فإن حلفه ظالم: ما لزيد عندك شيء وله عنده وديعة بمكان "فنوى غيره" أو بـ "ما" الذي أو حلف: ما زيد ها هنا ونوى غير مكانه أو حلف على امرأته: لا سرقت مني شيئا فخانته في وديعته ولم ينوها لم يحنث في الكل.
الشروح عليها
(وإن حلفه ظالم ما لزيد عندك شيء وله) أي: لزيد (عنده) أي: عند الحالف (وديعة بمكان فـ) حلف و (نوى غيره) أي: غير مكانها أو نوى غيرها (أو) نوى (بما الذي) لم يحنث (أو حلف) من ليس ظالما بحلفه (ما زيد هاهنا ونوى) مكانا (غير مكانه) بأن أشار إلى غير مكانه لم يحنث (أو حلف على امرأته لا سرقت مني شيئا فخانته في وديعة ولم ينوها) أي: لم ينو الخيانة بحلفه على السرقة (لم يحنث في الكل) للتأويل المذكور ولأن الخيانة ليست سرقة فإن نوى بالسرقة الخيانة أو كان سبب اليمين الذي هيجها الخيانة حنث.
[
لا زيادة له على هذه المسألة.
(نوى غيره) أي غير مكانها، أو نوى غيرها أو استثنى بقلبه، بأن يقول في نفسه: غير وديعة كذا؟ لم يحنث، لأنه صادق ولأبي داود عن سويد قال: خرجنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل، فأخذه عدو له فحلفت أنه أخي، فقال «كنت أبرهم وأصدقهم المسلم أخو المسلم» .
بحلفه: (ما زيد ههنا؛ ونوى) مكانا (غير مكانه) أو عين موضعًا ليس فيه، لم يحنث، لأنه صادق.
مكانه) بأن أشار إلى غير مكانه لم يحنث وطرق رجل الباب على الإمام أحمد، فسأله عن المروذي، فقال: ليس ههنا؛
وأشار إلى راحته، وفي الإنصاف: إذا نفعه فينوي باللباس الليل، وبالفراش والبساط الأرض، والأوتاد الجبال، وبالسقف والبناء السماء، وبالأخوة أخوة الإسلام، وما ذكرت فلانا، أي ما قطعت مذاكيره، وما رأيته، ما ضربت رئته، وبنسائي طوالق، أي نسائي الأقارب منه، وبجواري أحرار، سفنه، وما كاتبت فلانا، مكاتبة الرقيق، وبما عرفته، ما جعلته عريفا، ونحو ذلك.
ولأَن الخيانة ليست سرقة فإن نوى بالسرقة الخيانة حنث، لأن اللفظ صالح لأن يراد به ذلك.
أو كان سبب اليمين الذي هيجها الخيانة، حنث لأن السبب يقوم مقام النية، لدلالته عليها.
هيجها الخيانة، حنث . باب الشك في الطلاق الشك لغة: ضد اليقين، وعند الأصوليين: التردد بين أمرين لا مرجح لأحدهما على الآخر. واصطلاحا: تردد على السواء.
لا زيادة له على هذه المسألة.
بابُ التَّأْوِيلِ فِي الحَلِفِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يُرِيدَ بِلَفْظِهِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ،
فَإِذَا حَلَفَ وَتَأَوَّلَ يَمِينَهُ نَفَعَهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ظَالِماً،
فَإِنْ حَلَّفَهُ ظَالِمٌ: مَا لِزَيْدٍ عِنْدَكَ شَيْءٌ، وَلَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ بِمَكَانٍ فَنَوَى غَيْرَهُ، أَوْ بِـ «مَا» الَّذِي، .............................
التأويل في الحلف فسره بقوله:
«ومعناه أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره» والتأويل يكون من المتكلم، ولهذا قال:«أن يريد بلفظه» فهو مؤول بكلامه على خلاف ما يظهر لنا.
فنسأل أولاً ما حكم التأويل، هل هو جائز، أو واجب، أو محرم؟
بيّن المؤلف ذلك فقال:
«فإذا حلف وتأول يمينه نفعه إلا أن يكون ظالماً» هذا المذهب،
فإذا حلف وتأول يمينه نفعه إلا أن يكون ظالماً،
فإن كان ظالماً فإن التأويل لا ينفعه؛ لأن الظالم يمينه على ما يصدقه به صاحبه.
والمؤول لا يخلو من ثلاث حالات: إما أن يكون مظلوماً، أو ظالماً، أو لا ظالماً ولا مظلوماً،
فإن كان مظلوماً فالتأويل جائز له بالاتفاق،
وإن كان ظالماً فالتأويل حرام عليه بالاتفاق،
وإن لم يكن ظالماً ولا مظلوماً ففيه خلاف،
والمشهور من المذهب أن التأويل جائز.
والقول الثاني: أن التأويل ليس بجائز وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله؛ لأن عاقبته غير محمودة؛ إذ إن المؤول إذا ظهر الناس على كذبه صار ذلك قدحاً فيه،
بخلاف المظلوم، والأمثلة تبين لنا ـ إن شاء الله ـ حكم هذه المسألة. «فإن حلَّفه ظالم: ما لزيد عندك شيء، وله عنده وديعة بمكان فنوى غيره» مثاله: إنسان ظالم سمع أن عندك لفلان وديعة، وجاء ليأخذها منك، وقد وضعت هذه الوديعة في الحجرة رقم واحد، فجاء وقال: أعطني الوديعة التي عندك لفلان، قال: ما عندي شيء، قال: عندك، فقلت: ليس عندي شيء، قال: احلف أنك ما عندك له شيء، فنويت بقولك: ما عندي شيء له أو ما عندي له وديعة، نويت الحجرة رقم اثنين، فهذا يجوز وأنت صَادق؛
لأنه لا يوجد في رقم اثنين شيء، فالمخاطَب يظن بيمينه والله ما عندي شيء، أنه ما عنده شيء مطلقاً، لا في الحجرة رقم واحد، ولا في الحجرة رقم اثنين، ولا في سائر البيت. «أو بـ «ما» الذي» كذلك إذا حلف وأراد بـ «ما» الذي؛ لأن «ما» تصح أن تكون اسماً موصولاً،
ويصح أن تكون نافية، فإذا قال: والله ما عندي له شيء فالتقدير، والله الذي عندي له شيء، و «ما» على تأويله نعربها مبتدأ، وعلى مفهوم الظالم نعربها نافية.
فلو كان هذا الظالم ذكياً وقال: قل: والله ما أعطاني شيئاً، ونوى الحالف بـ «ما» الذي فلا يصلح؛ لأن «شيئاً» بالنصب،
ولو جعل «ما» بمعنى الذي لقال: شيء، يعني والله الذي أعطاني شيء، لكن إذا تعذر أن يجعل «ما» اسماً موصولاً، فينوي غير هذا اللفظ، فمثلاً لو كان قد أعطاه دراهم، يقول: والله ما أعطاني شيئاً، وينوي غير الجنس الذي أعطاه يصح، كأن ينوي ما أعطاني شيئاً من الغنم.
واعلم أنك إذا قلت: يجوز ليس المعنى أنه متساوي الطرفين، بل قد يكون واجباً، وقد يكون مستحباً؛ لأن القاعدة عندنا كما تقدم، أن كل مباح يمكن أن تجري فيه الأحكام الخمسة،
فإذا قلنا: إن التأويل للمظلوم جائز، فالمعنى أنه قد يكون واجباً،
فلو كان هذا الظالم سيأخذ الوديعة إذا تبين أنها عندك صار التأويل واجباً؛ لأن حفظ الوديعة واجب.
ويقال: إن الإمام أحمد كان جالساً مع أصحابه ومعه المَرُّوذي أو غيره، وجاء أحد يسأل عن المَرُّوذي، فقال الإمام أحمد: ليس المروذي ها هنا
وأشار إلى كَفِّه، وماذا يصنع المروذي ها هنا؟! والمروذي ليس في راحة الإمام أحمد فتأوَّل، لكن هذا التأويل لمصلحة، وهي أن الإمام أحمد لا يحب أن يحرمه حديثه، وربما أن الإمام أحمد عرف أن هذا الرجل لا يريده لأمر هام.
وإذا كان الإنسان ظالماً فلا يجوز أن يتأول، مثال ذلك: رجل بينه وبين شخص خصومة فذهبوا إلى المحكمة، فوجهت اليمين على المُدَّعَى عليه، فقال له القاضي: قل: والله ما عندي له شيء، فقال المُدَّعَى عليه: والله ما عندي له شيء، يريد بـ «ما» الذي، فالقاضي سيحكم بالظاهر، وهو براءة المُدَّعَى عليه من الدعوى، ولكن لا ينفعه ذلك عند الله؛ لأنه ظالم، والظالم لا ينفعه تأويله بالاتفاق، كما قال النبي ﷺ :«يمينك على ما يصدقك به صاحبك».
وإذا كان الإنسان لا ظالماً ولا مظلوماً وتأول، قال شيخ الإسلام: لا يجوز؛ لأنه ربما يعثر على كذبه فيما بعد، ويكون ذلك قادحاً في صدقه، وما دام أنه غير محتاج فلا يعرض نفسه للقدح والذم،
أما إن احتاج كشخص يسألك عن شيء محرج لا ينبغي أن يسأل عنه؛ لأنه ما يعنيه، وأنت لا تود أن تعلمه به، فهنا لا بأس أن تتأول، ويقال لهذا الرجل: لماذا سألت عن شيء لا يعنيك؟! لكن إذا أصرَّ وقال: احلف أنك ما تأولت، يقول: والله ما تأولت، ويعني ما تأولت في آيات الصفات، أنا أجريها على ظاهرها، أو ما تأولت في الكتاب الفلاني، أو ما أشبه ذلك.
فإذا كان في الحرب، وتأول خداعاً للعدو جاز، وهذا هو الكذب الذي جاء في الحديث أنه يجوز في الحرب .
وكذا لو كان للإصلاح بين اثنين، كرجل يسألك: ما تقول في فلان، هذا الذي يسبني عند الناس ويغتابني؟ فتحب أن تصلح بينهما، فتقول: والله ما قال فيك شيء، يعني الذي قال فيك شيء، أو تعني الساعة الثانية عشرة ليلاً، فهذا يجوز؛ لأنه للإصلاح بين الناس،
فلو طلب منك أن تحلف، قال: قل: والله ما
قال فيَّ شَرٌّ، قال: والله ما قال فيك شر، وينوي أي: الذي قال فيك شر، فهو صادق، فهذا طيب ويحمد عليه الإنسان.
كذلك إنسان يتحدث مع زوجته، والذي ينبغي بين الزوجين أن يفعل كل منهما ما يجلب مودة الآخر، لتبقى العشرة طيبة، فأتى هذا الرجل بحليٍّ لزوجته، اشتراه بعشرة ريالات، فأعجبها، فقالت: بكم اشتريت هذا؟ فقال: اشتريته بأربعين، وهو ينوي أربعين ربعاً، وهي تعتقد أنه بأربعين ريالاً، فهي على كل حال ستسعد وتقول: هذا الرجل الغالي الذي يشتري لي بأغلى الأثمان، فهذا مطلوب، ولهذا جاء فيه إباحة الكذب في تحديث الرجل امرأته وتحديثها إياه .
لكن لاحظ أن هذا يجوز بشرط أن نأمن اطلاع المخاطَب على الواقع؛
فإذا لم نأمن ذلك لكان داعياً إلى الشك في كل ما تحدث به، فكلما تحدث يقول الناس: هذا الرجل تأول.
أَوْ حَلَفَ مَا زَيْدٌ هَا هُنَا؛ وَنَوى غَيْرَ مَكَانِهِ، أَوْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ لَا سَرَقْتِ مِنِّي شَيْئاً فَخَانَتْهُ فِي وَدِيعَةٍ، وَلَمْ يَنْوِهَا لَمْ يَحْنَثْ فِي الْكُلِّ. «أو حلف ما زيد ها هنا ونوى غير مكانه» إذا حلف وقال: والله ما زيد ها هنا، وهو عنده لكن نوى غير مكانه، فلا حرج والتأويل صحيح. «أو حلف على امرأته لا سرقت مني شيئاً فخانته في وديعة، ولم ينوها لم يحنث في الكل» حلف على امرأته قال: احلفي أنك لا تسرقين مني شيئاً؛
فقالت: والله ما أسرق منك شيئاً، فخانته في وديعة سبقت أو لحقت، بأن استودعها يوماً من الأيام وديعة فأنكرت، فإنها لا تعد سرقة وإن كانت ظالمة في هذه الخيانة.
والدليل على جواز التأويل قصة أيوب عليه الصلاة والسلام : فإن فيها شيئاً من التأويل، قال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ ، وقد حلف أنه يضرب امرأته مائة سوط، والضغث الذي فيه مائة شمراخ ما يُعَدُّ مائة، لكن اللفظ محتمل، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى عموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام :«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»،
وكذلك حديث ركانة رضي الله عنه لو صح ـ حيث قال:«والله ما أردت إلا واحدة»،
وكذلك قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع الظالم فإن فيها تأويلاً، والأدلة كثيرة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.