وبعد قيامهما ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد
الشروح عليها
(و) يقولان (بعد قيامهما) واعتدالهما: (ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) أي: حمدا لو كان أجساما لملأ ذلك، وله قول: اللهم ربنا ولك الحمد - وبلا واو أفضل - عكس ربنا ولك الحمد
لا زيادة له على هذه المسألة.
بعد أي حمدًا لو كان أجساما لملأ ذلك أي السماء والأرض، وما شاء الله من شيء بعد السماء والأرض، كالكرسي والعرش، وما لا يعلم سعته إلا الله، وهذا من التأويل المردود، بل الله عز وجل يمثل أعمال العباد وأقوالهم صورا، كما جاءت به الأخبار، وهو قادر أن يملأ ما جعلت فيه فيجرى الحديث على ظاهره وملء بالنصب أي حمدا ملء، وبالرفع على أنه صفة للحمد، والمعروف في الأخبار ملء السموات بالجمع
والأجسام جمع جسم، جماعة البدن، أو الأعضاء من الناس، وسائر الأنواع العظيمة الخلق، ولمسلم وغيره عن ابن عباس، كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبيد، لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد، وله: كان يقول: اللهم طهرني بالثلج والبرد، والماء البارد، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.
ذلك . وله قول: اللهم ربنا ولك الحمد لوروده في الصحيح عن أنس في باب صلاة القاعد بلفظ وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، وهو أفضل من عكسه الآتي لكونه أكثر حروفا.
قول: اللهم ربنا ولك الحمد وبلا واو أفضل أي وقول: اللهم ربنا لك الحمد، بلا واو أفضل منه مع الواو، لورود الخبر به في حديث ابن أبي أوفى، وأبي سعيد.
لا زيادة له على هذه المسألة.
«وبعد قيامهما ربَّنا ولك الحمد، ملءَ السماء، وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيء بعد». الضمير: يعودُ على الإِمامِ والمنفرد، أي: بعد قيامهما يقولان: ربَّنا ولك الحمدُ، ملءَ السماء، وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت مِن شيءٍ بعدُ.
ولم يذكر المؤلِّف غير هذه الصيغة:«ربنا ولك الحمد» فهل هذا يقتضي أن تكون هي الواجبة؟ يحتمل أن يكون هذا، ويحتمل أن المؤلِّف اقتصر على هذه الصيغة طلباً للاختصار، وعلى كلٍّ؛
فهذه الصيغة لها أربع صفات:
الصفة الأولى: رَبَّنا ولك الحمدُ .
الصفة الثانية: رَبَّنا لك الحمدُ .
الصفة الثالثة: اللَّهُمَّ رَبَّنا لك الحمدُ .
الصفة الرابعة: اللَّهُمَّ رَبَّنا ولك الحمدُ .
وكلُّ واحدة من هذه الصِّفات مجزئة، ولكن الأفضل أن يقول هذا أحياناً، وهذا أحياناً، على القاعدة التي قرَّرناها فيما سبق، مِن أنَّ العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة الأفضلُ فيها فِعْلُها على هذه الوجوه.
وذكرنا أن في ذلك ثلاث فوائد وهي:
١ ـ المحافظة على السُّنَّة.
٢ ـ اتِّباع السُّنَّة.
٣ ـ حضور القلب.
لأنَّ الإِنسانَ إذا صار مستمرًّا على صيغة واحدة؛ صار كالآلة يقولها وهو لا يشعر،
فإذا كان يُغيِّرُ، يقول هذا أحياناً، وهذا أحياناً؛ صار ذلك أدعى لحضور قلبه. وقوله:«سمع الله لمن حمده» وبعد قيامهما: «ربَّنا ولك الحمد».
الحمدُ: وصف المحمود بالكمال مع المحبَّة والتَّعظيم، فيُقال: حَمِدَ فلانٌ رَبَّه، أي: وَصَفَه بصفات الكمال مع محبَّته وتعظيمه، وأنه ذو احترام في قلبه. قال ابن القيم: وبهذا يُعرف الفَرْقُ بين الحَمْدِ والمدح؛
فإنَّ المدحَ: وَصْفُ الممدوح بالكمال، أو بالصِّفات الحميدة، لكن لا يلزم منه أن يكون محبوباً معظَّماً، فقد يمدحُه مِن أجل أن ينالَ غَرَضاً له، وقد يمدحُه مِن أجل أن يتَّقي شَرَّه، لكن؛ الحمدُ لا يكون إلا مع محبَّةٍ وتعظيمٍ. وبهذا نعرف قوَّةَ سِرِّ اللغةِ العربيةِ، حيث إن الحروف واحدة هنا «حمد» و «مدح» لكن لما اختلف ترتيب الحروف اختلف المعنى.
وأمَّا من عَرَّفَ «الحَمْدَ» بأنه: الثناء بالجميل الاختياري،
فهذا قاصر:
أولاً: لأن الثناء أخصُّ من المدح؛ لأن الثناء هو مدحٌ مكرَّر كما جاء في الحديث القدسي الصحيح:«أن الإِنسان إذا قال: الحمد لله رَبِّ العالمين، قال الله: حَمِدَني عبدي، فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى عَليَّ عبدي» ففرَّقَ اللهُ سبحانه وتعالى بين الحَمْدِ والثناء.
ثانياً: أنه بالجميل الاختياري يخرجُ الحَمْدُ على كمال الصِّفات اللازمة؛ التي لا تتعدَّى كالعظمة والكبرياء، وما أشبه ذلك، والله تعالى محمود على صفات الكمال اللازمة، وصفات الكمال المتعدية، فهو محمودٌ على كمالِهِ ومحمودٌ على إحسانِهِ سبحانه وتعالى.
وقوله:«ملءَ السماء، وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيء بعد». ملءَ: صفة لموصوف محذوف؛ والتقدير: حمداً ملء، وحمداً المحذوفة منصوبة على المصدر، والعامل فيها المصدر في قوله:«رَبَّنَا ولك الحمدُ».
وقوله:«ملءَ السماء» هكذا قال المؤلِّف بلفظ الإِفراد، وأكثرُ الرِّوايات الواردة في هذا عن النبيِّ ﷺ بلفظ الجمع «مِلءَ السماواتِ ومِلءَ الأرضِ»
وفي روايةٍ لمسلم: «مِلءَ السماء» وقوله: «مِلءَ الأرض»، جاء بها مفردة؛ لأن هذا هو التعبير القرآني، فالله سبحانه وتعالى في القرآن يعبِّر عن الأرض بالإِفراد، وعن السماوات بالجمع غالباً.
وقوله:«ملءَ السماء والأرض». قال بعضُ أهل العِلم : معناه أنه لو كان الحَمْدُ أجساماً لملأ السَّماءَ والأرضَ، فيكون ملأهما بالحجم.
ولكن؛ الصحيحُ خِلافُ ذلك، وأن معنى قوله: مِلءَ السَّماءِ: هو أنَّ الله سبحانه وتعالى محمودٌ على كلِّ مخلوق يخلُقُه، وعلى كلِّ فِعْلٍ يفعلُهُ. ومعلومٌ أن السماواتِ والأرضَ بما فيها كلُّها مِن خَلْقِ الله، فيكون الحمدُ حينئذٍ مالئاً للسماوات والأرض؛ لأن المخلوقات تملأ السَّماواتِ والأرضَ. وهذا أَولى؛ لأن الإِنسانَ يستحضرُ به أنَّ الله محمودٌ على كلِّ فِعْلٍ فَعَلَهُ، وعلى كُلِّ خَلْقٍ خَلَقَهُ.
أمَّا أن يُقدَّر أنه أجسامٌ متراكمة فهذه أيضاً تختلف؛ لأن الأجسامَ قد تكون صغيرة وقد تكون كبيرة، ومعلومٌ الفَرْقَ بين ما مُلِئ بأجسام صغيرة، وما مُلِئ بأجسامٍ كبيرة؛ لأن ما مُلِئ بأجسام كبيرة في الغالب يكون فيه فراغات، وقَدِّرْ ذلك بصاع مِن الأقط المقروص الذي جُعل كالقُرصان، وصاعٍ من الرُّزِّ تجد الفراغات الكثيرة في الأول دون الثاني.
وقوله:«وملء ما شئت من شيء بعد» تحتمل معنيين:
أحدهما: أن يُراد بذلك ما سِوَى السَّماواتِ والأرضِ مما لا نعلمُه.
والثاني: أن يُراد بذلك ما يشاؤه تعالى بعد فناء السَّماءِ والأرضِ. والأول أشمل.
تنبيه: في بعض روايات مسلم: «وملءَ ما بينهما». والأكثر على حَذْفِها،
وإنْ أتى بها أحياناً فَحَسنٌ.
ومَأْمُومٌ فِي رَفْعِهِ:«رَبَّنَا ولَكَ الحَمْدُ فَقَطْ» ............
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.