ثم يرفع مكبرا ناهضا على صدور قدميه معتمدا على ركبتيه إن سهل
الشروح عليها
(ثم يرفع) من السجود (مكبرا ناهضا على صدور قدميه) ، ولا يجلس للاستراحة (معتمدا على ركبتيه إن سهل) وإلا اعتمد على الأرض،
وفي " الغنية " يكره أن يقدم إحدى رجليه
من السجود (مكبرًا) . ناهضًا على صدور قدميه) أي قائما على مقدمهما، وأطلق صدور على صدرين لاستثقال الجمع بين تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة،
وفي المطلع: جيء به بلفظ الجمع لأن كل مثنى معنى مضاف إلى متضمنه، يختار فيه لفظ الجمع على لفظ الإفراد، ولفظ الإفراد على لفظ التثنية، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ينهض في الصلاة على صدور قدميه، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم، وروى ابن أبي شيبة وغيره من غير وجه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم.
ناهضًا على صدور قدميه) ، ولا يجلس للاستراحة أي لا يسن أن يجلس جلسة الاستراحة بفتح الجيم لأنه مرة من الجلوس،
ويجوز كسر الجيم، بتقدير إرادة الهيئة، لأن فيها قدرا زائدا على الجلسة، وذلك هو الهيئة والاستراحة: هي طلب الراحة، كأنه صار له إعياء فيجلس ليزول عنه، وهي جلسة خفيفة صفتها كالجلوس بين السجدتين، وثبت أنه صلى الله عليه وسلم فعلها، ولكن لم يذكرها كل واصف لصلاته، ومجرد فعلها لا يدل على أنها من سنن الصلاة،
وإذا قدر أنه فعلها لحاجة، لم يدل على سنيتها، إلا إذا علم أنه فعلها ليقتدي به فيها، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، قال أحمد: أكثر الأحاديث على هذا، قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم،
وقيل: يجلس، لفعله عليه الصلاة والسلام ويحمل أنه في آخر عمره عند كبره، جمعًا بين الأخبار، واختاره الشيخ وغيره.
ركبتيه إن سهل) . وإلا اعتمد على الأرض أي: وإلا يسهل عليه والاعتماد على ركبتيه لكبر أو ضعف أو مرض أو سمن ونحوه اعتمد بيديه على الأرض بلا خلاف، لحديث علي المتقدم ولحديث مالك.
، وفي الغنية: يكره أن يقدم إحدى رجليه نص عليه، وروي عن ابن عباس وغيره، أنه يقطع الصلاة، والغنية لشيخ عصره عبد القادر بن عبد الله بن جنكي دوس، الجيلي البغدادي المشهور، وله (الفتح الرباني) و (فتوح الغيب) وغيرها، توفي ببغداد سنة خمسمائة وإحدى وستين.
«ثم يرفع مكبِّراً ناهضاً على صدور قدميه». أي: من السجدة الثانية «مكبِّراً» حال من فاعل «يرفع» فيكون التكبير في حال الرَّفْعِ. «ناهضاً على صدور قدميه»
قال في «الرَّوض»: ولا يجلس للاستراحة، يعني: ينهض على صدور قدميه؛ معتمداً على رُكْبَتَيْه بدون جلوس. مُعْتَمِداً عَلَى رُكْبَتيه إنْ سَهُلَ ............. «معتمداً على ركبتيه إن سهل» أي:
وإن لم يَسْهُلْ عليه فإنه يعتمدُ على الأرض، ويبدأ بالنُّهوض مِن السُّجود بالجبهة والأنف، ثم باليدين؛ فيضعهما على الرُّكبتين، ثم ينهض على صدور القدمين. هذا هو السُّنَّةُ على ما قاله المؤلِّف رحمه الله وهو المذهب.
فاستفدنا مِن كلامه أنه لا يجلس إذا قام إلى الركعة الثانية، وهذه المسألة فيها خِلاف بين أهل الحديث وبين الفقهاء أيضاً .
فالقول الأول: لا يجلس كما ذَكَرَه المؤلِّفُ، فلا يُسَنُّ الجلوس مطلقاً. وهو المذهب.
القول الثاني: يجلس مطلقاً، سواء احتاجَ للجلوس أم لم يحتجْ، يجلس تعبُّداً لله عز وجل. وهذا قول أكثر أهل الحديث، وهذان قولان متقابلان.
القول الثالث: وسط؛ وافق هؤلاء في حال؛ ووافق هؤلاء في حال، فقالوا: إن كان الإنسان محتاجاً إلى الجلوس؛ أي: لا يستطيع أن ينهضَ بدون جلوس؛ فيجلس تعبُّداً،
وإذا كان يستطيع أن ينهض فلا يجلس. وهو اختيار صاحب «المغني» وابن القيم ، ولكلِّ قول من هذه الأقوال الثلاثة دليل.
وهذه الجِلْسة تُسَمَّى عند العلماء: جِلْسَةَ الاستراحة.
ومعلوم أن إضافتها إلى الاستراحة يعطيها حكماً خاصاً بما إذا كان الإنسان يستريح بها، ولهذا رفض بعضهم أن تُسمَّى جِلْسَة الاستراحة،
وقال: يجلس؛ ولا نقول: جِلْسَة الاستراحة؛ لأننا إذا سمَّيناها جِلْسَة الاستراحة رفعنا عنها حكم التعبُّد، وصارت لمجرد الاستراحة، ولكن في هذا شيء من النظر؛ لأن الاستراحةَ للتقوِّي على العبادة عبادةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ الآية فتسمية العلماء لها قاطبة فيما نعلم بجِلْسَة الاستراحة لا يُنكر؛ لأننا نقول: حتى وإن سمَّيناها جِلْسَة الاستراحة؛
فإنَّ التعبُّدَ لله بها إذا كان الإنسان يستريح بها لينشطَ على العبادة يجعلها عبادة.
استدلّ من قال: يجلس مطلقاً: أنه ثبت في «صحيح البخاري» من حديث مالك بن الحُويرث أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا كان في وِتْرٍ مِن صلاتِه لم ينهض حتى يستوي قاعداً» ،
وكذلك في الحديث نفسِه أنَّه كان يعتمدُ على الأرض ثم يقوم .
قالوا: وهذا دليل على أنها جِلْسَةٌ يستقرُّ فيها؛ لأن الاستواء بمعنى الاستقرار، ومنه قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ *وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ *﴾ [الزخرف] فإذا كان مالك بن الحويرث يروي هذا عن رسول الله ﷺ وهو الذي روى قوله ﷺ: «صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي» وقد جاء في وَفْدِ قومِه في السَّنَةِ التاسعة في آخر حياة النبيِّ ﷺ فإن هذا يدلُّ على أنها مستحبَّةٌ، وأنها مِن الجِلسات المندوبة وليست مِن الجِلسات التي تُفعل بمقتضى الطبيعة والجِبلَّة.
واستدلَّ مَنْ قال:«لا يجلس» بحديث وائل بن حُجْر بأن النبيَّ ﷺ«كان إذا نَهَضَ؛ نَهَضَ على رُكبتيه، واعتمدَ على فَخِذيهِ».
واستدلَّ من يرى التفصيل بأنه مِن المعلوم أن للرسول ﷺ حالين:
حالاً كان فيها نشيطاً شابًّا قويًّا. وحالاً كان فيها دون ذلك، فإنه كان عليه الصلاة والسلام في آخر حياته يُصلِّي الليلَ قاعداً أكثر من سَنَة ، وكان عليه الصلاة والسلام يسابق عائشة فَسَبَقَتْهُ ، ثم إنه عليه الصلاة والسلام كان يحبُّ أن يُيسِّرَ على نفسِه في العبادة،
وكذلك يحبُّ أن ييسر الإنسان على نفسه في العبادة، حتى إنه أنكر على الذين قالوا: نصومُ ولا نفطرُ، ونقومُ ولا ننامُ، ولا نتزوجُ النساء . ومَنَعَ عبدَ الله بن عَمرو بن العاص أن يصوم الدَّهر، وأرشده إلى أن يصوم يوماً ويفطر يوماً ، ومَنَعَه من أن يقوم الليلَ كلَّه وأرشده إلى أن ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سُدسه . وهذا دليل على أنَّ شريعة النبيِّ عليه الصلاة والسلام مبنية على اليُسرِ والسُّهولة.
وكان مالك بن الحُويرث قدم إليه في آخر حياته؛ فكان ﷺ يحبُّ التيسير على نفسِه، فيجلس ثم يعتمد بيديه على الأرض وهذا يدلُّ على أن قيامه فيه شيء من المشقَّة، بدليل اعتماده على الأرض؛ لأن من كان نشيطاً؛ فإنه وإنْ جَلَسَ للتشهُّد أو لغير التشهد لا يحتاج إلى الاعتماد.
وقالوا أيضاً: إنَّ مِن المعلوم أن جميع أفعال الصَّلاة المستقلَّة أركان أو واجبات، وهذه ليست ركناً ولا واجباً بالإجماع، وأكثر ما فيها أن العلماء اختلفوا في مشروعيتها، وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أنها غير ركن.
وأيضاً: كُلُّ فِعْلٍ من أفعال الصلاة له ذِكْرٌ وفيه ذِكْرٌ، وهذه ليس لها ذِكْرٌ، وليس فيها ذِكْرٌ. فدلَّ على أنها ليست على سبيل التعبُّد.
وعليه؛ فنقول: إن احتاجَ الإنسانُ إليها صارت مشروعة لغيرها للراحة وعدم المشقَّة،
وإن لم يحتج إليها فليست بمشروعة. وهذا القول كما ترى قولٌ وَسَطٌ، تجتمع فيه الأخبار كما قال صاحب «المغني»رحمه الله، وهو اختيار ابن القيم، أننا لا نقول سُنَّة على الإطلاق، ولا غير سُنَّة على الإطلاق، بل نقول هي سُنَّة في حَق مَنْ يحتاج إليها لكبر أو مرض أو غير ذلك. وكنت أميلُ إلى أنها مستحبَّة على الإطلاق وأن الإنسان ينبغي أن يجلس، وكنت أفعلُ ذلك أيضاً بعد أن كنت إماماً، ولكن تبيَّن لي بعد التأمل الطويل أن هذا القول المفصَّل قول وسط، وأنه أرجح من القول بالاستحباب مطلقاً،
وإن كان الرُّجحان فيه ليس قوياً عندي، لكن تميل إليه نفسي أكثر، فاعتمدت ذلك.
مسألة: إذا كان الإنسان مأموماً فهل الأفضل له أن يجلس إذا كان يرى هذا الجلوس سُنَّة، أو متابعة الإمام أفضل؟
الجواب: أنَّ متابعةَ الإمام أفضل، ولهذا يَتركُ الواجبَ وهو التشهُّد الأول، ويَفعلُ الزَّائدَ؛ كما لو أدرك الإمامَ في الرَّكعةِ الثانية، فإنه سوف يتشهَّدُ في أول ركعة؛ فيأتي بتشهد زائد مِن أجل متابعة الإمام، وسوف يترك التشهُّد الأول إذا قامَ الإمامُ للرابعة، مِن أجل متابعة الإمام، بل يتركُ الإنسانُ الرُّكنَ من أجل متابعة الإمام، فقد قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام :«إذا صَلَّى قاعداً فصلُّوا قعوداً» فيترك رُكنَ القيام، ورُكنَ الرُّكوع فيجلس في موضع القيام، ويومئ في موضع الرُّكوع، كلُّ هذا من أجل متابعة الإمام.
فإن قال قائل: هذه الجِلْسة يسيرة، لا يحصُل بها تخلُّف كثير عن الإمام. فالجواب: أن النبيَّ ﷺ قال: «إذا رَكَعَ فاركعوا وإذا سَجَدَ فاسجدوا » فأتى بالفاء الدَّالة على الترتيب والتعقيب بدون مُهلة، وهذا يدلُّ على أن الأفضل في حَقِّ المأموم ألا يتأخَّر عن الإمام ولو يسيراً، بل يبادر بالمتابعة، فلا يوافق، ولا يسابق، ولا يتأخَّر، وهذا هو حقيقة الائتمام.
فإن كان الأمرُ بالعكس، بأن كان الإمامُ يرى هذه الجِلْسَة وأنت لا تراها،
فإن الواجب عليك أن تجلس؛ لأنك لو لم تجلس لقمت قبل إمامك وهذه مسابقة للإمام والمسابقة حرام، لقول النبيِّ عليه الصلاة والسلام
:«أما يخشى الذي يرفعُ رأسَه قبل الإمام أن يحوِّلَ اللَّهُ رأسَه رأسَ حِمَارٍ، أو يجعلَ صورتَهُ صورةَ حِمَارٍ».
وقد يقول: أنا لا أقوم قبله، لكن أتأنَّى في السُّجودِ حتى أظنَّ أنه قام، قلنا: إنك حينئذٍ لم تفعل محرَّماً؛ لكنك تركت سُنَّة وهي المبادرة بمتابعة الإمام،
فإذا كنت لا ترى أنها مستحبَّة، والإمام يرى ذلك فاجلسْ مع إمامك؛ كما أنك تجلس معه في التشهُّد الذي ليس في محلِّ تشهُّدك مِن أجل المتابعة.
وَيُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ، .............
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.