فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة
الشروح عليها
(فإذا طلعت الشمس) من يوم عرفة (سار) من منى (إلى عرفة) فأقام بنمرة إلى الزوال يخطب بها الإمام أو نائبه خطبة قصيرة مفتتحة بالتكبير يعلمهم فيها الوقوف ووقته والدفع منه والمبيت بمزدلفة،
لا زيادة له على هذه المسألة.
منى (إلى عرفة) . فأقام بنمرة إلى الزوال أي زوال الشمس عن كبد السماء إلى جهة المغرب، قال الشيخ: كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهي: قرية كانت خارجة عن عرفات من جهة اليمين اهـ، وموضعها أكمة، عليها أنصاب الحرم، على يمينك إذا خرجت من مأزمي عرفة، تريد الموقف، فهي شرقي شمالي عرفة، خراب اليوم، قال ابن الهمام: ونزول النبي صلى الله عليه وسلم بنمرة لا نزاع فيه، ولأبي داود وغيره عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم نزل بنمرة، وهو منزل الإمام الذي ينزل بعرفة، حتى إذا كانت عند صلاة الظهر، راح مهجرًا، فجمع بين الظهر والعصر،
وفي حديث جابر: وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصوى فرحلت له.
بنمرة إلى الزوال يخطب بها الإمام أو نائبه أي يخطب الإمام أو نائبه بعرنة، كما خطب النبي صلى الله عليه وسلم رواه مسلم من حديث جابر، وروى الحاكم وغيره عن المستورد نحوه، قال عبد الحق: خطبته قبل الصلاة مشهورة، وعمل به الأئمة والمسلمون وقال الشيخ: يسير إليها من بطن الوادي: وهو موضع النبي صلى الله عليه وسلم الذي صلى فيه الظهر والعصر، وخطب وهو في حدود عرفة ببطن عرنة، وهناك مسجد يقال له، مسجد إبراهيم، يعني ابن محمد العباسي، لا الخليل وإنما بني في أول دولة بني العباس اهـ ثم زيد فيه من عرفة، والزيادة في نفس المسجد معلمة
يخطب بها الإمام أو نائبه . خطبة قصيرة قال سالم للحجاج: إن كنت تريد أن تصيب السنة، فقصر الخطبة وعجل الصلاة، قال ابن عمر: صدق، رواه البخاري، قال الشيخ: خطبة نسك لا خطبة جمعة.
الإمام أو نائبه . خطبة قصيرة مفتتحة بالتكبير وتقدم أنه صلى الله عليه وسلم كان يفتتح خطبه بالحمد،
وقال: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع» .
«فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة»، أي: من اليوم التاسع فيسير إلى عرفة، وينزل أولاً بنمرة.
ونمرة قرية قرب عرفة، وليست من عرفة لا شك لأنه إذا كان بطن عرفة ليس من عرفة فهي أبعد من بطن عرنة.
فإن قال قائل: بماذا تجيبون عن حديث جابر رضي الله عنه قال: ثم سار النبي ﷺ يعني من منى ـ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة ،
فإن ظاهره أن نمرة جزء من عرفة؟
فالجواب: أن مراد جابر رضي الله عنه أنه لم ينزل بمزدلفة كما كانت قريش تنزل في مزدلفة، فيقفون في مزدلفة، فقول جابر: حتى أتى عرفة، يعني أنه لم يقف في مزدلفة، ولذلك
قال في نفس الحديث:«ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت تصنع في الجاهلية فأجاز حتى أتى عرفة»، فيكون هذا بياناً لمنتهى سيره،
وأن منتهى سيره إلى عرفة.
وهل هذا النزول نزول نسك أو نزول راحة؟
الجواب: المعروف عند العلماء أنه نزول نسك ويحتمل أنه نزول راحة؛ لأن النبي ﷺ :«ضربت له القبة في نمرة»،
«ولما طلب منه أن يضرب له قبة في منى» قال: «منى مناخ من سبق»، لأن منى مشعر، فإقراره ضرب القبة له بنمرة ومنعه ذلك في منى يشعر بأن نمرة ليست بمشعر وأن نزوله بها للراحة فقط.
لكن المعروف أن النزول بها سنة وليس من أجل الراحة، فينزل بها إن تيسر، وهي معروفة الآن، وبعض الحجاج ينزلون فيها، ويحدثوننا أنهم يجدون راحة بالغة، ولا سيما فيما سبق، لما كان الناس يحجون على الإبل، فإنهم يحتاجون إلى الراحة. وينزل إلى أن تزول الشمس،
فإذا زالت الشمس ركب من نمرة إلى عرفة، ورسول الله ﷺ :«ركب من نمرة حتى أتى بطن الوادي، بطن عرنة، فنزل في بطن الوادي»، والظاهر عندي والله أعلم أن نزوله في بطن الوادي؛ لأن بطن الوادي في الغالب يكون رملياً، فيكون فيه لين وسهولة على الناس للجلوس وللصلاة ثم خطب الناس خطبة بليغة قرر فيها قواعد الإسلام، وشيئاً كثيراً من أحكامه، وأعلن في تلك الخطبة، أن ربا الجاهلية موضوع،
وأن أول رباً يضعه ربا العباس بن عبد المطلب؛ لأنه عمه،
وفي هذا دليل على أن الربا الثابت في ذمم الناس يجب وضعه،
ولا يجوز أخذه حتى وإن عقد قبل إسلام العاقد،
أما ما قبض من قبل من ربا، وأتى الإنسان موعظة من الله فإنه له، لكن ما بقي في ذمم الناس فإنه لا تتم التوبة منه إلا إذا تركه ولم يقبضه، وتأمل قول الرسول ﷺ في هذا الموقف العظيم:«أول رباً أضع ربا العباس»؛ لأنه قريبه، والحاكم لا يحابي أقاربه في حكم الله، بل يبدأ بهم قبل الناس، حتى يعلم أنه ليس عنده محاباة في دين الله.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا منع الناس من شيء جمع أهل بيته وقال لهم: إني نهيت الناس عن كذا
وكذا، والناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم،
فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وإني والله لا أوتى برجل منكم وقع في شيء مما نهيت عنه الناس إلا أضعفت لمكانه مني،
فمن شاء فليتقدم ومن شاء فليتأخر . والنبي ﷺ
قال في هذا الموقف العظيم والمجمع الكبير:«أول ربا أضعه من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب»،
وقال في موضع آخر:«وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، فأقسم ـ وهو الصادق البار بلا قسم ـ أنه لو سرقت فاطمة بنت محمد سيدة نساء أهل الجنة، وأشرف النساء نسباً لقطع يدها.
وقوله:«لقطعت»، يحتمل لقطعت يدها مباشرة، ويحتمل أمرت بقطع يدها، والأول أبلغ في كونه يقطع يد ابنته إذا سرقت.
فالحاصل أن الرسول ﷺ يضع للحكام منهجاً لو ساروا عليه لأفلحوا، وهو أن يكون أقاربهم وحاشيتهم عندهم كسائر الناس. وبعد أن خطب الناس هذه الخطبة أمر بلالاً، فأذن وأقام وصلى الظهر، ثم أقام وصلى العصر، ولم يسبح بينهما شيئاً ،
وفي تقديمه الخطبة على الأذان، والجمع بين الظهر والعصر دليل على أنه لم يقصد بذلك صلاة الجمعة؛ لأن صلاة الجمعة تكون الخطبة فيها بعد الأذان، وإلا فإن ذلك اليوم كان هو يوم الجمعة في حجة النبي ﷺ مما يدل على أن المسافر لا يقيم الجمعة حتى لو كان معه أهل الأرض جميعاً، ثم ركب حتى أتى آخر عرفة من الناحية الشرقية، فوقف هناك، وكان عادته أن يكون في أخريات قومه لا يكون في المتقدمين؛
لأجل أن يتفقد من كان محتاجاً،
ولو كان موقفه في أدنى عرفة مما يلي مكة لدفع قبل الناس، وهذا من تواضعه ﷺ وحسن سياسته.
وقف هناك وقال:«وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف»، فكأنه ﷺ يشير إلى الأمة ألا تكلف نفسها هذا الموقف الذي وقفه الرسول ﷺ، بل كل إنسان في مكانه؛ لئلا يحصل الزحام والأذى، فيؤذي الناس بعضهم بعضاً.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.