ويكره إفراد رجب والجمعة والسبت والشك وعيد للكفار بصوم.
الشروح عليها
(ويكره إفراد رجب) بالصوم؛ لأن فيه إحياء لشعار الجاهلية،
فإن أفطر منه أو صام معه غيره زالت الكراهة، (و) كره إفراد يوم (الجمعة) لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تصوموا يوم الجمعة إلا قبله يوم أو بعده يوم» متفق عليه. (و) إفراد يوم (السبت) لحديث «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» رواه أحمد. وكره صوم يوم النيروز والمهرجان، وكل عيد للكفار أو يوم يفردونه بالتعظيم (و) يوم (الشك) وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم يكن غيم ولا نحوه لقول عمار: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» -"رواه أبو داود والترمذي وصححه البخاري تعليقا.
ويكره الوصال وهو أن لا يفطر بين اليومين أو الأيام ولا يكره إلى السحر وتركه أولى.
إفراد رجب) بالصوم لأَن فيه إحياء لشعار الجاهلية يعني بتعظيمه، ولأحمد عن خرشة بن الحر، قال: رأيت عمر يضرب أكف المترجبين، حتى يضعوها في الطعام، ويقول: كلوا، فإنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية. وله عن ابن عمر، أنه إذا رأى الناس، وما يعدونه لرجب كرهه،
وقال: صوموا منه وأفطروا. وثبت عنه أنه كان يضرب فيه، ويقول: كلوا، إنما هو شهر كانت تعظمه الجاهلية.
وقال الشيخ: وكل حديث يروى في فضل صومه، أو الصلاة فيه، فكذب باتفاق أهل العلم بالحديث.
وقال: من صامه يعتقد أنه أفضل من غيره من الأشهر، أثم وعزر، وحمل عليه قول عمر.
زالت الكراهة . (و) كره إفراد يوم (الجمعة) يعني إفراد صومه وفاقًا، إلا ما روي عن مالك،
وقال النووي: السنة مقدمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة، فيتعين القول به، ومالك معذور، فإنه لم يبلغه، قال الداودي: لم يبلغ هذا الحديث مالكًا،
ولو بلغه لم يخالفه. وفي الإنصاف: لا خلاف في كراهة إفراد الجمعة.
وقال الشيخ: لا يجوز. اهـ.
فإن صام الجمعة والسبت لم يكره، لحديث أبي هريرة،
ويكره إفراد قيام ليلتها، باتفاق أهل العلم، حكاه النووي وغيره، وقلما كان صلى الله عليه وسلم يفطر يوم الجمعة، واستحب قوم صيامه وقبله يوم، أو بعده يوم،
وإن لم يقصده بعينه، وكان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، فإنه يصومه دون ما قبله، وما بعده، لكن في جملة أيام، أو أراد أن يصوم يوم عرفة، أو يوم عاشوراء، فكان ذلك يوم جمعة ونحوه لم يكره، قال الوزير: اتفقوا على كراهته إلا أن يوافق عادة.
إلا وقبله يوم، أو بعده يوم» متفق عليه ولمسلم «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بيان الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصوم من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم» وعن جابر مرفوعًا: نهى أن يفرد بصوم. ودخل على جويرية وهي صائمة، فقال لها «أصمت أمس؟» قالت: لا. قال «أتصومين غدًا؟» قالت: لا. قال «فأفطري» رواهما
متفق عليه . (و) كره إفراد يوم (السبت) يعني بصوم، ما لم يوافق عادة، أو يصمه عن قضاء، أو نذر، أو نحوه، مأخوذ من «السبت» وهو القطع، والسبت الراحة، سمي بذلك لانتهاء العدد عنده، وكانت العرب تسمي الأيام «أول» ثم «أهون» ثم «جبار» ثم «دبار» ثم «مؤنس» ثم «العروبة» ثم «شيار» .
يوم السبت، إلا فيما افترض عليكم» رواه أحمد ورواه الترمذي وحسنه، والحاكم،
وقال النووي: صححه الأئمة. ولأن اليهود تعظمه، وتخصه بالإمساك، وهو ترك العمل فيه، فيصير صومه تشبهًا بهم، وتخصيصه أيضًا بالإمساك عن الاشتغال والكسب، من عادتهم، فيشبه تعظيمهم ولو بالفطر،
ومن ثم كره إفراد الأحد إلا لسبب، لأن النصارى تعظمه،
بخلاف ما لو جمعهما بالصوم.
رواه أحمد . وكره صوم يوم النيروز والمهرجان لئلا يوافق الكفار في تعظيمهما، وقاله الشيخ وغيره، لأن العادة لها أثر في ذلك «والمهرجان» معرب «مهركان» «ونيروز» اليوم الجديد، تحل فيه الشمس برج الحمل «والمهرجان» أول حلولها الميزان، وهو أول السنة القبطية، وهو وقت الاعتدال الخريفي، «والنيروز» وقت الاعتدال الربيعي، أول يوم تنتهي فيه الشمس إلى أول برج الحمل،
وقيل الرابع منه، وقيل التاسع عشر منه، وهما عيدان للكفار، فيكره صومهما، لما فيه من موافقة الكفار في تعظيمهما،
وقال عبد الله بن عمر: من صنع ببلاد الأعاجم نيروزهم، ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت، حشر معهم.
والمهرجان وكل عيد للكفار، أو يوم يفردونه بالتعظيم قال الشيخ وغيره؛ ما لم يوافق عادة، أو يصمه عن نذر ونحوه؛
قال: وكذلك يوم الخميس الذي يكون في آخر صومهم يوم عيد المائدة، ويوم الأحد يسمونه يوم عيد الفِصْح، وعيد النور، والعيد الكبير، ونحو ذلك، ليس للمسلم أن يشابههم في أصله ولا في وصفه.
وقال: لا يحل للمسلمين يتشبهون بهم في شيء مما يختص بأعيادهم، لا من طعام، ولا لباس، ولا اغتسال، ولا إيقاد نيران، ولا تبطيل عادة، من معيشة، أو عبادة، أو غير ذلك، ولا يحل فعل وليمة، ولا الإهداء، ولا الصنع بما يستعان به على ذلك، ولا تمكين الصبيان ونحوهم من اللعب التي في الأعياد، ولا إظهار زينة، وبالجملة ليس لهم أن يخصوا أعيادهم بشيء من شعائرهم، بل يكون يوم عيدهم عند المسلمين كسائر الأيام، لا يخصه المسلمون بشيء من خصائصهم، وتخصيصه بما تقدم، لا نزاع بين العلماء في كفر من يفعل هذه الأمور، لما فيها من تعظيم شعائر الكفر.
أو يوم يفردونه بالتعظيم . (و) يوم (الشك) أي
ويكره صوم يوم الشك تطوعًا، نص عليه، وجزم به الأصحاب،
وقال الترمذي: هو قول أكثر أهل العلم. وتقدم،
وكذا تقدم كراهة استقبال رمضان بيوم أو يومين، في قول عامة أهل العلم، وظاهر نص أحمد التحريم،
وكذا تقدمه بيوم أو يومين، أولى عنده بالتحريم، لئلا يتخذ ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه.
من شعبان، إذا لم يكن غيم ولا نحوه الأولى: وهو اليوم الذي يلي التاسع والعشرين من شعبان، لأنه اليوم الذي يشك فيه، هل هو من شعبان، أو من رمضان؟ إذا كان صحوًا،
فإن كان غيم، أو قتر، فعندهم لا يكره، بل عندهم يجب صيامه، وليس مقصورًا على الكراهية فحسب، كما تقدم في أوائل كتب الصيام،
وإن وافق عادة فلا يكره وفاقًا، أو كان موصولاً بصيام أيام قبله لم يكره، لخبر أبي هريرة «لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه» أو يكون قضاء، أو نذرًا أو كفارة، فيصومه لوجوبه.
وسلم. رواه أبو داود، والترمذي وصححه البخاري تعليقًا المعلق - في اصطلاح المحدثين - هو ما كان سقوطه من مبادئ السند، سواء كان واحدًا، أو أكثر، والمراد: من صام اليوم الذي يشك فيه، هل هو من رمضان، أو من شعبان؟ كأن يحول بينهم وبينه قتر ونحوه، ويتحدث الناس برؤيته، ولم تثبت رؤيته؛ فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. قال الشيخ: وأصول الشريعة أدل على هذا القول منها على غيره،
فإن المشكوك في وجوبه لا يجب فعله ولا يستحب، بل يستحب تركه احتياطًا، وتقدم.
وهو أَن لا يفطر بين اليومين أو الأيام في قول أكثر أهل العلم، لحديث ابن عمر: واصل النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، فواصل الناس، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، فقالوا: إنك تواصل. قال: «إني لست مثلكم، إني أطعم وأسقى» متفق عليه، ولم يحرم، لأن النهي وقع رفقًا ورحمة،
وقيل: يحرم. حكاه ابن عبد البر عن الأئمة الثلاثة وغيرهم، ولا يبطل الصوم، قال المجد: بلا خلاف. حكاه الوزير وغيره إجماعًا، إلا ما روي عن أبي حنيفة من الإجزاء عن النذر،
فإن قصد صيامهما كان عاصيًا إجماعًا، لقصده ارتكاب ما نهى الشارع عنه، ولم يجزئه عن فرض، وهو مذهب مالك، والشافعي، لارتكابه النهي المقتضي للفساد، وهو لا يجامع الإجزاء، وحكم التطوع كذلك،
أما عيد الفطر فحرم تمييزًا لوقت العبادة عن غيره، لئلا يكون ذريعة إلى الزيادة في الواجب، كما فعلت النصارى، وأكده بتعجيل الفطر، وتأخير السحور، واستحباب تعجيل الفطر يوم العيد قبل الصلاة، وعيد النحر للأكل من النسك المتقرب بذبحه،
ولو شرع صومه لم يكن لمشروعية الذبح فيه معنى، فعبر عن علة التحريم بقوله «تأكلون فيه من نسككم» وهو يستلزم النحر،
ولما في صومهما من الإعراض عن ضيافة الله تعالى لعباده.
«ويكره إفراد رجب» يعني بالصوم.
عللوا هذا بأنه من شعائر الجاهلية،
وأن أهل الجاهلية هم الذين يعظمون هذا الشهر،
أما السنة فلم يرد في تعظيمه شيء، ولهذا قالوا: إن كل ما يروى في فضل صومه، أو الصلاة فيه من الأحاديث فكذب باتفاق أهل العلم بالحديث، وقد ألف ابن حجر رحمه الله رسالة صغيرة في هذا وهي «تبيين العجب فيما ورد في فضل رجب».
ويؤخذ من قوله:«إفراد رجب» أنه لو صامه مع غيره، فلا يكره؛ لأنه إذا صام معه غيره لم يكن الصيام من أجل تخصيص رجب،
فلو صام شعبان ورجباً فلا بأس،
ولو صام جمادى الآخرة ورجباً فلا بأس. «والجمعة» أي يكره إفراد الجمعة والدليل أن النبي ﷺ قال: «لا تصوموا يوم الجمعة إلا أن تصوموا يوماً قبله أو يوماً بعده» وقال: «لا تخصوا يوم الجمعة بصيام ولا ليلتها بقيام» وقال لإحدى أمهات المؤمنين، وقد وجدها صائمة يوم الجمعة:«أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: أتصومين غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري» فإن صامها مع غيرها فلا يكره،
فلو صام الخميس والجمعة فلا بأس، أو الجمعة والسبت فلا بأس.
وإن صامها وحدها لا للتخصيص، لكن لأنه وقت فراغه كرجل عامل يعمل كل أيام الأسبوع، وليس له فراغ إلا يوم الجمعة، فهل يكره؟
الجواب: عندي فيه تردد، فإن نظرنا إلى ما رواه مسلم:«لا تخصوا يوم الجمعة بصيام» قلنا: لا بأس؛ لأن هذا لم يخصه،
وإن نظرنا إلى حديث «أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: أتصومين غداً؟ قالت: لا، قال: فأفطري» فإن هذا قد يؤخذ منه أنه يكره إفرادها،
وإن كان في الأيام الأخرى لا يستطيع، وقد لا يؤخذ منه، فيقال: إن قول الرسول ﷺ: «أصمت أمس؟ أو أتصومين غداً؟» يدل على أنها قادرة على الصوم.
فالحاصل أنه إذا أفرد يوم الجمعة بصوم لا لقصد الجمعة، ولكن لأنه اليوم الذي يحصل فيه الفراغ، فالظاهر إن شاء الله أنه لا يكره، وأنه لا بأس بذلك. «والسبت» أي: يكره إفراده، لحديث «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» فيحمل إن صح على النهي عن إفراده،
وأما جمعه، مع الجمعة، فلا بأس؛ لقول النبي ﷺ لجويرية:«أتصومين غداً؟» فدل هذا على أن صومه مع الجمعة لا بأس به، وهذه المسألة قد يلغز بها فيقال: يومان إن أفرد أحدهما بالصوم كره،
وإن اجتمعا فلا كراهة؟ مع أن الذي يتبادر أن المكروه إذا ضم إلى مكروه ازدادت الكراهة، لكن هذا إذا ضم المكروه إلى مكروه زالت الكراهة، فيجاب أن الكراهة هي الإفراد،
فإذا صام الجميع فلا كراهة،
فإن قيل حديث النهي عن صوم السبت عام ليس فيه تفصيل، فالجواب أنه إذا ورد ما يخصص العام وجب العمل به، وقد ورد ما يدل على جواز صومه مع الجمعة وهذا تخصيص. «والشك» أي: يكره صوم يوم الشك، ويوم الشك هو ليلة الثلاثين من شعبان، إذا كان في السماء ما يمنع رؤية الهلال كغيم وقتر.
وقيل: هو يوم الثلاثين من شعبان، إذا كانت السماء صحواً.
والأول أرجح؛ لأنه إذا كانت السماء صحواً وتراءى الناس الهلال ولم يروه لم يبق عندهم شك أنه لم يهل، والشك يكون إذا كان هناك ما يمنع رؤية الهلال، ولكن لما كان فقهاؤنا رحمهم الله يرون أنه إذا كان ليلة الثلاثين، وحال ما يمنع رؤيته من غيم أو قتر يجب صومه، حملوا الشك على ما إذا كانت السماء صحواً، وهذه آفة يلجأ إليها بعض العلماء، وسبب هذه الآفة أن الإنسان يعتقد قبل أن يستدل، وهذا خطأ، والواجب أن تجعل اعتقادك تابعاً للدليل، فتستدل أولاً، ثم تحكم ثانياً.
فالأرجح أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان، إذا كان في السماء ما يمنع رؤية الهلال،
وأما إذا كانت السماء صحواً فلا شكَّ.
وهل صومه مكروه كما قال المؤلف أو محرم؟
الجواب: في هذا خلاف بين العلماء:
القول الأول: أنه محرم.
القول الثاني: أنه مكروه.
والصحيح أن صومه محرم إذا قصد به الاحتياط لرمضان ودليل ذلك:
١ ـ قول عمار بن ياسر رضي الله عنهما :«من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ ».
٢ ـ قوله ﷺ :«لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه».
٣ ـ ولأنه نوع من التعدي لحدود الله،
فإن الله يقول في كتابه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ، ورسوله ﷺ يقول:«إذا رأيتموه فصوموا فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين».
وَيَحْرُمُ صَوْمُ العِيدَيْنِ وَلَوْ فِي فَرْضٍ، وَصِيَامُ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، إلاَّ عَنْ دَمِ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.