الثاني: استعمال المروءة
الشروح عليها
(الثاني) مما يعتبر للعدالة (استعمال المروءة) أي الإنسانية،
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
«الثاني: استعمال المروءة» أي: الثاني مما يعتبر في العدالة استعمال المروءة، والمروءة التخلق بالأخلاق الفاضلة،
وإن كان في الروض يقول: المروءة هي الإنسانية، فيكون الإنسان متخلقاً بالأخلاق التي ليس عليه فيها مثلب، ولا أحد ينتقده، وهذه ترجع للعادة، وقد يكون بعضها ديناً، لكن أصلها العادة، فالمروءة هي ما تعارف الناس على حسنه، وما تعارفوا على قبحه فهو خلاف المروءة،
وإذا كان هذا فإن مرجع المروءة إلى العادة في الواقع، فقد يكون هذا العمل ـ مثلاً ـ مخلاً بالمروءة عند قوم، غير مخلٍّ بالمروءة عند آخرين، وقد يكون مخلاً بالمروءة في زمن غير مخلٍّ بها في زمن آخر، فما دمنا أرجعنا المروءة إلى العادة، وهي ما تعارف الناس على حسنه، فحينئذٍ تكون المسألة بحسب عادات الناس، مثلاً قال العلماء: من الإخلال بالمروءة أن ينام الإنسان بين الجالسين،
فإذا نام بين الجالسين سقطت مروءته؛ لأن هذا خلاف المعتاد،
وإذا خرج عن مستوى الجالسين سقطت مروءته، مثلاً: تقدم أو تأخر عن الصف تسقط مروءته،
وإذا مضغ العلك أمام الناس سقطت مروءته،
وإذا أكل في السوق سقطت مروءته، وما دمنا عرفنا أن الضابط في المروءة هو ما تعارف الناس على حسنه فهو مروءة، وما تعارف الناس على قبحه فهو خلاف المروءة.
ولننظر في هذه الأمثلة هل هي مخالفة لما يعتاده الناس؟ فالواحد بين أصحابه في نزهة يمكن أن ينام، ولا يقال: هذا خلاف المروءة، لكن لو يأتي في مجلس علم وينام فإن هذا خلاف المروءة، فالمسألة تختلف، ويقولون: عند الأحباب تسقط الكلفة في الآداب، فقد تكون بين إخوانك وأصحابك وتمد رجلك، وقد تكون في مجلس موقر ما تمد رجلك،
ولو مددت رجلك لكان كل الناس يعيبونك، فالمسألة تختلف، ويذكر أن أبا حنيفة رحمه الله كان يدرِّس، فجاء ذلك الرجل المهيب بهيئته، وكان الإمام قد مد رجله بين أصحابه فلما رآه كف رجله؛ ظناً منه أن ذلك الرجل من أكابر العلماء، وجعل يقرر في صيام رمضان، فقال هذا الذي يظن أنه شيخ: أرأيت لو طلعت الشمس قبل الفجر؟! يقولون: إنه مد رجله،
وقال: إذاً يمد أبو حنيفة رجله ولا يبالي، الله أعلم هل هذا صحيح أو لا؟ على كل حال هذه المسألة ما دمنا ربطناها بالعرف فهي تختلف باختلاف الأعراف،
وحد المؤلف المروءة فقال:
«وهو فعل ما يجمله ويزينه واجتناب ما يدنسه ويشينه» فعل ما يجمله عند الناس ويزينه، مثل: الكرم، والجود بالنفس وهو الشجاعة، وطلاقة الوجه، والانبساط إلى الناس، وما أشبه ذلك، فكل ما يجمل فهو من المروءة بلا شك، ويختلف، فربما نقول لهذا الرجل: إذا لم يفعل هذا فقد فعل ما يشينه، والآخر لا نقول: فعل ما يشينه، كما لو رأينا رجلاً متصدراً للبلد،
ومن أعيانه، ولكن لا يعطي البلد حقها من استقبال الزائرين ولا سيما الكبراء، نقول: هذا مخالف للمروءة، لكن لو يأتي شخص من عامة الناس، ولا يسلم على من قدم للبلد من الوجهاء والأعيان فإنه لا يعد مخالفاً للمروءة، المهم كل شيء يجمل الإنسان ويزينه بين الناس فهو من المروءة.
وقوله:«ما يجمله ويزينه» قال في الروض : عادة، كالسخاء وحسن الخلق.
وقوله:«واجتناب ما يدنسه ويشينه» عادة من الأمور الدنيئة، فلا شهادة لمصافع، من الصفع،
ومن ذلك الملاكمة فهي مثلها أو أشد منها، فهي خلاف المروءة.
قال في الروض:«ومتمسخر» أي: بالناس، يتمسخر بهم، ويحاكيهم بالقول أو بالفعل،
فإن كان متمسخراً بالنساء يحاكيهن فهو مع مخالفة المروءة واقع في المحرم، في كبائر الذنوب.
قال في الروض:«ورقاص» وهو الذي يرقص، «ومغنٍّ» فالمغني قد سقطت مروءته، بل فيه شيء آخر من الناحية الدينية، أنه إذا كان الغناء محرماً فإنه لم يستقم دينه وفيه محذوران هما عدم الصلاح في الدين وعدم المروءة،
أما إذا كان الغناء غير محرم، وغنى في موضع لا ينبغي أن يغني فيه، فهو خلاف المروءة، يعني لو جاء حادي الإبل الذي يحدو على الإبل، وصار يحدو في السفر فهذا جائز، لأن الرسول ﷺ أقره ،
ولو جاء عامل ينقل الحصى ويحفر الأرض ويغنِّي على عمله ليتقوى جاز أيضاً، فالصحابة رضي الله عنهم كانوا يحفرون الخندق وينشدون،
والرسول عليه الصلاة والسلام معهم ينشد:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلّينا حتى إنه يقول:
وإن أرادوا فتنة أبينا ويمد بها صوته ، وهم يقولون: لئن قعدنا والنبي يعمل … لذاك منا العمل المضلل ينشدون بها، لكن لو جاء هذا المغني الحادي، أو العامل، وهو جالس مع الناس، ثم رفع صوته بالحداء وهم يتغدون ـ مثلاً ـ فهذا خلاف المروءة.
فتبين الآن أن قول صاحب الروض:«ومغنٍّ» ليس على إطلاقه، بل فيه تفصيل،
وكذلك الأغنية إذا كانت محرمة من أجل موضوعها، كأن يكون موضوعاً ساقطاً هابطاً، فهذا مخالف للمروءة، ومخالف للدين،
أما المغني غناء مباحاً، إذا استعمله في موضع لا يذم عليه فإنه لا يسقط المروءة،
وإن كان في موضع غير مناسب فإنه يسقط المروءة.
قال في الروض:«وطفيلي» وهو الذي يدخل على الناس بدون دعوة، سمع أن فلاناً عنده وليمة فذهب إليه، هذا نسميه طفيلياً، فلا تقبل شهادته لمخالفة المروءة، لكن إذا علمت من صاحبك أنه يفرح بمجيئك فهذا ليس بطفيلي، بل هو من المروءة والتواضع، وكثيراً من الناس ـ كما قيل: رب صدفة خير من ميعاد ـ إذا جئت إليه بدون دعوة يكون أحب إليه ويفرح كثيراً، ويظهر عليه أثر الفرح، إذاً الطفيلي هو الذي يفاجئ القوم بدون دعوة.
ولا فرق بين أن يكونوا على الطعام أو على غير الطعام، فمثلاً: ناس في البر جالسون على الطعام،
فإذا بالطفيلي يأتي، فهذا طفيلي وإن لم يكن هناك أبواب؛ لأنه يفاجئ القوم عند تقديم الطعام ليضيق عليهم.
قال في الروض:«ومتزيٍّ بزيٍّ يسخر منه» هذا موجود وهو كثير، كرجل يضع قروناً على رأسه، أو جناحين على يمينه ويساره، ويوجد هذا أظن فيما يسمى بأفلام الكرتون.
قال:«ولا لمن يأكل بالسوق» إلا في المواضع المعدة للأكل مثل المطاعم، قال:«إلا شيئاً يسيراً كلقمة وتفاحة»، هذا لا بأس به، مع أنه في الحقيقة بالنسبة لنا تسقط مروءته،
فلو جئت تمشي إلى المسجد ومعك تفاحة تأكلها أمام الناس، يمكن يقال: هذا الرجل أصابه جنون، لكن لو في مطعم ما يعد هذا مخالفاً للمروءة.
قال:«ولا لمن يمد رجله بمجمع الناس، أو ينام بين الجالسين ونحوه» لكن في الكتب الأخرى يقولون: إن من خرج عن مستوى الجلوس فإنه تسقط مروءته.
وَمَتَى زَالَتِ الْمَوَانِعُ، فَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَعَقَلَ الْمَجْنُونُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَتَابَ الْفَاسِقُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.