يبدأ من تركة الميت بمؤنة تجهيزه ثم تقضى ديونه ثم وصاياه من ثلث الباقي ثم يقسم الباقي بين الورقة.
الشروح عليها
(يَبْدَأُ) وُجُوبًا (مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ) وَهِيَ مَا يُخَلِّفُهُ مِنْ حَقٍّ كَجِنَايَةٍ وَحَدِّ قَذْفٍ أَوْ اخْتِصَاصٍ أَوْ مَالٍ كَخَمْرٍ تَخَلَّلَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَدِيَةٍ أُخِذَتْ مِنْ قَاتِلِهِ لِدُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ،
وَكَذَا مَا وَقَعَ بِشَبَكَةٍ نَصَبَهَا فِي حَيَاتِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَمَا نُظِرَ بِهِ مِنْ انْتِقَالِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِلْوَرَثَةِ، فَالْوَاقِعُ بِهَا مِنْ زَوَائِدِ التَّرِكَةِ، وَهِيَ مِلْكُهُمْ رُدَّ بِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ نَصْبُهُ لِلشَّبَكَةِ لَا هِيَ،
وَإِذَا اسْتَنَدَ الْمِلْكُ لِفِعْلِهِ كَانَ تَرِكَةً، وَوَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّنْ عَاشَ بَعْدَ مَوْتِهِ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ.
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِتَبَيُّنِ بَقَاءِ مِلْكِهِ لِتَرِكَتِهِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ بِالْإِحْيَاءِ تَبَيَّنَ عَدَمُ مَوْتِهِ، لَكِنَّهُ خِلَافُ الْفَرْضِ فِي السُّؤَالِ إذْ لَا تُوجَدُ الْمُعْجِزَةُ إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْمَوْتِ، وَعِنْدَ تَحَقُّقِهِ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ لِلْوَرَثَةِ بِالْإِجْمَاعِ،
فَإِذَا وُجِدَ الْإِحْيَاءُ كَانَتْ هَذِهِ حَيَاةً جَدِيدَةً مُبْتَدَأَةً بِلَا تَبَيُّنِ عَوْدِ مِلْكٍ وَيَلْزَمُهُ أَنَّ نِسَاءَهُ لَوْ تَزَوَّجْنَ أَنْ يُعَدْنَ لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَبْقَى نِكَاحُهُنَّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ وَالْعِصْمَةِ مُحَقَّقٌ وَعَوْدَهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَيُسْتَصْحَبُ زَوَالُهُ حَتَّى يَثْبُتَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعَوْدِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ فَوَجَبَ الْبَقَاءُ مَعَ الْأَصْلِ، وَسَيَأْتِي فِي الصَّدَاقِ حُكْمُ الْمَمْسُوخِ جَمَادًا أَوْ حَيَوَانًا بِالنِّسْبَةِ لِمُخَلِّفِهِ وَغَيْرِهِ (بِمُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ) وَلَوْ كَافِرًا مِنْ كَفَنٍ وَأُجْرَةِ غُسْلٍ وَحَمْلٍ وَحَفْرٍ وَطَمٍّ وَحَنُوطٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ لِاحْتِيَاجِهِ لِذَلِكَ كَالْمُفْلِسِ، بَلْ أَوْلَى لِانْقِطَاعِ كَسْبِهِ بِالْمَعْرُوفِ بِحَسَبِ يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ إسْرَافِهِ وَتَقْتِيرِهِ، وَعُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي الْجَنَائِزِ أَنَّ عَلَيْهِ مُؤْنَةَ تَجْهِيزِ عَبْدِهِ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ كَزَوْجَتِهِ غَيْرِ النَّاشِزَةِ إذَا كَانَ مُوسِرًا وَإِنْ كَانَ لَهَا تَرِكَةٌ وَلَوْ اجْتَمَعَ مَعَهُ مُمَوَّنُهُ وَلَمْ تَفِ تَرِكَتُهُ إلَّا بِأَحَدِهِمَا فَالْأَوْجَهُ تَقْدِيمُهُ لِتَبَيُّنِ عَجْزِهِ عَنْ تَجْهِيزِ غَيْرِهِ، أَوْ اجْتَمَعَ جَمْعٌ مِنْ مُمَوَّنِهِ وَمَاتُوا دَفْعَةً قُدِّمَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ مَنْ يُخْشَى تَغَيُّرُهُ ثُمَّ الْأَبُ لِشِدَّةِ حُرْمَتِهِ ثُمَّ الْأُمُّ؛
لِأَنَّ لَهَا رَحِمًا ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، وَيُقَدَّمُ الْأَكْبَرُ سِنًّا مِنْ أَخَوَيْنِ مَثَلًا، وَيُقْرَعُ بَيْنَ زَوْجَتَيْهِ إذْ لَا مَزِيَّةَ، وَالْأَوْجَهُ تَقْدِيمُ الزَّوْجَةِ عَلَى جَمِيعِ الْأَقَارِبِ ثُمَّ الْمَمْلُوكِ الْخَادِمِ لَهَا بَعْدَهَا لِأَنَّ الْعَلَقَةَ بِهِمَا أَتَمُّ أَخْذًا مِمَّا ذُكِرَ فِي النَّفَقَاتِ، وَقِيَاسُ كَلَامِهِمْ فِيمَا لَوْ دُفِنَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ فِي قَبْرٍ أَنَّهُ يُقَدَّمُ هُنَا فِي نَحْوِ الْأَخَوَيْنِ الْمُسْتَوِيَيْنِ سِنًّا الْأَفْضَلُ بِنَحْوِ فِقْهٍ أَوْ وَرَعٍ، وَأَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ
فَرْعٌ عَلَى أَصْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ، بِخِلَافِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَيُقَدَّمُ أَبٌ عَلَى ابْنٍ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ وَابْنٌ عَلَى أُمِّهِ لِفَضِيلَةِ الذُّكُورَةِ وَرَجُلٌ عَلَى صَبِيٍّ وَهُوَ عَلَى خُنْثَى فَيُجْعَلُ امْرَأَةً،
فَإِنْ اسْتَوَوْا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ.
وَفِي كَلَامِ الْأَذْرَعِيِّ مَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ،
وَإِنْ تَفَاوَتْنَ فِي الْفَضْلِ وَغَيْرِهِ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ لَا تَقْبَلُ التَّفَاوُتَ فِيهَا،
بِخِلَافِ الْأُخُوَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِوُجُوبِ التَّجْهِيزِ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمَمْلُوكِينَ كَذَلِكَ،
أَمَّا إذَا تَرَتَّبُوا فَيُقَدَّمُ السَّابِقُ حَيْثُ أُمِنَ فَسَادُ غَيْرِهِ وَلَوْ مَفْضُولًا، هَذَا كُلُّهُ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِأَمْرِ الْجَمِيعِ، وَإِلَّا فَالْأَوْجَهُ وُجُوبُهُ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيُّ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي الْفِطْرَةِ، فَتُقَدَّمُ الزَّوْجَةُ فَالْوَلَدُ الصَّغِيرُ فَالْأَبُ فَالْأُمُّ فَالْكَبِيرُ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَمَا مَرَّ قَبْلَهُ أَنَّ ذَاكَ فِيهِ إيثَارُ مُجَرَّدِ التَّعْجِيلِ فَنُظِرَ فِيهِ إلَى الْأَشْرَفِ، وَهَذَا فِيهِ إيثَارٌ بِالتَّجْهِيزِ فَنُظِرَ فِيهِ إلَى الْأَلْزَمِ مُؤْنَةً ثُمَّ الْأَشْرَفِ، وَذِكْرُهُمْ الْأَخَوَيْنِ هُنَا مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ تَجِبُ مُؤْنَتُهُ لَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ مَا إذَا انْحَصَرَ تَجْهِيزُهُمَا فِيهِ أَوْ أَلْزَمَهُ بِهِ مَنْ يَرَى وُجُوبَ ذَلِكَ (ثُمَّ) بَعْدَ مُؤْنَةِ التَّجْهِيزِ (تُقْضَى دُيُونُهُ) الْمُتَعَلِّقَةُ بِذِمَّتِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ سَوَاءٌ أَكَانَ لِلَّهِ تَعَالَى أَمْ لِآدَمِيٍّ أَوْصَى بِهِ أَمْ لَا؛
لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ الْوَصِيَّةُ فِي الْآيَةِ عَلَى الدَّيْنِ ذِكْرًا لِكَوْنِهَا قُرْبَةً أَوْ مُشَابَهَةً لِلْإِرْثِ مِنْ حَيْثُ أَخْذُهَا بِلَا عِوَضٍ وَمَشَقَّتُهَا عَلَى الْوَرَثَةِ وَنُفُوسُهُمْ مُطْمَئِنَّةٌ عَلَى أَدَائِهِ فَقُدِّمَتْ عَلَيْهِ بَعْثًا عَلَى وُجُوبِ إخْرَاجِهَا وَالْمُسَارَعَةِ إلَيْهِ.
وَيُقَدَّمُ دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى كَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ وَحَجٍّ عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّ،
أَمَّا الْمُتَعَلِّقَةُ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ فَسَتَأْتِي (ثُمَّ) بَعْدَ الدَّيْنِ،
وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِ الْوَارِثِ سَوَاءٌ أَكَانَ بَعْدَ ثُبُوتِ الْوَصِيَّةِ أَمْ قَبْلَهَا كَمَا عُلِمَ مِمَّا نَقَلْنَاهُ عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ تُنَفَّذُ (وَصَايَاهُ) وَمَا أُلْحِقَ بِهَا مِنْ عِتْقٍ عُلِّقَ بِالْمَوْتِ أَوْ تَبَرُّعٍ نُجِزَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ أَوْ الْمُلْحَقِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} (مِنْ) لِلِابْتِدَاءِ فَتَدْخُلُ الْوَصَايَا بِالثُّلُثِ وَبِبَعْضِهِ (ثُلُثُ الْبَاقِي) بَعْدَ الدَّيْنِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بِثُمَّ.
وَلَوْ اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ التَّرِكَةَ نُفِّذَتْ الْوَصِيَّةُ، وَحُكِمَ بِانْعِقَادِهَا لَوْ تَبَرَّعَ مُتَبَرِّعٌ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ أَوْ إبْرَاءِ الْمُسْتَحِقِّ مِنْهُ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ، وَاعْتُبِرَتْ الْوَصِيَّةُ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ،
وَإِنْ كَانَتْ الْآيَةُ مُطْلَقَةً لِتَقْيِيدِ السُّنَّةِ لَهَا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»
وَلَا يَرُدُّ مَا فِي الرَّافِعِيِّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى وَاحِدٌ أَنَّ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ أَلْفَيْ دِينَارٍ وَآخَرُ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ مَالِهِ وَالتَّرِكَةُ أَلْفٌ وَصَدَّقَهُمَا الْوَارِثُ مَعًا قُسِّمَتْ التَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا،
فَإِنْ صَدَّقَ مُدَّعِي الْوَصِيَّةِ أَوَّلًا قُدِّمَتْ فَقَدْ سَاوَتْ الدَّيْنَ فِي الْأُولَى وَقُدِّمَتْ عَلَيْهِ فِي الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْأَصَحَّ بَلْ الصَّوَابَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ تَقْدِيمُ الدَّيْنِ عَلَى الْوَصِيَّةِ سَوَاءٌ أَصَدَّقَهُمَا مَعًا أَمْ لَا كَمَا لَوْ ثَبَتَا بِالْبَيِّنَةِ (ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِي) مِنْ التَّرِكَةِ (بَيْنَ الْوَرَثَةِ) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ بِمَعْنَى تَسَلُّطِهِمْ عَلَى التَّصَرُّفِ حِينَئِذٍ، وَإِلَّا فَالدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ،
وَمِنْ ثَمَّ فَازُوا بِزَوَائِدِ التَّرِكَةِ كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ) أَيْ التَّرِكَةُ مَا يُخَلِّفُهُ مِنْ حَقٍّ: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ مِنْهُ التَّجْهِيزُ وَلَا قَضَاءُ الدُّيُونِ كَحَدِّ الْقَذْفِ
(قَوْلُهُ: أَوْ اخْتِصَاصٌ) اُنْظُرْ لَوْ كَانَ لِمَا يُؤْخَذُ فِي مُقَابَلَةِ رَفْعِ الْيَدِ عَنْهَا وَقْعٌ هَلْ يُكَلَّفُ الْوَارِثُ ذَلِكَ وَتُوَفَّى مِنْهُ دُيُونُهُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِمَا فِيهِ مِنْ بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ وَنَظِيرُهُ مَا قِيلَ إنَّ الْمُفْلِسَ إذَا كَانَ بِيَدِهِ وَظَائِفُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَخْذِ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَةِ النُّزُولِ عَنْهَا كُلِّفَ ذَلِكَ
(قَوْلُهُ: كَخَمْرٍ تَخَلَّلَتْ) أَيْ فَإِنْ لَمْ تَتَخَلَّلْ فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الِاخْتِصَاصِ وَقَدْ مَرَّ
(قَوْلُهُ: وَدِيَةٌ أُخِذَتْ مِنْ قَاتِلِهِ) أَيْ سَوَاءٌ وَجَبَتْ ابْتِدَاءً كَدِيَةِ الْخَطَأِ أَوْ بِالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ سَوَاءٌ كَانَ الْعَفْوُ مِنْهُ أَوْ مِنْ وَارِثِهِ
(قَوْلُهُ: عَمَّنْ عَاشَ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَخْ) هَلْ يَتَبَيَّنُ عَدَمُ خُرُوجِ التَّرِكَةِ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ لَا
(قَوْلُهُ: فَوَجَبَ الْبَقَاءُ مَعَ الْأَصْلِ) هُوَ مَوْتُهُ، ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحَيَاةِ هَلْ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْحَيَاةِ الْأُولَى مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى قَاتِلِهِ الْمُكَافِئِ لَهُ وَوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ زَنَى بِهِ لَوْ كَانَ امْرَأَةً وَالْمَهْرُ لَهَا وَتَجْهِيزُهُ بِالْغُسْلِ وَالتَّكْفِينِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ إذَا مَاتَ وَسَائِرُ الْأَحْكَامِ، أَوْ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلْحَاقًا لِهَذِهِ الْحَيَاةِ بِالْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ وَاسْتِصْحَابًا لِحُكْمِ الْمَوْتِ كَحَيَاةِ الشَّهِيدِ، أَوْ يُفَرَّقَ بَيْنَ كَوْنِ الْحَيَاةِ الْعَائِدَةِ مُسْتَمِرَّةً أَمْ لَا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ؟
فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْحَيَاةِ الْمُسْتَقِرَّةِ وَغَيْرِهَا فَيُعْطِي حُكْمُ الْأَحْيَاءِ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ،
وَلَوْ قِيلَ بِهِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا وَتُجْعَلُ هَذِهِ الْحَيَاةُ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ فَلَا يَنْقَطِعُ بِهَا حُكْمُ الْبَرْزَخِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا قِيلَ فِي أَبَوَيْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَنَّهُمَا أُحْيِيَا لَهُ وَآمَنَا بِهِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَيْهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا غَسَّلَهُمَا.
وَفِي فَتَاوَى ابْنِ حَجَرٍ الْحَدِيثِيَّةِ فِي آخِرِ الْجَوَابِ عَمَّا لَوْ مَاتَ شَخْصٌ ثُمَّ أَحْيَاهُ اللَّهُ إلَخْ مَا نَصُّهُ: وَقَدْ عُلِمَ مِنْ قَوَاعِدِ شَرْعِنَا كَمَا قَرَرْته أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ الْمُتَيَقَّنِ: أَيْ بِإِخْبَارِ نَحْوِ مَعْصُومٍ كَمَا قَدَّمَهُ،
وَإِنْ لَمْ يُتَيَقَّنْ مَوْتُهُ حَكَمْنَا؛ لِأَنَّ مَا كَانَ بِهِ غَشْيٌ أَوْ نَحْوُهُ. اهـ. وَيُوَافِقُ مَا فِي الْفَتَاوَى قَوْلُ الشَّارِحِ إذْ لَا تُوجَدُ الْمُعْجِزَةُ إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْمَوْتِ، هَذَا وَنُقِلَ عَنْ خَطِّ شَيْخِنَا الشَّوْبَرِيِّ مَا صُورَتُهُ مُنَازِعَةٌ لِلْفَتَاوَى قَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُدِيرَ عَلَيْهَا حُكْمًا، وَقَوْلُهُ: قَبْلَهُ لَمْ يَكُنْ لِحَيَاتِهِ أَثَرٌ كِلَاهُمَا صَرِيحٌ أَوْ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَجْهِيزُهُ ثَانِيًا، وَبِهِ يُرَدُّ قَوْلُ شَيْخِ مَشَايِخِنَا.
[فَرْعٌ] لَوْ مَاتَ إنْسَانٌ مَوْتًا حَقِيقِيًّا وَجُهِّزَ ثُمَّ أُحْيِيَ حَيَاةً حَقِيقَةً ثُمَّ مَاتَ فَالْوَجْهُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ يَجِبُ لَهُ تَجْهِيزٌ آخَرُ خِلَافًا لِمَا تُوُهِّمَ. اهـ. وَقَدْ كُنْت أَتَوَقَّفُ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ كَثِيرًا لِمَا عَلَّلَ بِهِ فِي الْجَوَابِ مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ خَارِقَةً لِلْعَادَةِ حَتَّى وَقَفْت عَلَى هَذَا الْجَوَابِ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ الْكَرِيمِ الْوَهَّابِ.
قَالَ: وَفِي الْبَحْرِ لِلزَّرْكَشِيِّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: اُخْتُلِفَ فِي بَقَاءِ تَكْلِيفِ مَنْ أُعِيدَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقِيلَ يَبْقَى لِئَلَّا يَخْلُوَ عَاقِلٌ عَنْ تَعَبُّدٍ،
وَقِيلَ يَسْقُطُ فَالتَّكْلِيفُ مُعْتَبَرٌ بِالِاسْتِدْلَالِ دُونَ الِاضْطِرَارِ. اهـ. وَهُوَ غَرِيبٌ.
وَقَالَ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِهِ: إذَا جَازَ تَكْلِيفُهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ تَكْلِيفُ أَهْلِ الْآخِرَةِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الْآخِرَةِ الِاضْطِرَارُ إلَى الْمَعْرِفَةِ وَبَعْدَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ لَا تَكْلِيفَ وَأَهْلُ الصَّاعِقَةِ يَجُوزُ كَوْنُهُ تَعَالَى لَمْ يَضْطَرَّهُمْ فَصَحَّ تَكْلِيفُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ. اهـ.
قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: الْحَقُّ أَنَّ الْآيَاتِ الْمُضْطَرَّةَ لَا تَمْنَعُ التَّكْلِيفَ، وَقَدْ أَبَوْا أَخْذَ الْكِتَابِ فَرَفَعَ الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ فَآمَنُوا وَقَبِلُوهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي هَذَا آيَةً مُضْطَرَّةً. وَقَوْلُ الرَّازِيّ بَعُدَ التَّكْلِيفُ فِي الْآخِرَةِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ،
فَإِنَّ التَّكْلِيفَ فِي الْآخِرَةِ بَاقٍ فِيهَا، وَقَدْ جَاءَ أَنَّهُ يُؤَجَّجُ نَارٌ وَيُؤْمَرُ بِالدُّخُولِ فِيهَا،
فَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى ذَلِكَ صُرِفَ عَنْهَا وَهَذَا تَكْلِيفٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُمْ الْآخِرَةُ دَارُ جَزَاءٍ وَالدُّنْيَا دَارُ تَكْلِيفٍ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَغْلَبِ فِي كُلٍّ،
وَأَنَّ فِي الْآخِرَةِ التَّكْلِيفَ كَمَا فِي الدُّنْيَا الْجَزَاءَ. اهـ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ كَافِرًا) أَيْ غَيْرَ حَرْبِيٍّ وَلَا مُرْتَدٍّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ تَجْهِيزُهُ، بَلْ يَجُوزُ إغْرَاءُ الْكِلَابِ عَلَى جِيفَتِهِ، بَلْ يَحْرُمُ تَجْهِيزُهُ مِمَّا خَلَّفَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ فَيْئًا
(قَوْلُهُ: لِاحْتِيَاجِهِ لِذَلِكَ) عِلَّةٌ لِلْبُدَاءَةِ بِمُؤْنَةِ التَّجْهِيزِ
(قَوْلُهُ: فَالْأَوْجَهُ تَقْدِيمُهُ) أَيْ وَإِنْ مَاتَ مُمَوِّنُهُ قَبْلَهُ وَخِيفَ تَغَيُّرُهُ
(قَوْلُهُ: مَنْ يُخْشَى تَغَيُّرُهُ) أَيْ وَإِنْ بَعُدَ وَكَانَ مَفْضُولًا
(قَوْلُهُ: ثُمَّ الْأُمُّ) ظَاهِرُهُ تَقْدِيمُ الْأَبَوَيْنِ عَلَى الْفَرْعِ وَلَوْ صَغِيرًا، وَسِيَاقُ مَا يُصَرِّحُ بِهِ فِي قَوْلِهِ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَمَا مَرَّ إلَخْ،
وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ الْأُمَّ تُقَدَّمُ عَلَى الْفَرْعِ وَلَوْ ذَكَرًا وَسَيَأْتِي مَا يُخَالِفُهُ
(قَوْلُهُ: وَيُقَدَّمُ الْأَكْبَرُ سِنًّا) أَيْ وَلَوْ كَانَ مَفْضُولًا كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُ وَأَفَادَهُ قَوْلُهُ: الْآتِي أَنَّهُ يُقَدَّمُ هُنَا فِي نَحْوِ الْأَخَوَيْنِ الْمُسْتَوِيَيْنِ سِنًّا الْأَفْضَلُ بِنَحْوِ فِقْهٍ أَوْ وَرَعٍ. وَقِيَاسُ ذَلِكَ تَقْدِيمُ الْوَلَدِ الْكَبِيرِ عَلَى الْوَلَدِ الصَّغِيرِ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِهِمَا
(قَوْلُهُ: إذْ لَا مَزِيَّةَ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الزَّوْجِيَّةُ كَمَا يَأْتِي فَلَا نَظَرَ إلَى كَوْنِ إحْدَاهُمَا أَفْضَلَ مِنْ الْأُخْرَى
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ تَقْدِيمُ الزَّوْجَةِ إلَخْ) أَيْ فَتُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ إلَخْ
(قَوْلُهُ: لِفَضِيلَةِ الذُّكُورَةِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْإِخْوَةَ لَوْ اخْتَلَفُوا ذُكُورَةً وَأُنُوثَةً قُدِّمَ الذَّكَرُ، وَأَنَّ الْمَمَالِيكَ كَذَلِكَ
(قَوْلُهُ: فَيُجْعَلُ امْرَأَةً) أَيْ يُفْرَضُ
(قَوْلُهُمَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ) أَيْ مِنْ التَّفْصِيلِ
(قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْإِخْوَةِ) أَيْ فَإِنَّهَا تَتَفَاوَتُ فِي نَفْسِهَا بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْإِخْوَةِ شَقِيقًا وَالْآخَرُ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ
(قَوْلُهُ: وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمَمْلُوكِينَ كَذَلِكَ) أَيْ كَالزَّوْجَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكِيَّةَ لَا تَتَفَاوَتُ فِيهِمْ
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَالْأَوْجَهُ وُجُوبُهُ) أَيْ التَّرْتِيبِ
(قَوْلُهُ: وَمَا مَرَّ قَبْلَهُ) أَيْ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَبِ وَالْأُمِّ عَلَى الْوَلَدِ الصَّغِيرِ
(قَوْلُهُ: إنَّ ذَاكَ فِيهِ إلَخْ) يُتَأَمَّلُ قَوْلُهُ: إنَّ ذَاكَ إلَخْ فَإِنَّهُ فَرَضَ الْكَلَامَ، ثُمَّ فِيمَا إذَا لَمْ تَفِ التَّرِكَةُ إلَّا بِتَجْهِيزِ وَاحِدٍ، وَعَلَيْهِ فَالْفَائِتُ التَّجْهِيزُ لَا التَّعْجِيلُ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْفَائِتَ ثَمَّ التَّجْهِيزُ فَرُوعِيَ فِيهِ الْأَشْرَفُ، وَالْفَائِتُ هُنَا مُجَرَّدُ التَّعْجِيلِ فَرُوعِيَ فِيهِ الْأَلْزَمُ.
(قَوْلُهُ: مَا إذَا انْحَصَرَ تَجْهِيزُهُمَا فِيهِ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غِنًى إلَّا هُوَ
(قَوْلُهُ: أَمْ لِآدَمِيٍّ أَوْصَى بِهِ) أَيْ ذَلِكَ الْآدَمِيُّ بِهِ، أَيْ بِالدَّيْنِ: هَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِمَّا ذَكَرَ، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ بِأَنَّ مَا أَوْصَى بِهِ لَيْسَ ثَابِتًا فِي ذِمَّتِهِ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ الدَّائِنَ أَوْصَى بِهِ لِزَيْدٍ مَثَلًا وَمَاتَ وَقَبِلَ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ ثُمَّ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ. الدَّيْنُ فَيُخْرَجُ مِنْ تَرِكَتِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الْإِرْثِ، وَعَلَى مَا أَوْصَى بِهِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْلَكْ بِالْوَصِيَّةِ مِنْ جِهَتِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَأَنَّ الْمُرَادَ أَوْصَى بِقَضَائِهِ مُقَدَّمًا عَلَى غَيْرِهِ أَوْ لَمْ يُوصِ بِهِ، وَيَكُونُ
فَائِدَةُ التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ دَفْعَ مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَوْصَى بِهِ تَعَلَّقَ بِالثُّلُثِ فَيُزَاحِمُ غَيْرَهُ مِنْ الْوَصَايَا، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ مِنْ الْعِبَارَةِ.
(قَوْلُهُ: كَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ وَحَجٍّ عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّ) أَيْ
أَمَّا بَعْضُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَعَ بَعْضٍ فَهَلْ يُخَيَّرُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ.
وَالْكَلَامُ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّكَاةِ مَفْرُوضٌ فِيمَا لَوْ تَلِفَ الْمَالُ حَتَّى يَكُونَ فِي الذِّمَّةِ، إذْ لَوْ كَانَ بَاقِيًا كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهِ تَعَلُّقَ شَرِكَةٍ
(قَوْلُهُ: أَمَّا الْمُتَعَلِّقَةُ إلَخْ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ بِذِمَّتِهِ
(قَوْلُهُ: بَعْدَ الدَّيْنِ إلَخْ) قَضِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِثُمَّ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي أَنَّهُ لَوْ عُكِسَ التَّرْتِيبُ لَمْ يَجُزْ.
وَفِي حَجّ: قَالَ بَعْضُهُمْ: وَوُجُوبُ التَّرْتِيبِ فِيمَا ذُكِرَ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ،
فَلَوْ دَفَعَ الْوَصِيُّ مَثَلًا مِائَةً لِلدَّائِنِ وَمِائَةً لِلْمُوصَى لَهُ وَمِائَةً لِلْوَارِثِ مَعًا لَمْ يُتَّجَهْ إلَّا الصِّحَّةُ: أَيْ وَالْحِلُّ، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يُقَارِنْ الدَّفْعَ مَانِعٌ، وَنَظِيرُهُ مَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهَا فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا، قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ عَلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ غَيْرُهَا
لَا أَنْ لَا يُقَارِنَهَا غَيْرُهَا. اهـ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ قُدِّمَ الْمُؤَخَّرُ فِي الْإِعْطَاءِ لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَحِلَّ،
فَلَوْ دَفَعَ الْوَصِيُّ الْمُوصَى بِهِ لِلْمُوصَى لَهُ قَبْلَ أَدَاءِ الدَّيْنِ أَوْ دَفَعَ فَلِوَرَثَتِهِ حِصَصَهُمْ وَأَبْقَى مِقْدَارَ الدَّيْنِ وَالْمُوصَى بِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِمَا فَعَلَهُ
وَيَجِبُ اسْتِرْجَاعُ مَا دَفَعَ لَهُمَا
(قَوْلُهُ: مِمَّا نَقَلْنَاهُ عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ) لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ هُنَا نَقْلٌ عَنْهُ وَلَعَلَّهُ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ فَلْيُرَاجَعْ، وَعِبَارَةُ حَجّ مِمَّا نَقَلَاهُ ثُمَّ رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ كَذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: لَوْ تَبَرَّعَ مُتَبَرِّعٌ) أَيْ فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ إنْ تَبَرَّعَ مُتَبَرِّعٌ أَوْ أَبْرَأَ مِنْ الدَّيْنِ تَبَيَّنَ انْعِقَادُهَا وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: أَنَّ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ أَلْفَيْ دِينَارٍ) الَّذِي وَقَعَ فِي كَلَامِ سم عَلَى مَنْهَجٍ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ الْإِرْشَادِ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى وَاحِدٌ أَنَّ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ أَلْفًا وَآخَرُ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ مَالِهِ وَالتَّرِكَةُ أَلْفٌ وَصَدَّقَهُمَا إلَخْ
(قَوْلُهُ: قُسِّمَتْ التَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا) أَيْ؛ لِأَنَّا نَزِيدُ عَلَى مَخْرَجِ الثُّلُثِ بَسْطَهُ وَهُوَ وَاحِدٌ وَنُعْطِيهِ لِلْمُوصَى لَهُ، وَهُوَ رُبُعُ الْأَلْفِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ إقْرَارَ الْوَارِثِ بِالدَّيْنِ يُجْعَلُ كَوَصِيَّةٍ أُخْرَى، فَكَأَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِثُلُثِهِ. وَطَرِيقُ قَسْمِ ذَلِكَ أَنْ يُزَادَ عَلَى الْكَسْرِ بَسْطُهُ، وَهُوَ وَاحِدٌ ثُمَّ يُقَسَّمُ الْمَالُ بَيْنَهُمَا بِحَسَبِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى مَا نَقَلَهُ سم عَنْ شَرْحِ الْإِرْشَادِ السَّابِقِ مِنْ أَنَّ التَّرِكَةَ أَلْفٌ
(قَوْلُهُ: فِي الْأُولَى) هِيَ قَوْلُهُ: وَصَدَّقَهُمَا الْوَارِثُ،
وَقَوْلُهُ: فِي الثَّانِيَةِ هِيَ قَوْلُهُ: فَإِنْ صَدَّقَ مُدَّعِي الْوَصِيَّةِ
(قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ فَالْوَاقِعُ بِهَا مِنْ زَوَائِدِ التَّرِكَةِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ مَا يَخْلُفُهُ مِنْ حَقٍّ إلَخْ) أَيْ وَلَا يُنَافِي هَذَا التَّفْسِيرُ مَا الْكَلَامُ فِيهِ مِنْ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا الْأُمُورُ الْآتِيَةُ؛ لِأَنَّ التَّرِكَةَ بِهَذَا الْمَعْنَى مَبْدَأُ الْإِخْرَاجِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مِمَّا يَصِحُّ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ وَهُوَ الْأَمْوَالُ فَلَا يَضُرُّ اشْتِمَالُهَا عَلَى غَيْرِهِ،
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، وَالْبَعْضُ الَّذِي يُخْرَجُ مِنْهُ هُوَ الْمَالُ، لَكِنَّ هَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَ تَقْدِيمِ الْمُؤَنِ، وَالدَّيْنِ، وَالْوَصِيَّةِ عَلَى اسْتِيفَاءِ نَحْوِ حَدِّ قَذْفٍ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ اسْتِيفَائِهِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَالْأَوْلَى الْجَوَابُ بِأَنَّ فِيهِ شَبَهَ اسْتِخْدَامٍ، فَالْمُعَرَّفُ مُطْلَقُ التَّرِكَةِ لَا خُصُوصُ مَا يُخْرَجُ مِنْهُ ذَلِكَ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . قَوْلُهُ: وَمَا مَرَّ قَبْلَهُ) أَيْ فِي قَوْلِهِ أَوْ اجْتَمَعَ جَمْعٌ مِنْ مُمَوَّنِهِ [اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ التَّرِكَة]
(قَوْلُهُ: أَنَّ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ أَلْفَيْ دِينَارٍ) كَذَا فِي النُّسَخِ بِالتَّثْنِيَةِ، وَالصَّوَابُ أَلْفٌ بِالْإِفْرَادِ.
وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ عَمِيرَةَ: رَجُلَانِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ، وَالْآخَرُ ادَّعَى أَلْفًا عَلَيْهِ، وَالتَّرِكَةُ أَلْفٌ قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا، بِأَنْ يُضَمَّ الْمُوصَى بِهِ إلَى الدَّيْنِ وَتُقْسَمَ التَّرِكَةُ عَلَى وَفْقِ نِسْبَةِ حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى مَجْمُوعِ الْمُوصَى بِهِ وَالدَّيْنِ قَوْلُهُ: بِغَيْرِ حَجْرٍ فِي الْحَيَاةِ)
أَمَّا إذَا كَانَ بِحَجْرٍ فِي الْحَيَاةِ فَسَيَأْتِي بِمَا فِيهِ قَوْلُهُ تَقْدِيمًا لِصَاحِبِ التَّعَلُّقِ إلَخْ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِهِ إيثَارًا لِلْأَهَمِّ
(كِتَابُ الْفَرَائِضِ) أَيْ مَسَائِلِ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ جَمْعُ فَرِيضَةٍ بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ مِنْ الْفَرْضِ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ فَهِيَ هُنَا شَرْعًا نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ لِلْوَارِثِ غَلَبَتْ عَلَى غَيْرِهَا لِفَضْلِهَا بِتَقْدِيرِ الشَّارِعِ لَهَا وَلِكَثْرَتِهَا وَوَرَدَ الْحَثُّ عَلَى تَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ فِي خَبَرٍ ضَعِيفٍ «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهُ فَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ» أَيْ صِنْفٌ مِنْهُ أَوْ لِتَعَلُّقِهِ بِالْمَوْتِ الْمُقَابِلِ لِلْحَيَاةِ «وَهُوَ يُنْسَى وَهُوَ أَوَّلُ عِلْمٍ يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي» أَيْ بِمَوْتِ أَهْلِهِ وَصَحَّ «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهُ فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ وَإِنَّ الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ حَتَّى يَخْتَلِفَ اثْنَانِ فِي الْفَرِيضَةِ فَلَا يَجِدَانِ مَنْ يَقْضِي بِهَا» وَصَحَّ أَيْضًا «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى أَيْ أَقْرَبِ رَجُلٍ ذَكَرٍ» وَفَائِدَةُ ذِكْرِهِ بَيَانُ أَنَّ الرَّجُلَ يُطْلَقُ بِإِزَاءِ الْمَرْأَةِ فَيَعُمُّ وَبِإِزَاءِ الصَّبِيِّ فَيَخُصُّ الْبَالِغَ
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ تَكَلُّفٌ ظَاهِرٌ وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى عِلْمِ الْفَتْوَى وَالنَّسَبِ وَالْحِسَابِ (يُبْدَأُ) وُجُوبًا (مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ) وَهِيَ مَا يُخَلِّفُ مِنْ حَقٍّ كَخِيَارٍ وَحَدِّ قَذْفٍ أَوْ اخْتِصَاصٍ أَوْ مَالٍ كَخَمْرٍ تَخَلَّلَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَدِيَةٍ أُخِذَتْ مِنْ قَاتِلِهِ لِدُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ
وَكَذَا مَا وَقَعَ بِشَبَكَةٍ نَصَبَهَا فِي حَيَاتِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ لِانْتِقَالِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِلْوَرَثَةِ فَالْوَاقِعُ بِهَا مِنْ زَوَائِدِ التَّرِكَةِ وَهِيَ مِلْكُهُمْ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ نَصْبُهُ لِلشَّبَكَةِ لَا هِيَ وَإِذَا اسْتَنَدَ الْمِلْكُ لِفِعْلِهِ يَكُونُ تَرِكَةً. (تَنْبِيهٌ) أَفْتَى بَعْضُهُمْ فِيمَنْ عَاشَ بَعْدَ مَوْتِهِ مُعْجِزَةٌ لِنَبِيٍّ بِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بَقَاءُ مِلْكِهِ لِتَرِكَتِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ بِالْإِحْيَاءِ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَذَلِكَ خِلَافُ الْفَرْضِ فِي سُؤَالِهِ إذْ لَا تُوجَدُ الْمُعْجِزَةُ إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْمَوْتِ عِنْدَ تَحَقُّقِهِ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ لِلْوَارِثِ إجْمَاعًا فَإِذَا وُجِدَ الْإِحْيَاءُ كَانَتْ هَذِهِ حَيَاةً جَدِيدَةً مُبْتَدَأَةً بِلَا تَبَيُّنِ عَوْدِ مِلْكٍ وَيَلْزَمُهُ أَنَّ نِسَاءَهُ لَوْ تَزَوَّجْنَ أَنْ تَعُدْنَ إلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَبْقَى نِكَاحُهُنَّ لِمَا تَقَرَّرَ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ وَالْعِصْمَةِ مُحَقَّقٌ وَعَوْدُهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَيُسْتَصْحَبُ زَوَالُهُ حَتَّى يَثْبُتَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعَوْدِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ فَوَجَبَ الْبَقَاءُ مَعَ الْأَصْلِ وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ الصَّغِيرِ فِي الصَّدَاقِ حُكْمُ الْمَمْسُوخِ حَيَوَانًا أَوْ جَمَادًا بِالنِّسْبَةِ لِمُخَلِّفِهِ فَرَاجِعْهُ (بِمُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ) مِنْ نَحْوِ كَفَنٍ وَحَنُوطٍ وَمَاءٍ وَأُجْرَةِ غُسْلٍ وَحَمْلٍ وَحَفْرٍ حَيْثُ لَا زَوْجَ أَوْ لَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِ لِنُشُوزٍ ثُمَّ تَجْهِيزِ مُمَوَّنِهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِمَا عُرْفًا الْآنَ يُسْرًا وَعُسْرًا،
وَإِنْ خَالَفَ حَالُهُمَا فِي الْحَيَاةِ وَفِي اجْتِمَاعِ مُمَوَّنَيْنِ لَهُ كَلَامٌ لِي فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ (ثُمَّ) بَعْدَ مُؤْنَةِ التَّجْهِيزِ (تُقْضَى دُيُونُهُ) مُقَدَّمًا مِنْهَا دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى كَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ وَحَجٍّ عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّ (ثُمَّ) بَعْدَ الدَّيْنِ،
وَإِنْ كَانَ إنَّمَا ثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْوَارِثِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْوَصِيَّةِ أَوْ قَبْلَهَا كَمَا عُلِمَ مِمَّا نَقَلَاهُ عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ وَمِنْ غَيْرِهِ (تُنَفَّذُ وَصَايَاهُ) وَمَا أُلْحِقَ بِهَا مِمَّا يَأْتِي فَهِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ الدَّيْنِ وَعَكْسُهُ فِي الْآيَةِ الَّذِي شَذَّ بِهِ أَبُو ثَوْرٍ لِحَثِّ الْوَرَثَةِ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِإِخْرَاجِهَا لِتَوَانِيهِمْ عَنْهُ غَالِبًا (مِنْ) لِلِابْتِدَاءِ فَتَدْخُلُ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ أَيْضًا (ثُلُثِ الْبَاقِي) بَعْدَ الدَّيْنِ إنْ أُخِذَ كَمَا هُوَ الْغَالِبِ وَبَقِيَ بَعْدَهُ شَيْءٌ فَلَا يَقْتَضِي عَدَمَ نُفُوذِهَا إذَا اُسْتُغْرِقَ
فَلَوْ أَبْرَأَ أَوْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ بِوَفَائِهِ بَانَ نُفُوذُهَا وَنَقَلَ الشَّيْخَانِ فِي الْإِقْرَارِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ صُورَةً يَتَسَاوَى فِيهَا الدَّيْنُ وَالْوَصِيَّةُ وَصُورَةً تُقَدَّمُ فِيهَا الْوَصِيَّةُ وَبَيَّنْت مَا فِي ذَلِكَ فِي خُطْبَةِ شَرْحِ الْعُبَابِ بِمَا يَتَعَيَّنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَوُجُوبُ التَّرْتِيبِ فِيمَا ذُكِرَ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ
فَلَوْ دَفَعَ الْوَصِيُّ مَثَلًا مِائَةً لِلدَّائِنِ وَمِائَةً لِلْمُوصَى لَهُ وَمِائَةً لِلْوَارِثِ مَعًا لَمْ يَتَّجِهْ إلَّا الصِّحَّةُ أَيْ وَالْحِلُّ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يُقَارِنْ الدَّفْعَ مَانِعٌ وَنَظِيرُهُ مَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا قَالُوا وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ عَلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ غَيْرُهَا
لَا أَنْ يُقَارِنَهَا غَيْرُهَا وَمَرَّ آخِرَ الرَّهْنِ حُكْمُ مَا لَوْ غَابَ الدَّائِنُ (ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِي) عَنْهَا (بَيْنَ الْوَرَثَةِ) عَلَى مَا يَأْتِي يَعْنِي أَنَّهُمْ يَتَسَلَّطُونَ عَلَى التَّصَرُّفِ حِينَئِذٍ وَإِلَّا فَالدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ وَمِنْ ثَمَّ فَازُوا بِزَوَائِدِ التَّرِكَةِ كَمَا مَرَّ وَسَيُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي الْوَصِيَّةِ أَنَّهُ بِقَبُولِهَا سَوَاءٌ الْمُعَيَّنَةُ كَهَذَا وَغَيْرُهَا كَالثُّلُثِ يَتَبَيَّنُ مِلْكُهَا بِالْمَوْتِ فَهِيَ مَانِعَةٌ لَهُ حِينَئِذٍ فِي عَيْنِ الْأَوَّلِ وَثُلُثِ الثَّانِي شَائِعًا لَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ مَوْقُوفٌ وَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ بَعْضِ الْعِبَارَاتِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُعَيَّنَةِ وَالْمُطْلَقَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْخِلَافِ لَا غَيْرُ.
[كِتَابُ الْفَرَائِضِ] (قَوْلُهُ أَيْ مَسَائِلِ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابِ الْمَسَائِلُ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ اصْطِلَاحًا لِجُمْلَةٍ مِنْ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى مَسَائِلَ وَالْمُرَادُ بِالْفَرَائِضِ الْمَوَارِيثُ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِلْمُقَدَّرَةِ لَكِنَّهَا غَلَبَتْ عَلَى غَيْرِهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَوْلُهُ قِسْمَةٌ إشَارَةٌ إلَى الْمُضَافِ الْمُقَدَّرِ اهـ سَيِّدُ عُمَرَ
(قَوْلُهُ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَالْفَرْضُ لُغَةً التَّقْدِيرُ وَيَرِدُ بِمَعْنَى الْقَطْعِ وَالتَّبْيِينِ وَالْإِنْزَالِ وَالْإِحْلَالِ وَالْعَطَاءِ اهـ قَالَ الرَّشِيدِيُّ ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي التَّقْدِيرِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ أَوْ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ هَذِهِ الْمَعَانِي وَاسْتِعْمَالُهُ فِي التَّقْدِيرِ أَكْثَرُ وَعِبَارَةُ وَالِدِهِ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الرَّوْضِ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ تِلْكَ الْمَعَانِيَ بِشَوَاهِدِهَا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ حَقِيقَةً فِي هَذِهِ الْمَعَانِي أَوْ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ التَّقْدِيرُ فَيَكُونُ مَقُولًا عَلَيْهَا بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ أَوْ بِالتَّوَاطُؤِ وَأَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي الْقَطْعِيِّ مَجَازًا فِي غَيْرِهِ لِتَصْرِيحِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ بِأَنَّهُ أَصْلُهُ اهـ.
(قَوْلُهُ فَهِيَ إلَخْ) لَعَلَّ الْأَوْلَى وَهُوَ بِالْوَاوِ
(قَوْلُهُ هُنَا) أَيْ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ
(قَوْلُهُ نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ) أَيْ شَرْعًا نِهَايَةٌ وَمُغْنِي وَشَرْحُ الْمَنْهَجِ فَخَرَجَ بِمُقَدَّرٍ أَيْ لَا يَزِيدُ إلَّا بِالرَّدِّ وَلَا يَنْقُصُ إلَّا بِالْعَوْلِ مَا يُؤْخَذُ بِالتَّعْصِيبِ وَبِشَرْعًا مَا يُؤْخَذُ بِالْوَصِيَّةِ وَبِقَوْلِهِ لِلْوَارِثِ أَيْ الْخَاصِّ رُبُعُ الْعُشْرِ مَثَلًا فِي الزَّكَاةِ ابْنُ الْجَمَّالِ وَبُجَيْرِمِيٌّ.
(قَوْلُهُ غَلَبَتْ) أَيْ فِي التَّرْجَمَةِ اهـ سَيِّدُ عُمَرَ
(قَوْلُهُ عَلَى تَعَلُّمِهِ إلَخْ) أَيْ عِلْمِ الْفَرَائِضِ
(قَوْلُهُ وَعَلِّمُوهُ) أَيْ عِلْمَ الْفَرَائِضِ وَرُوِيَ وَعَلِّمُوهَا أَيْ الْفَرَائِضَ اهـ مُغْنِي
(قَوْلُهُ أَوْ لِتَعَلُّقِهِ بِالْمَوْتِ) اسْتَحْسَنَ الْمُغْنِي وَالنِّهَايَةُ هَذَا التَّوْجِيهَ فَذَكَرَ الْأَوَّلَ بِلَفْظَةِ قِيلَ وَقَالَ السَّيِّدُ عُمَرَ أَقُولُ لَا شَكَّ أَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ حَقِيقَةَ النِّصْفِ إذْ لَا تَسَاوِيَ بَيْنَ الْعِلْمَيْنِ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الْعِلْمَ قِسْمَانِ قِسْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْحَيَاةِ وَآخَرُ بِالْمَوْتِ فَيَرْجِعُ إلَى الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ اهـ.
(قَوْلُهُ أَيْ أَقْرَبِ رَجُلٍ إلَخْ) أَرَادَ بِالْأَقْرَبِ مَا يَشْمَلُ الْأَقْوَى اهـ ع ش
(قَوْلُهُ وَفَائِدَةُ ذِكْرِهِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي،
فَإِنْ قِيلَ مَا فَائِدَةُ ذِكْرِ ذَكَرٍ بَعْدَ رَجُلٍ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مُقَابِلُ الصَّبِيِّ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ مُقَابِلُ الْأُنْثَى،
فَإِنْ قِيلَ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى ذَكَرٍ كَفَى فَمَا
فَائِدَةُ ذِكْرِ رَجُلٍ مَعَهُ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ اهـ.
(قَوْلُهُ بَيَانُ أَنَّ الرَّجُلَ إلَخْ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ بَيَانٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّجُلِ هُنَا مَا قَابَلَ الْمَرْأَةَ فَيَشْمَلُ الصَّبِيَّ لَا مَا قَابَلَ الصَّبِيَّ الْمُخْتَصَّ بِالْبَالِغِ اهـ وَهِيَ أَوْلَى
(قَوْلُهُ يُطْلَقُ بِإِزَاءِ الْمَرْأَةِ فَيَعُمُّ) أَيْ وَأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى ذَكَرٍ لَمْ يُسْتَفَدْ أَنَّ الرَّجُلَ يُطْلَقُ بِهَذَا الْمَعْنَى اهـ سم.
(قَوْلُهُ وَهُوَ إلَخْ) أَيْ عِلْمُ الْفَرَائِضِ بِمَعْنَى قِسْمَةِ التَّرِكَاتِ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ
وَأَمَّا الْفَرَائِضُ الَّتِي فِي التَّرْجَمَةِ الْمُفَسَّرَةِ بِمَسَائِلِ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ فَإِنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى شَيْئَيْنِ فَقَطْ: الْمَسَائِلِ الْحِسَابِيَّةِ وَفِقْهِ الْمَوَارِيثِ، كَالْعِلْمِ بِأَنَّ لِلزَّوْجَةِ كَذَا اهـ بُجَيْرِمِيٌّ
(قَوْلُهُ عِلْمِ الْفَتْوَى) بِأَنْ يَعْلَمَ نَصِيبَ كُلِّ وَارِثٍ مِنْ التَّرِكَةِ، وَالنَّسَبِ بِأَنْ يَعْلَمَ الْوَارِثَ مِنْ الْمَيِّتِ بِالنَّسَبِ وَكَيْفِيَّةَ انْتِسَابِهِ لِلْمَيِّتِ، وَعِلْمِ الْحِسَابِ بِأَنْ يَعْلَمَ مِنْ أَيِّ حِسَابٍ تَخْرُجُ الْمَسْأَلَةُ وَحَقِيقَةُ مُطْلَقِ الْحِسَابِ أَنَّهُ عِلْمُ بِكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ فِي عَدَدٍ لِاسْتِخْرَاجِ مَجْهُولٍ مِنْ مَعْلُومٍ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي
(قَوْلُهُ وُجُوبًا) إلَى التَّنْبِيهِ فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ مِنْ حَقٍّ إلَى كَخَمْرٍ وَإِلَى قَوْلِهِ وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فِي النِّهَايَةِ
(قَوْلُهُ وُجُوبًا) أَيْ عِنْدَ ضِيقِ التَّرِكَةِ وَإِلَّا فَنَدْبًا اهـ بُجَيْرِمِيٌّ وَسَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ
(قَوْلُهُ وَهِيَ) أَيْ التَّرِكَةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ سم عَلَى حَجّ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ مِنْهُ التَّجْهِيزُ وَلَا قَضَاءُ الدُّيُونِ كَحَدِّ الْقَذْفِ اهـ ع ش
(قَوْلُهُ أَوْ اخْتِصَاصٍ) كَالسِّرْجِينِ وَالْخَمْرِ الْمُحْتَرَمَةِ وَالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ
وَكَذَا الْقَابِلَةُ لِلتَّعْلِيمِ فِي الْأَصَحِّ اهـ ابْنُ الْجَمَّالِ
(قَوْلُهُ أَوْ اخْتِصَاصٍ) اُنْظُرْ لَوْ كَانَ لِمَا يُؤْخَذُ فِي مُقَابَلَةِ رَفْعِ الْيَدِ عَنْهُ أَيْ الِاخْتِصَاصِ وَقَعَ هَلْ يُكَلَّفُ الْوَارِثُ ذَلِكَ وَتَوَفَّى مِنْهُ دُيُونُهُ أَوْ لَا فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِمَا فِيهِ مِنْ بَرَاءَةِ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ وَنَظِيرُهُ مَا قِيلَ إنَّ الْمُفْلِسَ إذَا كَانَ بِيَدِهِ وَظَائِفُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَخْذِ الْعِوَضِ فِي مُقَابَلَةِ النُّزُولِ عَنْهَا كُلِّفَ ذَلِكَ اهـ ع ش.
(قَوْلُهُ كَخَمْرٍ تَخَلَّلَتْ) ، فَإِنْ لَمْ تَتَخَلَّلْ فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الِاخْتِصَاصِ وَقَدْ مَرَّ اهـ ع ش
(قَوْلُهُ وَدِيَةٍ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ وَجَبَتْ ابْتِدَاءً كَدِيَةِ الْخَطَأِ أَوْ بِالْعَفْوِ مِنْهُ أَوْ مِنْ وَارِثِهِ عَنْ الْقِصَاصِ اهـ ع ش
(قَوْلُهُ لِدُخُولِهَا إلَخْ) أَيْ تَقْدِيرًا اهـ سم
(قَوْلُهُ وَكَذَا مَا وَقَعَ إلَخْ) ظَاهِرُ كَلَامِ النِّهَايَةِ كَالشَّارِحِ اعْتِمَادُهُ وَهُوَ وَاضِحٌ لِأَنَّ الصَّيْدَ لَيْسَ مِنْ زَوَائِدِ التَّرِكَةِ وَإِنْ كَانَتْ آلَةً فِي تَحْصِيلِهِ سَيِّدُ عُمَرَ وَابْنُ الْجَمَّالِ
(قَوْلُهُ عَلَى مَا قَالَهُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي كَمَا قَالَهُ إلَخْ
(قَوْلُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ إلَخْ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَمَا نُظِرَ بِهِ مِنْ انْتِقَالِهَا إلَخْ رُدَّ بِأَنَّ سَبَبَ إلَخْ
(قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُجَابَ إلَخْ) وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الشَّخْصَ لَوْ غَصَبَ شَبَكَةً وَنَصَبَهَا ثُمَّ وَقَعَ فِيهَا صَيْدٌ كَانَ لِلْغَاصِبِ لَا لِلْمَالِكِ فَهَذَا مِثْلُهُ أَوْ أَوْلَى مُغْنِي وَسَيِّدُ عُمَرَ
(قَوْلُهُ فِي سُؤَالِهِ) أَيْ الْمُسْتَغْنِي (قَوْلُهُ إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْمَوْتِ) أَيْ بِإِخْبَارِ نَحْوِ مَعْصُومٍ اهـ ع ش
(قَوْلُهُ بِلَا تَبَيُّنِ إلَخْ) بِلَا تَنْوِينٍ مِنْ قَبِيلِ بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَجِيهَةِ الْأَسَدِ يَعْنِي بِلَا تَبَيُّنِ بَقَاءِ مِلْكٍ وَبِلَا عَوْدِ مِلْكٍ أَوْ بِتَنْوِينٍ لِعِوَضٍ عَنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ
(قَوْلُهُ وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ إلَخْ) قَالَ فِيهِ فِي مَبْحَثِ لِتَشْطِيرِ وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ فِي حَيَاتِهِ عَلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ بِالْمَوْتِ لَا تَشْطِيرَ فِيهَا لِأَنَّهُ مُقَرَّرٌ جَمِيعُهُ كَمَا مَرَّ وَكَالْمَوْتِ مَسْخُ أَحَدِهِمَا حَجَرًا،
فَإِنْ مُسِخَ الزَّوْجُ حَيَوَانًا فَكَذَلِكَ مَهْرٌ لَا عِدَّةُ وَارِثٍ عَلَى الْأَوْجَهِ إلَخْ انْتَهَى اهـ سم وَعِبَارَةُ النِّهَايَةِ فِي الْمَبْحَثِ الْمَذْكُورِ وَيَلْحَقُ بِالْمَوْتِ مَسْخُ أَحَدِهِمَا جَمَادًا
بِخِلَافِ مَسْخِهِ حَيَوَانًا وَإِنْ كَانَ الزَّوْجَ وَكَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنَّمَا تَنْتَجِزُ الْفُرْقَةُ كَمَا فِي التَّدْرِيبِ وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ عَوْدُهُ لِلزَّوْجِ لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ تَمَلُّكِهِ وَلَا لِلْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ حَيٌّ فَيَبْقَى لِلزَّوْجَةِ وَلَوْ مُسِخَتْ حَيَوَانًا حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ جِهَتِهَا وَعَادَ كُلُّ الْمَهْرِ لِلزَّوْجِ كَمَا فِي التَّدْرِيبِ اهـ بِحَذْفٍ.
(قَوْلُ الْمَتْنِ بِمُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ) وَلَوْ كَافِرًا نِهَايَةٌ أَيْ غَيْرَ حَرْبِيٍّ وَلَا مُرْتَدٍّ ع ش وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ فَاقِدًا لِمَا يُجَهِّزُهُ فَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ سَيِّدٍ،
فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ،
فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ فَرْضُ كِفَايَةٍ اهـ ابْنُ الْجَمَّالِ
(قَوْلُهُ حَيْثُ لَا زَوْجَ إلَخْ) عِبَارَةُ الْمُغْنِي وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ الْمَرْأَةُ الْمُزَوَّجَةُ وَخَادِمُهَا فَتَجْهِيزُهُمَا عَلَى زَوْجٍ غَنِيٍّ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمَا أَيْ وَلَوْ غَنِيَّةً وَكَالزَّوْجَةِ الْبَائِنُ الْحَامِلِ اهـ زَادَ ابْنُ الْجَمَّالِ
وَكَذَا أَمَةٌ سُلِّمَتْ لَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا وَرَجْعِيَّةٌ فِي عِدَّةٍ وَخَرَجَ بِاَلَّتِي يَجِبُ نَفَقَتُهَا النَّاشِزَةُ وَالصَّغِيرَةُ وَبِالْغَنِيِّ الْمُعْسِرُ فَمُؤَنُ تَجْهِيزِهَا فِي مَالِهَا اهـ
(قَوْلُهُ ثُمَّ تَجْهِيزُ مُمَوَّنِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَتَجْهِيزُ مُمَوَّنِهِ وَالْمَيِّتِ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ انْتَهَى وَفِيهِ أَمْرَانِ الْأَوَّلُ أَنَّهُ احْتَرَزَ عَنْ مُمَوَّنِهِ الْمَيِّتِ بَعْدَهُ فَلَا يَجِبُ تَجْهِيزُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ لِانْتِقَالِهَا إلَى مِلْكِ الْوَارِثِ قَبْلَ مَوْتِ ذَلِكَ الْمُمَوَّنِ، الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ مُمَوَّنٌ شَامِلٌ لِرَقِيقِهِ حَتَّى فِي مَسْأَلَةِ الْمَعِيَّةِ لَكِنْ قَدْ يُشَكَّكُ فِيهِ بِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ الْمِلْكُ وَالْمِلْكُ مُنْتَفٍ عِنْدَ مَوْتِهِ لِمُقَارَنَتِهِ لِمَوْتِ السَّيِّدِ الَّذِي يَقْتَضِي انْقِطَاعَ الْمِلْكِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا لَمْ يَتَأَخَّرْ وَقْتُ الْوُجُوبِ عَنْ مَوْتِ السَّيِّدِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ اهـ سم أَقُولُ صَرِيحُ الْبُجَيْرِمِيِّ عَنْ الْحَلَبِيِّ عَدَمُ الْوُجُوبِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَعِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُغْنِي أَيْضًا عِبَارَتُهُ وَيُبْدَأُ أَيْضًا بِمُؤْنَةِ تَجْهِيزِ مَنْ عَلَى الْمَيِّتِ مُؤْنَتُهُ إنْ مَاتَ فِي حَيَاتِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ بِهِمَا) الْأَوْلَى هُنَا وَفِي قَوْلِهِ حَالُهُمَا إفْرَادُ الضَّمِيرِ.
(قَوْلُهُ وَإِنْ خَالَفَ إلَخْ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ وَلَا عِبْرَةَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ إسْرَافِهِ وَتَقْتِيرِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ وَفِي اجْتِمَاعِ مُمَوَّنِينَ إلَخْ) وَفِي النِّهَايَةِ وَسَمِّ وَابْنِ الْجَمَّالِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ جَمْعٌ مِنْ مُمَوَّنِهِ وَمَاتُوا دَفْعَةً وَاحِدَةً قُدِّمَ مَنْ يُخْشَى تَغَيُّرُهُ وَإِنْ بَعُدَ وَكَانَ مَفْضُولًا ثُمَّ الزَّوْجَةُ ثُمَّ الْمَمْلُوكُ الْخَادِمُ لَهَا ثُمَّ غَيْرُهُ ثُمَّ الْأَبُ ثُمَّ الْأُمُّ ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ وَقُدِّمَ أَبٌ عَلَى ابْنٍ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ بِنَحْوِ فِقْهٍ وَابْنٌ عَلَى أُمِّهِ لِفَضِيلَةِ الذُّكُورَةِ وَرَجُلٌ عَلَى صَبِيٍّ وَهُوَ عَلَى خُنْثَى وَهُوَ عَلَى أُنْثَى وَأُقْرِعَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَبَيْنَ الْمَمَالِيكِ مُطْلَقًا إذْ لَا مَزِيَّةَ أَيْ مِنْ حَيْثُ الزَّوْجِيَّةُ وَالْمِلْكُ وَقُدِّمَ الْأَكْبَرُ سِنًّا مِنْ نَحْوِ الْأَخَوَيْنِ وَالْأَفْضَلُ بِنَحْوِ فِقْهٍ إذَا اسْتَوَيَا فِيهِ
أَمَّا إذَا تَرَتَّبُوا فَيُقَدَّمُ السَّابِقُ حَيْثُ أُمِنَ فَسَادُ غَيْرِهِ وَلَوْ بَعُدَ وَكَانَ مَفْضُولًا هَذَا كُلُّهُ إنْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ بِأَمْرِ الْجَمِيعِ وَإِلَّا فَكَمَا فِي الْفِطْرَةِ فَتُقَدَّمُ الزَّوْجَةُ فَالْوَلَدُ الصَّغِيرُ فَالْأَبُ فَالْأُمُّ فَالْكَبِيرُ وَذِكْرُهُمْ الْأَخَوَيْنِ هُنَا مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ تَجِبُ مُؤْنَتُهُ لَعَلَّهُ إذَا انْحَصَرَ تَجْهِيزُهُمَا فِيهِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَنِيٌّ إلَّا هُوَ أَوْ أَلْزَمَهُ بِهِ مَنْ يَرَى وُجُوبَ مُؤْنَتِهِمَا عَلَيْهِ اهـ.
(قَوْلُ الْمَتْنِ دُيُونُهُ) أَيْ الْمُتَعَلِّقَةُ بِذِمَّتِهِ
أَمَّا الْمُتَعَلِّقَةُ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ فَسَتَأْتِي نِهَايَةٌ وَمُغْنِي
(قَوْلُهُ مُقَدَّمًا إلَى قَوْلِهِ إنْ أُخِذَ) فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ الَّذِي شَذَّ بِهِ أَبُو ثَوْرٍ
(قَوْلُهُ كَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ وَحَجٍّ إلَخْ)
أَمَّا بَعْضُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَعَ بَعْضٍ فَهَلْ يُخَيَّرُ فِي تَقْدِيمِهِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ وَالْكَلَامُ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّكَاةِ مَفْرُوضٌ فِيمَا لَوْ تَلِفَ الْمَالُ حَتَّى تَكُونَ فِي الذِّمَّةِ
أَمَّا لَوْ كَانَ بَاقِيًا كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهِ تَعَلُّقَ شَرِكَةٍ اهـ ع ش
(قَوْلُهُ أَوْ قَبْلَهَا) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ
(قَوْلُهُ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا إلَخْ) أَيْ مِنْ عِتْقٍ عُلِّقَ بِالْمَوْتِ وَتَبَرُّعٍ نُجِّزَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مُغْنِي وَنِهَايَةٌ
(قَوْلُهُ وَعَكْسُهُ إلَخْ) أَيْ تَقْدِيمُ الْوَصِيَّةِ فِي الْآيَةِ عَلَى الدَّيْنِ ذَكَرَ الَّذِي انْفَرَدَ بِتَقْدِيمِهَا عَلَيْهِ أَبُو ثَوْرٍ قَوْلًا وَحُكْمًا
(قَوْلُهُ لِحَثِّ الْوَرَثَةِ إلَخْ) خَبَرُ " عَكْسُهُ " وَقَوْلُهُ لِتَوَانِيهِمْ إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِالْحَثِّ
(قَوْلُهُ بَعْدَ الدَّيْنِ) أَيْ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِثُمَّ مُغْنِي وَنِهَايَةٌ
(قَوْلُهُ إنْ أُخِذَ) رَاجِعٌ لِمَا قَبْلَهُ
(قَوْلُهُ فَلَا تَقْتَضِي إلَخْ) الْأَوْلَى تَرْكُ التَّفْرِيعِ عِبَارَةُ الْمُغْنِي
تَنْبِيهٌ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ لَوْ اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ التَّرِكَةَ لَمْ تُنَفَّذْ الْوَصِيَّةُ وَلَمْ يُحْكَمْ بِانْعِقَادِهَا حَتَّى لَوْ تَبَرَّعَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ أَوْ أَبْرَأَ الْمُسْتَحِقَّ مِنْهُ لَا تُنَفَّذُ الْوَصِيَّةُ حِينَئِذٍ وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ يُحْكَمُ بِانْعِقَادِهَا وَتُنَفَّذُ حِينَئِذٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ اهـ.
(قَوْلُهُ أَحَدٌ) تَنَازَعَ فِيهِ أَبْرَأَ وَتَبَرَّعَ قَالَهُ سَيِّدُ عُمَرَ وَالْأَوْلَى إرْجَاعُ ضَمِيرِ أَبْرَأَ بِبِنَاءِ الْمَعْلُومِ إلَى الْمُسْتَحِقِّ الْمَعْلُومِ مِنْ الْمَقَامِ وَبِبِنَاءِ الْمَجْهُولِ إلَى الْمَيِّتِ
(قَوْلُهُ بِأَنَّ نُفُوذَهَا) أَيْ فَالْوَصِيَّةُ مَوْقُوفَةٌ إنْ تَبَرَّعَ مُتَبَرِّعٌ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ أَوْ أَبْرَأَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُ تَبَيَّنَ انْعِقَادُهَا وَإِلَّا فَلَا اهـ ع ش
(قَوْلُهُ صُورَةً يَتَسَاوَى إلَخْ) هُمَا أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى وَاحِدٌ أَنَّ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ أَلْفَ دِينَارٍ وَآخَرُ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ مَالِهِ وَالتَّرِكَةُ أَلْفٌ وَصَدَّقَهُمَا الْوَارِثُ مَعًا قُسِّمَتْ التَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا،
فَإِنْ صُدِّقَ مُدَّعِي الْوَصِيَّةِ أَوَّلًا قُدِّمَتْ
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ بَلْ الصَّوَابَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ تَقْدِيمُ الدَّيْنِ عَلَى الْوَصِيَّةِ سَوَاءٌ صَدَّقَهُمَا مَعًا أَمْ لَا كَمَا لَوْ ثَبَتَا بِالْبَيِّنَةِ اهـ سم
وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ قَالَ الرَّشِيدِيُّ قَوْلُهُ قُسِّمَتْ التَّرِكَةُ إلَخْ أَيْ بِأَنْ يُضَمَّ الْمُوصَى بِهِ إلَى الدَّيْنِ وَتُقَسَّمُ التَّرِكَةُ عَلَى وَفْقِ نِسْبَةِ حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَى مَجْمُوعِ الْمُوصَى بِهِ وَالدَّيْنِ اهـ عِبَارَةُ ع ش قَوْلُهُ قُسِّمَتْ التَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا أَيْ لِأَنَّا نَزِيدُ عَلَى مَخْرَجِ الثُّلُثِ بَسْطَهُ وَهُوَ وَاحِدٌ وَنُعْطِيهِ لِلْمُوصَى لَهُ وَهُوَ رُبُعٌ
وَحَاصِلُهُ أَنَّ إقْرَارَ الْوَارِثِ بِالدَّيْنِ يُجْعَلُ كَوَصِيَّةٍ أُخْرَى فَكَأَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِثُلُثِهِ وَطَرِيقُ قَسْمِ ذَلِكَ أَنْ يُزَادَ عَلَى الْكَسْرِ بَسْطُهُ وَهُوَ وَاحِدٌ ثُمَّ يُقْسَمَ الْمَالُ بَيْنَهُمَا بِحَسَبِ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ اهـ.
(قَوْلُهُ وَوُجُوبُ التَّرْتِيبِ إلَخْ) قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ عَكَسَ فَدَفَعَ لِلْوَارِثِ أَوَّلًا مَثَلًا لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَحِلَّ وَقَدْ يُمْنَعُ إطْلَاقُ ذَلِكَ وَيَتَّجِهُ الْحِلُّ حَيْثُ لَمْ يُظَنَّ عِنْدَ الْبَدْءِ بِالْمُؤَخَّرِ الْفَوَاتُ عَلَى الْمُقَدَّمِ وَالنُّفُوذُ حَيْثُ بَانَ وُصُولُ كُلٍّ إلَى حَقِّهِ فَلْيُتَأَمَّلْ. وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَتْ هَذِهِ نَظِيرَ مَسْأَلَةِ الْحَجِّ اهـ سم وَأَقُولُ مَا ذَكَرَهُ مُتَّجَهٌ لَا دَافِعَ لَهُ لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِيمَا لَوْ دَفَعَ لِلْوَارِثِ قَبْلَ الدَّائِنِ أَيْ بِشَرْطِهِ الْمَارِّ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْوَرَثَةِ التَّصَرُّفُ وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ؟
مَحَلُّ تَأَمُّلٍ انْتَهَى سَيِّدُ عُمَرَ. وَأَقُولُ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ إذْ لَا
فَائِدَةَ لِصِحَّةِ الدَّفْعِ لَهُ وَحِلُّهُ قَبْلَ الدَّائِنِ إلَّا حِلُّ وَنُفُوذُ التَّصَرُّفِ،
فَإِنْ تَصَرَّفَ ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ غَيَّرْنَا الْحُكْمَ اهـ ابْنُ الْجَمَّالِ
(قَوْلُهُ فَلَوْ دَفَعَ الْوَصِيُّ إلَخْ) أَيْ فِيمَا لَوْ كَانَتْ التَّرِكَةُ أَرْبَعَمِائَةٍ فَأَكْثَرَ
(قَوْلُهُ عَنْهَا) أَيْ التَّرِكَةِ
(قَوْلُهُ عَلَى مَا يَأْتِي) أَيْ مِنْ بَيَانِ الْأَنْصِبَاءِ
(قَوْلُهُ يَعْنِي أَنَّهُمْ) تَفْسِيرٌ لِلْمَتْنِ
(قَوْلُهُ حِينَئِذٍ) أَيْ بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ
(قَوْلُهُ لَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ إلَخْ) أَيْ وَإِنَّمَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ
(قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي أَوَاخِرِ الرَّهْنِ اهـ سم وَقَالَ ع ش أَيْ فِي قَوْلِهِ فَالْوَاقِعُ بِهَا مِنْ زَوَائِدِ التَّرِكَةِ إلَخْ اهـ.
(قَوْلُهُ أَنَّهُ) أَيْ الْمُوصَى لَهُ بِقَبُولِهَا أَيْ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ
(قَوْلُهُ الْمُعَيَّنَةُ) أَيْ الْوَصِيَّةُ الْمُعَيَّنَةُ
(قَوْلُهُ مِلْكُهَا) أَيْ الْوَصِيَّةِ يَعْنِي الْمُوصَى بِهِ
(قَوْلُهُ فَهِيَ) أَيْ الْوَصِيَّةُ وَقَوْلُهُ حِينَئِذٍ أَيْ حِينَ إذْ وُجِدَ الْقَبُولُ بَعْدَ الْمَوْتِ
(قَوْلُهُ فِي عَيْنِ الْأَوَّلِ) مُتَعَلِّقٌ بِضَمِيرِ لَهُ الْعَائِدِ لِلْإِرْثِ وَقَدْ مَرَّ مَا فِيهِ غَيْرَ مَرَّةٍ
(قَوْلُهُ وَثُلُثُ الثَّانِي) لَعَلَّ الصَّوَابَ وَقَدْرُ الثَّانِي كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ
(قَوْلُهُ لَا قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْقَبُولِ
(قَوْلُهُ فِيهِ) أَيْ فِيمَا قَبْلَ الْقَبُولِ.
(قَوْلُهُ يُطْلَقُ بِإِزَاءِ الْمَرْأَةِ فَيَعُمُّ) أَيْ وَأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُرَادُ هُنَا،
وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى ذَكَرٍ لَمْ يُسْتَفَدْ أَنَّ الرَّجُلَ يُطْلَقُ بِهَذَا الْمَعْنَى
(قَوْلُهُ وَهِيَ مَا يُخَلِّفُهُ) أَيْ مِنْ حَيْثُ هِيَ
(قَوْلُهُ لِدُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ) أَيْ تَقْدِيرًا (قَوْلُهُ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ لِلْوَارِثِ) قَدْ يُقَالُ الِانْتِقَالُ لِلْوَارِثِ شَرْطُهُ الْمَوْتُ الَّذِي لِانْتِهَاءِ الْأَجَلِ
بِخِلَافِ مَا لِعَارِضٍ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} وَقَوْلِهِ {فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ}
(قَوْلُهُ وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ الصَّغِيرِ إلَخْ) قَالَ فِيهِ فِي مَبْحَثِ التَّشْطِيرِ وَبِقَوْلِهِ أَيْ وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ فِي حَيَاةٍ عَلَى أَنَّ الْفُرْقَةَ بِالْمَوْتِ لَا تَشْطِيرَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ مُقَرَّرٌ لِجَمِيعِهِ كَمَا مَرَّ وَكَالْمَوْتِ مَسْخُ أَحَدِهِمَا حَجَرًا فَإِنْ مُسِخَ الزَّوْجُ حَيَوَانًا فَكَذَلِكَ مَهْرٌ لَا عِدَّةً وَإِرْثًا عَلَى الْأَوْجَهِ اهـ.
(قَوْلُهُ بِمُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَتَجْهِيزُ مُمَوَّنِهِ الْمَيِّتِ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ وَفِيهِ أَمْرَانِ (الْأَوَّلُ) أَنَّهُ احْتَرَزَ عَنْ مُمَوِّنِهِ الْمَيِّتِ بَعْدَهُ فَلَا يَجِبُ تَجْهِيزُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ لِانْتِقَالِهَا إلَى مِلْكِ الْوَارِثِ قَبْلَ مَوْتِ ذَلِكَ الْمُمَوِّنِ فَلَمْ يَمُتْ إلَّا وَمَائِنُهُ عَاجِزٌ عَنْ تَجْهِيزِهِ لِعَدَمِ بَقَاءِ مِلْكِهِ (وَالثَّانِي) أَنَّ قَوْلَهُ مُمَوَّنِهِ شَامِلٌ لِرَقِيقِهِ حَتَّى فِي مَسْأَلَةِ الْمَعِيَّةِ فَيَلْزَمُ تَجْهِيزُهُ فِيهَا وَهَذَا يَسْبِقُ إلَى الذِّهْنِ لَكِنْ قَدْ يُشَكَّكُ فِيهِ بِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ الْمِلْكُ وَالْمِلْكُ مُنْتَفٍ عِنْدَ مَوْتِهِ لِمُقَارَنَتِهِ لِمَوْتِ السَّيِّدِ الَّذِي يَقْتَضِي عَدَمَ الْمِلْكِ وَانْقِطَاعَهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا لَمْ يَتَأَخَّرْ وَقْتُ الْوُجُوبِ عَنْ مَوْتِ السَّيِّدِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ؛
لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ عِلِّيَّةِ الْوُجُوبِ حَتَّى يُوجَدَ مَانِعُهَا وَلَمْ يُوجَدْ قَبْلَ مَوْتِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ وَفِي اجْتِمَاعِ مُمَوَّنَيْنِ لَهُ كَلَامٌ لِي فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ) عِبَارَتُهُ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ مَا نَصُّهُ،
وَلَوْ اجْتَمَعَ مَعَ مُمَوَّنِهِ وَلَمْ يَفِ الْمَالُ إلَّا بِأَحَدِهِمَا فَظَاهِرٌ تَقْدِيمُهُ أَوْ اجْتَمَعَ جَمْعٌ مِنْ مُمَوَّنِهِ فَإِنْ مَاتُوا دَفْعَةً فَاَلَّذِي فِي الرَّوْضَةِ وَالْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ يُبْدَأُ بِمَنْ خُشِيَ تَغَيُّرُهُ ثُمَّ بِأَبِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ حُرْمَةً ثُمَّ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ لَهَا رَحِمًا ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ وَيُقَدَّمُ الْأَكْبَرُ سِنًّا مِنْ أَخَوَيْنِ مَثَلًا وَيُقْرَعُ بَيْنَ زَوْجَتَيْهِ إذْ لَا مَزِيَّةَ اهـ وَيَظْهَرُ أَنَّ الزَّوْجَةَ تُقَدَّمُ عَلَى جَمِيعِ الْأَقَارِبِ وَأَنَّ الْمَمْلُوكَ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ الْعَلَقَةَ بِهِمَا أَتَمُّ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي النَّفَقَاتِ وَقِيَاسُ كَلَامِهِمْ فِيمَا لَوْ دُفِنَ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ فِي قَبْرٍ أَنَّهُ يُقَدَّمُ هُنَا فِي نَحْوِ الْأَخَوَيْنِ الْمُسْتَوِيَيْنِ سِنًّا الْأَفْضَلُ بِنَحْوِ فِقْهٍ أَوْ وَرَعٍ وَأَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ
فَرْعٌ عَلَى أَصْلِهِ مِنْ جِنْسِهِ بِخِلَافِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَيُقَدَّمُ أَبٌ عَلَى ابْنٍ وَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ وَابْنٌ عَلَى أُمِّهِ لِفَضِيلَةِ الذُّكُورَةِ وَرَجُلٌ عَلَى صَبِيٍّ وَهُوَ عَلَى خُنْثَى وَهُوَ عَلَى امْرَأَةٍ فَإِنْ اسْتَوَوْا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ وَغَيْرَهُ قَالُوا عَقِبَ كَلَامِ الرَّوْضَةِ السَّابِقِ وَفِي تَقْدِيمِ الْأَكْبَرِ مُطْلَقًا نَظَرٌ إذَا كَانَ الْأَصْغَرُ أَتْقَى وَأَعْلَمَ وَأَوْرَعَ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته إلَى أَنْ قَالَ
أَمَّا إذَا تَرَتَّبُوا فَيُقَدَّمُ السَّابِقُ حَيْثُ لَمْ يُخْشَ عَلَى غَيْرِهِ فَسَادٌ وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا هَذَا إذَا أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ بِأَمْرِ الْجَمِيعِ وَإِلَّا فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ يَجْرِي هُنَا نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي الْفِطْرَةِ فَتُقَدَّمُ الزَّوْجَةُ فَالْوَلَدُ الصَّغِيرُ فَالْأَبُ فَالْأُمُّ فَالْكَبِيرُ ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ بَحَثَهُ إلَى أَنْ قَالَ وَذِكْرُهُمْ الْأَخَوَيْنِ لَعَلَّهُ إذَا انْحَصَرَ تَجْهِيزُهُمَا فِيهِ أَوْ أَلْزَمَهُ بِهِ مَنْ يَرَى وُجُوبَ مُؤْنَتِهِمَا اهـ وَفِي هَامِشِهِ كَلَامٌ لَنَا عَلَى بَعْضِهِ (قَوْلُهُ صُورَةً يَتَسَاوَى فِيهَا الدَّيْنُ وَالْوَصِيَّةُ إلَخْ) هُمَا أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى وَاحِدٌ أَنَّ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ أَلْفُ دِينَارٍ وَآخَرُ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ مَالِهِ وَالتَّرِكَةُ أَلْفٌ وَصَدَّقَهُمَا الْوَارِثُ مَعًا قُسِمَتْ التَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا فَإِنْ صُدِّقَ مُدَّعِي الْوَصِيَّةِ أَوَّلًا قُدِّمَتْ
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ بَلْ الصَّوَابُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ تَقْدِيمُ الدَّيْنِ عَلَى الْوَصِيَّةِ سَوَاءٌ صَدَّقَهُمَا مَعًا أَمْ لَا كَمَا لَوْ ثَبَتَا بِالْبَيِّنَةِ اهـ
(قَوْلُهُ فَلَوْ دَفَعَ الْوَصِيُّ إلَخْ) قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ عَكَسَ فَدَفَعَ لِلْوَارِثِ أَوَّلًا مَثَلًا لَمْ يَصِحَّ بَلْ وَلَمْ يَحِلَّ، وَقَدْ يُمْنَعُ إطْلَاقُ ذَلِكَ وَيَتَّجِهُ الْحِلُّ حَيْثُ لَمْ يُظَنَّ عِنْدَ الْبُدَاءَةِ بِالْمُؤَخَّرِ الْفَوَاتُ عَلَى الْمُقَدَّمِ وَلَا لَزِمَ تَأْخِيرٌ لَهُ وَقَعَ عَلَى الْمُقَدَّمِ مَعَ طَلَبِهِ وَالنُّفُوذِ حَيْثُ بَانَ وُصُولُ كُلٍّ إلَى حَقِّهِ فَلْيُتَأَمَّلْ فَلَيْسَ هَذَا نَظِيرُ مَسْأَلَةِ الْحَجِّ اهـ.
(قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي الرَّهْنِ.
كِتَابُ الْفَرَائِضِ] أَيْ: مَسَائِلِ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ، جَمْعُ فَرِيضَةٍ بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ: أَيْ مُقَدَّرَةٍ لِمَا فِيهَا مِنْ السِّهَامِ الْمُقَدَّرَةِ فَغُلِّبَتْ عَلَى غَيْرِهَا وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى الْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهَا مَسَائِلَ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ - كَمَا قَدَّرَتْهُ - الصَّادِقَةَ بِالْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ إرَادَةً لِلتَّغْلِيبِ، وَالْفَرْضُ لُغَةً التَّقْدِيرُ. قَالَ تَعَالَى:{فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} أَيْ قَدَّرْتُمْ، وَأَتَى بِمَعْنَى الْقَطْعِ. قَالَ تَعَالَى:{نَصِيبًا مَفْرُوضًا} أَيْ مَقْطُوعًا مَحْدُودًا، وَبِمَعْنَى الْإِنْزَالِ. قَالَ تَعَالَى:{إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} أَيْ أَنْزَلَهُ، وَبِمَعْنَى التَّبْيِينِ.
قَالَ تَعَالَى:{قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} أَيْ بَيَّنَ، وَبِمَعْنَى الْإِحْلَالِ. قَالَ تَعَالَى:{مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ} أَيْ أَحَلَّ، وَبِمَعْنَى الْعَطَاءِ: تَقُولُ الْعَرَبُ: لَا أَصَبْت مِنْهُ فَرْضًا وَلَا قَرْضًا.
وَلَمَّا كَانَ عِلْمُ الْفَرَائِضِ مُشْتَمِلًا عَلَى هَذِهِ الْمَعَانِي السِّتَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ السِّهَامِ الْمُقَدَّرَةِ وَالْمَقَادِيرِ الْمُقْتَطَعَةِ وَالْعَطَاءِ الْمُجَرَّدِ، وَتَبْيِينِ اللَّهِ تَعَالَى لِكُلِّ وَارِثٍ نَصِيبَهُ، وَإِحْلَالِهِ وَإِنْزَالِهِ سُمِّيَ بِذَلِكَ. وَشَرْعًا هُنَا نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ شَرْعًا لِلْوَارِثِ.
وَالْأَصْلُ فِي الْفَرَائِضِ آيَاتُ الْمَوَارِيثِ وَالْأَخْبَارُ الْآتِيَةُ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ:«أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» فَإِنْ قِيلَ: مَا
فَائِدَةُ ذِكْرِ " ذَكَرٍ " بَعْدَ رَجُلٍ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مُقَابِلٌ لِلصَّبِيِّ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُقَابِلُ الْأُنْثَى.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ رَجُلٍ كَفَى، فَمَا
فَائِدَةُ ذِكْرِ رَجُلٍ مَعَهُ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوَارِيثُ كَانُوا يُوَرِّثُونَ الرِّجَالَ دُونَ النِّسَاءِ، وَالْكِبَارَ دُونَ الصِّغَارِ، وَكَانُوا يَجْعَلُونَ حَظَّ الزَّوْجَةِ أَنْ يُنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ الزَّوْجِ سَنَةً وَيُوَرِّثُونَ الْأَخَ زَوْجَةَ أَخِيهِ وَكَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ بِالْحِلْفِ وَالنُّصْرَةِ فَيَقُولُ: ذِمَّتِي ذِمَّتُكَ تَرِثُنِي وَأَرِثُكَ ثُمَّ نُسِخَ فَتَوَارَثُوا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ ثُمَّ نُسِخَ، وَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةً لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ثُمَّ نُسِخَ بِآيَتَيْ الْمَوَارِيثِ آيَةِ الشِّتَاءِ الَّتِي فِي أَوَّلِ النِّسَاءِ، وَآيَةِ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِهَا، فَلَمَّا نَزَلَتْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَاشْتَهَرَتْ الْأَخْبَارُ بِالْحَثِّ عَلَى تَعْلِيمِهَا، وَتَعَلُّمِهَا مِنْهَا «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ، وَعَلِّمُوهُ أَيْ: عِلْمَ الْفَرَائِضِ، وَرُوِيَ وَعَلِّمُوهَا - أَيْ الْفَرَائِضَ - النَّاسَ فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ وَإِنَّ الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ حَتَّى يَخْتَلِفَ اثْنَانِ فِي الْفَرِيضَةِ فَلَا يَجِدَانِ مَنْ يَقْضِي بَيْنَهُمَا» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ.
وَمِنْهَا «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهُ مِنْ دِينِكُمْ وَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ وَإِنَّهُ أَوَّلُ عِلْمٍ يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنَّمَا حَثَّهُمْ عَلَى تَعَلُّمِهِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِغَيْرِ هَذَا التَّوَارُثِ أَيْ: وَهُوَ التَّوَارُثُ الْمُتَقَدِّمُ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ» عَلَى أَقْوَالٍ:
أَحْسَنُهَا أَنَّهُ بِاعْتِبَارِ الْحَالِ، فَإِنَّ حَالَ النَّاسِ اثْنَانِ حَيَاةٌ وَوَفَاةٌ، فَالْفَرَائِضُ تَتَعَلَّقُ بِحَالِ الْوَفَاةِ، وَسَائِرُ الْعُلُومِ تَتَعَلَّقُ بِحَالِ الْحَيَاةِ.
وَقِيلَ: النِّصْفُ بِمَعْنَى الصِّنْفِ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
إذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَانِ شَامِتٌ ... وَآخَرُ مُثْنٍ بِاَلَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ
وَقِيلَ: إنَّ الْعِلْمَ يُسْتَفَادُ بِالنَّصِّ تَارَةً وَبِالْقِيَاسِ أُخْرَى، وَعِلْمُ الْفَرَائِضِ مُسْتَفَادٌ مِنْ النَّصِّ،
وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: إذَا تَحَدَّثْتُمْ فَتَحَدَّثُوا فِي الْفَرَائِضِ وَإِذَا لَهَوْتُمْ فَالْهُوا فِي الرَّمْيِ، وَاشْتَهَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - بِعِلْمِ الْفَرَائِضِ أَرْبَعَةٌ: عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَزَيْدٌ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَلَمْ يَتَّفِقْ هَؤُلَاءِ فِي مَسْأَلَةٍ إلَّا وَافَقَتْهُمْ الْأُمَّةُ وَمَا اخْتَلَفُوا إلَّا وَقَعُوا فُرَادَى ثَلَاثَةٌ فِي جَانِبٍ، وَوَاحِدٌ فِي جَانِبٍ، وَاخْتَارَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَذْهَبَ زَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْقِيَاسِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ» .
وَعَنْ الْقَفَّالِ أَنَّ زَيْدًا لَمْ يُهْجَرْ لَهُ قَوْلٌ بَلْ جَمِيعُ أَقْوَالِهِ مَعْمُولٌ بِهَا
بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَمَعْنَى اخْتِيَارِهِ لِمَذْهَبِهِ أَنَّهُ نَظَرَ فِي أَدِلَّتِهِ فَوَجَدَهَا مُسْتَقِيمَةً فَعَمِلَ بِهَا لَا أَنَّهُ قَلَّدَهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي مَطْلَبِهِ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدًا، وَذَكَرْتُ فِي شَرْحِ النَّبِيهِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي اسْمِ زَيْدٍ أُصُولُ الْفَرَائِضِ، وَغَالِبُ قَوَاعِدِهَا، وَعَرَّفَ بَعْضُهُمْ عِلْمَ الْفَرَائِضِ بِأَنَّهُ الْفِقْهُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْإِرْثِ وَمَعْرِفَةِ الْحِسَابِ الْمُوَصِّلِ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَمَعْرِفَةِ قَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ التَّرِكَةِ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ، فَخَرَجَ بِالْإِرْثِ الْعِلْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِالصَّلَاةِ مَثَلًا فَلَا يُسَمَّى عِلْمَ الْفَرَائِضِ،
وَعِلْمُ الْفَرَائِضِ يَحْتَاجُ كَمَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ الْأَصْحَابِ إلَى ثَلَاثَةِ عُلُومٍ:
عِلْمِ الْفَتْوَى بِأَنْ يُعْلَمَ نَصِيبُ كُلِّ وَارِثٍ مِنْ التَّرِكَةِ، وَعِلْمِ النَّسَبِ بِأَنْ يُعْلَمَ الْوَارِثُ مِنْ الْمَيِّتِ بِالنَّسَبِ وَكَيْفِيَّةِ انْتِسَابِهِ لِلْمَيِّتِ، وَعِلْمِ الْحِسَابِ بِأَنْ يُعْلَمَ مِنْ أَيِّ حِسَابٍ تَخْرُجُ الْمَسْأَلَةُ، وَحَقِيقَةُ مُطْلَقِ الْحِسَابِ أَنَّهُ عِلْمٌ بِكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ فِي عَدَدٍ لِاسْتِخْرَاجِ مَجْهُولٍ مِنْ مَعْلُومٍ. (يُبْدَأُ) وُجُوبًا (مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ) وَهِيَ مَا يُخَلِّفُهُ فَتَصْدُقُ بِمَا تَرَكَهُ مِنْ خَمْرٍ صَارَ خَلًّا بَعْدَ مَوْتِهِ،
وَمِنْ شَبَكَةٍ نَصَبَهَا فَوَقَعَ فِيهَا بَعْدَ مَوْتِهِ صَيْدٌ فَيُورَثُ ذَلِكَ عَنْهُ،
وَكَذَلِكَ الدِّيَةُ الْمَأْخُوذَةُ فِي قَتْلِهِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ دُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ قُبَيْلَ مَوْتِهِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ فَالتَّعْبِيرُ بِالتَّرِكَةِ أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْمَالِ الْمُتَخَلِّفِ، وَعَلَّقَ بِيُبْدَأُ قَوْلُهُ: (بِمُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ) بِالْمَعْرُوفِ بِحَسَبِ يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ إسْرَافِهِ وَتَقْتِيرِهِ، وَهِيَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَيِّتُ مِنْ كَفَنٍ، وَحَنُوطٍ، وَأُجْرَةِ تَغْسِيلٍ وَحَفْرٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» وَلَمْ يَسْأَلْ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَا لِاحْتِيَاجِهِ إلَى ذَلِكَ كَمَا تُقَدَّمُ حَاجَتُهُ مِنْ مَلْبَسٍ وَقُوتٍ يَوْمَ الْقِسْمَةِ عَلَى حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ، وَإِنَّمَا يُدْفَعُ لِلْوَارِثِ مَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الْمُورَثُ؛
وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ يُتْرَكُ لِلْحَيِّ عِنْدَ فَلَسِهِ دَسْتُ ثَوْبٍ يَلِيقُ بِهِ فَالْمَيِّتُ أَوْلَى أَنْ يُسْتَرَ وَيُوَارَى؛ لِأَنَّ الْحَيَّ يُعَالَجُ وَيَسْعَى لِنَفْسِهِ، وَالْمَيِّتَ قَدْ انْقَطَعَ عِلَاجُهُ وَسَعْيُهُ بِمَوْتِهِ، وَيُبْدَأُ أَيْضًا بِمُؤْنَةِ تَجْهِيزِ مَنْ عَلَى الْمَيِّتِ مُؤْنَتُهُ إنْ كَانَ مَاتَ فِي حَيَاتِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ فِي الْفَلَسِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ الْمَرْأَةُ الْمُزَوَّجَةُ، وَخَادِمُهَا فَتَجْهِيزُهَا عَلَى زَوْجٍ غَنِيٍّ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمَا كَمَا مَرَّ فِي الْجَنَائِزِ، وَكَالزَّوْجَةِ الْبَائِنُ الْحَامِلُ (ثُمَّ تُقْضَى) مِنْهَا (دُيُونُهُ) الْمُتَعَلِّقَةُ بِذِمَّتِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، سَوَاءٌ أَذِنَ الْمَيِّتُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا لَزِمَتْهُ لِلَّهِ تَعَالَى أَمْ لِآدَمِيٍّ؛
لِأَنَّهَا حُقُوقٌ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَيُقَدَّمُ دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ وَالْحَجِّ عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّ فِي الْأَصَحِّ.
أَمَّا الْمُتَعَلِّقَةُ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ فَسَتَأْتِي (ثُمَّ) تَنْفُذُ (وَصَايَاهُ) وَمَا أُلْحِقَ بِهَا مِنْ عِتْقٍ عُلِّقَ بِالْمَوْتِ، وَتَبَرُّعٍ نُجِّزَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ أَوْ أُلْحِقَ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} (مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي) بَعْدَ إخْرَاجِ دَيْنِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِثُمَّ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا الْحِكْمَةُ فِي تَقْدِيمِ الْوَصِيَّةِ فِي الْآيَةِ عَلَى الدَّيْنِ مَعَ أَنَّهُ مُقَدَّمٌ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَمَّا أَشْبَهَتْ الْمِيرَاثَ فِي كَوْنِهَا بِلَا عِوَضٍ كَانَ فِي إخْرَاجِهَا مَشَقَّةٌ عَلَى الْوَارِثِ فَقُدِّمَتْ حَثًّا عَلَى إخْرَاجِهَا؛ وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ غَالِبًا تَكُونُ لِضِعَافٍ فَقُوِّيَ جَانِبُهَا بِالتَّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ لِئَلَّا يُطْمَعَ فِيهَا وَيُتَسَاهَلَ
بِخِلَافِ الدَّيْنِ، فَإِنَّ فِيهِ مِنْ الْقُوَّةِ مَا يُغْنِيهِ عَنْ التَّقْوِيَةِ بِذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: تَبَرَّعَ مُتَبَرِّعٌ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ أَوْ أَبْرَأَهُ الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُ لَا تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ لَوْ اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ التَّرِكَةَ لَمْ تَنْفُذْ الْوَصِيَّةُ وَلَمْ يُحْكَمْ بِانْعِقَادِهَا حَتَّى لَوْ تَبَرَّعَ مُتَبَرِّعٌ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ أَوْ أَبْرَأَهُ الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُ لَا تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ حِينَئِذٍ، وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ يُحْكَمُ بِانْعِقَادِهَا وَتَنْفُذُ حِينَئِذٍ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْوَصِيَّةُ فِي الْآيَةِ مُطْلَقَةٌ فَلِمَاذَا اُعْتُبِرَتْ مِنْ الثُّلُثِ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّهَا قُيِّدَتْ بِالسُّنَّةِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (ثُمَّ يُقْسَمُ الْبَاقِي) مِنْ التَّرِكَةِ (بَيْنَ الْوَرَثَةِ) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ
تَنْبِيهٌ: تَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ لَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ
تَنْبِيهٌ: قَدْ يُوهِمُ كَلَامُهُ أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَنْتَقِلُ لِلْوَارِثِ إلَّا بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ الْمِلْكُ فِي الْجَمِيعِ يَنْتَقِلُ لِلْوَارِثِ بِمُجَرَّدِ الْمَوْتِ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ لَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ فَتَكُونُ التَّرِكَةُ بِكَمَالِهَا كَالْمَرْهُونَةِ بِالدَّيْنِ وَإِنْ قَلَّ، وَكَمَا تُورَثُ الْأَمْوَالُ تُورَثُ الْحُقُوقُ، وَضَبَطَهُ الْمُتَوَلِّي: بِكُلِّ حَقٍّ لَازِمٍ تَعَلَّقَ بِالْمَالِ كَحَقِّ الْخِيَارِ، وَالشُّفْعَةِ
بِخِلَافِ حَقِّ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ وَاعْتَرَضَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَجْمُوعِ بِأَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ أَشْيَاءَ مِنْهُ كَحَدِّ الْقَذْفِ، وَالْقِصَاصِ وَالنَّجَاسَاتِ الْمُنْتَفَعِ بِهَا كَالْكَلْبِ، وَالسِّرْجِينِ، وَجِلْدِ الْمَيْتَةِ
كِتَابُ الْفَرَائِضِ أَيْ مَسَائِلُ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ جَمْعُ فَرِيضَةٍ بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ، أَيْ مُقَدَّرَةٍ لَمَّا فِيهَا مِنْ السِّهَامِ الْمُقَدَّرَةِ. فَغُلِّبَتْ عَلَى غَيْرِهَا،
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهُ، فَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ» أَيْ لِتَعَلُّقِهِ بِالْمَوْتِ الْمُقَابِلِ لِلْحَيَاةِ. (يَبْدَأُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ) وُجُوبًا (بِمُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ) بِالْمَعْرُوفِ (ثُمَّ تُقْضَى دُيُونُهُ ثُمَّ) تَنْفُذُ (وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي ثُمَّ يُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ
قَوْلُهُ: (أَيْ مَسَائِلُ إلَخْ) إشَارَةٌ لِلتَّغْلِيبِ الْآتِي بِجَعْلِ الْفَرْضِ بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلتَّعْصِيبِ.
قَوْلُهُ: (جَمْعُ فَرِيضَةٍ) نَظَرًا لِلْجَمْعِ الْمَذْكُورِ، وَسَيَأْتِي التَّعْبِيرُ بِالْفُرُوضِ وَهُوَ جَمْعُ فَرْضٍ وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ لُغَةً الْقَطْعُ وَالتَّبْيِينُ وَالْإِنْزَالُ وَالْإِحْلَالُ وَالْعَطَاءُ وَالْإِيجَابُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَشَرْعًا هُنَا نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ شَرْعًا لِلْوَارِثِ وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ يُزَادُ بِالرَّدِّ وَيَنْقُصُ بِالْعَوْلِ، بَلْ وَلَا يَصِحُّ وَإِنْ جَعَلَهُ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حَقِيقَتِهِ.
فَائِدَةٌ كَانَ الْجَاهِلِيَّةُ يُوَرِّثُونَ الرِّجَالَ وَالْكِبَارَ دُونَ غَيْرِهِمَا، ثُمَّ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ بِالتَّحَالُفِ وَالنُّصْرَةِ، ثُمَّ نُسِخَ إلَى التَّوَارُثِ بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ، ثُمَّ نُسِخَ إلَى وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ. ثُمَّ نُسِخَ بِآيَاتِ الْمَوَارِيثِ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ السُّيُوطِيّ إنَّ الَّذِي تَكَرَّرَ نَسْخُهُ أَرْبَعٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ مَحِلِّهِ، وَقَدْ يُقَالُ كَلَامُهُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ تَكَرَّرَ حِلُّهُ وَحُرْمَتُهُ بِخِلَافِ مَا هُنَا.
قَوْلُهُ: (بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ) فَهِيَ اسْمُ مَفْعُولٍ وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهَا اسْمَ فَاعِلٍ بِمَعْنَى فَارِضَةٍ لِأَنَّ الْفَارِضَ اسْمٌ لِلْفَرْضِيِّ وَيُقَالُ لَهُ الْفَرَائِضِيُّ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (أَيْ مُقَدَّرَةٍ) لَا بِمَعْنَى الْمَأْخُوذَةِ لِلْوَارِثِ قَهْرًا.
قَوْلُهُ: (لِمَا فِيهَا) أَيْ الْفَرَائِضِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (فَغُلِّبَتْ) أَيْ السِّهَامُ الْمُقَدَّرَةُ أَوْ الْفَرَائِضُ وَهُوَ أَوْلَى وَأَنْسَبُ وَإِنَّمَا غُلِّبَتْ عَلَى الْأَصَحِّ لِشَرَفِهَا بِتَقْدِيمِهَا عَلَى التَّعْصِيبِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَسْقُطُ بِهَا
وَقِيلَ التَّعْصِيبُ أَشْرَفُ لِأَنَّ بِهِ قَدْ يُسْتَغْرَقُ الْمَالُ.
قَوْلُهُ: (وَعَلِّمُوهُ) أَيْ عِلْمَ الْفَرَائِضِ الْمَعْلُومَ مِنْ تَعَلَّمُوا، وَفِي رِوَايَةٍ وَعَلِّمُوهَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ) هُوَ عِلَّةٌ لِلْحَثِّ عَلَى تَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وَلِأَنَّهُ أَوَّلُ عِلْمٍ يُنْسَى وَأَوَّلُ عِلْمٍ يُفْقَدُ مِنْ الْأَرْضِ وَأَوَّلُ عِلْمٍ يُنْزَعُ مِنْهَا أَيْ بِمَوْتِ أَهْلِهِ وَهُوَ يَحْتَاجُ إلَى عُلُومٍ ثَلَاثَةٍ، بِمَعْنَى أَنَّهَا حَقِيقَتُهُ عِلْمُ الْفَتْوَى، بِمَعْنَى مَعْرِفَةِ مَا يَخُصُّ كُلَّ وَارِثٍ مِنْ التَّرِكَةِ وَعِلْمُ النَّسَبِ، بِمَعْنَى كَيْفِيَّةِ انْتِسَابِ الْوَارِثِ لِلْمَيِّتِ وَعِلْمُ الْحِسَابِ بِمَعْنَى الْعَدَدِ الَّتِي تَصِحُّ مِنْهُ الْمَسْأَلَةُ أَوْ أَصْلِهَا فَحَقِيقَتُهُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْفِقْهِ وَالْحِسَابِ.
قَوْلُهُ: (لِتَعَلُّقِهِ بِالْمَوْتِ الْمُقَابِلِ لِلْحَيَاةِ) هُوَ عِلَّةٌ لِكَوْنِهِ نِصْفَ الْعِلْمِ أَيْ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْإِنْسَانِ حَيًّا وَمَيِّتًا وَهُمَا حَالَتَانِ فَالْعِلْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَحَدِهِمَا نِصْفٌ
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالنِّصْفِ الصِّنْفُ وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ، وَقَوْلُ شَيْخِنَا الْمُرَادُ بِالنِّصْفِ الشَّطْرُ لَا خُصُوصُ النِّصْفِ فِيهِ نَظَرٌ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (تَرِكَةِ) هِيَ مَا تَخَلَّفَ عَنْ الْمَيِّتِ وَلَوْ بِسَبَبٍ أَوْ غَيْرِ مَالٍ كَاخْتِصَاصٍ وَلَوْ خَرَّ تَخَلَّلَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَحَدِّ قَذْفٍ وَخِيَارٍ وَشُفْعَةٍ وَمَا وَقَعَ مِنْ صَيْدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي شَبَكَةٍ نَصَبَهَا قَبْلَهُ وَإِنْ انْتَقَلَ مِلْكُ الشَّبَكَةِ لِلْوَارِثِ وَدِيَةِ قَتْلٍ وَلَوْ بِعَفْوٍ عَنْ قِصَاصٍ مِنْ وَارِثِهِ.
تَنْبِيهٌ لَوْ عَاشَ بَعْدَ مَوْتِهِ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ أَوْ كَرَامَةً لِوَلِيٍّ لَمْ يَعُدْ مِلْكُهُ إلَيْهِ، وَسَيَأْتِي الْمَسْخُ فِي الطَّلَاقِ.
قَوْلُهُ: (بِمُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ) أَيْ إنْ لَمْ تَجِبْ عَلَى غَيْرِهِ كَزَوْجَةٍ وَمُؤْنَةِ تَجْهِيزِ مُمَوَّنِهِ إنْ مَاتَ فِي حَيَاتِهِ أَوْ مَعَهُ مِثْلَهُ. وَخَالَفَ شَيْخُنَا فِي الْمَعِيَّةِ وَإِذَا ضَاقَتْ التَّرِكَةُ عَنْ الْجَمِيعِ قُدِّمَ بِمَا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ.
قَوْلُهُ: (بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ بِحَسَبِ يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ وَلَا عِبْرَةَ بِمَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ مِنْ إسْرَافٍ أَوْ تَقْتِيرٍ.
قَوْلُهُ: (تَنْفُذُ) قَدَّرَهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَسْلِيطِ الْقَضَاءِ عَلَى الْوَصَايَا. وَنَظَرَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالْعَطْفِ بِالْوَاوِ،
فَلَوْ ضَمَّنَ تَقْتَضِي مَعْنَى تُؤَدِّي لَكَانَ أَوْلَى مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَضَاءِ هُنَا الْأَدَاءُ فَرَاجِعْهُ وَالْمُرَادُ بِدَيْنِهِ الْمُطْلَقِ فِي الذِّمَّةِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي، وَيُقَدَّمُ مِنْهُ دَيْنُ اللَّهِ كَزَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ. وَحَجٍّ عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّ عَكْسَ مَا فِي الْحَيِّ لِبِنَاءِ حَقِّ الْآدَمِيِّ عَلَى الْمُشَاحَّةِ وَكَالْوَصَايَا عِتْقٌ عَلِقَ بِالْمَوْتِ وَتَبَرُّعٌ وَاسْتَرَقَّ فِي مَرَضِهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ ثُلُثٍ إلَخْ) هِيَ ابْتِدَائِيَّةٌ فَيَشْمَلُ مَا لَوْ اسْتَغْرَقَتْ الْوَصَايَا الثُّلُثَ كُلَّهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يُقْسَمُ) يُفِيدُ أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ هُوَ الْقِسْمَةُ وَأَنَّ الْمِلْكَ سَابِقٌ عَلَى الْمُؤَنِ، وَتَقْدِيمُ الْوَصِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ فِي اللَّفْظِ لِلِاهْتِمَامِ بِهَا. وَمَا اقْتَضَاهُ مِنْ مُسَاوَاتِهَا لِلدَّيْنِ غَيْرُ مُرَادٍ.
تَنْبِيهٌ التَّرْتِيبُ فِي هَذَا وَمَا يَأْتِي إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الرُّتْبَةِ خُصُوصًا عِنْدَ ضِيقِ التَّرِكَةِ لَا فِي الْأَدَاءِ وَالتَّصَرُّفِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا فِيهَا) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ أَيْ مَسَائِلُ وَقَوْلُهُ فَغُلِّبَتْ يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ السِّهَامُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (يَبْدَأُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ إلَخْ) أَيْ كَمَا يَبْدَأُ فِي حَيَاتِهِ بِكِفَايَتِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الدُّيُونِ، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ فِي مَيِّتٍ أَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَمْ يَسْأَلْ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَا» .
قَوْلُ الْمَتْنِ: (تُقْضَى دُيُونُهُ) أَيْ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَالْمُرَادُ غَيْرُ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَيْنِ لِمَا سَيَأْتِي وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ دُيُونُ اللَّهِ تَعَالَى وَدُيُونُ الْآدَمِيِّ أَعْنِي دُيُونَ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَمْ تَتَعَلَّقْ بِالْعَيْنِ كَالْحَجِّ وَنَحْوِهِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
كتاب الفرائض] هي جمع فريضة فعيلة من الفرض، وهو: القطع والتقدير، ويترجم أيضًا بالمواريث جمع ميراث.
وكان أهل الجاهلية يورثون الرجال دون النساء والكبار دون الصغار، ويجعلون حظ الزوجة أن ينفق عليها من مال الزوج سنة، ويورثون الأخ زوجة أخيه.
وكان في ابتداء الإسلام التوارث بالحلف والنصرة فيقول: دمي دمك ترثني وأرثك، ثم نسخ فتوارثوا بالإسلام والهجرة، ثم نسخ فكانت الوصية واجبة للوالدين والأقربين، ثم نسخ بآيتي المواريث: آية الشتاء التي في أول النساء، وآية الصيف التي في آخرها.
وورد في السنة أحاديث في الحث على تعليمها وتعلمها،
ذكر في (المحرر) منها ثلاثة:
أولها: حديث: (تعلموا الفرائض وعلموها الناس؛ فإني امرؤ مقبوض،
وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يقضي بينهما) رواه أحمد، وهو في (مستدرك الحاكم) عن ابن مسعود.
والثاني: حديث: (تعلموا الفرائض؛ فإنها من دينكم، وإنها نصف العلم، وإنها أول ما ينزع من أمتي) رواه بنحوه ابن ماجه.
الثالث: حديث: (إنها نصف العلم) رواه الحاكم والبيهقي وقال: (إنه ينسى وهو أول شيء ينزع من أمتي). وإنما قيل للفرائض نصف العلم؛ لأن للإنسان حالتين: حالة حياة وحالة ممات، والفرائض تتعلق بحال الوفاة وسائر العلوم تتعلق بحال الحياة، ويكون لفظ النصف عبارة عن القسم الواحد من القسمين وإن لم يتساويا،
قال الشاعر:
إذا مت كان الناس نصفان شامت .... وآخر مثن بالذي كنت أصنع
وقيل: إن العلم يستفاد بالنص تارة وبالقياس أخرى، وعلم الفرائض مستفاد من النص.
قال الماوردي: وإنما حث النبي صلى الله عليه وسلم على الفرائض؛ لأنهم كانوا قريبي العهد بغير هذا التوارث.
واستفتح في (الوسيط) الباب بحديث: (إن الله لم يكل قسمة مواريثكم إلى نبي مرسل ولا إلى ملك مقرب، ولكن تولاها بنفسه فقسمها أبين قسم) قال ابن الصلاح: إنه لم يثبت.
وقال عمر رضي الله عنه:(إذا تحدثتم .. فتحدثوا بالفرائض،
وإذا لهوتم .. فالهوا بالرمي) واشتهر من الصحابة بعلم الفرائض أربعة: علي وزيد وابن مسعود وابن عباس، ولم يتفق هؤلاء الأربعة في مسألة إلا وافقتهم الأمة، وما اختلفوا إلا وقعوا فرداى ثلاثة في جانب، وواحد في جانب أو كل واحد وحده.
واختار الشافعي مذهب زيد؛ لأنه أقرب إلى القياس، ولقوله صلى الله عليه وسلم:(أفرضكم زيد) رواه ابن السكن في (سننه الصحاح). وروى الحاكم:(أفرض أمتي زيد بن ثابت) وقال: على شرط الشيخين.
وعن القفال: أن زيدًا لم يهجر له قول، بل جميع أقواله معمول بها
بخلاف غيره.
ومعنى اختياره لمذهبه: أنه نظر في أدلته .. فوجدها مستقيمة فعمل بها لا أنه قلده،
وقال في (المطلب): إن الشافعي رضي الله عنه قلده فيها.
عجيبة:
اجتمع في اسم زيد أصول الفرائض وغالب قواعدها، وذلك أن الزاي بسبعة وهي عدد الوارثات من النساء، وأصول المسائل سبعة، والياء بعشرة وهي عدد الوارثين من الرجال وأصناف ذوي الأرحام، والدال بأربعة عدد أسباب الميراث،
ومن يرث ويورث، ولا يرث ولا يورث،
ومن يورث ولا يرث وعكسه.
وجملة حروفه الثلاثة أحد وعشرون، وهو عدد أصحاب الفروض: النصف لخمسة والربع لاثنين والثمن لواحد والثلثان لأربعة والثلث لاثنين والسدس لسبعة، وضابطه:(هبادبز)، وموانع الإرث ثلاثة: والعصبات على ثلاثة أقسام، وصفة الإخوة والأعمام والأصول العائلة، والوارث قد يحجب حجب نقصان أو حرمان أو لا يحجب، والجد إذا كان معه ذو فرض مخير بين ثلاثة أشياء، والأب والجد يرثان بثلاث صفات.
وأيضًا الزاي حرف معجم من أعلاه بواحدة والياء من أسفله باثنتين والدال مهمل فهي تشبه الذكر والأنثى والخنثى المشكل.
ولفظ زيد يرجع إلى معنى الزيادة والفرائض راجعة إلى هذا المعنى.
وعلم الفرائض يحتاج إلى ثلاثة علوم: علم الفتوى وعلم الأنساب وعلم الحساب.
وفي (سنن أبي داوود): عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه قال: (العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة).
قال الخطابي: فيه حث على تعلم الفرائض وتحريض عليه وتقديم لعلمه.
والآية المحكمة: التي لم تنسخ، والسنة القائمة: الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والفريضة العادلة: قيل: من العدل في القسمة،
وقيل: إنها استنبطت من الكتاب والسنة فتكون تعدل ما نص عليه في الكتاب والسنة كمسألة زوج وأبوين.
روى عكرمة عن ابن عباس: أنه أرسل إلى زيد بن ثابت فسأله عن امرأة تركت زوجًا وأبوين فقال: (للزوج النصف وللأم ثلث ما بقي، فقال: تجده في كتاب الله أم تقوله برأي؟ قال: أقوله برأي، لا أفضل
أمًا على أب) قال: فهذا من باب تعويل الفريضة إذا لم يكن فيها نص أن تعتبر بالمنصوص عليه وهو قوله: {وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِهِ الثُّلُثُ} وكانَ هذا أعدل مما ذهب إليه ابن عباس من توفير الثلث على الأم وبخس الأب حقه برده إلى السدس، فترك قوله وصار عامة الفقهاء إلى قول زيد.
فائدة:
قال الحافظ أبو عمر وغيره: أول موروث في الإسلام عدي بن نضلة بن عبد العزى، هاجر هو وابنه النعمان بن عدي إلى أرض الحبشة فمات بها وورثه ولده هناك، فكان النعمان أول وارث في الإسلام، واستعمله عمر على ميسان ولم يستعمل من قومه غيره،
وأراد امرأته على الخروج معه إلى ميسان فأبت فكتب إليها أبيات شعر وهي (من الطويل):
فمن مبلغ الحسناء أن حليلها .... بميسان يسقى في زجاج وحنتم إذا شئت غنتني دهاقين قرية .... وصناجة تحدو على كل ميسم إذا كنت ندماني فبالأكبر اسقني .... ولا تسقني بالأصغر المتثلم لعل أمير المؤمنين يسوءُه .... تنادمنا في الجوسق المتهدم فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فكتب إليه:
أما بعد: فقد بلغني قولك (من الطويل):
لعل أمير المؤمنين يسوءُه .... تنادمنا في الجوسق المتهدم وايم الله! لقد ساءني) ثم عزله، فلما قدم عليه سأله فقال: ما كان من هذا شيء، وما كان إلا فضل شعر وجدته، وما شربتها قط، فقال عمر رضي الله عنه:(أظن ذلك، ولكن لا تعمل لي عملاً أبداً).
فنزل البصرة، ولم يزل يغزو مع المسلمين حتى مات، وشعره فصيح يستشهد أهل اللغة بقوله:(ندمان) في معنى (نديم).
قال: (يبدأ من تركة الميت بمؤنة تجهيزه) من كفن وحنوط وأجرة تغسيل وحفر وحمل وغير ذلك بالمعروف؛ لأنه يحتاج إليها كاحتياج المفلس إلى النفقة فتقدم نفقته قبل قسمة ماله، بل وصرح الماوردي في (باب الردة) بأن الموت مزيل للملك إلا عما لا يستغنى عنه من كفنه ومؤنة تجهيزه، وسيأتي وجه في (باب قطع السرقة): أن الكفن باق على ملك الميت.
والمراد بـ (التركة): ما يخلفه الميت، وهو أحسن من تعبير غيره بالمال؛ فإنه لو ترك خمرًا فتخللت أو نصب شبكة ووقع فيها بعد موته صيد .. روث أيضًا،
وكذا الدية المأخوذة في قتله؛ بناء على الأصح في دخولها في ملكه قبيل الموت.
وكذلك يخرج من تركته مؤنة من تلزمه مؤنته كما نقله في زوائد (الروضة) في (باب الفلس) عن النص وكلام الأصحاب، وذلك على العرف في يساره وإعساره، ولا اعتبار بلباسه في حياته إسرافًا وتقتيرًا،
فإن قصرت التركة عن تمام المؤنة .. أتمها من تلزمه إذا لم تكن تركة.
ومن الدليل على تقديم مؤنة التجهيز: أن مصعب بن عمير توفي في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فكفن في نمرة له.
وقال صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته ناقته:(كفنوه في ثويبه) ولم يستفصل في الواقعتين: هل عليه دين أو لا؟
وشذ ابن حزم فقال: يقدم دين الله ثم دين الآدمي ثم مؤنة التجهيز.
لكن يستثنى من إطلاق المصنف: المرأة المزوجة؛
فإن مؤنة تجهيزها على الزوج وإن كانت موسرة كما تقدم في (الجنائز).
قال: (ثم تقضى ديونه) ؛ لوجوبها عليه، والمراد: المتعلقة بذمته، سواء كانت لآدمي أو لله من زكاة أو كفارة أو حج أو نذر، أذن في ذلك أم لا.
قال: (ثم وصاياه) ؛ لقوله تعالى:{مِن بَعدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْن}.
وفي (المستدرك) و (الترمذي) عن علي رضي الله عنه: (إنكم تقرؤون هذه الآية،
وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية).
وأجمع المسلمون على ذلك إلا ما نقل عن أبي ثور من تقديم الوصية على الدين، وتقدم في آخر (باب الرهن) أن للورثة إمساك التركة وقضاء الدين من مالهم، وتقدم في اجتماع دين الآدميين ودين الله تعالى كالزكاة والحج وغيرهما خلاف فليكن على البال هنا؛ لترتيب القضاء.
أما إذا اجتمع حج وزكاة .. فلا نقل في ذلك، والظاهر: أنه يقسم بينهما؛ إذ لا ترجيح لأحدهما على الآخر.
ومحل تنفيذ الوصية: إذا لم يكن الدين مستغرقًا،
فإن استغرق .. لم تنفذ الوصية في شيء، لكن يحكم بانعقادها في الأصل حتى ينفذها لو تبرع متبرع بقضاء الدين أو أبرأ المستحق، قاله الرافعي في (باب الوصية).
قال: (من ثلث الباقي) بالإجماع،
أما الوصية .. ففي الآية مطلقة، ولكن قيدتها السُّنة بالثلث، وهو ما في (الصحيحين) وغيرهما من قوله صلى الله عليه وسلم: (الثلث والثلث كثير).
وفي (سنن ابن ماجه) حديث (إن الله أعطاكم ثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة لكم في أعمالكم) فلا تجوز الزيادة على الثلث فيمن له وارث بلا إجازة،
وكذا فيمن لا وارث له عند الجمهور.
وقال أبو حنيفة: يجوز فيمن لا وارث له أن يوصي بجميع ماله؛ لأثر فيه عن ابن مسعود.
تنبيه:
قد تشارك الوصية الدين أو تتقدم عليه في إقرار الوارث كما نقله الرافعي في بابه عن الأكثرين في رجلين ادعى أحدهما أن الميت أوصى له بثلث ماله، والآخر دينًا بألف، والتركة ألف وصدقهما الوارث معًا .. تقسم بينهما أرباعًا: ربع للوصية وثلاثة أرباعها للدين،
ولو صدق مدعي الوصية أولاً .. قدمت على رأي،
والأصح: تقديم الدين.
فرع:
أوصى ذمي بجميع ماله ومات ولا وارث له .. هل نقول: تصح وصيته بجميع ماله، أو لا؛ لأن أهل الفيء تعلق حقهم بها؟ قال الشيخ:(لم أر فيه نقلاً، والأقرب: الثاني) اهـ والذي مال إليه الشيخ صرح به القاضي حسين في (تعليقه)؛ لأن لماله مصرفًا معلومًا فأشبه من له وارث معين.
وحكى المتولي وجهين فيمن له وارث حائز أوصى له بماله كله:
أصحهما: بطلان الوصية، وأنه يأخذ التركة بالإرث.
والثاني: يصح ويأخذ بالوصية.
قال: (ثم يقسم الباقي بين الورثة) أي: على فرائض الله تعالى، وهذا مجمع عليه، وكيفية القسمة ستأتي.
وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين .. استحب إعطاؤهم مقدارًا غير مقدر؛ لظاهر الآية،
وقال ابن حزم: يجب ذلك.
وكما تورث الأموال .. تورث الحقوق اللازمة المتعلقة بالمال كحق الخيار والشفعة،
بخلاف حق الرجوع في الهبة.
والأصح: أن الكلاب تقسم باعتبار قيمتها عند من يرى لها قيمة كما في نظائرها.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.