وإن تزوجها بشرط أنه متى حللها للأول طلقها أو نواه بلا شرط أو قال زوجتك إذا جاء رأس الشهر أو إن رضيت أمها أو وإذا جاء غد فطلقها أو وقته بمدة بطل الكل.
الشروح عليها
وإليه الإشارة بقوله: (وإن تزوجها بشرط أنه متى حللها للأول طلقها أو نواه) أي التحليل (بلا شرط) يذكر في العقد أو اتفقا عليه قبله ولم يرجع، بطل النكاح لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ ! قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له» رواه ابن ماجه. (أو قال) ولي: (زوجتك إذا جاء رأس الشهر أو إن رضيت أمها) أو نحوه مما علق فيه النكاح على شرط مستقبل، فلا ينعقد النكاح، غير زوجت أو قبلت إن شاء الله، فيصح كقوله: زوجتكها إذا كانت بنتي، أو إن انقضت عدتها، وهما يعلمان ذلك، أو إن شئت، فقال: شئت وقبلت، ونحوه فإنه صحيح، (أو) قال ولي: زوجتك و (إذا جاء غد) أو وقت كذا (فطلقها، أو وقته بمدة) بأن قال: زوجتكها شهرا أو سنة، أو يتزوج الغريب بنية طلاقها إذا خرج (بطل الكل) وهذا النوع هو نكاح المتعة، قال سبرة:«أمرنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة، ثم لم نخرج حتى نهانا عنها» رواه مسلم.
[فصل فيمن شرط أن لا مهر لها ولا نفقة] فصل
لا زيادة له على هذه المسألة.
أو اتفقا عليه قبله ولم يرجع، بطل النكاح أي اتفق الزوجان على أنه نكاح محلل قبل العقد، ولم يذكر في العقد، ولم يرجع الثاني، بطل النكاح،
وقال الشيخ: إن اتفقا عليه قبل العقد، ولم يرجع عن نيته، بطل النكاح،
ولو لم يذكر في العقد لم يصح العقد؛
وقال: الصحابة، والتابعون، وأئمة الفتوى، لا فرق عندهم بين الشرط المتقدم والعرف، وهو قول أهل المدينة، وأهل الحديث. اهـ.
فإن رجع عن نيته، ونوى حال العقد أنه نكاح رغبة صح، لخلوه عن نية التحليل.
لعن الله المحلل، والمحلل له» رواه ابن ماجه ورواه الحاكم وغيره، وكلهم من حديث عقبة، وللخمسة من حديث ابن مسعود: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل، والمحلل له. وصححه الترمذي وغيره،
وقال: العمل عليه عند أهل العلم، منهم عمر، وعثمان، وابن عمر، وهو قول الفقهاء من التابعين، فدل الحديث وغيره: على تحريم التحليل، لأنه لا يكون اللعن إلا على فاعل المحرم، وكل محرم منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد. لم ينعقد النكاح، لتعليقه في ابتدائه على شرط مستقبل غير مشيئة الله.
الشهر (١) أو إن رضيت أمها) أو نحوه كإن رضي فلان. أو: أن لا يكره فلان. أو إن وضعت زوجتي ابنة فقد زوجتكها.
. مما علق فيه النكاح على شرط مستقبل أي علق النكاح في ابتداء العقد على شرط مستقبل غير مشيئة الله، أو شرط ماض أو حاضر.
فيه النكاح على شرط مستقبل فلا ينعقد النكاح لأنه عقد معاوضة كالبيع، فلم يصح تعليقه على شرط،
وعنه: يصح. قال الشيخ: والأنص من كلامه جوازه،
وقال ابن رجب: رواية الصحة أقوى.
وقال في الإنصاف: وهو المختار. لأنه يصح في الجهل بالعوض، فلم يبطل بالشرط الفاسد كالعتق،
ويبطل الشرط. أي أو شرط الولي على الزوج: إذا جاء وقت كذا فطلقها.
ولو مدة مجهولة فكالمتعة.
أو وقت كذا (فطلقها (١) أو وقته بمدة) أي أو وقت نكاحها بمدة معلومة أو مجهولة، وهو نكاح المتعة المنهي عنه.
ثم لم نخرج حتى نهانا عنها» رواه مسلم
وفي رواية: قال يوم فتح مكة «أيها الناس إني أذنت لكم في الاستمتاع من النساء،
وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة» قال الحافظ: ولا يصح من روايات الإذن في المتعة بغير علة إلا في غزوة الفتح، وحرمت فيه، قال: والإذن الواقع منه منسوخ بالنهي المؤبد.
وقال الشيخ: الروايات المستفيضة المتواترة، متواطئة على أن الله تعالى حرم المتعة بعد إحلالها، والصواب أنها بعد أن حرمت لم تحل، وأنها لما حرمت عام فتح مكة لم تحل بعد ذلك، ولم تحرم عام خيبر، وذكر ابن القيم أن النهي لم يقع عام خيبر، قال القرطبي: الروايات كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة لم يطل، وأنه حرم، ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها، إلا من لا يلتفت إليه من الروافض.
نخرج حتى نهانا عنها» رواه مسلم . فصل أي في النوع الثاني من الشروط الفاسدة،
ويصح معها النكاح. بطل الشرط، وصح العقد، واختار الشيخ فساد العقد، وأنه قول أكثر السلف.
«وإن تزوجها بشرط أنه متى حللها للأول طلقها»، هذا ـ أيضاً ـ شرط فاسد مفسد، ويسمى نكاح التحليل، كامرأة مطلقة ثلاثاً، والرجل إذا طلق زوجته ثلاثاً لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره،
لقوله تعالى: ﴿اَلطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فجاء رجل فتزوجها، لكن اشترط أهل الزوجة عليه أنه متى حللها للأول طلقها، فوافق على هذا الشرط، فهذا الشرط فاسد مفسد؛ لأنه نكاح غير مقصود، وقد قال النبي ﷺ :«إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، والنكاح يراد به الدوام والاستمرار، وهذا لا يراد به ذلك؛ ولهذا سماه النبي عليه الصلاة والسلام«بالتيس المستعار»، فهو كرجل استعار تيساً ليبقى عنده في غنمه ليلة، ثم ينصرف، وهو جدير بأن يسمى بهذا الاسم؛
لأنه ما أراد بهذا النكاح البقاء، ولا العشرة، ولا الأولاد، وإنما أراد جماعاً يحلها به للأول فلا يصح؛ ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام لعن المحلِّل والمحلَّل له ، فالمحلِّل؛ لأنه ـ والعياذ بالله ـ اتخذ آيات الله هزواً، فالنكاح يراد للبقاء وهذا لم يرده للبقاء، والمحلَّل له إن كان عالماً فملعون،
أما إن كان ليس بعالم فليس بملعون، لكن إذا علم فلا يجوز أن يتزوجها؛ وذلك لأن النكاح الثاني غير صحيح، ولا بد أن يكون النكاح صحيحاً حتى تحل للأول، فهو ليس نكاحاً شرعاً فلا يؤثر ما يؤثره النكاح الصحيح، وعلى هذا فلا تحل للأول ولا للثاني،
أما الثاني فلأن عقده عليها غير صحيح،
وأما الأول فلأنها لم تنكح زوجاً غيره في الواقع.
وهل يسمى زنا؟ قد يكون فيه شبهة لكن ليس زناً محضاً، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال:«لا أوتى بمحلِّل ولا محلَّل له إلا رجمتهما»، فهذا الأثر يدل على أنه زنا؛ لأن الرجم لا يكون إلا للزاني. «أو نواه بلا شرط» أي: نواه الزوج الثاني، ولهذا قال:«وإن تزوجها بشرط أو نواه» أي: نوى الزوج الثاني أنه متى حللها للأول طلقها، فإنها لا تحل للأول، والنكاح باطل، والدليل أن هذا نوى التحليل فيكون داخلاً في النهي أو في اللعن، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام :«إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».
وماذا لو نوته الزوجة، فوافقت على التزوج بالثاني من أجل أن تحل للأول؟ فظاهر كلام المؤلف أنه لا أثر لنية الزوجة؛ ووجهه أنه ليس بيدها شيء، والزوج الثاني لا يطلقها؛ لأنه تزوجها نكاح رغبة، فليس على باله هذا الأمر،
فإن لم تنوه هي ولكن نواه وليها فكذلك.
ولهذا قال بعض الفقهاء عبارة تعتبر قاعدة، قال: من لا فرقة بيده لا أثر لنيته، فعلى هذا تكون الزوجة ووليها لا أثر لنيتهما؛ لأنه لا فرقة بيدهما.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن نية المرأة ووليها كنية الزوج، وهو خلاف المذهب، وسلموا بأنه لا فرقة بيدهما، لكن قالوا: بإمكانهما أن يسعيا في إفساد النكاح، بأن تنكد على الزوج حتى يطلقها، أو يغروه بالدراهم، والنكاح عقد بين زوج وزوجة،
فإذا كانت نية الزوج مؤثرة فلتكن نية الزوجة مؤثرة أيضاً.
فعندنا ثلاثة: الزوج، والزوجة، والولي، والذي تؤثر نيته منهم هو الزوج على المذهب، والقول الراجح أن أي نية تقع من واحد من الثلاثة فإنها تبطل العقد، لقول النبي ﷺ :«إنما الأعمال بالنيات» والولي حينما عقد لم ينوِ نكاحاً مستمراً دائماً،
وكذلك الزوجة.
فإذا قال قائل: امرأة رفاعة القرظي تزوجت عبد الرحمن بن الزَّبير رضي الله عنهما وجاءت تشكو للرسول عليه الصلاة والسلام أن ما معه مثل هدبة الثوب، فقال لها:«أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟»، فقالت: نعم ، ألا يدل ذلك على أن نية الزوجة لا تؤثر؟ نقول: هذه الإرادة، هل هي قبل العقد، أو حدثت بعد أن رأت الزوج الثاني بهذا العيب؟ الذي يظهر أنها بعد أن رأته؛ لأن كون الرجل يتزوجها ويدخل بها، وليس عندها أي ممانعة، ثم جاءت تشتكي، فظاهر الحال أنه لولا أنها وجدت هذه العلة ما جاءت تشتكي، والله أعلم،
وإن كان الحديث فيه احتمال.
فإذا كان نكاح المحلل باطلاً ولا تحل به للأول، فمتى تحل؟ تحل إذا تزوجها بنكاح صحيح، نكاح رغبة، وجامعها، ولا بد من الجماع، فبغير جماع لا تحل،
فلو بقيت مع الثاني عشر سنوات ولم يجامعها لم تحل للأول، والدليل قول النبي ﷺ لامرأة رفاعة القرظي:«أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك»، والحكمة من ذلك أن الزوج الثاني إذا جامع رغب،
فإن الجماع يقتضي المودة بين الزوجين.
أوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، أَوْ إِنْ رَضِيَتْ أُمُّهَا، أَوْ إِذَا جَاءَ غَدٌ فَطَلِّقْهَا، أَوْ وَقَّتَهُ بِمُدَّةٍ بَطَلَ الكُلُّ. «أو قال: زوجتك إذا جاء رأس الشهر، أو إن رضيت أمها، أو إذا جاء غدُ فطلقها، أو وقته بمدة بطل الكل» هذا النكاح المعلق، والمؤلف ذكر له أربع صور: الأولى: إذا جاء رأس الشهر، وهذا تعليق محض، الثانية: إذا رضيت أمها، فهذا تعليق بفعل الغير، الثالثة: تعليق الطلاق، الرابعة: إذا وقَّته بمدة، أي: وقَّت النكاح.
الأولى: إذا قال: زوجتك إذا جاء رأس الشهر، فهذا تعليق محض، فهل يصح النكاح أو لا يصح؟ يقول المؤلف: إنه لا يصح؛ لأنه يشترط تنجيز العقد، فلا يصح معلقاً.
وقوله:«رأس الشهر» هل هو أوله أو آخره؟ المعروف أن رأس الشهر ورأس الحول آخره،
فإذا قال: زوجتك إذا جاء رأس الشهر يعني آخره، فقال: قبلت، فالنكاح لا يصح؛ لأنه نكاح معلق على شرط،
فإذا كان نكاحاً معلقاً على شرط ثم قبل، وقع القبول قبل الإيجاب؛ لأن الإيجاب على رأس الشهر فإذا قبل الآن لم يصح.
هذا هو المشهور من المذهب في هذه المسألة وغيرها، أن جميع العقود غير الولايات والوكالات وما جرى مجراها لا يصح تعليقها، فالبيوع لا يصح تعليقها، والإجارة لا يصح تعليقها،
والصحيح أن في ذلك تفصيلاً،
فإن كان مجرد تعليق، فالقول بعدم صحة العقد صحيح،
أما إن كان التعليق فيه غرض مقصود فالنكاح صحيح.
ثانياً: إذا قال: زوجتك إن رضيت أمها، فقال: قبلت، فرضيت أمها، فالنكاح لا يصح بناءً على ما سبق، من أن النكاح المعلق على شرط يقع فيه القبول قبل الإيجاب.
وقال بعض أهل العلم: إنه يصح؛ لأنه وإن كان تعليقاً لكن له معنى، وهو رضا الأم،
فإن رضا الأم بزواج ابنتها له شأن كبير في إصلاح ما بين الزوجة والزوج، ولذلك بعض النساء تفسد بنتها على زوجها إذا لم ترضه.
فالقول الراجح في هذه المسألة: أنه جائز أن يقول: زوجتك إذا رضيت أمها؛ لأن في ذلك غرضاً صحيحاً، ولأن مدته الغالب أنها تكون قليلة،
فإذا قلنا: إنه لا يصح، ورضيت الأم فلا يلزم إلا شيء واحد فقط وهو إعادة العقد، وما أسهل إعادة العقد إذا كان يحمي الإنسان من الشبهة، ويخرج به من الخلاف، ويترتب على القول بأنه يصح أنه لو رضيت أمها ثم مات الزوج، فعليها العدة، ولها المهر والميراث،
وإذا قلنا: لا يصح لم يترتب شيء.
قال في الروض : «غير زوجت أو قبلت إن شاء الله فيصح، كقوله: زوجتكها إذا كانت بنتي،
أو إن انقضت عدتها وهما يعلمان ذلك» هذا استثناء من هذه المسألة:
المسألة الأولى: إذا علقه بمشيئة الله، مثل أن يقول: زوجتك بنتي إن شاء الله، فقال: قبلت،
فإن النكاح يصح، فإذا قال قائل: كيف يصح، ونحن لا نعلم مشيئة الله؟ قلنا: بل قد علمنا مشيئة الله؛ لأننا إذا فعلنا المأمور على حسب ما أمر الله به فقد علمنا أن الله قد شاء فِعْلَنا؛
فإذا قلت: زوجتك إن شاء الله، فقلت: قبلت هذا الزواج، علمنا أن الله شاءه لما وقع،
وأن الله يرضاه بمقتضى الشرع، فنحن بوقوعه علمنا أنه مُشاءٌ لله، وبمعرفتنا أنه منطبق على مقتضى الشريعة علمنا رضا الله به، فبالوقوع، نعلم أنه مراد، وبموافقته للشرع نعلم أنه مرضي؛ وذلك لأن الله لا يرضى إلا ما وافق شرعه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾. ،
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ، فما خالف أمر الله ورسوله ﷺ فهو غير مرضي له، وقع أم لم يقع، وما وافق مشيئته وقع، سواء كان مرضياً له أم لم يكن مرضياً له.
المسألة الثانية: إذا كان ولياً لها بأن قال: زوجتك هذه إن كانت ابنتي، وهو يعلم أنها بنته، والشهود يعلمون أنها ابنته، فهذا التعليق في الحقيقة بيان للواقع فيصح النكاح؛ والسبب أن هذا هو الواقع؛ لأنه لو لم تكن ابنته ما زوجها، وهذا تعليق على وجود الشرط.
المسألة الثالثة: لو علقه على انتفاء مانع، بأن يقول: زوجتك ابنتي هذه إن كانت انقضت عدتها، والزوج يعلم أنها منقضية، والشهود يعلمون أنها منقضية، فالنكاح صحيح؛ لأن هذا بيان للواقع، ومعلوم أنه لما انقضت عدتها صح نكاحها.
فصار التعليق بوجود الشرط، أو انتفاء المانع صحيحاً إذا كان الولي، والزوج، والشهود يعلمون ذلك.
وقوله:«أو إذا جاء غد فطلقها»، أي: بأن قال: زوجتك بنتي ليلة الثلاثاء، لكن صباح الأربعاء طَلِّقْها،
فإن هذا لا يجوز؛ لأنه وقَّته ولم يأتِ في الشرع أن النكاح يراد للطلاق.
وقوله:«أو وقته بمدة» هذه هي القاعدة العامة، يعني إذا وقته بمدة بطل النكاح في كل المسائل، بأن قال: زوجتك ابنتي لمدة شهر، أو شهرين، فهذا الشرط فاسد مفسد، وهو ما يسمى بنكاح المتعة، وسمي بذلك؛ لأن المراد به التمتع هذه المدة فقط.
ولو قال: زوجتك بنتي ما دمت في هذا البلد، أو ما دمت تدرس في الجامعة فإن هذا لا يجوز؛ لأن هذا هو المتعة، سواء قيدها بزمن معين محدد، أو بحال معينة للزوج.
فالقاعدة إذاً كل نكاح موقت بعمل، أو زمن فإنه نكاح متعة لا يجوز.
والمتعة من مسائل الخلاف بين أهل القبلة الذين ينتسبون للإسلام، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه يجوز للضرورة ،
وأن الإنسان إذا اضطر لمثل هذا النكاح فلا بأس به، مثل أن يكون غريباً يخشى على نفسه من الفساد، ويريد أن يتزوج،
فإن تزوج تزوجاً مطلقاً كثر عليه المهر،
وإن تزوج تزوجاً مؤقتاً قل عليه المهر، فيرى رضي الله عنه أن هذا جائز.
ولكن هذا الرأي مرجوح؛ لأن النبي ﷺ ثبت عنه، كما في حديث مسلم عن سبرة بن معبد الجهني رضي الله عنه أنه خطب،
وقال عن المتعة:«إنها حرام إلى يوم القيامة» فصرح النبي ﷺ بحرمتها، وصرح بقوله:«إلى يوم القيامة»، وهذا خبرٌ، والخبر لا يدخله النسخ، ثم هو خبرٌ مقيد بأمد تنتهي به الدنيا، فما دام الرسول ﷺ حرمه إلى يوم القيامة، فمعنى ذلك أنه لا يمكن أن ينسخ هذا الحكم أبداً،
فلو أن أحداً قال: إنها حرام، وهذا خبر صحيح لكن بمعنى الحكم، والخبر الذي بمعنى الحكم يدخله النسخ، قلنا: لكن هذا ما يمكن دخول النسخ فيه؛ والسبب أنه قال:«إلى يوم القيامة».
وقال بعض أهل العلم: إن المتعة أحلت ثم حرمت ثم أحلت ثم حرمت،
والصحيح أنه لم يكن ذلك فيها، وإنما أحلت ثم حرمت.
وخالف في ذلك من أهل البدع الروافض، فإنهم يجيزون نكاح المتعة، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وكأنهم لم يلتفتوا إلى الأحاديث الواردة في هذا، مع أن الآية لا تدل على ما ذهبوا إليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، فهذا مُفرع على ما سبق أن الإنسان يبتغي بماله حال كونه محصناً غير مسافح، ومعلوم أن نكاح المتعة يشبه السفاح، كأنه إجارة على الوطء والاستمتاع مدة معينة، ولكن معنى الآية أنكم إذا استمتعتم بهن فإن الأموال التي أعطيتموهن حق لهن،
وأن المهر يثبت بالاستمتاع بالزوجة وإن لم يطأ، فالصواب في هذه المسألة أن نكاح المتعة محرم وباطل.
بقي أن يقال: لو نوى المتعة بدون شرط، يعني نوى الزوج في قلبه أنه متزوج من هذه المرأة لمدة شهر ما دام في هذا البلد فقط، فهل نقول: إن هذا حكمه حكم المتعة أو لا؟ في هذا خلاف،
فمن العلماء من قال: إنه حرام وهو المذهب لأنه في حكم نكاح المتعة؛ لأنه نواه، وقد قال النبي ﷺ :«إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا الرجل قد دخل على نكاح متعة مؤقت، فكما أنه إذا نوى التحليل وإن لم يشترطه صار حكمه حكم المشترط، فكذلك إذا نوى المتعة وإن لم يشترطها فحكمه كمن نكح نكاح متعة، وهذا القول قول قوي.
وقال آخرون: إنه ليس بنكاح متعة؛ لأنه لا ينطبق عليه تعريف نكاح المتعة، فنكاح المتعة أن ينكحها نكاحاً مؤقتاً إلى أجل، ومقتضى هذا النكاح المؤجل أنه إذا انتهى الأجل انفسخ النكاح، ولا خيار للزوج ولا للزوجة فيه؛ لأن النكاح مؤقت يعني بعد انتهاء المدة بلحظة لا تحل له هذه المرأة، وهو ـ أيضاً ـ ليس فيه رجعة؛ لأنه ليس طلاقاً بل هو انفساخ نكاح وإبانة للمرأة، والناوي هل يُلزِم نفسه بذلك إذا انتهى الأجل؟
الجواب: لا؛ لأنه قد ينوي الإنسان أنه لا يريد أن يتزوجها إلا ما دام في هذا البلد، ثم إنه إذا تزوجها ودخل عليها رغب فيها ولم يطلقها، فحينئذٍ لا ينفسخ النكاح بمقتضى العقد، ولا بمقتضى الشرط؛ لأنه ما شرط ولا شُرط عليه، فيكون النكاح صحيحاً وليس من نكاح المتعة.
وشيخ الإسلام رحمه الله اختلف كلامه في هذه المسألة، فمرة قال بجوازه، ومرة قال بمنعه، والذي يظهر لي أنه ليس من نكاح المتعة، لكنه محرم من جهة أخرى، وهي خيانة الزوجة ووليها،
فإن هذا خيانة؛ لأن الزوجة ووليها لو علما بذلك ما رضيا ولا زوجاه،
ولو شرطه عليهم صار نكاح متعة، فنقول: إنه محرم لا من أجل أن العقد اعتراه خلل يعود إليه، ولكن من أجل أنه من باب الخيانة والخدعة.
فإذا قال قائل: إذا هم زوَّجوه، فهل يلزمونه بأن تبقى الزوجة في ذمته؟
فمن الممكن أن يتزوج اليوم ويطلق غداً؟
قلنا: نعم، هذا صحيح أن الأمر بيده إن شاء طلق وإن شاء أبقى، لكن هنا فرق بين إنسان تزوج نكاح رغبة، ثم لما دخل على زوجته ما رغب فيها، وبين إنسان ما تزوج من الأصل إلا نكاح متعة بنيته، وليس قصده إلا أن يتمتع هذه الأيام ثم يطلقها.
فلو قال قائل: إن قولكم إنه خيانة للمرأة ووليها غير سديد؛ وذلك لأن للرجل عموماً أن يطلق متى شاء، فالمرأة والولي داخلان على مغامرة ومخاطرة، سواء في هذه الصورة أو غيرها؛ لأنهما لا يدريان متى يقول: ما أريدها. قلنا: هذا صحيح لكنهما يعتقدان ـ وهو أيضاً يعتقد ـ أنه إذا كان نكاح رغبة أن هذا النكاح أبدي،
وإذا طرأ طارئ لم يكن يخطر على البال، فهو خلاف الأصل، ولهذا فإن الرجل المعروف بكثرة الطلاق لا ينساق الناس إلى تزويجه،
ولو فرضنا أن الرجل تزوج على هذه النية، فعلى قول من يقول: إنه من نكاح المتعة ـ وهو المذهب ـ فالنكاح باطل، وعلى القول الثاني ـ الذي نختاره ـ أن النكاح صحيح، لكنه آثم بذلك من أجل الغش، مثل ما لو باع الإنسان سلعة بيعاً صحيحاً بالشروط المعتبرة شرعاً، لكنه غاشٌ فيها، فالبيع صحيح والغش محرم، لكننا لا نشجع على هذا الشيء؛ لأنه حرام في الأصل،
ثم إن بعض الناس بدأ ـ والعياذ بالله ـ يستغل هذا القول بزنا صريح، فبعض الناس الذين لا يخافون الله، ولا يتقونه يذهبون إلى الخارج؛ لأجل أن يتزوجوا، ليس لغرض، يعني ليس غريباً في البلد يطلب الرزق، أو يطلب العلم، وخاف من الفتنة فتزوج، بل يذهب ليتزوج، ويقول: النكاح بنية الطلاق جائز، وقد سمعنا هذا من بعض الناس، يذهبون إلى بلاد معينة معروفة ـ والعياذ بالله ـ بالفجور ليتزوج، وبعضهم يتزوج أكثر من عشر نساء في مدة عشرين يوماً، فلذلك يجب أن نقول: إن هذا حرام ممنوع، وحتى لو كان من الوجهة النظرية مباحاً، فهو من الوجهة التربوية يجب أن يكون ممنوعاً؛
لأنه صار وسيلة للفسوق والفجور نسأل الله العافية، والشيء المباح إذا تضمن وقوعاً في حرام، أو تركاً لواجب صار حراماً، ولذلك لو سافر الإنسان في رمضان من أجل أن يفطر حرم عليه السفر والفطر،
ولو أكل البصل من أجل أن يترك المسجد حرم عليه أكل البصل، فالمباح لا يعني أنه مباح في كل حال، ولذلك أقول ـ وإن كنت أعتقد أن النكاح من حيث العقد ليس بباطل، لكن نظراً إلى أنه اتخذ وسيلة للزنى، الذي لم يقل أحد من العلماء بجوازه ـ أقول: يجب أن يمنع،
وأن لا ينشر هذا القول بين الناس.
وقوله:«أو وقته بمدة» فلو وقته بمدة هي مقتضى العقد، بأن قال: زوجتك بنتي إلى أن تموت أنت أو هي، فإنه يصح؛ لأن هذا مقتضى عقد النكاح، فمتى مات الزوج أو الزوجة حصل الفراق.
مسألة: إذا اشتُرِطَ أن الطلاق بيد المرأة، فهل هذا جائز؟ قال الرسول ﷺ :«ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن»، فهل يمكن أن نجعل عقدة النكاح الذي هو من أشرف العقود، وأعظمها خطراً بيد امرأة ناقصة؟!
فإذا خرجت إلى السوق، ووجدت هذا الشاب الجميل المملوء شباباً، قالت لزوجها: أنت طالق بالثلاث!! فلا يجوز هذا أبداً، لكن يجوز شرط الخيار لغرض مقصود، مثل أن تقول: إن طاب لي المسكن فالنكاح باقٍ، وإلا فلي الخيار،
فإن تبين أن المسكن غير طيب،
إما لسوء العشرة مع والدي الزوج، أو مع إخوانه، أو أن الزوج رجل شحيح، فلها الخيار،
أما مجرد أن لي أن أطلقك، فهذا لا ينبغي، لأن الطلاق لمن أخذ بالساق، فالطلاق بيد الرجال؟ فَصْلٌ وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا، أَوْ لَا نَفَقَةَ، ............
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.