وإن سقط من دابته أو وجد ميتا ولا أثر به أو حمل فأكل أو طال بقاؤه غسل وصلي عليه.
الشروح عليها
(وإن سقط عن دابته) أو شاهق بغير فعل العدو (أو وجد ميتا ولا أثر به) أو مات حتف أنفه أو برفسة أو عاد سهمه عليه (أو حمل فأكل) أو شرب أو نام أو تكلم أو بال أو عطس (أو طال بقاؤه عرفا غسل وصلي عليه) كغيره، ويغسل الباغي ويصلى عليه، ويقتل قاطع الطريق، ويغسل ويصلى عليه ثم يصلب.
لا زيادة له على هذه المسألة.
أنفه . أو برفسة أو عاد سهمه عليه أي فقتله، أو عاد سيفه عليه فقتله، أو رفسته دابة، أي صدمته برجلها في صدره ونحوه فقتلته، غسل وصلي عليه، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة، لأنه لم يمت بفعل العدو، ولا مباشرته، ولا تسببه، ومذهب الشافعي، ونصره القاضي: لا يغسل ولا يصلى عليه، لأن عامر بن الأكوع بارز رجلاً يوم خيبر، فعاد عليه سيفه فقتله، فلم يفرد عن الشهداء بحكم.
(أو طال بقاؤُه عرفًا، غسل وصلي عليه) كغيره من وجوب غسل وصلاة وفاقًا، لأن سعد بن معاذ أصابه سهم يوم الخندق، فحمل إلى المسجد، ثم مات بعد ذلك، فغسله رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى عليه، وعمر حمل، وغسل وصلي عليه بحضرة الصحابة، ولم ينكر ذلك أحد، فثبت أنه إجماع.
ويقتل قاطع الطريق، ويغسل ويصلى عليه، ثم يصلب أي بعد الصلاة عليه، ولا نزاع في أنه يصلى عليه، كسائر المسلمين، وصلبه مد باعيه على جذع ونحوه.
لا زيادة له على هذه المسألة.
«وإن سقط عن دابته»، أي: إن سقط الشهيد عن دابته بغير فعل العدو، غسل وصلي عليه.
فإن سقط عن دابته بفعل العدو فمات من ذلك فإنه يكون شهيداً لا يغسل كما سبق. «أو وجد ميتاً ولا أثر به»، أي: ليس به أثر جراحة، ولا خنق، ولا ضرب، ووجد ميتاً فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، وهذا له دليل نظري، وذلك أن هذا الميت وجب بموته أن يغسل ويكفن ويصلى عليه، وكون موته من فعل العدو مشكوك فيه؛ لأنه ليس فيه أثر، ولا يمكن أن ندع اليقين للشك، بل يجب أن يغسل ويكفن ويصلى عليه.
وقول المؤلف:«ولا أثر به» يخرج به ما لو وجد به أثر مثل: جرح، أو خنق، أو ضرب أي ضربات مميتة، فإنه يحكم بالظاهر هنا، وهو أن الذي فعل به ذلك العدو، وعلى هذا يكون شهيداً لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، وهنا غلّبنا الظاهر على الأصل؛ لأن الأصل وجوب التغسيل، وهنا أسقطنا هذا الواجب بهذا الظاهر الذي هو الأثر،
وكذا إذا علمنا أنه مات بفعل العدو ولا أثر به كما لو استعمل الغازات.
واستثنى بعضهم من الأثر: الدم من الأنف، أو الفم، أو القبل، أو الدبر، قال: لأن هذا قد يقع ممن مات موتاً طبيعياً، فلا يدل على أن العدو هو الذي فعل به هذا، ولكن كلام المؤلف يدل على العموم فمتى وجد به أثر يحتمل أنه من فعل العدو فهو شهيد. «أو حُمل فأكل»، أي: من أرض المعركة فأكل، ثم مات، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه،
ولو علمنا أنه مات متأثراً بجراحه؛ لأن كونه يأكل يدل على أن فيه حياة مستقرة؛ إذ إن الذي في حكم الميت لا يأكل.
وظاهر كلام المؤلف أنه إذا أكل ومات ولم يطل الفصل فإنه يغسل.
وقال بعض الفقهاء: لا يغسل إذا لم يطل الفصل؛ لأنه قد يأكل بدون شعور وهو في النزع، ولكن هذا في الحقيقة بعيد أي إن أكله دليل على أن فيه حياة مستقرة.
وقول المؤلف:«أو حُمل فأكل» ظاهره: أنه إذا لم يحمل فأكل، ثم مات فإنه شهيد لا يغسل، وعبارة بعض الفقهاء:«أو جرح فأكل»، وهذه العبارة الأخيرة أعم مما إذا حمل أم لم يحمل.
والأقرب: أنه إذا أكل سواء حمل، أم لم يحمل،
فإن أكله دليل على أن فيه حياة مستقرة فيغسل ويكفن.
فإن قال قائل: ما الدليل على أن الشهيد إذا جرحه العدو جرحاً مميتاً وبقي حياً حياة مستقرة أنه يغسل ويكفن؟
فالجواب: قصة سعد بن معاذ رضي الله عنه فإنه جُرح في أكحله عام الأحزاب، ولكنه سأل الله أن لا يميته حتى يقر عينه ببني قريظة، فاستجاب الله دعاءه، وبقي الجرح ملتئماً حتى حكم في بني قريظة بنفسه لأنه هو حليفهم . وانظر الفرق بين سعد بن معاذ وعبد الله بن أُبي، فعبد الله بن أبي قام يجادل عن حلفائه من اليهود؛ لأنه كافر،
أما سعد فسأل الله ألا يميته حتى يقر عينه بهم، فأقر الله عينه بهم، وصار هو الحاكم فيهم، وحكم بهم بالحكم الذي شهد النبي عليه الصلاة والسلام بأنه حكم الله من فوق سبع سموات ،
ولما حكم فيهم انبعث الدم ومات رضي الله عنه، وأخبر النبي ﷺ أن عرش الرب عز وجل اهتز لموته فرحاً بروحه؛ لأن روحه صعدت إلى الله عز وجل،
وفي ذلك يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه :
وما اهتز عرش الله من أجل هالك سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو
والحاصل: أن هذا دليل على أن الشهيد إذا طال بقاؤه، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، وألحق العلماء بذلك ما إذا وجد منه دليل الحياة المستقرة مثل الأكل. «أو طال بقاؤه عُرفاً غسل وصلي عليه»، أي: ليس مقدراً بزمان شرعاً بل إذا طال بقاؤه وعرف أنه ليس في سياق الموت فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه.
والذي يترجح عندي أنه إذا بقي متأثراً كتأثر المُحتضَر أنه لا يغسل،
أما إذا بقي متألماً لكن بقي معه عقله فإنه يغسل ويصلى عليه.
وظاهر كلام المؤلف أنه لو شرب فإن ذلك لا يسقط حكم الشهادة، وهذا هو اختيار مجد الدين ابن تيمية ـ وهو عبد السلام جد شيخ الإسلام ابن تيمية ـ؛ لأن الإنسان قد يشرب، وهو في سياق الموت
بخلاف الأكل، فكلام الماتن تابع لكلام المجد رحمه الله.
والسِّقْطُ إِذَا بَلَغَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ،
وَمَنْ تَعَذَّرَ غَسْلُهُ يُمِّمَ، وَعَلَى الغَاسِلِ سَتْرُ مَا رَآهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَناً.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.