وصدقة التطوع مستحبة
الشروح عليها
(وصدقة التطوع مستحبة) حث الله عليها في كتابه العزيز في آيات كثيرة،
وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء» رواه الترمذي وحسنه،
الله عليها في كتابه العزيز، في آيات كثيرة ورغب فيها، فقال تعالى {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى} الآية، وعده من البر وقال {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وغير ذلك من الآيات في الحث على الصدقة.
غضب الرب، وتدفع ميتة السوء» رواه الترمذي وحسنه وفي الصحيحين «سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله» وذكر منهم «رجلاً تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» ولابن حبان وغيره «كل امرئ في ظل صدقته، حتى يقضي بين الناس» وفي الصحيحين «من تصدق بعدل تمرة، من كسب طيب - ولا يصعد إليه إلا الطيب - فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها، حتى تكون مثل الجبل» وغير ذلك مما هو معلوم، وسرًا أفضل، لقوله {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، والكل مقبول إذا كانت النية صادقة، وبطيب نفس أفضل منها بدونه، لخبر «طيبة بها نفسه» وفي الصحة أفضل منها في غيرها، لقوله: «وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر» .
«وصدقة التطوع مستحبة» هذا من باب إضافة الشيء إلى نوعه، وصدقة التطوع أي: الصدقة التي ليست بواجبة، وإنما يتطوع بها الإنسان، بأن يبذلها لوجه الله.
وقوله:«مستحبة» بمعنى أنها مسنونة مشروعة، ولا سيما مع حاجة الناس إليها.
واعلم أنه لا فرق بين مستحب ومسنون، عند الحنابلة، فالمستحب والمسنون بمعنى واحد، فنقول: يستحب السواك،
ويسن السواك، ولا فرق، وذهب بعض العلماء إلى أن ما ثبت بالنص فهو مسنون، وما ثبت بالاجتهاد والقياس فهو مستحب.
والدليل على استحبابها أثري ونظري.
أما الدليل الأثري: فإن الله أثنى على المتصدقين فقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾
وقال في آخر الآية: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ،
والسنة مستفيضة كثيرة في الحث على الصدقة، ومنها قوله ﷺ :«إنه ما من رجل يتصدق من كسب طيب إلا أخذها الله تعالى بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل»، ويقول عليه الصلاة والسلام :«كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة»، ويقول:«الصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار»، ويقول:«إنها تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء».
والدليل النظري: أن في الصدقة دفع حاجة الفقراء، والتخلق بأخلاق الفضلاء الكرماء، وأنها من أسباب انشراح الصدر، وجرِّبْ تَجِدْ، وقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد عشر فوائد لها،
فمن أرادها فليرجع إليها.
ولكن تتأكد في زمان، ومكان، وفي أحوال؛
ولهذا قال المؤلف مبيناً ذلك:
وَفِي رَمَضان وأوقاتِ الحاجاتِ أفضلُ .......
«وفي رمضان، وأوقات الحاجات أفضل» فشهر رمضان من الزمان الذي تتأكد فيه الصدقة، والدليل أن النبي ﷺ :«كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان» وهذا يدل على أنه ﷺ يزداد إنفاقه في هذا الشهر، ولكن الراجح أنها في عشر ذي الحجة الأولى أفضل؛ لقول النبي ﷺ :«ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء».
وهذا عام، والدليل قولهم:«ولا الجهاد» قال: «ولا الجهاد».
ولو قيل: ألا يعارض هذا أن الرسول ﷺ كان أجود ما يكون في رمضان؟
فالجواب: أن حديث عشر ذي الحجة قول، وحديث جود الرسول ﷺ في رمضان فعل، والقول مقدم على الفعل.
أو يقال: جوده في رمضان جود خاص بالرسول ﷺ؛ لأن في بعض ألفاظ الحديث:«أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن»، فيكون هذا الجود مخصوصاً بهذه الحال ـ والله أعلم ـ.
وأما المكان ففي الحرم المكي، والمدني أفضل من غيرهما؛ لشرف المكان.
وأما الحالات فقال المؤلف:«أوقات الحاجة أفضل» وأوقات الحاجات نوعان: دائمة، وطارئة.
فمن أوقات الحاجة الدائمة: فصل الشتاء،
فإن الفقراء فيه أحوج من وقت الصيف؛ لأنهم يحتاجون إلى زيادة أكل؛ فالإنسان في الشتاء يأكل أكثر مما يأكل في الصيف،
وفي الشتاء يحتاج إلى ثياب أكثر مما يحتاجه في الصيف، فيحتاج إلى تدفئة أكثر مما يحتاجه في الصيف.
والطارئة: مثل أن تحدث مجاعة أو جدب، فيحتاج الناس أكثر، سواء في الشتاء أم الصيف، فهذه أيضاً تكون الصدقة فيها أفضل.
وهل من شرف المكان ما لو كانت جهة من الأرض فيها مجاعة أو لا؟
الجواب: لا؛ لأن هذا ليس من شرف المكان، ولكن للحاجة بدليل أن أهل هذا المكان إذا اغتنوا صارت الصدقة فيهم مثل غيرهم.
لكن مكة والمدينة الصدقة فيهما أفضل من غيرهما مطلقاً لشرف المكان.
مسألة: إذا تعارض شرف المكان وشرف الأحوال، فأيهما يقدم؟
الجواب: يقدم شرف الأحوال؛ لأن الصدقة إنما شرعت لدفع الحاجة، فالفضل فيها باعتبار الحاجات يتعلق بنفس العبادة، وقد سبق قاعدة مفيدة في هذا الباب،
وهي:
«أن الفضل إذا كان يتعلق بذات العبادة كانت مراعاته أولى من الفضل الذي يتعلق بزمانها أو مكانها».
وَتُسَنُّ بِالفَاضِلِ عَن كِفَايَتِهِ وَمَنْ يَمُونُهُ وَيَأْثَمُ بِمَا يَنْقُصُهَا.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.