إذا خرج قوم لهم شوكة ومنعة على الإمام بتأويل سائغ فهم بغاة
الشروح عليها
باب قتال أهل البغي] . أي الجور والظلم والعدول عن الحق (إذا خرج قوم لهم شوكة ومنعة) - بفتح النون - جمع مانع كفسقة وكفرة، وبسكونها بمعنى امتناع يمنعهم - (على الإمام بتأويل سائغ) ولو لم يكن فيهم مطاع (فهم بغاة) ظلمة،
فإن كانوا جمعا يسيرا لا شوكة لهم، أو لم يخرجوا بتأويل، أو خرجوا بتأويل غير سائغ فقطاع طريق، ونصب الإمام فرض [كفاية] ، ويجبر من تعين لذلك،
وشرطه أن يكون حرا ذكرا عدلا قرشيا عالما كافيا ابتداء ودواما.
أهل البغي أي: الجور والظلم والعدول عن الحق أي أهل البغي: هم أهل الجور، يقال: جار يجور، مال عن القصد، وجار عن الطريق، وهم أيضا أهل الظلم العلو على المسلمين، والعدول عن الحق، وما عليه أئمة المسلمين.
لم يكن فيهم مطاع . (فهم بغاة) ظلمة وهم المقصودون بالترجمة، وسموا بغاة لعدولهم عن الحق، وما عليه أئمة المسلمين.
ظلمة فإن كانوا جمعا يسيرا لا شوكة لهم أي لا بأس لهم، ولا نكاية، كالإثنين والثلاثة، والعشرة ونحوهم، وخرجوا عن قبضة الإمام، فهم قطاع طريق، هذا قول أكثر الأصحاب ومذهب الشافعي، وتقدم حكمهم، لأنه لو أثبت للعدد اليسير حكم البغاة، أفضى إلى إتلاف أموال الناس.
الإمام فرض كفاية . ويجبر من تعين لذلك لأنه لا بد للمسلمين من حاكم لئلا تذهب الحقوق، وتعتبر إمامته بالإجماع عليه، كأبي بكر، أو بنص عليه كفعله، أو شورى في عدد، كفعل عمر، أو بقهر الناس بسيفه حتى تثبت له.
تعين لذلك وشرطه أن يكون حرا، ذكرا عدلا أي وشرط الإمام، أن يكون حرا، لا عبدا ولا مبعضا، لأن له الولاية العامة فلا يكون مولا عليه، ذكر فلا ولاية لأنثى، كالقاضي وأولى، وللخبر، واشترطوا كونه عدلا لاشتراط ذلك في ولاية القضاء، وأولى، إلا أن يقهر الناس غير عدل فهو إمام.
لا زيادة له على هذه المسألة.
بَابُ قِتَالِ أَهْلِ البَغْيِ إِذَا خَرَجَ قَوْمٌ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَمَنَعَةٌ عَلَى الإِْمَامِ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ فَهُمْ بُغَاةٌ، ......... «أهل البغي» البغي مصدر بغى يبغي بغياً، والمراد بأهل البغي الخوارج الذين يخرجون على أئمة المسلمين. «إِذَا خَرَجَ قَوْمٌ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَمَنَعَةٌ عَلَى الإِمَامِ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ فَهُمْ بُغَاةٌ» القوم هم الرجال، والنساء الإناث، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ ،
وقال الشاعر:
وما أدري ولست إخال أدري أقومٌ آلُ حِصْنٍ أم نساء وهذا إذا قرن القوم مع النساء،
وأما عند الإطلاق فيشمل الرجال والنساء، كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ وما أشبهه.
فقوله:«إذا خرج قومٌ» يعني جماعة من الرجال؛ لأنهم هم الذين لهم الشوكة والمنعة.
وقوله:«شوكة» يعني قوة، وسميت القوة شوكة لنفوذها، كما تنفذ الشوكة في الجسم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ .
وقوله:«منعة» أي: امتناع، أي: أنهم قوم كثيرون يمتنعون عن أن ينالهم الإنسان بسهولة، فهم جيشٌ.
وقوله:«على الإمام» وهو الذي نصبه المسلمون إماماً لهم، يعني الخليفة، أو أمير المؤمنين.
وهنا تكلم الفقهاء رحمهم الله على شروط الإمامة؛ وبماذا تحصل؟
فتحصل الإمامة بأمور:
أولاً: بالنص عليه، أي: بأن ينص عليه الإمام الذي قبله، وهذا هو العهد كما حصل من أبي بكر لعمر رضي الله عنهما.
ثانيًا: باجتماع أهل الحل والعقد عليه، يعني وجهاء البلاد، وشرفاء البلاد، وأعيان البلاد، يجتمعون على هذا الرجل المعين، وينصبونه إماماً،
ومن ذلك الصورة المصغرة التي اختارها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فإن عمر لم يعهد إلى شخص معين، ولم يجعل الأمر عاماً بين المسلمين، ولكنه جعل الأمر بين ستة أشخاص، تخيرهم رضي الله عنه، وعلل تخيره إياهم بأن النبي ﷺ توفي وهو عنهم راضٍ ، فجعل الأمر بينهم، وهذا نوع من اختيار أهل الحل والعقد، ونوع من العهد بالخلافة إلى معين؛ لأن الخليفة لا يخرج عن هذه الدائرة الضيقة، وهم ستة فقط، يعني لو أن هؤلاء الستة اختاروا رجلاً من غير الستة فإنه لا يصح اختيارهم؛
لأنه خلاف ما عهد به الخليفة السابق.
ثالثًا: بالقهر، بأن يخرج إمام على شخص فيقهره، ويقهر الناس، ويستولي، ويأخذ السلطة.
أما شروط الإمام فقد ذكرها أهل الفقه في كتب الفقهاء، واختلفوا ـ أيضاً ـ فيها، فلم يتفقوا على جميعها، لكن إذا كان الإمام منتصباً بأحد العوامل الثلاثة السابقة، النص، والإجماع، والقهر، فخرج عليه قوم لهم شوكة ومنعة، بتأويل سائغ، أي لم يخرجوا هكذا، بأن قالوا: لا نريد حكمك، بل قالوا: خرجنا عليك؛ لأنك فعلت كذا، وفعلت كذا، ونرى أن هذا يسوِّغ لنا الخروج عليك، فخرجوا على الإمام، يقول المؤلف في جواب الشرط:«فهم بغاة» أي: جائرون ظلمة، وهؤلاء هم المعروفون بالخوارج، الذين يخرجون على الإمام بتأويل سائغ.
فالشروط أن يكونوا قوماً، لهم شوكة ومنعة، ويخرجون على الإمام، بتأويل سائغ.
فإن خرج رجل واحد على الإمام؛
وقال: تنازل عن الخلافة وإلا قتلتك، قال العلماء: إذا اختل شرط واحد فهم قطاع طريق، فهذا الرجل نعتبره قاطع طريق، ونعامله معاملة قاطع الطريق.
فإن خرج قوم ليس لهم شوكة، ولا منعة على الإمام، ومعهم عِصِي من جريد قديم، يريدون أن يزيلوا الإمام عن إمامته، فإنهم قطاع طريق؛ لأنه ليس لهم شوكة ولا منعة.
وهل الشوكة والمنعة نسبة إضافية، بمعنى أن هذه الشوكة والمنعة قد تكون شوكة ومنعة في زمان، ولا تكون شوكة ومنعة في زمان آخر؟ فالسيوف، والخناجر، والرماح في زمن من الأزمان تعتبر شوكة، لكن في زماننا هذا لا تعتبر شوكة فيما يظهر، اللهم إلا في بعض الحالات،
أما في الأعم الأغلب فليست بشوكة، فكل هؤلاء الذين يبلغون عشرين ألفاً أو أكثر تكفيهم طائرة واحدة، تبيدهم عن آخرهم، فهنا يمكن أن نقول: إن الشوكة والمنعة تختلف باختلاف الأزمان والأحوال.
وقوله:«على الإمام» فلو خرجوا على أمير في قرية، ليس على الإمام، وهم قد بايعوا الإمام، ولكن لا يريدون هذا الأمير، فهؤلاء ليسوا بغاة؛ لأنهم ما نزعوا يداً عن طاعة، لكنهم لا يريدون هذ الرجل المعين، والمؤلف يقول:«على الإمام».
وقوله:«بتأويل سائغ» خرج به ما إذا خرجوا بغير تأويل، أو بتأويل غير سائغ، مثال خروجهم بتأويل غير سائغ أن يقولوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه؟! فهذا تأويل لكن غير سائغ؛ لأن هذا لا يمنع أن يكون إماماً.
ومثال خروجهم بغير تأويل أن يقولوا: لا نريده، أو نفوسنا لا تقبل هذا الإمام أبداً، فهؤلاء قطاع طريق وليسوا بغاة، وتختلف معاملتنا لهم عن معاملتنا للبغاة؛ لأن قطاع الطريق نجري عليهم الحد السابق،
أما البغاة فلا، بل يجب على الإمام أن يراسلهم،
ولهذا قال المؤلف:
وَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاسِلَهُم فَيَسْأَلَهُمْ مَا يَنْقِمُونَ مِنْهُ فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلِمَةً أَزَالَهَا،
وَإِنِ ادَّعَوْا شُبْهَةً كَشَفَهَا، فَإِنْ فَاؤُوا، وَإِلاَّ قَاتَلَهُمْ، ................
«وَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاسِلَهُمْ فَيَسْأَلَهُمْ مَا يَنْقِمُونَ مِنْهُ»«ما» هنا استفهامية، معلِّقة لـ «يسألهم» عن العمل، فالجملة في محل نصب مفعول ثان لـ «يسألهم». و «ينقمون»، أي: ينكرون، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ أي: ما أنكروا منهم إلا ذلك.
فعلى الإمام أن يراسلهم لا يقاتلهم ولا يقتلهم، فيرسل إليهم شخصاً موثوقاً مَرْضِيّاً عند الجميع، فيتفاهم معهم، ويسألهم ما ينقمون.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.