ولا رخصة في تركها وإن قلنا سنة إلا بعذر عام كمطر أو ريح عاصف بالليل
الشروح عليها
(وَلَا رُخْصَةَ فِي) (تَرْكِهَا) أَيْ الْجَمَاعَةِ (وَإِنْ قُلْنَا) إنَّهَا (سُنَّةٌ) لِتَأَكُّدِهَا (إلَّا لِعُذْرٍ) فَلَا تُرَدُّ شَهَادَةُ الْمُدَاوِمِ عَلَى تَرْكِهَا لِعُذْرٍ
بِخِلَافِ الْمُدَاوِمِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ،
وَإِذَا أَمَرَ الْإِمَامُ النَّاسَ بِالْجَمَاعَةِ وَجَبَتْ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ الرُّخْصَةِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ؛ لِقِيَامِ الْعُذْرِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ خَبَرُ «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ لَا صَلَاةَ لَهُ» أَيْ كَامِلَةً إلَّا مِنْ عُذْرٍ.
وَالرُّخْصَةُ بِسُكُونِ الْخَاءِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا لُغَةً: التَّيْسِيرُ وَالتَّسْهِيلُ، وَاصْطِلَاحًا: الْحُكْمُ الثَّابِتُ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ لِعُذْرٍ (عَامٍّ كَمَطَرٍ) وَثَلْجٍ وَبَرْدٍ يَبُلُّ كُلٌّ مِنْهَا ثَوْبَهُ، أَوْ كَانَ نَحْوَ الْبَرْدِ كِبَارًا يُؤْذِي لَيْلًا وَنَهَارًا لِمَا صَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لَمَّا مُطِرُوا فِي سَفَرٍ:«لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ فِي رَحْلِهِ» وَلِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ النَّجَاسَةُ أَوْ الْقَذَارَةُ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَتَأَذَّ بِذَلِكَ لِقِلَّتِهِ أَوْ كِنٍّ، وَلَمْ يَخَفْ تَقْطِيرًا مِنْ سُقُوفِهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا النَّجَاسَةُ فَلَا يَكُونُ عُذْرًا. (أَوْ رِيحٍ عَاصِفٍ) أَيْ شَدِيدٍ أَوْ رِيحٍ بَارِدٍ أَوْ ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ (بِاللَّيْلِ) أَوْ وَقْتِ الصُّبْحِ كَمَا بَحَثَهُ الْإِسْنَوِيُّ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِيهِ أَشَدُّ مِنْهَا فِي الْمَغْرِبِ،
بِخِلَافِ النَّهَارِ وَالرِّيحُ مُؤَنَّثَةٌ.
(قَوْلُهُ: فَلَا تُرَدُّ شَهَادَةُ الْمُدَاوِمِ عَلَى تَرْكِهَا) الْمُتَبَادَرُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى تَرْكِهَا فِي جَمِيعِ الْفَرَائِضِ، فَلَا تُرَدُّ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى تَرْكِهَا فِي الْبَعْضِ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ لِلْبَعْضِ تَهَاوُنًا بِالْمَطْلُوبِ مِنْهُ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ عَدَمُهَا عُرْفًا بِحَيْثُ يُعَدُّ غَيْرَ مُعْتَنٍ بِالْجَمَاعَةِ
(قَوْلُهُ: لِقِيَامِ الْعُذْرِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ عَلِمَ بِهِ وَأَمَرَهُمْ بِالْحُضُورِ مَعَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالْجَمَاعَةِ أَمْرًا مُطْلَقًا ثُمَّ عَرَضَ لَهُمْ الْعُذْرُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْحُضُورُ لِحَمْلِ أَمْرِهِ عَلَى غَيْرِ أَوْقَاتِ الْعُذْرِ
(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ ضَمُّهَا) زَادَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَهُوَ الشَّخْصُ الْمُتَرَخِّصُ كَثِيرًا كَمَا فِي ضَحْكَةٍ فَإِنَّهُ الَّذِي يَضْحَكُ كَثِيرًا
(قَوْلُهُ: وَالتَّسْهِيلُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ
(قَوْلُهُ: وَاصْطِلَاحًا) وَيُعَبِّرُ عَنْهَا أَيْضًا بِأَنَّهَا هِيَ الْحُكْمُ الْمُتَغَيِّرُ إلَيْهِ السَّهْلُ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ
(قَوْلُهُ: عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ) دَخَلَ فِيهِ مَا لَمْ يَسْبِقْ امْتِنَاعُهُ بَلْ وَرَدَ ابْتِدَاءً عَلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ كَالسَّلَمِ،
فَإِنَّ مُقْتَضَى اشْتِمَالِهِ عَلَى الْغَرَرِ عَدَمُ جَوَازِهِ فَجَوَازُهُ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ
(قَوْلُهُ: لَيْلًا وَنَهَارًا) رَاجِعٌ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَمَطَرٍ وَمَا بَعْدَهُ
(قَوْلُهُ: قَالَ لَمَّا مُطِرُوا إلَخْ) فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ شَيْءٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِينَ لَكِنَّهَا تُسَنُّ، فَلَعَلَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى كَوْنِهِ عُذْرًا فِي الْجُمْلَةِ
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ النَّجَاسَةُ) أَيْ إذَا كَانَ عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى اخْتِلَاطِهِ بِنَجِسٍ
(قَوْلُهُ: فَلَا يَكُونُ عُذْرًا) جَوَابُ
أَمَّا، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ النَّجَاسَةُ عِلَّةٌ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ،
وَلَمْ يَخَفْ تَقْطِيرًا وَكَأَنَّهُ قَالَ: أَمَّا إذَا خَافَ تَقْطِيرًا فَهُوَ عُذْرٌ.
(قَوْلُهُ: وَالرِّيحُ مُؤَنَّثَةٌ) قَضِيَّةُ تَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ بِعَاصِفٍ جَوَازُ التَّذْكِيرِ أَيْضًا وَيَدُلُّ لَهُ قَوْله تَعَالَى {جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ} وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ: بَعْدَ رِيحٍ شَدِيدَةٍ قَالَ عَمِيرَةُ: أَفَادَ بِقَوْلِهِ شَدِيدَةٍ أَنَّ الرِّيحَ مُؤَنَّثَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَ عَاصِفٌ نَظَرًا لِلَّفْظِ اهـ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: وَالرِّيحُ مُؤَنَّثَةٌ عَلَى الْأَكْثَرِ فَيُقَالُ هِيَ الرِّيحُ، وَقَدْ تَذَّكَّرُ عَلَى مَعْنَى الْهَوَاءِ فَيُقَالُ هُوَ الرِّيحُ وَهَبَّ الرِّيحُ نَقَلَهُ أَبُو زَيْدٍ اهـ.
(قَوْلُهُ: الْحُكْمُ الثَّابِتُ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ لِعُذْرٍ) يَرِدُ عَلَيْهِ أُمُورٌ لَا تَخْفَى تُعْلَمُ مِنْ عَرْضِهِ عَلَى حَدِّ الرُّخْصَةِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ قَوْلُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ: وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ إنْ تَغَيَّرَ لِسُهُولَةٍ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ فَرُخْصَةٌ لَا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا قَوْلُهُ: التَّلْوِيثُ) أَيْ لِنَحْوِ مَلْبُوسِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لَا لِنَحْوِ أَسْفَلِ الرِّجْلِ وَمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ مِنْ تَفْسِيرِهِ بِذَلِكَ لَا يَخْفَى بُعْدُهُ خُصُوصًا مَعَ وَصْفِهِ بِالشِّدَّةِ وَمُقَابَلَتِهِ بِالتَّفَاحُشِ، عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ خَفِيفٌ إذْ كُلُّ وَحْلٍ يُلَوِّثُ أَسْفَلَ الرِّجْلِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَلَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهَا) أَيْ الْجَمَاعَةِ (وَإِنْ قُلْنَا) إنَّهَا (سُنَّةٌ) لِتَأَكُّدِهَا (إلَّا لِعُذْرٍ) لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ أَيْ كَامِلَةً إلَّا مِنْ عُذْرٍ» قِيلَ السُّنَّةُ فِي تَرْكِهَا رُخْصَةٌ مُطْلَقًا فَكَيْفَ ذَلِكَ وَجَوَابُهُ أَخْذًا مِنْ الْمَجْمُوعِ أَنَّ الْمُرَادَ لَا رُخْصَةَ تَقْتَضِي مَنْعَ الْحُرْمَةِ عَلَى الْفَرْضِ، وَالْكَرَاهَةِ عَلَى السُّنَّةِ إلَّا لِعُذْرٍ وَمِنْ ثَمَّ
فَرَّعَ عَلَى السُّنَّةِ أَنَّ تَارِكَهَا يُقَاتَلُ عَلَى وَجْهٍ وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ وَتَجِبُ بِأَمْرِ الْإِمَامِ إلَّا مَعَ عُذْرٍ (عَامٍّ كَمَطَرٍ) وَثَلْجٍ يُبِلُّ ثَوْبَهُ وَبَرْدٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا إنْ تَأَذَّى بِذَلِكَ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالصَّلَاةِ فِي الرِّحَالِ يَوْمَ مَطَرٍ لَمْ يُبَلَّ أَسْفَلُ النِّعَالِ»
أَمَّا إذَا لَمْ يَتَأَذَّ بِذَلِكَ لِخِفَّتِهِ أَوْ كُنَّ وَلَمْ يَخْشَ تَقْطِيرًا مِنْ سُقُوفِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ النَّجَاسَةُ فَلَا يَكُونُ عُذْرًا (أَوْ رِيحٍ عَاصِفٍ) أَيْ شَدِيدٍ (أَوْ رِيحٍ بَارِدٍ أَوْ ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ بِاللَّيْلِ) أَوْ وَقْتَ الصُّبْحِ لِخَبَرٍ بِذَلِكَ وَلِعِظَمِ مَشَقَّتِهَا فِيهِ دُونَ النَّهَارِ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْجَمَاعَةِ) إلَى قَوْلِ الْمَتْنِ
وَكَذَا وَحْلٌ فِي الْمُغْنِي إلَّا قَوْلَهُ وَبَرْدٌ قَوْلُ الْمَتْنِ (إلَّا لِعُذْرٍ) فَلَا تُرَدُّ شَهَادَةُ الْمُدَاوِمِ عَلَى تَرْكِهَا لِعُذْرٍ
بِخِلَافِ الْمُدَاوِمِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي قَالَ ع ش لَعَلَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ الْمُوَاظَبَةِ عَدَمُهَا عُرْفًا بِحَيْثُ يُعَدُّ غَيْرَ مُعْتَنٍ بِالْجَمَاعَةِ لَا تَرْكُ الْجَمَاعَةِ فِي جَمِيعِ الْفَرَائِضِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ لِعُذْرٍ وَبِدُونِهِ
(قَوْلُهُ: فَكَيْفَ ذَلِكَ) أَيْ قَوْلُهُمْ لَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهَا،
وَإِنْ قُلْنَا سُنَّةً إلَّا بِعُذْرٍ مُغْنِي
(قَوْلُهُ: تَقْتَضِي مَنْعَ الْحُرْمَةِ) أَيْ حَيْثُ تَوَقَّفَ وَاجِبُ الشِّعَارِ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ سم
(قَوْلُهُ عَلَى السُّنَّةِ) أَيْ أَوْ فِيمَا لَا يَتَوَقَّفُ الشِّعَارُ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ) أَيْ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذُكِرَ
(قَوْلُهُ: وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ) أَيْ شَهَادَةُ الْمُدَاوِمِ عَلَى التَّرْكِ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي
(قَوْلُهُ: وَتَجِبُ إلَخْ) أَيْ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا أَمَرَ النَّاسَ بِالْجَمَاعَةِ وَجَبَتْ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ الرُّخْصَةِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ لِقِيَامِ الْعُذْرِ مُغْنِي وَنِهَايَةٌ قَالَ ع ش قَوْلُهُ م ر لِقِيَامِ الْعُذْرِ ظَاهِرُهُ،
وَإِنْ عَلِمَ بِهِ وَأَمَرَهُمْ بِالْحُضُورِ مَعَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالْجَمَاعَةِ أَمْرًا مُطْلَقًا ثُمَّ عَرَضَ لَهُمْ الْعُذْرُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْحُضُورُ لِحَمْلِ أَمْرِهِ عَلَى غَيْرِ أَوْقَاتِ الْعُذْرِ. اهـ.
وَقَوْلُهُ ثُمَّ عَرَضَ إلَخْ أَيْ أَوْ فِيهِمْ مَعْذُورٌ بِالْفِعْلِ لَا يَعْلَمُهُ الْإِمَامُ وَقَوْلُهُ عَلَى غَيْرِ أَوْقَاتِ الْعُذْرِ أَيْ وَعَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِينَ
(قَوْلُهُ: وَثَلْجٍ) إلَى قَوْلِ الْمَتْنِ وَجُوعٍ فِي النِّهَايَةِ إلَّا قَوْلَهُ أَوْ الزَّلَقِ وَقَوْلُهُ مِنْ غَيْرِ سَمُومٍ وَقَوْلُهُ
أَمَّا حَرٌّ إلَى وَلَا فَرْقَ وَمَا أَنْبَهَ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: وَثَلْجٍ يُبِلُّ إلَخْ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَشَرْحِ بَافَضْلٍ كَمَطَرٍ وَثَلْجٍ وَبَرْدٍ يُبِلُّ كُلٌّ مِنْهَا ثَوْبَهُ أَوْ كَانَ نَحْوُ الْبَرْدِ كِبَارًا تُؤْذِي. اهـ.
(قَوْلُهُ: «أَمَرَ بِالصَّلَاةِ» إلَخْ) أَيْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ مُغْنِي عِبَارَةُ النِّهَايَةِ فِي سَفَرٍ. اهـ.
وَقَالَ ع ش فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ شَيْءٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِينَ لَكِنَّهَا تُسَنُّ فَلَعَلَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى كَوْنِهِ عُذْرًا فِي الْجُمْلَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا إذَا لَمْ يَتَأَذَّ إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى التَّأَذِّي وَالْمَشَقَّةِ لَا الْبَلِّ
(قَوْلُهُ أَوْ كُنَّ) كَجَنَاحٍ يَخْرُجُ مِنْ الْحَائِطِ كُرْدِيٌّ وَفِي الْإِيعَابِ وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ مَا يَمْنَعُ بَلَلَهُ كَلِبَادٍ لَمْ يَنْتَفِ عَنْهُ كَوْنُهُ عُذْرًا فِيمَا يَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ مَعَ ذَلِكَ مَوْجُودَةٌ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: مِنْ سُقُوفِهِ) أَيْ الْكِنِّ عِبَارَةُ غَيْرِهِ مِنْ سُقُوفِ الْأَسْوَاقِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: عَلَى مَا قَالَهُ إلَخْ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ، وَالْمُغْنِي كَمَا فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْقَاضِي إلَخْ
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ إلَخْ) عِلَّةُ التَّقْيِيدِ بِعَدَمِ الْخَشْيَةِ عَنْ التَّقْطِيرِ
(قَوْلُهُ: أَيْ شَدِيدٍ إلَخْ) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ضَابِطُ الشِّدَّةِ فِي الرِّيحِ وَالظُّلْمَةِ حُصُولَ التَّأَذِّي بِهِمَا وَأَنْ يُعْتَبَرَ فِي الرِّيحِ الْبَارِدَةِ أَيْضًا أَخْذًا مِمَّا تَقَرَّرَ فِي الْمَطَرِ، ثُمَّ عَدَمُ اعْتِبَارِ هَذِهِ أَيْ الرِّيحِ الْبَارِدَةِ فِي النَّهَارِ هَلْ هُوَ عَلَى إطْلَاقِهِ أَوْ مَا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ تَأَذٍّ كَالتَّأَذِّي بِهَا فِي اللَّيْلِ وَيَكُونُ ذِكْرُ اللَّيْلِ فِي كَلَامِهِمْ لِلْغَالِبِ مَحَلَّ نَظَرٍ وَلَعَلَّ الثَّانِيَ أَقْرَبَ ثُمَّ رَأَيْت فِي فَتْحِ الْجَوَادِ مَا نَصُّهُ
بِخِلَافِ الْخَفِيفَةِ لَيْلًا، وَالشَّدِيدَةِ نَهَارًا نَعَمْ لَوْ تَأَذَّى بِهَذِهِ كَتَأَذِّيهِ بِالْوَحْلِ لَمْ يَبْعُدْ كَوْنُهَا عُذْرًا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ السَّمُومُ وَهُوَ الرِّيحُ الْحَارُّ عُذْرٌ لَيْلًا وَنَهَارًا انْتَهَى وَنَحْوُهُ فِي الْإِمْدَادِ وَرَأَيْت الْمُحَشِّيَ سم قَالَ قَوْلُهُ أَوْ رِيحٍ بَارِدٍ يَحْتَمِلُ أَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَشْتَدَّ بَرْدُهُ وَإِلَّا كَانَ عُذْرًا نَهَارًا أَيْضًا أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بَرْدٌ شَدِيدٌ وَزِيَادَةُ رِيحٍ انْتَهَى. اهـ.
بَصْرِيٌّ قَوْلُ الْمَتْنِ (وَكَذَا وَحْلٌ إلَخْ) وَمِثْلُ الْوَحْلِ فِيمَا ذُكِرَ كَثْرَةُ وُقُوعِ الْبَرْدِ أَوْ الثَّلْجِ عَلَى الْأَرْضِ بِحَيْثُ يَشُقُّ الْمَشْيُ عَلَى ذَلِكَ كَمَشَقَّتِهِ فِي الْوَحْلِ نِهَايَةٌ
(قَوْلُهُ: فِي الْمَتْنِ إلَّا لِعُذْرٍ) فَلَا تُرَدُّ شَهَادَةُ الْمُدَاوِمِ عَلَى تَرْكِهَا لِعُذْرٍ
بِخِلَافِ الْمُدَاوِمِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ ش م ر
(قَوْلُهُ: أَنَّ الْمُرَادَ لَا رُخْصَةَ تَقْتَضِي مَنْعَ الْحُرْمَةِ) أَيْ حَيْثُ تَوَقَّفَ وَاجِبُ الشِّعَارِ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ (قَوْلِهِ - فِي الْمَتْنِ أَوْ رِيحٍ عَاصِفٍ بِاللَّيْلِ)
قَالَ فِي الْبَهْجَةِ مَا اشْتَرَطَ أَيْ الْحَاوِي ظُلْمَتَهُ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بَلْ كُلٌّ مِنْ الظُّلْمَةِ وَشِدَّةِ الرِّيحِ عُذْرٌ بِاللَّيْلِ قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ. اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ رِيحٍ بَارِدٍ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَا لَمْ يَشْتَدَّ بَرْدُهُ وَإِلَّا كَانَ عُذْرًا نَهَارًا أَيْضًا أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ بَرْدٌ شَدِيدٌ وَزِيَادَةُ رِيحٍ
(قَوْلُهُ: أَوْ وَقْتِ الصُّبْحِ) أَيْ عَلَى الْمُتَّجَهِ فِي الْمُهِمَّاتِ قَالَ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِيهِ أَشَدُّ مِنْهَا فِي الْمَغْرِبِ.
(وَلَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهَا) أَيْ الْجَمَاعَةِ (وَإِنْ قُلْنَا) هِيَ (سُنَّةٌ) لِتَأَكُّدِهَا (إلَّا بِعُذْرٍ) لِخَبَرِ «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ أَيْ كَامِلَةً إلَّا مِنْ عُذْرٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ السُّنَّةُ يَجُوزُ تَرْكُهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَكَيْفَ يُقَالُ لَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهَا،
وَإِنْ قُلْنَا: سُنَّةٌ إلَّا بِعُذْرٍ؟ .
أُجِيبَ بِأَنَّ الْقَصْدَ تَهْوِينُ أَمْرِ الْجَمَاعَةِ مَعَ الْعُذْرِ، وَلِذَلِكَ فَوَائِدُ مِنْهَا أَنَّا إذَا قُلْنَا سُنَّةٌ قُوتِلَ تَارِكُهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَأْتِي مَعَ الْعُذْرِ بَلْ لَا يُقَاتَلُ قَطْعًا، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا تُرَدُّ شَهَادَةُ الْمُدَاوِمِ عَلَى تَرْكِهَا لِعُذْرٍ
بِخِلَافِ الْمُدَاوِمِ عَلَى تَرْكِهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمِنْهَا أَنَّ الْإِمَامَ إذَا أَمَرَ النَّاسَ بِالْجَمَاعَةِ وَجَبَتْ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ الرُّخْصَةِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَتُهُ لِقِيَامِ الْعُذْرِ. وَالرُّخْصَةُ بِسُكُونِ الْخَاءِ،
وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، لُغَةً: التَّيْسِيرُ وَالتَّسْهِيلُ، وَاصْطِلَاحًا: الْحُكْمُ الثَّابِتُ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ بِعُذْرٍ (عَامٍّ كَمَطَرٍ) أَوْ ثَلْجٍ يَبُلُّ الثَّوْبَ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَصَابَنَا مَطَرٌ لَمْ يَبُلَّ أَسْفَلَ نِعَالِنَا فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» ،
وَيُشْتَرَطُ حُصُولُ مَشَقَّةٍ بِالْخُرُوجِ مَعَ الْمَطَرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمَرَضِ فَلَا يُعْذَرُ بِالْخَفِيفِ وَلَا بِالشَّدِيدِ إذَا كَانَ يَمْشِي فِي كِنٍّ،
وَلَوْ تَقَطَّرَ الْمَطَرُ مِنْ سُقُوفِ الْأَسْوَاقِ كَانَ عُذْرًا فِي الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ النَّجَاسَةُ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ (أَوْ رِيحٍ عَاصِفٍ) أَيْ شَدِيدٍ (بِاللَّيْلِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، فَقَالَ: أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ «كَانَ يَأْمُرُ مُنَادِيَهُ فِي اللَّيْلَةِ الْمُمْطِرَةِ وَاللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ ذَاتِ الرِّيحِ أَنْ يَقُولَ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَلِعِظَمِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ، وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ بَارِدَةً أَمْ لَا، وَعَبَّرَ فِي الْمُهَذَّبِ بِالْبَارِدَةِ، وَجَمَعَ الْمَاوَرْدِيُّ بَيْنَهُمَا.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرِّيحَ الشَّدِيدَةَ وَحْدَهَا عُذْرٌ بِاللَّيْلِ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ مَنْ عَبَّرَ بِالْبَارِدَةِ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِاخْتِيَارِهِ الطَّبَرِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ، فَقَالَ: الْمُخْتَارُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الظُّلْمَةِ وَالْبَرْدِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ عُذْرٌ بِاللَّيْلِ اهـ.
وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ الرِّيحُ الْخَفِيفَةُ لَيْلًا وَالشَّدِيدَةُ نَهَارًا. نَعَمْ الْمُتَّجَهُ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّ وَقْتَ الصُّبْحِ؛ كَاللَّيْلِ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ فِيهِ أَشَدُّ مِنْهَا فِي الْمَغْرِبِ وَالرِّيحُ مُؤَنَّثَةٌ
(وَلَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهَا) أَيْ الْجَمَاعَةِ. (وَإِنْ قُلْنَا) هِيَ (سُنَّةٌ) لِتَأَكُّدِهَا (إلَّا بِعُذْرٍ) لِحَدِيثِ «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَقَوْلُهُ «لَا صَلَاةَ» أَيْ كَامِلَةٌ، (عَامٍّ كَمَطَرٍ) لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا لِبَلِّهِ الثَّوْبَ
وَمِثْلُهُ ثَلْجٌ يَبُلُّ الثَّوْبَ. (أَوْ رِيحٍ عَاصِفٍ) أَيْ شَدِيدَةٍ (بِاللَّيْلِ) لِعِظَمِ مَشَقَّتِهَا فِيهِ دُونَ النَّهَارِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا رُخْصَةَ) أَيْ لَا تَسْقُطُ الْكَرَاهَةُ عَلَى قَوْلِ النَّدْبِ، أَوْ الْحُرْمَةِ عَلَى قَوْلِ الْوُجُوبِ عَمَّنْ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الشِّعَارُ فِيهِمَا إلَّا بِعُذْرٍ. نَعَمْ يَحْصُلُ لِمَنْ قَصَدَ فِعْلَهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ لَوْلَا الْعُذْرُ ثَوَابُ قَصْدِهِ، وَالرُّخْصَةُ بِسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ لُغَةً: السُّهُولَةُ، وَعُرْفًا: انْتِقَالٌ مِنْ صُعُوبَةٍ إلَى سُهُولَةٍ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْأَصْلِيِّ. قِيلَ: وَبِفَتْحِ الْخَاءِ اسْمٌ لِلشَّخْصِ نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِعُذْرٍ) وَهُوَ مَا يُذْهِبُ الْخُشُوعَ أَوْ كَمَالَهُ، وَالتَّعْلِيلُ بِغَيْرِهِ لِلُزُومِهِ لَهُ.
قَوْلُهُ: (عَامٌّ) وَهُوَ مَا لَا يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ.
قَوْلُهُ: (كَمَطَرٍ) لِمَنْ لَمْ يَجِدْ كِنًّا يَمْشِي فِيهِ، وَتَقَاطُرُ السُّقُوفِ كَالْمَطَرِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا رُخْصَةَ) هِيَ بِالسُّكُونِ
وَيَجُوزُ الضَّمُّ، وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَهُوَ الشَّخْصُ الْمُتَرَخِّصُ، وَالرُّخْصَةُ لُغَةً: التَّسْهِيلُ وَشَرْعًا مَعْرُوفَةٌ.
قَوْلُهُ: (إلَّا مِنْ عُذْرٍ) زَادَ الدَّمِيرِيِّ: وَمَا الْعُذْرُ قَالَ خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ انْتَهَى. وَصَحَّحَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَدَمَ حُصُولِ الثَّوَابِ عِنْدَ الْعُذْرِ، وَخَالَفَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ. وَنَقَلُوا الْحُصُولَ عَنْ الْأَحَادِيثِ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ أَقُولُ: وَقَدْ يُؤَيَّدُ بِأَنَّ مَنْ صَلَّى قَاعِدًا لِعَجْزٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ الْقَائِمِ. وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ فِيمَنْ كَانَ لَهُ عَادَةٌ ثُمَّ حَبَسَهُ الْعُذْرُ. قَوْلُهُ. (أَيْ شَدِيدَةٍ) أَفَادَ بِهَذَا أَنَّ الرِّيحَ مُؤَنَّثَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَالَ (عَاصِفٍ) نَظَرًا لِلَّفْظِ.
قَوْلُهُ: (بِفَتْحِ الْحَاءِ) وَإِسْكَانُهَا لُغَةٌ رَدِيئَةٌ.
قَوْلُهُ: (لِتَلْوِيثِهِ) قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ أَشَقُّ الْمَطَرِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالْمُرَادُ مَا لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ التَّلْوِيثُ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوَحَلُ مُتَفَاحِشًا.
قَوْلُهُ: (لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا) رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَادِي بِالْمَدِينَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَالْغَدَاةِ الْقَرَّةِ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» . وَالْقَرَّةُ بِالْفَتْحِ الْبَارِدَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْقُرِّ بِالضَّمِّ وَهُوَ الْبَرْدُ.
قال: (ولا رخصة في تركها وإن قلنا: سنة) ؛ لتأكدها.
و (الرخصة) بإسكان الخاء وضمها: التيسير في الأمر والتسهيل فيه، وهي: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر.
قال: (إلا بعذر) ؛ لما روى ابن ماجه [٧٩٣] وابن حبان [٢٠٦٤] والحاكم [١/ ٢٤٦] عن ابن عباس أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من سمع النداء ولم يأته .. فلا صلاة إلا من عذر)، قالوا: ما العذر؟ قال:(خوف أو مرض).
والمراد: أن العذر يسقط إثمها على قول الفرض، والكراهة على قول السنة.
واختلفوا إذا تركها لعذر: هل يحصل له فضلها؟
فقطع في (شرح المهذب) بعدم الحصول: قال الشيخ: وهو ظاهر إذا لم تكن له عادة بها،
فإن كان ملازمًا لها .. حصل له؛ لقوله صلي الله عليه وسلم:(إذا مرض العبد أو سافر .. كتب الله له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا) رواه البخاري [٢٩٩٦] عن أبي موسى الأشعري.
وقال الروياني في (التلخيص) وابن الرفعة: كما ينفي العذر الحرج، تحصل فضيلة الجماعة إذا كان قصده الجماعة لولا العذر، وبه قال القفال والغزالي في (الخلاصة)، وهو الصواب.
ففي (سنن أبو داوود)[٥٦٥] و (النسائي)[٢/ ١١١] عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم راح فوجد الناس قد صلوا .. أعطاه الله تعالى مثل أجر من صلاها وحضرها، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئًا).
وذكر الرافعي في (باب صفة الصلاة): أن من صلى قاعدًا لمرض .. حصلت له فضيلة القيام.
وقال في (شرح المهذب): لا خلاف فيه .. وهو يقوي الحصول هنا، إلا أن الفرق ظاهر.
قال: (عام كمطر) سواء كان ليلاً أو نهارًا، لما روى مسلم [٦٩٨] عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فمطرنا، فقال:(ليصل من شاء في رحلة).
وفي (الصحيحين)[خ ٩٠١ - م ٦٩٩] عن ابن عباس أنه قال لمؤذنة في يوم جمعة فيه مطر: (قل بعد الشهادتين: صلوا في رحالكم، فكأن الناس استنكروا ذلك فقال: أتعجبون من هذا؟ والله فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أحرجكم فتشمون في الطين والدحض) وهو: الزلق.
وشرط كون المطر عذرًا: أن تحصل به مشقة، كما صرح به الرافعي في الكلام على المرض،
وصاحب (التنبيه) حيث قال هنا: ومن يتأذى بالمطر،
وفي (الجمعة): ومن تبتل ثيابه بالمطر، وهو في معنى تقييد الماوردي والمتولي بالشديد.
فعلى هذا: لا يعذر بالخفيف ولا بالشديد إذا كان يمشي في كن.
قال: (أو ريح عاصف بالليل) ؛ لما روى الشيخان [خ ٦٣٢ - م ٦٩٧] عن ابن عمر رضي الله عنه قال: أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، فقال النبي صلي الله عليه وسلم:(ألا صلوا في الرحال)،
ولما فيه من المشقة.
و (الريح) مؤنثة، و (العاصف): الشديدة.
واحترز المصنف بها عن الخفيفة؛ فإنها ليست عذرًا بالاتفاق.
والعاصفة بالنهار ليست عذرًا على المشهور لخفة المشقة.
وفي (الكفاية) وجه: أنها عذر أيضًا.
لكن هذا يقتضي: أنها لا تكون عذرًا في صلاة الصبح؛ لأنها صلاة نهارية وفيه نظر.
والمتجه: إلحاقها بالليل؛ لأن المشقة فيها أشد من المشقة في المغرب.
ولا فرق في الليل بين المظلم وغيره؛ لإطلاق الأحاديث.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.