ولا حجام وطبيب وبيطار لم تجن أيديهم إن عرف حذقهم
الشروح عليها
(ولا) يضمن أيضا (حجام وطبيب وبيطار) وختان (لم تجن أيديهم إن عرف حذقهم) أي: معرفتهم صنعتهم؛ لأنه فعل فعلا مباحا فلم يضمن سرايته، ولا فرق بين خاصهم ومشتركهم،
فإن لم يكن لهم حذق في الصنعة ضمنوا؛ لأنه لا يحل لهم مباشرة القطع إذا،
وكذا لو كان حاذقا وجنت يده بأن تجاوز بالختان إلى بعض الحشفة أو بآلة كالة، أو تجاوز بقطع السلعة موضعها ضمن؛ لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ.
. لأنه فعل فعلا مباحا فلم يضمن سرايته كقطع الإمام يد السارق، لأنه لا يمكن أن يقال: اقطع قطعا لا يسري.
وقيل: إن أذن فيه مكلف أو ولي غيره.
فلم يضمن سرايته ولا فرق بين خاصهم ومشتركهم في عدم الضمان، إن عرف حذقهم، ولم تجن أيديهم.
كالة . أو تجاوز بقطع السلعة موضعها ضمن قال ابن رشد: لا خلاف أنه إذا لم يكن من أهل الطب أنه يضمن، لأنه متعد.
وقال الخطابي: لا أعلم خلافًا في المعالج، إذا تعدى فتلف المريض، كان ضامنا، والمتعاطي علمًا أو عملاً لا يعرفه متعد،
فإذا تولد من فعله التلف، ضمن الدية، وسقط عنه القود، لأنه لا يستبد بذلك دون إذن المريض، وجناية الطبيب في قول عامة الفقهاء على عاقلته.
ضمن لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ فأشبه إتلاف المال،
وكذا الحكم في البزَّاغ - وهو البيطار - والقاطع في القصاص، وقاطع يد السارق، وهو مذهب الجمهور،
وقال الموفق: لا نعلم فيه خلافًا.
«ولا حجام» يعني لا يضمن حجام، والحجامة هي استخراج الدم من الإنسان بطرق معينة، ولها أحوال وأوقات، أحياناً يطلب فيها من الإنسان أن يحتجم، وأحياناً ينهى أن يحتجم فيها. «وطبيب» معروف وهو الذي يعالج البشر. «وبيطار» وهو الذي يعالج البهائم.
وهؤلاء الثلاثة أجراء عامّون من وجه، خاصّون من وجه آخر، إن أتيت بهم إلى البيت فإنهم يشبهون الخاص ومع ذلك هم عامّون. «لم تجنِ أيديهم إن عُرف حذقهم»
اشترط المؤلف رحمه الله في عدم ضمان خطأ الحجام والطبيب والبيطار شرطين:
الأول: أن لا تجني أيديهم، ومعنى تجني أي: تزيد على قدر الحاجة، سواء عن عمد أو عن خطأ.
الثاني: إن عُرف حذقهم، أي: إجادتهم للصنعة ومعرفتهم بها،
فإذا اجتمع هذان الشرطان فلا ضمان.
مثال ذلك:
أولاً الحجام: هذا حجام معروف بالحذق لكنه أخطأ وقطع عرقاً لا يقطع مثله في الحجامة، فهلك الرجل المحجوم فإنه يضمن؛ لأن يده تعدت موضع الحاجة،
وإن كان خطأً؛ لأن ضمان الأنفس والأموال لا يشترط فيه القصد، ولهذا يجب الضمان على المجنون إذا أتلف المال وإذا أتلف البهيمة وإذا أتلف النفس إلا أن عمده خطأ.
ثانياً الطبيب: أراد أن يعمل عملية ـ ولتكن عملية الزائدة ـ أجرى العملية لكن المشرط تجاوز موضع الحاجة، بأن فتح أكثر مما يحتاج إليه فهلك المريض فهنا يضمن؛ لأنه جنت يده.
وكذلك في وصف الدواء: طبيب وصف الدواء لشخص فقال له مثلاً: خذ خمسة أقراص من هذا الدواء ويكفيه ثلاثة، وهذا المريض أخذ خمسة الأقراص فهلك، يضمن؛ لأنه جنت يده في الواقع، وأخطأ في التقدير فيكون ضامناً وإن كان غير آثم.
الشرط الثاني:«إن عرف حذقهم» يعني بأن يكون مجرباً في الإصابة عارفاً،
فإن لم يعرف فإنه يضمن بكل حال، حتى وإن لم يتعد موضع الحاجة، رجل لا يعرف الجراحة، فأجرى عملية جراحية لشخص وشق البطن، لكنه عجز أن يخيطه، فهذا يضمن لا شك؛ لأنه يحرم على الإنسان أن يتعاطى الطب وهو لا يعرف، فكما أن المسائل الدينية يحرم على الإنسان أن يفتي فيها بلا علم، كذلك ـ أيضاً ـ المسائل غير الدينية لا يجوز للإنسان أن يتقدم إليها بلا علم، فيكون ضامناً.
مثال آخر: إنسان قلنا له: هذا الصبي نحب أن تختنه وهو غير خَتَّان،
فمن اجتهاده قال: أنا أريد أن أبالغ في الختن؛ لأنه أطهر وأحسن، فقطع الحشفة مع القلفة فإنه يضمن؛ لأنه غير حاذق وتعدى، وهذا من الأصل يمنع؛ لأنه غير حاذق.
ومثال عدم الحذق بدون التعدي: لو أن هذا الخاتن ختن وقطع القلفة فقط قطعاً تاماً، بمعنى أنه ليس فيه نقص لكن الجرح تعفن حتى أدى إلى هلاك الصبي فهنا يضمن؛ لأنه غير حاذق، لا لأن يده جنت، لكن لأنه غير حاذق.
فصار يمكن أن نقول: يجتمع الضمان في عدم الحذق وحده،
وفي جناية اليد وحدها، وفيهما جميعاً حسب الأمثلة التي ذكرنا.
لو قال قائل: إذا قلتم باشتراط الحذق، معناه أنه لا يمكن أن يتقدم الطب؛ لأننا إذا قلنا: إنه لا يتطبب بوصف الدواء أو الجراحة أو غير ذلك إلا من كان حاذقاً، فمتى يتعلم الإنسان؟! نقول: يمكن أن يتعلم بالدراسة والتطبيق العملي، قبل أن يباشر هو المعالجة،
أما أن يأتي إنسان متعلم ولم يكن حاذقاً ليجري التجارب على الأصحاء حتى يموتوا، فهذا لا يجوز.
وهناك شرط ثالث لعدم ضمانهم لم يذكره المؤلف، وهو أن يكون عملهم بإذن مكلَّف، أي: بالغ عاقل، أو ولي غير مكلف،
فلو أن صبياً ذهب إلى ختَّان،
وقال له: اختني فختنه خِتاناً طبيعياً، ولكن الصبي مات لتعفن الجرح، فهنا يضمن.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.