فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الروض المربعالبهوتي

(ثم) إذا فرغ من ذكر الاعتدال (يخر مكبرا) ، ولا يرفع يديه (ساجدا على سبعة أعضاء: رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه) لقول ابن عباس: «أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يسجد على سبعة أعظم، ولا يكف شعرا، ولا ثوبا: الجبهة واليدين والركبتين والرجلين» متفق عليه. وللدارقطني عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا «لا صلاة لمن لم يضع أنفه على الأرض» ، ولا تجب مباشرة المصلي بشيء منها، فتصح (ولو) سجد (مع حائل) بين الأعضاء ومصلاه قال البخاري في " صحيحه ": قال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة إذا كان الحائل (ليس من أعضاء سجوده) ،

٣٥٢

فإن جعل بعض أعضاء السجود فوق بعض كما لو وضع يديه على فخذيه، أو جبهته على يديه لم يجزئه،

٣٥٣

ويكره ترك مباشرتها بلا عذر، ويجزئ بعض كل عضو،

٣٥٤

وإن جعل ظهور كفيه، أو قدميه على الأرض، أو سجد على أطراف أصابع يديه فظاهر الخبر أنه يجزيه، ذكره في " الشرح "،

٣٥٥

ومن عجز بالجبهة لم يلزمه بغيرها ويومئ ما يمكنه،

حاشية الروض المربعابن قاسم، حاشية على الروض المربع

(ثم) إذا فرغ من ذكر الاعتدال (يخر مكبرا) أي يهوي ساجدا وفاقا، كسائر الانتقالات، من: خر يخر بالكسر خرورا، سقط وانكب على الأرض. والسجود فرض بالكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} والسجود لغة الخضوع والتذلل،

١٬١٧١

وقيل لمن وضع جبهته في الأرض: سجد لأنه غاية الخضوع، ومنه سجود الصلاة، وهو وضع الجبهة على الأرض، ولا خضوع أعظم منه، والسجود شرعا ما ذكره رحمه الله، ويأتي كلام الشيخ أيضا، والعضو: كل عظم وافر من الجسد.

ثم ركبتيه ثم يديه ثم جبهته مع أنفه) قال الوزير: وأجمعوا على مشروعيته، فيسجد على رجليه، ثم ركبتيه يضعهما على الأرض قبل يديه، لحديث وائل إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه رواه أهل السنن قال ابن القيم: وهو الصحيح، ولم يرو من فعله ما يخالف ذلك، ولحديث أبي هريرة: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع ركبتيه قبل يديه، ورواه الأثرم وابن أبي شيبة بلفظ إذا سجد أحدكم فيبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الفحل، ورواية يديه قبل ركبتيه، لعله منقلب على بعض الرواة، يدل عليه أول الحديث وآخره، من رواية ابن أبي شيبة، وفسر قوله صلى الله عليه وسلم «وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير» أن يبرك على ركبتيه قبل يديه إذا أراد السجود بروك البعير الذي أوطنه أهله،

١٬١٧٢

وأن لا يهوي في سجوده فيثني ركبتيه حتى يضعهما بالأرض على سكون ومهل، وروي عن بعض الصحابة ما يوافق ذلك، ولم ينقل عنهم خلافه، وهو قول جمهور السلف، وحكاه أبو الطيب عن عامة الفقهاء، والخطابي عن أكثرهم، وابن المنذر عن عمر وغيرهم، وسفيان والشافعي، وأحمد، وإسحاق وأصحاب الرأي وغيرهم.

الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة أعظم العظم جمعه عظام، ويسمى كل واحد عظما وإن اشتمل على عظام باعتبار الجملة، وعرفه الأطباء بأنه عضو بسيط يبلغ صلابته إلى حد لا يمكن ثنيه وللترمذي وصححه، إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب وجهه وركبتاه وكفاه وقدماه، قال: وعليه العمل عند أهل العلم.

على سبعة أعظم ولا يكف شعرا ولا ثوبا جملة معترضة بين المجمل والمبين أي لا يجمع ثيابه ولا شعره.

. وللدارقطني عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا يعني إلى النبي صلى الله عليه وسلم والدارقطني هو أبو الحسن علي بن عمران تقدم، وعكرمة هو ابن عبد الله مولى ابن عباس، ثقة مات سنة مائة وسبع.

«لا صلاة لمن لم يضع أنفه على الأرض» وأخرج الدارقطني أيضا عنه لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين وقد ثبت السجود على الأنف في أحاديث كثيرة، والجبهة والأنف حقيقة في المجموع وحكى ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا يجزئ السجود على الأنف وحده، وتقدم أنه صلى الله عليه وسلم إذا سجد مكن جبهته وأنفه من الأرض، قال الشيخ: والسجود في لغة العرب لا يكون إلا إذا سكن حين وضع وجهه على الأرض،

١٬١٧٣

وأما مجرد الخفض فلا يسمى سجودا،

١٬١٧٤

ومن سماه سجودا فقد غلط على اللغة،

١٬١٧٥

وقال بغير علم في كتاب الله،

١٬١٧٦

وإذا حصل الشك هل هذا ساجد أو ليس بساجد؟ لم يكن ممتثلا بالاتفاق اهـ،

١٬١٧٧

وفي السنن إذا سجدت فمكن سجودك،

١٬١٧٨

ولو سجد على حشيش أو قطن أوثلج أو برد ونحوه ولم يجد حجمه لم يصح، لعدم المكان المستقر.

الأرض» . ولا تجب مباشرة المصلي بشيء منها أي من أعضاء السجود، وأجمعوا عليه في الركبتين والقدمين

١٬١٧٩

وأما الجبهة ففي الصحيحين كنا نصلي معه في شدة الحر،

١٬١٨٠

فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض، بسط ثوبه فسجد عليه،

١٬١٨١

وأما اليدان فقول أكثر أهل العلم لحديث ابن عباس: رأيته يتقي الطين إذا سجد بكساء دون يديه رواه أحمد والمباشرة مأخوذة من البشرة، وهي ظاهر الجلد.

فتصح (ولو) سجد (مع حائل) بين الأعضاء ومصلاه أي حائل متصل بين أعضاء السجود وبين موضع صلاته، وفاقا لمالك وأبي حنيفة وجمهور العلماء.

لم يجزئه . ويكره ترك مباشرتها بلا عذر لحديث: إذا سدت فمكن جبهتك من الأرض ولا تنقر نقرا، وحديث إنهم شكوا إليه حر الرمضاء في جباههم، قال الشيخ: دلت الأحاديث والآثار على أنهم في حال الاختيار يباشرون الأرض بالجباه، وعند الحاجة كالحر ونحوه يتقون بما يتصل بهم من طرف ثوب وعمامة، وقلنسوة، ولهذا كان أعدل الأقوال في هذه المسألة أن يرخص في ذلك عند الحاجة،

١٬١٨٢

ويكره عند عدمها اهـ، وحكمته أن القصد من السجود مباشرة أشرف الأعضاء، وهو الجبهة والأنف لمواطئ الأقدام ليتم الخضوع والتواضع للأقربية في خبر أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.

ترك مباشرتها بلا عذر ويجزئ بعض كل عضو من الأعضاء المذكورة إذا سجد عليه قالوا: لأنه لم يقيد في الأحاديث، والأمر جاء بالسجود عليها، وأجمعوا عليه والاجتراء بالبعض يحتاج إلى مخصص.

بالجبهة لم يلزمه بغيرها . ويومئ ما أمكنه أي يومئ عاجز عن السجود على جبهته غاية ما يمكنه وجوبا، لحديث إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم

١٬١٨٣

وقيل: يلزم بالأنف إن أمكن،

١٬١٨٤

ومن سقط من قيام أو ركوع ولم يطمئن عاد،

١٬١٨٥

وإن اطمأن انتصب قائما وسجد،

١٬١٨٦

ومن سقط على جنبه بعد قيامه من الركوع، ثم انقلب ساجدا لم يجزئه سجوده، لأنه خرج عن سنن الصلاة وهيئتها،

١٬١٨٧

وإن سقط منه ساجدا أجزأه بغير نية، لأنه على هيئتها. لحديث ابن بحينة إذا سجد تجنح في سجوده، حتى يرى وضح إبطيه متفق عليه،

١٬١٨٨

وفي رواية فرج بين يديه، أي نحى كل يد عن الجنب الذي يليها ولحديث أبي حميد: كان إذا سجد جافى عضديه عن جنبيه، ووضع يديه حذو منكبيه، صححه الترمذي، ولمسلم عن ميمونة: لو شاءت بهيمة أن تمر بين يديه لمرت.

الشرح الممتع على زاد المستقنعابن عثيمين

«ثم يخرُّ مكبِّراً ساجداً». «ثم» حرف عطف يفيدُ الترتيب والتَّراخي، ولم يبيِّن المؤلِّفُ رحمه الله مقدار هذا التَّراخي، ولكن قد دلَّت السُّنَّةُ مِن حديث البراء بن عازب وغيره أن هذا القيام ـ أعني الاعتدال بعد الرُّكوع ـ يكون بمقدار الرُّكوع تقريباً، فقد قال البراء بن عازب رضي الله عنه :«رَمَقْتُ الصَّلاةَ مع محمد ﷺ فوجدت قيامَهُ فركعَتَه، فاعتدَالَه بعد رُكُوعه، فسجدَتَهُ، فجلسَتَهُ بين السَّجدتين، فسجدَتَه، فجلسَتَه ما بين التسليم والانصراف قريباً من السَّواء».

وعلى هذا؛ فالسُّنَّة الواردةُ عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام إطالة هذا الرُّكن أعني: ما بين الرُّكوعِ والسُّجودِ خلافاً لمن كان يُسرعُ فيه، بل لمن كان لا يطمئنُّ فيه، كما نشاهدُه من بعض المصلِّين، من حين أن يرفعَ من الرُّكوع يسجد، فالذي يفعل هذا ـ أي: لا يطمئنُّ بعد الرُّكوع ـ صلاتُه باطلة؛ لأنه تَرَكَ رُكناً مِن أركان الصَّلاةِ. وقد رأى النبيُّ ﷺ رَجُلاً يُصلِّي ولا يطمئنُّ، فَصلَّى الرَّجُلُ ثلاث مرَّات، وكلُّها يقول فيها رسولُ الله ﷺ :«ارجعْ فصلِّ فإنك لم تُصلِّ».

والآفةُ التي جاءت المسلمين في هذا الرُّكن: القيام بعد الرُّكوعِ،

٣٬١٣٦

وفي الرُّكن الذي بين السجدتين كما يقول شيخ الإِسلام: إنَّ هذا من بعض أمراء بني أميَّة، فإنهم كانوا لا يطيلون هذين الرُّكنين، والنَّاسُ على دين ملوكهم، فتلقّى النَّاسُ عنهم التَّخفيفَ في هذين الرُّكنين فظنَّ كثيرٌ من النَّاسِ أنَّ ذلك هو السُّنَّة، فماتت السُّنَّةُ حتى صار إظهارُها من المنكر، أو يكاد يكون منكراً، حتى إن الإِنسان إذا أطال فيهما ظَنَّ الظَّانُّ أنه قد نسيَ أو وَهِمَ.

وبناءً على ذلك؛ في صلاة الكُسوف يُطيل الرُّكوع إطالةً طويلةً،

٣٬١٣٧

فإذا رَفَعَ من الرُّكوع الثاني فإنه ـ أيضاً ـ يُطيل القيام نحواً من الرُّكوع، ولكن ماذا يقول؟

إنْ كان يعرف ما وَرَدَ عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام في هذا المقام قاله،

٣٬١٣٨

وإن كان لا يعرفُ كرَّرَ الحمدَ، لأن هذا الرُّكن ذِكْرُه الحَمْدُ من حين الرَّفْع،

٣٬١٣٩

ولو قلت:«لربِّي الحَمْد»، «رَبِّي ولك الحَمْد» وما أشبه ذلك من الكلمات كفى.

وقوله:«ثم يَخِرُّ مكبِّراً ساجداً». «مكبراً» حال من فاعل «يَخِرُّ» والحال الأصل فيها أنها مقارنة للفعل،

٣٬١٤٠

فإذا قلت مثلاً: جاء زيدٌ راكباً، فركوبُه حين مجيئه، فيكون التَّكبير إذاً حالَ الخُرور من القيام إلى السُّجودِ،

٣٬١٤١

وكذلك جميع تكبيرات الانتقال، محلُّها ما بين الرُّكنِ الذي انتقلتَ منه، والرُّكن الذي انتقلتَ إليه، وقد سبق لنا البحث في هذا.

ولم يذكر المؤلِّفُ رحمه الله رَفْعَ اليدين، فهل هذا مِن باب الاختصار، أو الاقتصار، أو العمد؟

الجواب: الثالث من باب العَمْد؛ لأن رَفْعَ اليدين عند السُّجودِ ليس بسُنَّة، فقد ثبت في «الصحيحين» من حديث ابن عُمرَ رضي الله عنهما وهو مِن أشدِّ النَّاسِ حِرصاً على السُّنَّةِ، وأضبط النَّاسِ لها ـ أنه ذكر «أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يرفع يديه إذا كَبَّرَ للإِحرام، وإذا كَبَّرَ للرُّكوع،

٣٬١٤٢

وإذا رَفَعَ من الرُّكوع قال: وكان لا يفعل ذلك في السُّجودِ» يعني: لا إذا سَجَدَ، ولا إذا قام من السُّجودِ. والرَّجُلُ قد ضَبَطَ وفَصَّلَ وبَيَّنَ، وليس هذا من باب النفي المجرَّد، هذا نفيٌ يدلُّ على إثبات تَرْكِ الفعل؛ لأن الرَّجُلَ قد تحرَّى الصَّلاةَ وضَبَطَ تكبيرَه ورَفْعَه عند الدُّخول في الصَّلاةِ، وعند الرُّكوع، وعند الرَّفع منه، فأثبت التَّكبيرَ والرَّفْعَ في ثلاثة مواضع، ونَفَى الرَّفعَ في السُّجود وعند القيام من السُّجود. وعلى هذا؛

فليس من السُّنَّة أن يرفعَ يديه إذا سَجَدَ.

وقد رُويَ عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنه كان يرفع يديه في كلِّ خَفْضٍ ورَفْعٍ. ولكن الحافظ ابن القيم رحمه الله ذكر أن هذا وَهْمٌ،

٣٬١٤٣

وأن صواب الحديث:«كان يكبِّرُ في كلِّ خَفْضٍ ورَفْعٍ» ووَجْهُ الوَهْمِ فيه حديثُ ابن عُمر؛ فإنه صريحٌ بعدم الرَّفْعِ عند السُّجودِ، وعند الرَّفْعِ من السُّجودِ، وليس هذا من باب تعارض مثبت ومنفي؛ حتى نقول بالقاعدة المشهورة: إن المثبتَ مقدَّم على النَّافي؛ لأنَّ النفي هنا في قوة الإِثبات، فإنه رَجُلٌ يحكي عن عَمَلٍ واحد فَصَّلَه، قال: هذا فيه كذا وأثبته، وهذا ليس فيه كذا ونَفَاه، وفَرْقُ بين النَّفْي المطلق وبين النَّفْي المقرون بالتفصيل،

٣٬١٤٤

فإن النَّفْيِ المقرون بالتفصيل دليلٌ على أن صاحبَه قد ضَبَطَ حتى وصل إلى هذه الحال، عرف ما ثبت فيه الرَّفْعُ وما لم يثبت فيه الرَّفْعُ، وعلى هذا فنقول: إن حديث ابن عُمرَ الثابتَ في «الصحيحين» مقدَّمٌ على ذلك الحديث الضَّعيف، والوهم فيه قريب.

٣٬١٤٥

فإذا قال قائل: ما الفَرْقُ بين الهوي للرُّكوعِ والهوي للسُّجودِ، أليس كلٌّ منهما انتقالاً من أعلى إلى أسفل؟ فالجواب: بلى، ولكن العبادات مبنيَّة على التوقيف، فلا قياس فيها،

٣٬١٤٦

ولو دخل القياس في صفات العبادات، وما أشبهها لضاع انضباطُ النَّاسِ، ولصار كلُّ إنسان يقيس على ما يريد، أو على ما يظنُّ أن القياسَ فيه تامُّ الأركان، ويضيع الاتفاق بين الأمة في عبادتهم التي يتقرَّبون بها إلى الله عز وجل.

وقوله:«ساجداً». حال من فاعل «يَخِرُّ» ولكنها حالٌ لاحقة؛ لأن هذه الحال ـ أعني: السجود ـ لا تكون في حال الخُرور، ولكنها تكون بعد انتهاء الخُرور، فهي حالٌ لاحقة، والسُّجود بحيث تتساوى أطرافه العليا والسُّفلى،

٣٬١٤٧

فلو فُرض أنه سَجَدَ على شيء مرتفع منزلق، وصار إلى القعود أقرب منه إلى السجود،

٣٬١٤٨

فإن ذلك لا يُعَدُّ سجوداً، فلا بُدَّ من تساوي الأعالي والأسافل، أو على الأقل أن يكون إلى السُّجودِ التام أقربَ منه إلى الجلوس التام؛ فيما لو كانت الأرض متصاعدة.

عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاء: رِجْلَيْهِ، ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَبْهَتِهِ مَعَ أَنْفِهِ «على سبعة أعضاء: رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه».

قال:«سبعة أعضاء» وبيَّنها قال: رجليه، ثم ركبتيه، ـ أربعة.

ثم يديه ـ ستة.

ثم جبهته مع أنفه ـ سبعة.

والواقع أن الجبهة والأنف ليسا شيئاً واحداً، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام ألحق الأنفَ بالجبهة إلحاقاً، والدَّليل على ذلك: حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «أُمِرْتُ أن أسجُدَ على سَبْعَة أعظُم: على الجبهة ـ وأشار بيده على أنفه ـ، واليدين، والرُّكبتين، وأطراف القدمين، ولا نَكْفِتَ الثِّيابَ والشَّعْرَ» وهنا لو كان الأنفُ من الجبهة حكماً وحقيقةً ما أشار إليه،

٣٬١٤٩

ولو كان عضواً مستقلاً لنصَّ عليه، وجَعَله مستقلاً، فكانت الأعضاءُ ثمانية. إذاً فهو تابع، فهو من الجبهة حُكماً لا حقيقة، ولهذا أشار إليه النبيُّ ﷺ إشارة.

وقوله:«ثم يديه» أي: كفَّيه، كما في الحديث؛ لأن اليَد عند الإِطلاق هي الكفُّ فقط، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ الآية ، وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ الآية ، فالمراد باليدين في الآيتين الكفُّ، ولهذا يُقطع السارقُ مِن مفصلِ الكفِّ،

٣٬١٥٠

وفي التيمم أرى النبيُّ ﷺ عمارَ بن ياسر كيف مَسْح اليدين، فمسحَ ظاهرَ كفَّيه، ومسحَ الشمالَ على اليمين .

إذاً؛ كلامُ المؤلِّف لا يُعارِض الحديثَ، لأن اليدين عند الإِطلاق يُراد بهما الكفُّ،

٣٬١٥١

وأما إذا قُيِّدت اليدُ فعلى حسب ما قُيِّدت به، كما في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الآية . وقوله:«ثم جبهته مع أنفه» لم يقل: جبهته وأنفه، أو ثم أنفه، بل قال:«مع» إشارة إلى أنَّ الأنفَ تابعٌ مصاحبٌ وهو كذلك.

وبقي علينا نَظَرٌ آخر في هذه العبارة، فقوله:«على سبعة أعضاء، … رجليه» أليس هو قائماً على رجليه مِن الأصل؟

الجواب: أنه رُبَّما يرفعهما إذا سَجَدَ، ولهذا نصَّ عليهما حتى لا يرفعهما.

وقوله:«ثم ركبتيه، ثم يديه» أفادنا المؤلِّفُ بالنصِّ الصَّريح أنَّ الرُّكبتين مقدمتان على اليدين في السُّجود، كما ذَهَبَ إليه عُمرُ بنُ الخطَّاب رضي الله عنه، وعامةُ أهلِ العِلم؛ ومنهم الأئمةُ الثلاثةُ: أحمدُ وأبو حنيفة والشافعيُّ، وهذا مقتضى النصِّ المرويِّ عن النبيِّ ﷺ من فِعْلِه، والذي ثبت عنه أو كاد يثبت من قوله، وأيضاً: هو مقتضى النظر.

٣٬١٥٢

أمَّا أنه مقتضى النصِّ المرويِّ من فِعْلِ النبيِّ ﷺ، فلأن النبيَّ ﷺ رُوي عنه أنَّه كان إذا سَجَدَ بدأ بركبتيه قبل يديه. لكن هذا الحديث طَعَنَ فيه كثيرٌ من أهلِ العِلم، وقالوا: إنه ضعيف.

٣٬١٥٣

وأما أنَّه ثَبَتَ عنه من قوله، أو كاد يثبت؛ فلحديث أبي هريرة، وهو قوله عليه الصلاة والسلام :«إذا سَجَد أحدُكم فلا يَبْرُك كما يبرك البعيرُ» فإن الرسول ﷺ نهى أن يَبْرُكَ الرَّجلُ كما يَبْرُك البعيرُ، والبعيرُ إذا بَرَكَ يُقدِّم يديه، فيقدِّم مقدمه على مؤخره كما هو مشاهد، وقد ظَنَّ بعضُ أهل العِلم أن معنى قوله:«فلا يبرك كما يبرك البعير» يعني: فلا يبرك على ما يبرك عليه البعير، وأنه نهى أن يبركَ الإِنسانُ على رُكبتيه، وعلى هذا؛

فيقدِّم يديه، ولكن بين اللفظين فَرْقاً واضحاً،

٣٬١٥٤

فإنَّ النهيَ في قوله:«كما يبرك» نهيٌ عن الكيفية؛ لأن الكاف للتشبيه،

٣٬١٥٥

ولو كان اللفظ:«فلا يبرك على ما يبرك» لكان نهياً على ما يسجد عليه، وعلى هذا؛ فلا يسجد على رُكبتيه؛ لأن البعير يبرك على ركبتيه، وعلى هذا فيقدِّم يديه.

٣٬١٥٦

وأما كونه مقتضى النظر: فلأن الوضعَ الطبيعيَّ للبدن أن ينزلَ شيئاً فشيئاً، كما أنه يقومُ مِن الأرض شيئاً فشيئاً،

٣٬١٥٧

فإذا كان ينزلُ شيئاً فشيئاً، فالأسفلُ منه ينزل قبل الأعلى،

٣٬١٥٨

وإذا قامَ شيئاً فشيئاً، فالأعلى يكون قبل الأسفل. وعلى هذا؛ فيكون هذا القول الذي عليه عامة أهل العِلم هو الموافق للمنقول والطبيعة، لكن مع ذلك لو أن إنساناً كان ثقيلاً، أو مريضاً، أو في ركبتيه ما يشقُّ عليه به السُّجودُ على الرُّكبتين، ففي هذه الحال لا بأس أن يُقدِّمَ اليدين، ويكون النَّهيُ ما لم يوجد سببٌ يقتضيه،

٣٬١٥٩

فإن وُجِدَ سببٌ يقتضيه فإن هذا لا بأس به؛ لأن مبنى الدِّين الإسلامي ولله الحمد على اليسر والسهولة، ففي القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ الآية والإرادة هنا شرعية، يعني: أن الشَّرعَ هو التيسير،

٣٬١٦٠

وفي السُّنَّة:«بُعثتُ بالحنيفية السَّمحة» و «يسِّرُوا ولا تعسِّرُوا». فالمقصود الوصول إلى السجود،

٣٬١٦١

فإن تمكَّن الإنسانُ أن يأتيَ به على الوجهِ الأكملِ فهو أكملُ،

٣٬١٦٢

وإنْ شَقَّ عليه فإنه يفعل ما تيسَّر.

٣٬١٦٣

ومِن العلماء مَن يقول: بل يسجدُ على يديه أولاً ، ظنًّا منه أن قوله:«فلا يبركْ كما يبركُ البعيرُ» يُراد به: فلا يبركْ على ما يَبركُ عليه البعيرُ،

٣٬١٦٤

وقال: إن ركبتي البعير في يديه، وهذا صحيحٌ أنَّ ركبتي البعيرِ وكلُّ ذات أربع في اليدين، لكن الحديث لا يساعدُ لفظُه على هذا المعنى،

٣٬١٦٥

وأما آخرُ الحديث المفرَّع على أوله وهو قوله:«وليضعْ يديه قبل ركبيته» ففيه انقلابٌ كما حقَّقه ابنُ القيم ؛ لأنه لو لم يكن فيه انقلابٌ لكان مناقضاً لأول الحديث، وكلامُ النبيِّ ﷺ لا مناقضةَ فيه.

٣٬١٦٦

ومِن الإخوة المبتدئين مَن حاول أن يجمعَ بين الأمرين، فقال: لا أُنْزل أعالي بدني، ولا أسجدُ على الرُّكبتين، أجلسُ مستوفزاً، ثم أضعُ يدي على الأرض، ثم أرفعهما إلى الأمام، فنقول: مَنْ جاء بهذه الصِّفة؟! فهذه الصِّفة ما قال بها أحدٌ مِن المتقدِّمين، والجَمْعُ بين النصوص في صفةٍ تُخالفُ ما تقتضيه النصوص، وتخرج عما قاله العلماءُ خطأ،

تعليق

ثم إن هذا فِعْلٌ يُخالف الطبيعةَ والجِبِلَّةَ، وكلُّ فِعْلٍ يُخالفُ الطبيعةَ والجِبِلَّةَ في الصَّلاةِ يحتاجُ إلى دليل، لأن الصَّلاة عبادةٌ كلَّها بأفعالها وأقوالها،

وهذه قاعدةٌ أُحِبُّ أن يُنْتَبَه لها:

«كلُّ فِعْلٍ يُخالفُ مقتضى الطَّبيعةِ الحاصلةِ عند تنقلاتِ البَدَن يحتاجُ إلى دليلٍ على إثباته، ليكون مشروعاً».

وبناءً على ذلك نقول: الأصلُ وَضْعُ الأعضاء على ما هي عليه بمقتضى الطَّبيعةِ حتى يقوم دليلٌ على المخالفة، ولهذا لولا أنه وَرَدَ ما يدلُّ على تطابق الرِّجلين في السُّجُودِ ، لكنا نقول: إنَّ الإنسانَ يجعلها طبيعيتين،

٣٬١٦٧

فإذا كانت الرُّكبتان متباعدتين فلتكن القدمان كذلك، لكن لمَّا وَرَدَ ما يدلُّ على أنه يلصَقُ بعضُها ببعض، خرجنا عن هذا الأصل، فكلُّ شيء لم ينقل عن عادة البدن؛ فإنه يبقى على ما هو عليه مِن عادة البدن.

٣٬١٦٨

وَلَوْ مَعَ حَائلٍ لَيْسَ مِنْ أَعْضَاءِ سُجُودِهِ ........... «ولو مع حائلٍ ليسَ من أعضاءِ سجودِهِ» أي: يَسجُد على الأرض؛

٣٬١٦٩

ولو مع حائل ليس مِن أعضاء السُّجودِ. والحائل: يشمَلُ الثوبَ، والغُترةَ، والمشلحَ، وما كان مِن جنس الأرضِ، وما كان من غير جنسها فهو عامٌّ، لكن لا بُدَّ أن يكون طاهراً؛ لأنه لا يمكن السُّجود على النَّجِسِ؛ إذ إن مِن شرط الصَّلاةِ كما سَبَقَ اجتنابُ النجاسة . «ليسَ من أعضاءِ سجودِهِ» أي: لا يجوز أن يسجد على حائلٍ من أعضاء السُّجود: بأن يضع جبهته على كفَّيه مثلاً، أو يضع يديه بعضهما على بعض، أو يضع رجليه بعضهما على بعض، لأنه إذا فَعَلَ ذلك فكأنما سَجَدَ على عضوٍ واحدٍ.

وقوله رحمه الله :«ولو مع حائلٍ ليسَ من أعضاءِ سجودِهِ»: لم يبيِّن حُكمَ السُّجودِ على حائلٍ إذا كان مِن غير أعضاء السُّجودِ، إنما بَيَّنَ أنَّ السجودَ يجزئُ مع الحائل، فما حُكم وَضْعِ الحائل؟

قال أهلُ العلم: إن الحائل ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: أن يكون متَّصلاً بالمصلِّي، فهذا يُكره أن يسجدَ عليه إلا مِنْ حَاجةٍ مثل: الثَّوب الملبوس، والمشلح الملبوس، والغترة، وما أشبهها،

ودليل ذلك:

حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال:«كُنَّا نُصَلِّي مَع النبيِّ ﷺ في شِدَّة الحَرِّ، فإذا لم يستطع أحدُنا أن يُمكِّنَ جبهتَه مِن الأرض؛ بَسَطَ ثوبَه فَسَجَدَ عليه».

فقوله:«إذا لم يستطع أحدُنا أن يُمكِّنَ» دَلَّ على أنَّهم لا يفعلون ذلك مع الاستطاعة، ثم التعبير بـ «إذا لم يستطع»؛ يدلُّ على أنه مكروه، لا يُفعل إلا عند الحاجة.

القسم الثاني: أن يكون منفصلاً، فهذا لا بأس به ولا كراهة فيه؛ لأنه ثَبَتَ عن النبيِّ ﷺ أنه صَلَّى على الخُمْرَة .

والخُمْرة: عبارة عن خَصيف مِن النَّخْلِ، يسعُ جبهةَ المصلِّي وكفِّيه فقط،

وعلى هذا فتكون الحوائل ثلاثة أقسام:

١ ـ قسم مِن أعضاء السُّجود، فهذا السُّجودُ عليه حرام، ولا يجزئ السُّجود.

٢ ـ قسم من غير أعضاء السجود؛ لكنه متَّصل بالمصلِّي، فهذا مكروه،

٣٬١٧٠

ولو فُعِلَ لأجزأ السُّجود؛ لكن مع الكراهة.

٣ ـ قسم منفصل، فهذا لا بأس به، ولكن قال أهل العِلم: يُكره أن يخصَّ جبهته فقط بما يسجد عليه.

وعلَّلوا ذلك: بأن هذا يشابه فِعْلَ الرافضة في صلاتِهم،

٣٬١٧١

فإن الرافضة يتَّخذون هذا تديناً يُصلُّون على قطعة من المَدَر كالفخَّار يصنعونها مما يسمونه «النَّجف الأشرف»، يضعون الجبهة عليه فقط، ولهذا تَجِدُ عند أبواب مساجدهم «دواليب» ممتلئة من هذه الحجارة،

٣٬١٧٢

فإذا أراد الإنسان أن يدخل المسجد أخذ حجارة ليسجد عليها، ومنهم من يفعل ذلك؛ لأنه يرى أنه لا يجوز السجود إلا على شيء من جنس الأرض، فلا يجوز السجود على الفراش ولو من خصيف النخل، مع أنه ثبت عن النبيِّ ﷺ أنه سجد على خصيف النخل، كما في حديث أنس حينما غَسَل للنبيِّ ﷺ الحصير الذي اسْوَدَّ من طُولِ ما لُبِسَ وصَلَّى عليه ﷺ.

والسُّجود على هذه الأعضاء السَّبعة واجب في كل حال السُّجود، بمعنى أنه لا يجوز أن يرفع عضواً من أعضائه حال سجوده، لا يداً، ولا رِجْلاً، ولا أنفاً، ولا جبهة، ولا شيئاً من هذه الأعضاء السبعة.

٣٬١٧٣

فإن فَعَلَ؛ فإن كان في جميع حال السجود فلا شَكَّ أن سجوده لا يصحُّ؛ لأنه نقص عضواً من الأعضاء التي يجب أن يسجد عليها.

٣٬١٧٤

وأمَّا إن كان في أثناء السجود؛ بمعنى أن رَجُلاً حَكَّته رِجْلُهُ مثلاً فَحَكَّها بالرِّجْلِ الأخرى فهذا محلُّ نظر، قد يُقال: إنها لا تصحُّ صلاته لأنه تَرَكَ هذا الرُّكن في بعض السجود.

وقد يُقال: إنه يجزئه لأن العبرة بالأَعمِّ والأكثر،

٣٬١٧٥

فإذا كان الأعمُّ والأكثر أنه ساجد على الأعضاء السبعة أجزأه، وعلى هذا فيكون الاحتياط: ألا يرفع شيئاً وليصبر حتى لو أصابته حِكة في يده مثلاً، أو في فخذه، أو في رِجْلِهِ فليصبر حتى يقومَ من السُّجود.

مسألة: إذا عَجَزَ عن السُّجود ببعض الأعضاء فماذا يصنع؟

الجواب: لدينا قاعدةٌ؛ وهي قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ .

وقول النبيِّ ﷺ : «إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم» .

٣٬١٧٦

فإذا قُدِّرَ أنَّ إحدى يديه جريحة، لا يستطيع أن يسجدَ عليها، فليسجدْ على بقية الأعضاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وإذا قُدِّر أنه قد عَمل عمليَّة في عينيه،

٣٬١٧٧

وقيل له: لا تسجدْ على الأرض؛ فليومئ ما أمكنه، وليضع مِن أعضاء السجود ما أمكنه.

٣٬١٧٨

وأما قول بعض الفقهاء: من عَجَزَ عن السُّجودِ بالجبهة لم يلزمه بغيرها ، فهذا مُسلَّمٌ في بعض الأحوال، مُسَلَّم فيما إذا كان لا يستطيع أن ينحني؛ بحيث يكون إلى السُّجود التامِّ؛ أقرب منه إلى الاعتدال التامِّ، فهذا لا يلزمُه السُّجود.

٣٬١٧٩

أما إذا كان يستطيع أن يومئ؛ بحيث يكون إلى السُّجود التامِّ؛ أقرب منه إلى الجلوس التامِّ، فهذا يلزمه أن يسجدَ ببقية الأعضاء؛ فيدنو من الأرضِ بِقَدْرِ ما يمكنه؛ ثم يضع يديه.

٣٬١٨٠

فإذا قال قائل: ما هو الدَّليل على هذا؟

فالجواب: أنَّ الدَّليل: أننا أمرنا بالسُّجودِ، وأمرنا أن نتَّقي الله ما استطعنا،

٣٬١٨١

فإذا كنا نستطيع أن نَقْرُبَ إلى السُّجودِ التامِّ وَجَبَ أن نَقْرُبَ؛ لأننا نكون كهيئة السَّاجدِ الذي رَفَعَ جبهته.

٣٬١٨٢

أما إذا كُنَّا لا نستطيع أن ندنو إلى الأرض؛ بحيث نكون إلى السُّجودِ أقربَ؛ ففرضنا حينئذٍ الإيماء، فيومئ الإنسان ولا يلزمه أن يضع يديه أو ركبتيه على الأرض.

والحكمة مِن السُّجودِ: أنه مِن كمال التعبُّد لله والذُّلِّ له،

٣٬١٨٣

فإن الإنسان يضع أشرف ما فيه وهو وجهه؛ بحذاء أسفل ما فيه وهو قدمه.

وأيضاً: يضعه على موطء الأقدام، يفعل كلَّ هذا تعبُّداً لله تعالى وتقرُّباً إليه.

٣٬١٨٤

ومِن أجل هذا التَّطامن والنزول الذي فَعَلَهُ لله تعالى صار أقرب ما يكون الإنسان من رَبِّه وهو ساجد، مع أنه لو قام لكان أعلى وأقرب، لكن لنزوله لله عز وجل صار أقرب إلى الله، «فما تواضعَ أحدٌ لله إلا رَفَعَهُ اللَّهُ».

هذه هي الحكمة والسِّرُّ في هذا السجود العظيم، ولهذا ينبغي لنا أن تسجد قلوبُنا قبل أن تسجدَ جوارحنا؛ بأن يشعر الإنسان بهذا الذُّلِّ والتَّطامن والتواضع لله عز وجل، حتى يدرك لذَّةَ السُّجود وحلاوته، ويعرف أنَّه أقرب ما يكون إلى الله.

وهذا المعنى قد يغفل عنه أصحابُ الظَّواهر الذين يريدون أن يُجمِّلُوا الطاعات بظاهرها، وهم يُحمدون على هذا، ولا شَكَّ أنَّنا مأمورون أن نُجَمِّلَ الطاعات بظواهرها، بتمام الاتِّباعِ وكماله، لكن هناك شيءٌ آخر يَغْفُلُ عنه كثيرٌ من الناس؛ ويعتني به أربابُ السُّلوكِ، وهو تكميل الباطن؛ بحيث يركعُ القلبُ قبل رُكوع البدن، ويسجد قبل سجودِ البدن، ولكن قد يُقصِّر أربابُ السُّلوكِ الذين يعتنون بالبواطن في إصلاح الظواهر؛ فتجدهم يُخِلُّون كثيراً في إصلاح الظواهر، والكمال هو إصلاح الأمرين جميعاً؛

والعنايةُ بكمالهما جميعاً؛ بكمال البواطن وكمال الظواهر.

وإنِّي والله، وأشهد الله، أننا لو أقمنا الصَّلاةَ كما ينبغي؛ لكُنَّا كُلَّما خرجنا من صلاة؛ نخرج بإيمان جديد قوي؛ لأن الله يقول: ﴿اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ الآية .

لكن؛ نسألُ اللهَ أن يعاملنا بعفوه؛ ندخل فيها بقلب ونخرج بقلب، هو القلب الأول؛ لأننا لا نأتي بما ينبغي أن نأتيَ به مِن خضوع القلب وحضوره؛ وشعوره بهذه التنقُّلات؛ التي هي رياض متنوِّعة وأفعال مختلفة، وأقوال هي ما بين قراءة كلام الله عز وجل، وذكره وتعظيمه، وتكبيره ودعائه، والثناء عليه، ووصفه بأكمل الصفات «التحيات لله والصلوات … إلخ»، فهي رياض عظيمة، لكن فينا قصور مِن جهة مراعاة هذه الأسرار.

وقد وَرَدَ في الحديث:«إن الله حَرَّمَ على النَّار أن تأكل أثَرَ السُّجود» فيمن يدخل النارَ من العُصاة؛ لأن عُصاةَ المؤمنين إذا لم يَتُبِ الله عليهم، ولم يكن لهم حسنات ترجح على سيئاتهم، فإنهم يُعذَّبون بالنار بقَدْرِ ذنوبهم؛ لكن أعضاء السُّجود محترمة لا تأكلها النار، ولا تؤثر فيها،

ولهذا قال بعضهم:

يا ربِّ أعضاءَ السُّجودِ أعتقتَها … مِن فَضْلِكَ الوافي وأنت الباقي والعتقُ يسري في الغني يا ذا الغنى … فامْنُنْ على الفاني بعتق الباقي فتوسَّلَ إلى الله بعتق هذه الأعضاء إلى أن يعتق جميعَ البَدَنِ لسريان العتق إليه.

وَيُجَافِي عَضُدَيْه عَنْ جَنْبَيْه، وبَطْنهُ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَيُفَرِّقُ رُكْبَتَيْهِ، ..........

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.