ومن تاب منهم قبل أن يقدر عليه سقط عنه ما كان لله من نفي وقطع وصلب وتحتم قتل
الشروح عليها
(ومن تاب منهم) أي المحاربين (قبل أن يقدر عليه سقط عنه ما كان) واجبا (لله) تعالى (من نفي وقطع) يد ورجل (وصلب، وتحتم قتل)
؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
لا زيادة له على هذه المسألة.
أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
أما من الشرط فظاهر، وأما المحاربون المسلمون،
فإذا تابا من قبل القدرة عليهم، فإنه يسقط عنهم انحتام القتل والصلب، وقطع الرجل، والجمهور واليد،
وأما من تاب بعد القدرة عليه، فلا يسقط عنه شيء.
قال الشيخ: اتفقوا على أن قاطع الطريق، واللص ونحوهما، إذا رفعوا إلى ولي الأمر، ثم تابوا بعد ذلك، لم يسقط الحد عنهم، بل تجب إقامته،
وإن تابوا وإن كانوا صادقين في التوبة، فاستثناء التوبة قبل القدرة عليهم فقط، فالتائب بعد القدرة عليه، باق فيمن وجب عليه الحد، للعموم والمفهوم والتفصيل ولئلا يتخذ ذريعة إلى تعطيل حدود الله، إذ لا يعجز من وجب عليه الحد، أن يظهر التوبة، ليتخلص من العقوبة.
«وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ مَا كَانَ لله، مِنْ نَفْيٍ، وَقَطْعٍ، وَصَلْبٍ، وَتَحتُّمِ قَتْلٍ» التوبة لغة: الرجوع،
وفي الشرع: الرجوع من معصية الله إلى طاعته،
فإن كان بترك واجب فبالقيام به إن أمكن استدراكه، أو بالقيام ببدله إن لم يمكن استدراكه،
فإن لم يكن له بدل فإنه يكفي مجرد الندم على ما فوت.
فمثلاً: إذا قلنا بوجوب صلاة الكسوف، ولم يصلِّ الإنسان، فالتوبة من فواتها الندم؛ لأنه ليس لها بدل، ولا يمكن استدراكها لفوات سببها،
وإذا تاب من تَرْك واجبٍ في الحج فله بدل، فيأتي به.
أما إذا كانت التوبة من فعل محرم فتكون بالإقلاع عنه، والنزع عنه فوراً،
فإن لم ينزع عنه فإن توبته ـ مع إصراره على فعله ـ استهزاء بالله عز وجل، فأنت لو
قلت: اللهم إني أستغفرك من الربا، وأنت تمارس أكل الربا، فما هذا إلا نوع استهزاء بالله سبحانه وتعالى.
ولو أنك تقابل مَلِكاً من ملوك الدنيا نهى عن شيء، ثم تقول: يا أيها الملك إني تبت إليك، وأنت بيدك ما نهى عنه، ويراه،
فإن هذا استهزاء منك به، فيعذبك أكثر.
ولهذا فإن شروط التوبة خمسة:
الإخلاص لله عز وجل، والندم على ما فعله، والإقلاع عنه، والعزم على ألا يعود،
وأن يكون في الزمن الذي تقبل فيه التوبة.
أما الإخلاص لله عز وجل فظاهر، بألا يتوب الإنسان خوفاً من مخلوق، أو تزلفاً إليه، وإنما يتوب خوفاً من رب العالمين، وتقرباً إليه تبارك وتعالى.
وأما الندم فأن يشعر بقلبه أنه فعل أمراً يأسف له.
وأما الإقلاع فأن يبادر بتركه،
وإذا كان لآدمي، فأن يبادر بإيصاله حقه، أو باستحلاله.
وأما العزم على ألا يعود فهو في القلب، يعزم على ألا يعود لهذا الذنب، وليس الشرط ألا يعود، بل العزم على ألا يعود، ولهذا لو عزم على ألا يعود، ثم عاد فإن التوبة الأولى لا تنتقض؛ لأنها تمت شروطها.
وأما أن تكون في زمن تقبل فيه التوبة، وذلك بأن تكون قبل حلول الأجل، وقبل طلوع الشمس من مغربها؛ لأن التوبة بعد حضور الأجل ومعاينة العذاب، وبعد طلوع الشمس من مغربها غير مقبولة، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ ،
والتوبة واجبة على الفور ـ أي: بدون تأخير ـ لأن الإصرار على الذنب ذنب، ولأن الإنسان لا يدري متى يفاجئه الأجل، فيُحرَم من التوبة.
فإن تاب قطاع الطرق، فإن كان بعد القدرة عليهم، فلا تقبل توبتهم،
وإن كان قبل قُبِلَت، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ، فوجه الدلالة من الآية أن ختمها باسمين كريمين، يدلان على العفو والمغفرة،
وأن مقتضى رحمته ومغفرته ـ جل وعلا ـ أن يغفر لهؤلاء ويرحمهم.
وفهم من قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ أنهم لو تابوا بعد القدرة فإنه لا تسقط عنهم العقوبة؛ والحكمة من ذلك أنهم إذا تابوا من قبل أن يقدر عليهم فإنه دليل على أن توبتهم صادقة، فيتوب الله عليهم،
أما إذا تابوا بعد القدرة عليهم فإن القرينة تدل على أن توبتهم خوفاً من النكال والعقوبة، فلذلك لا تقبل.
أما الكافر فتقبل توبته ولو بعد القدرة عليه،
فإذا كان كافر حربي يظهر العداوة للمسلمين، فقدرنا عليه، فتاب بعد أن قدرنا عليه فإننا نرفع عنه القتل، لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ، وهذا عام، ولحديث أسامة رضي الله عنه في قصة المشرك الذي لحقه أسامة حتى أدركه، فلما علاه بالسيف قال: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال له:«أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟!» قال: نعم يا رسول الله، إنما قالها تعوُّذاً، قال:«قتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟!»
قال: نعم، فما زال يرددها عليه حتى قال أسامة: تمنيت أني لم أكن أسلمت بعد ، مع أن الرجل حسب ما يظهر ـ والعلم عند الله ـ قالها تعوذاً، لكن فيه احتمال أنه قالها عن صدق، وأنه لما رأى الموت قالها، وهذا ليس كالذي حضره الأجل؛ لأنه من الممكن أن يمتنع القادر عن قتله، فلا يقال: إن هذا ينافي الآية: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ ؛
لأنه من الجائز أن هذا الذي شهر عليه السلاح أن يرحمه ويكف عنه، لكن إذا حضره الأجل لم يعد هناك وقت للتوبة.
فهؤلاء المحارِبون إذا تابوا قبل القدرة عليهم ارتفع عنهم الحد.
وهل مثل ذلك جميع الحدود؟ نعم؛ كل الحدود إذا تاب الإنسان منها قبل القدرة عليه سقطت عنه،
فإن طَالَبَ بإقامتها عليه، فإن للإمام أن يقيمها عليه،
فإن رجع عن طلب الإقامة بالقول أو بالفعل ارتفعت العقوبة عنه، وهذا
بخلاف ما إذا ثبتت ببينة فإنها تقام على كل حال.
ومن أين نعلم توبتهم؟ نعلم بها بأن يلقوا السلاح، ويجيئوا تائبين،
إما جميعاً، وإما بإرسال رسول منهم إلى الإمام، ويقول: إن الجماعة كتبوا هذا العهد، وتعهدوا ألا يعودوا لما هم عليه، وحينئذٍ نعرف أنهم تابوا.
وقوله:«سقط عنهم ما كان لله من نفي»؛ لأنه ليس عليهم حق لآدمي.
وقوله:«وقطع» أي: يسقط عنه بالتوبة قطع اليد والرجل من خلاف.
وقوله:«وصلب» أي: يسقط الصلب؛ لأنه من حقوق الله.
وقوله:«وتحتم قتل» أي: ويسقط عنهم تحتم القتل بالتوبة، ولم يقل المؤلف: وقتل؛ لأنهم إذا قتلوا مكافئاً، وطالَبَ أولياء المقتول بالقتل قتلوا ولو تابوا، لكن إذا لم يتوبوا كان قتلهم حتماً، سواء قتلوا مكافئاً أم غير مكافئ، فالذي يسقط عنهم ما كان لله، وهي أربعة أشياء: النفي، والقطع، والصلب، وتحتم قتل، وحينئذٍ أرأيت لو أنهم قتلوا رجلاً من المسلمين، وطالب أولياؤه بالقصاص، هل يقتص منه؟ نعم، يقتص منه؛
ولهذا قال المؤلف:
وَأُخِذَ بِمَا للآدَمِيِّيِنَ مِنْ نَفْسٍ وَطَرَفٍ وَمَالٍ، إِلاَّ أَنْ يُعْفَى لَهُ عَنْهَا،
وَمَنْ صَالَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ حُرْمَتِهِ، أَوْ مَالِهِ آدَمِيٌّ أَوْ بَهِيمَةٌ فَلَهُ الدَّفْعُ عَنْ ذلِكَ بِأَسْهَلِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ دَفْعُهُ بِهِ،
فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلاَّ بِالْقَتْلِ فَلَهُ ذلِكَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، .........
«وَأُخِذَ بِمَا لِلآدَميِّيِنَ مِنْ نَفْسٍ وَطَرَفٍ وَمَالٍ» كان على المؤلف رحمه الله أن يقول: وتحتم قطع؛ لأن المؤلف يرى أنهم إذا قطعوا قطعاً يوجب القصاص تحتم استيفاؤه خلافاً للمذهب. وقوله:«من نفس» إذا قتل مكافئاً.
وقوله:«وطرف» إذا قطعوا عضواً.
وقوله:«ومال» إذا أخذوا مالاً.
مثال ذلك: هؤلاء قوم من قطاع الطريق قتلوا شخصاً، وبعد أن قتلوه وأخذوا ماله، جاؤوا تائبين إلى الله عز وجل، فهنا يسقط عنهم الصلب، ويسقط عنهم تحتم القتل،
فإن طالب أولياء المقتول بالقتل، وتمت شروط القصاص قتلوا قصاصاً لا حدّاً،
وأما المال الذي أخذوه فإنهم يطالبون به؛ لأنه حق آدمي.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.