قد يكون صدوقاً ـ فلا نقبل شهادته،
فلو جاءت شهادة الكافر بواسطة التصوير، ككافر معه كاميرا وصوَّر المشهد، وأنا عندي أن التصوير في الواقع عرضٌ لصورة الحال،
فلو أعطانا الصورة ولم يتكلم، فكأنه رفع لنا القضية برمتها، يعني رفع لنا صورة الواقع، فهنا لا نعتمد على خبره، بل نعتمد على الصورة التي أمامنا، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ، ونحن إذا تبينا بواسطة الصورة فما المانع؟! فهذا كافر معه آلة فيديو، سلطها على هؤلاء القوم الذين يتقاتلون، وأعطانا الصورة، نراهم يتقاتلون بعضهم مع بعض، ونعرف وجوههم، ثم نقول: هذا غير مقبول؛
لأن الذي التقط الصورة كافر!! ونقول: هذا مقتضى دين الإسلام، أعوذ بالله لو نقول هذا الكلام صاحت علينا الأمم، ما هذا الدين الذي لا يقبل الحقائق المنقولة؟!
إذاً شهادة الكافر إذا كانت مستندة على مجرد خبره فهي غير مقبولة لا شك وليس مؤتمناً، لكن إذا كان يصور لنا الواقع صورة لا ارتياب فيها، فنحن لا نقبل خبره هو، لكن نقبل الذي أمامنا، ولهذا لو جاء صبي صغير له أربع عشرة سنة ولكن جسمه كبير، إلا أنه ما أنبت، ولا أنزل، وجاء يشهد ما نقبل شهادته، لكن لو صور لنا الواقع بالفيديو، وأحضره لنا نقبله، لكن ليس من أجل خبره، إنما من أجل أن الواقع أمامنا نشاهده، ولهذا في القرآن: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ يعني اطلبوا البيان؛
حتى يتبين لكم الأمر، فإذا تبين الأمر فما المانع من القبول؟!
فإذا قال قائل: وجدنا في القرآن قبول شهادة غير المسلم قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يعني من المسلمين ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: غير المسلمين، فقوله تعالى: ﴿اثْنَانِ﴾ خبر المبتدأ، وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ﴾ معطوف عليه يعني أو شهادة هذه الوصية ﴿آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ بشرط: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ يعني سافرتم ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ ، يعني جاءكم الموت، وهذان الآخران من غيركم موجودان عندكم فأشهدوهما على الوصية، مع أن الوصية فيها ضرر على الورثة؛
لأنه سيقتطع جزء من المال لهذه الوصية، كرجل كان في السفر ومات وكان معه اثنان غير مسلمين، فأوصاهم،
وقال: إني أشهدكما أني أوصيت بثلث مالي يصرف في كذا
وكذا، نقبل شهادتهما وهما كافران مع أنه يوجد إضرار بالورثة، لكن الآية فيها احتياطٌ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾، لكن متى؟ ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ ، يعني فإن لم ترتابوا فلا حاجة إلى الحبس، وهذا يدل على أننا قد لا نرتاب في شهادة الكافر، فيكون في هذا تأييد لما أسلفنا من قبل في مسألة ما لو نقل الحادث بالصورة.
وقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: من بعد صلاة العصر، والمراد بالحبس أن نأتي بهما ونوقفهما ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ ، يعني أننا ما شهدنا من أجل حظ من الدنيا،
ولو كان أقرب قريب إلينا ولا نكتم شهادة الله: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ ، ففي هذه الآية دليل واضح على قبول شهادة غير المسلم في وصيةٍ في سفر لم يحضرها غيرهما من المسلمين، فهل نحكم بهذا؟
الجواب: نعم نحكم شرعاً، ويجب أن نرضى به شرعاً؛ لأن الذي قال ذلك هو الله عز وجل،
وإذا حصل منا ارتياب نلجأ إلى الإقسام الذي ذكره الله عز وجل، فهذه المسألة مستثناة، ولكن القضية التي وقعت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كان الشاهد رجلين يهوديين، فهل يشترط أن يكون هذا الغير من أهل الكتاب؛ لأنه قال: من غيركم، أو لا يشترط؟ إذا نظرنا إلى القرآن الكريم وجدنا أنه لا يشترط، قال الله تعالى: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، وأطلق ولم يقل: من أهل الكتاب، مع أن الله عز وجل إذا أراد تخصيص أهل الكتاب بالحكم خصص: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ، ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.