ويقول: الله أكبر رافعا يديه مضمومة الأصابع ممدودة حذو منكبيه كالسجود
الشروح عليها
(ويقول) قائما في فرض مع القدرة: (الله أكبر) فلا تنعقد إلا بها نطقا لحديث: «تحريمها التكبير» رواه أحمد وغيره.
فلا تصح إن نكسه، أو قال: الله الأكبر، أو الجليل ونحوه، أو مد همزة الله أكبر، أو قال: إكبار،
وإن مططه كره مع بقاء المعنى،
فإن أتى بالتحريمة، أو ابتدأها، أو أتمها غير قائم صحت نفلا إن اتسع الوقت، ويكون حال التحريمة. (رافعا يديه) ندبا،
فإن عجز عن رفع إحداهما رفع الأخرى مع ابتداء التكبير، وينهيه معه (مضمومة الأصابع ممدودة) الأصابع مستقبلا ببطونهما القبلة (حذو) أي مقابل (منكبيه) لقول ابن عمر: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، ثم يكبر» متفق عليه.
فإن لم يقدر على الرفع المسنون رفع حسب الإمكان ويسقط بفراغ التكبير كله وكشف يديه هنا وفي الدعاء أفضل، ورفعهما إشارة إلى رفع الحجاب بينه وبين ربه (كالسجود) يعني أنه يسن في السجود وضع يديه بالأرض حذو منكبيه.
(الله أكبر) . فلا تنعقد إلا بها نطقا أي لا تنعقد الصلاة إلا بقول مصل: الله أكبر. إذا قدر عليها، لما فيها من التعظيم والتخصيص، وغيرها لا يقوم مقامها، بل ولا يؤدي معناها. كما قال ابن القيم وغيره، فلا تنعقد الصلاة إلا بها، ولا يجزئه غيرها، وعليه عوام أهل العلم، مالك والشافعي وجمهور السلف والخلف، لنقلهم ذلك نقلا مشهورا، أنه لا يدخل في الصلاة إلا بقوله: الله أكبر.
ولما نقل عن بعضهم أنه سنة أو أنه يكفي مجرد النية. قال النووي: لا يصح عنهم مع هذه الأحاديث، ولا تجزئ بغير العربية إجماعا.
فلا تنعقد إلا بها نطقا لحديث: «تحريمها التكبير» أي تحريم ما كان حلالا قبلها كالأكل والكلام ونحو ذلك حاصل بالتكبير، وقد جعل الله لكل عبادة تحريما يدخل منه إليها، فكأن المصلي إذا كبر ودخل في الصلاة كان ممنوعا من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها، فقيل للتكبير تحريم، لمنعه المصلي من ذلك. قال الجوهري: وأحرم الرجل دخل في حرمة لا تنتهك، وسميت تكبيرة الإحرام أي الإحرام بالصلاة.
رواه أحمد وغيره . فلا تصح إن نكسه بأن قال: أكبر الله، لأنه لا يكون تكبيرا.
. أو قال: الله الأكبر أو الجليل ونحوه كالكبير والعظيم، أو ألله، أو أكبر، فقط،
فإن زاد على التكبير كالله أكبر كبيرا أو ألله أكبر وأعظم، أو أجل، ونحوه كره لأنه محدث.
أتمها غير قائم صحت نفلا إن اتسع الوقت لإتمام النفل والفرض كله قبل خروج الوقت، إلا استأنف الفرض قائما.
اتسع الوقت ويكون حال التحريمة (رافعا يديه) ندبا أي ويكون المصلي من إمام ومأموم ومنفرد حال التحريمة في فرض أو نفل رافعا يديه معا مع القدرة ندبا بغير خلاف.
وقال ابن المنذر: لا يختلف أهل العلم في أن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه، وليس بواجب وفاقا.
وقال ابن عمر: زينة الصلاة.
وقال الشافعي وغيره: تعظيم لله تعالى واتباع لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، واليدان هنا الكفان،
فإن اليد إذا أطلقت اقتضت الكف، أومأ إليه أحمد،
فلو قطعت يده من الكوع رفع الساعد، أو من المرفق رفع العضد، والمندوب في اللغة المدعو إليه، والندب هو الدعاء، وعند الفقهاء ما تعلق الثواب بفعله، ولا يتعلق العقاب بتركه.
وقيل: كل ما لا لوم على تركه.
التكبير وينهيه معه . (مضمومتي الأصابع ممدودة) الأصابع لقول أبي هريرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مدا.
رواه أحمد وأبو داود والترمذي بإسناد حسن.
لم يقدر على الرفع المسنون رفع حسب إمكانه أو لم يمكنه رفعهما إلا بالزيادة على المسنون رفعهما، لإتيانه بالسنة وزيادة هو مغلوب عليها، أو كانا في ثوبه رفعهما حيث يمكن.
لحديث وائل: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في الشتاء، فرأيت أصحابه يرفعون أيديهم في ثيابهم، رواه أبو داود.
«ويقول: الله أكبر» أي: يقول المصلِّي: «الله أكبر» والقول إذا أُطلق فإنما هو قول اللِّسان،
أما إذا قُيِّد فقيل: يقول في قلبه، أو يقول في نفسِه، فإنه يتقيَّد بذلك، وهذا التكبيرُ رُكْنٌ، لا تنعقدُ الصَّلاةُ بدونه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال للمسيء في صلاتِه:«إذا قُمتَ إلى الصَّلاةِ فأسْبِغ الوُضُوءَ، ثم اسْتقبل القِبْلةَ فكبِّر» مع أنه
قال في الأول: «ارجِعْ فَصَلِّ فإنك لم تُصلِّ». وعلى هذا؛ فيكون كلُّ ما أمَرَ به الرَّسولُ عليه الصلاة والسلام المسيءَ في صلاتِه رُكناً لا تصِحُّ الصَّلاةُ بدونه،
وإنْ شئت فقل: واجباً لا تصلحُ الصَّلاةُ بدونه؛ لأجل أن يشمَلَ إسباغَ الوُضُوء؛ لأنه ليس برُكنٍ في الصَّلاةِ، بل هو شرط.
وإذا عَجَزَ الإِنسانُ عنها؛ لكونه أخرسَ لا يستطيع النُّطقَ، فهل تسقطُ عنه، أو ينويها بقلبِه، أو يحرِّك لسانَه وشفتيه ؟ الجواب: نقول: ينويها بقلبِه؛ لأن قول الإِنسان:«الله أكبر» متضمِّن لقول اللسان وقول القلب؛ لأنه لم يقل بلسانه:«الله أكبر» إلا حين قالها بقلبه وعَزَم عليها،
فإذا تعذَّر النُّطقُ باللِّسان وَجَبَ القولُ بالقلبِ، فيقولُها بقلبِه، ولا يحرِّك لسانَه وشفتيه، خِلافاً لمن قال مِن أهل العِلم: إنه يحرِّكُ لسانَه وشفتيه؛ مُعَلِّلاً ذلك بأن في القول تحريك اللِّسان والشفتين، فلما تعذَّر الصَّوتُ وَجَبَ التحريكُ.
والردُّ على هذا: أنَّ تحريك اللِّسان والشفتين ليس مقصوداً لذاته؛ بل هو مقصودٌ لغيره؛ لأنَّ القول لا يحصُلُ إلا به،
فإذا تعذَّر المقصودُ الأصلي سقطت الوسيلةُ، وصارت هذه الوسيلةُ مجرَّد حركة وعبث، فما الفائدة مِن أن يُحرِّك الإِنسانُ شفتيه ولسانه، وهو لا يستطيع النُّطقَ، فالقول الرَّاجح في هذه المسألة: أنَّ الإِنسانَ إذا كان أخرسَ لا يستطيعُ أن يقول بلسانه فإنه ينوي ذلك بقلبه، ولا يحرِّك شفتيه ولا لسانه، لأن ذلك عبث وحركة في الصَّلاة لا حاجة إليها.
وقوله:«ويقول» إذا قلنا: إن القول يكون باللسان؛ فهل يُشترط إسماع نفسه لهذا القول؟
في هذا خِلافٌ بين العلماء ، فمنهم مَن قال: لا بُدَّ أن يكون له صوتٌ يُسمعَ به نفسَه. وهو المذهب ،
وإن لم يسمعه مَنْ بجنبه، بل لا بُدَّ أنْ يُسمع نفسَه،
فإنْ نَطَقَ بدون أن يُسمعَ نفسَه فلا عِبْرَة بهذا النُّطقِ، ولكن هذا القول ضعيف.
والصَّحيحُ: أنه لا يُشترط أن يُسمِعَ نفسَه؛ لأن الإسماعَ أمرٌ زائدٌ على القول والنُّطقِ، وما كان زائداً على ما جاءت به السُّنَّةُ فعلى المُدَّعي الدليلُ.
وعلى هذا: فلو تأكَّدَ الإنسان من خروج الحروف مِن مخارجها، ولم يُسمعْ نفسَه، سواء كان ذلك لضعف سمعه، أم لأصوات حولَه، أم لغير ذلك؛ فالرَّاجحُ أنَّ جميعَ أقواله معتبرة، وأنه لا يُشترط أكثر مما دلَّت النُّصوصُ على اشتراطِه وهو القول.
وقوله:«الله أكبر» أي: بهذا اللفظ: «الله أكبر» فلا يُجزئُ غيرها،
ولو قام مقامها، كما لو قال:«الله الأجلُّ، أو الله أجلُّ، أو الله أعظمُ» أو ما شابه ذلك، فإنه لا يُجزئُ؛ لأن ألفاظَ الذِّكر توقيفية؛ يُتوقَّفُ فيها على ما وَرَدَ به النصُّ،
ولا يجوز إبدالها بغيرها؛ لأنها قد تحمل معنًى نظنُّ أنَّ غيرَها يحملُه، وهو لا يحملُه،
فإن قال: الله الأكبرُ، فقال بعضُ العلماء: إنه يجزئُ،
وقال آخرون: بل لا يجزئ .
والصَّحيح: أنه لا يجزئ؛ لأن قولك:«أكبر» مع حذف المفضَّل عليه يدلُّ على أكبريَّة مطلقة،
بخلاف الله الأكبرُ، فإنك تقول: ولدي هذا هو الأكبر. فلا يدلُّ على ما تدلُّ عليه «أكبر» بالتنكير،
ثم إن هذا هو الذي وَرَدَ به النصُّ، وقد قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام :«مَن عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ» فالواجب أن يقول: «اللَّهُ أكبرُ».
مسألة: وإذا كان لا يعرفُ اللغةَ العربيةَ، ولا يستطيع النُّطقَ بها فماذا يصنع؟. نقول: لدينا قاعدة شرعية قال الله فيها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ،
وقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام :«إذا أمرتُكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم». فليكبِّر بلغتِه ولا حَرَجَ عليه؛ لأنه لا يستطيع غيرَها.
فإذا قال قائل: لماذا لا تقولون له: اسكتْ وانوِ التكبير بقلبِك؟
فالجواب: لأن التكبير يشتملُ على لفظٍ، ومعنًى، وقول بالقلب، فهو يشتمل على ثلاثة أشياء: قول القلب، واللفظ الذي جاء به النصُّ وهو العربي،
والثالث المعنى.
وهذا الرَّجُلُ الذي لا يعرف اللغةَ العربيةَ يستطيع أن يكبِّر بقلبِه ويستطيع أن يكبِّر بالمعنى، ولا يستطيع أن يكبِّر باللفظ،
وإذا أخذنا بالآية الكريمة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ . قلنا: أنت الآن تستطيع شيئين وتعجز عن الثالث فقم بالشيئين، وهما: تكبير القلب والمعنى، ويسقط عنك الثالث، وهو التكبير اللفظي؛ لأنك عاجزٌ عنه.
ثم نرجع إلى معنى هذه الكلمة:«اللَّهُ أكبرُ» ما معناها؟ وما مناسبةُ الابتداءِ بها؟
الجواب: معناها: أنَّ الله تعالى أكبر مِن كلِّ شيء في ذاتِه وأسمائِه وصفاتِه، وكلُّ ما تحتمله هذه الكلمة مِن معنى. قال الله عز وجل : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ﴾ وقال عز وجل: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ *﴾ [الأنبياء] ومن هذه عظمته فهو أكبر مِن كل شيء.
وقال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *﴾ [الجاثية]. فكلُّ معنى لهذه الكلمة مِن معاني الكبرياء فهو ثابتٌ لله عز وجل.
تنبيه: زعم بعضُ العلماء أن معنى «الله أكبر»: الله كبير ، ولكن هذا زعمٌ ضعيف جدًّا؛ لأن كلَّ إنسانٍ يعرفُ الفَرْقَ بين كبير وأكبر.
صحيحٌ أنَّ الله تعالى سمَّى نفسَه ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ لكن معنى «أكبر» غير معنى «الكبير»، فهم فَرُّوا مِن المفاضلة بين الخالق والمخلوق، ولكن هذا الفرار الذي فروا منه أوقعهم في شرٍّ ممَّا فَرُّوا منه، أوقعهم بأن يأتوا بوصف لو أخذنا بظاهره لكان المخلوق والخالق سواء، وهذا نظير تفسير بعضهم قول الله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ . قالوا: هو عالِمٌ؛ لأنك إذا
قلت: أعلم اقتضى مفضَّلاً ومفضَّلاً عليه، فيُقال: وما المانع أن يكون الله أعلَمُ مِن كلِّ عالِم؟ لكن لو
قلت: الله عالِمٌ أتيت بلفظ لا يمنع المشاركة؛ لأنك تقول: الله عالِمٌ، وفلان عالِمٌ، وأيُّهما أبلغ في الوصف؛ أن تأتيَ بلفظٍ يمنعُ المشاركةَ وهو الأفضلية المطلقة، أو بلفظ لا يمنع المشاركة؟
الجواب: الأول هو الأفضل، والله يقول عن نفسه: الله أعلَمُ فكيف تقول: اللَّهُ عالِمٌ؟ هذا فيه شيء مِن نقص المعنى.
إذاً؛ نقول:«الله أكبر» اسمُ تفضيلٍ على بابه، وحُذف المفضَّل عليه ليتناول كلَّ شيء، فهو أكبر مِن كلِّ شيء عز وجل وهكذا يُقال في «أَعْلم».
مسألة: كيف النُّطقُ بهذه الكلمة؟
الجواب: قال العلماء: يُكره تمطيط التَّكبير ، حتى في النهوض من السُّجود إلى القيام مع طول النُّهوضِ، وحتى في الهويِّ إلى السُّجود مع طول ما بين القيامِ والسُّجودِ. قالوا: لأن هذا لم تَرِدْ به السُّنَّةُ، فيكون مكروهاً، هكذا نصَّ عليه الفقهاءُ رحمهم الله.
ولكن؛ الظاهرُ ـ والله أعلم ـ أنَّ الأمرَ في هذا واسعٌ ما لم يُخِلَّ بالمعنى، ولكن ليس مدَّها بأفضل مِن قصرها كما يتوهَّمُه بعض الناس، فبعضُ النَّاسِ يقول: تجعل للرُّكوعِ هيئة في التكبير، وللسُّجودِ هيئة وللجلوس هيئة، وللتشهُّدِ هيئة، وبين السجدتين؛ لأجل أن يكون المأموم خلفك آلة متحرِّكة، لأن المأموم إذا صارت التكبيرات تختلف فإنه يتابع هذا التكبير، حتى ولو كان سارحَ القلبِ إن كبَّرتَ تكبيرةَ السُّجودِ سَجَدَ،
وإن كبَّرتَ تكبيرةَ النُّهوضِ نَهَضَ، لكن إذا قصرت التَّكبير كلَّه؛ ولم تميِّز بين التكبيرات؛ صار المأمومُ قد أحضر قلبَه وفِكرَه، يُخشى أن يقومَ في موضع الجلوس، أو أن يجلس في موضع القيام،
وأمَّا المسبوق فقد يلتبس عليه الأمر إذا لم تميِّز بين التَّكبير. ولكن هذا محذورٌ يُمكن إزالتُه بأن يقال: إنَّ النبيَّ ﷺ لم يُنقل عنه أنه كان يفرِّقُ بين التَّكبيراتِ، بل إن ظاهر صنيعه عليه الصلاة والسلام أنه لا يُفرِّقُ؛ لأنه لما صُنع له المنبر صَلَّى عليه وقال:«يا أيُّها النَّاسُ، إنَّما صنعتُ هذا لتأتمُّوا بي؛ ولتعلموا صلاتي»،
فلو كان يخالفُ بين التَّكبير لكان النَّاسُ يأتمُّونَ به،
ولو لم يكن على المنبر، ثم نقول: هذا المسبوقُ سيلي شخصاً آخر غير مسبوق فيقتدي به.
وأهمُّ شيءٍ هو اتِّباعُ السُّنَّةِ مع حصول الفائدة في كون المأموم يُحضِر قلبَه حتى يعرف عدد الرَّكعات.
وقال بعضُ الفقهاءِ: يمدُّ التَّكبيرَ في الهويِّ إلى السُّجودِ،
وفي القيامِ مِن السُّجودِ لطول ما بين الرُّكنين. ولكن لا دليل لذلك.
رَافِعاً يَدَيْهِ ................. «رافعاً يديه». «رافعاً» حال من فاعل «يقول»، أي: حال مقارنة، يعني: حال القول يكون رافعاً يديه. ودليله: جاءت به السُّنَّةُ في عِدَّة أحاديث؛ كحديث ابن عُمرَ رضي الله عنهما :«أنَّ النبيَّ ﷺ كان يرفعُ يديه حذوَ مَنكبيه؛ إذا افتتح الصَّلاةَ، وإذا كبَّرَ للرُّكوع، وإذا رفع رأسه من الرُّكوع». وصَحَّ عنه أيضاً أنه يرفعُ يديه إذا قام مِن الجلسة للتشهُّدِ الأول ، فهذه أربعة مواضع تُرفع فيها اليدان جاءت بها السُّنَّةُ، ولا تُرفع في غير هذه المواضع.
مَضْمُومَتَي الأصابعِ مَمْدُودَةً .............. «مضمومتي الأصابع». يعني: يضمُّ بعضها إلى بعض، يعني: يرصُّ بعضها إلى بعض،
وقال بعضُ العلماء: إنه ينشرها ، ولكن الصحيح ما ذكره المؤلِّفُ؛ لأنه الوارد عن النبيِّ ﷺ. «ممدودة» يعني: غير مقبوضة، والمدُّ: فتحها ضدُّ القبض، والقبض أن يضمَّ الأصابع إلى الراحة. وقد جاء هذا في «السُّنن». وقوله:«رافعاً يديه» لم يبيِّن المؤلِّفُ هل هذا عامٌّ للرِّجَال والنِّساءِ، أو خاصٌّ بالرِّجَال؟ ولكنه سيأتي إن شاء الله في آخر صفة الصلاة أن المرأةَ كالرَّجُلِ، إلا أنها تسدل رجليها، وتضمُّ نفسَها، فلا تتجافى عند السُّجودِ، ولا ترفع يديها، فتخالفَ في هذه الأمور الثلاثة، وربما في أكثر كما سننظر إن شاء الله.
ولكن الصَّحيحُ أنَّ ذلك عامٌّ في حقِّ الرَّجُل وحقِّ المرأة،
وأنَّ المرأةَ ترفع يديها كما يَرفع الرَّجُل،
فإذا قال قائل: فما الدَّليلُ على عموم هذا الحُكم للرِّجَال والنساء؟.
قلنا: الدَّليلُ عَدَمَ الدَّليلِ على التخصيص، والأصل: أن ما ثَبَتَ في حقِّ الرِّجَال ثبت في حقِّ النساء، وما ثبت في حقِّ النساءِ ثَبَتَ في حقِّ الرِّجَال إلا بدليل، ولا دليلَ هنا على أن المرأةَ لا ترفعُ يديها، بل النصوص عامَّة، وقول الرسول ﷺ :«صَلُّوا كما رأيتموني أصلِّي»؛ الخطاب فيه للرِّجَال والنِّساءِ.
فإنْ قال قائل: ما الحكمة مِن رَفْعِ اليدين؟.
فالجواب على ذلك: أنَّ الحكمةَ في ذلك الاقتداءُ برسول الله ﷺ، وهو الذي يَسْلَم به المرءُ مِن أن يتجوَّل عقلُه هنا وهناك، ولهذا لما سُئلت أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها : ما بالُ الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟
قالت:«كان يصيبنا ذلك، فنُؤمر بقضاء الصَّومِ، ولا نُؤمر بقضاءِ الصَّلاةِ» وإنَّما علَّلت بالنَّصِّ؛ لأن النَّصَّ غايةُ كلِّ مؤمن؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ . فالمؤمن إذا قيل له: هذا حكمُ اللَّهِ ورسولِه، وظيفتُه أن يقول: سمعنا وأطعنا. ومع ذلك يمكن أن نتأمَّلَ لعلنا نحصُلُ على حكمة مِن فِعْلِ الرَّسولِ ﷺ. ونقول: الحكمة في رَفْعِ اليدين تعظيم الله عز وجل، فيجتمع في ذلك التعظيم القولي والفعلي والتعبُّد لله بهما،
فإن قولك:«اللَّهُ أكبرُ» لا شكَّ أنك لو استحضرت معنى هذا تماماً لغابت عنك الدُّنيا كلُّها؛ لأن الله أكبرُ مِن كلِّ شيء، وأنت الآن واقفٌ بين يدي مَنْ هو أكبر مِن كلِّ شيء.
ثم إن بعض العلماء علَّل بتعليل آخر: أنه إشارة إلى رَفْعِ الحِجاب بينك وبين الله، والإِنسانُ عادة يرفع الأشياء بيديه ويعمل بيديه .
وعلَّل بعضُهم بتعليل ثالث: وهو أنَّ ذلك مِن زينة الصَّلاةِ؛ لأنَّ الإِنسان إذا وَقَفَ وكبَّر بدون أن يتحرَّك لم تكن الصَّلاةُ على وَجْهٍ حَسَنٍ كامل، ولا مانع أن تكون كلُّ هذه مقصودة.
حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ .......... «حذو منكبيه» أي: موازيهما. والمنكبان: هما الكتفان، فيكون منتهى الرَّفْعِ إلى الكتفين،
فإذا قُدِّر أن في الإِنسان آفة تمنعه من رَفْعِ اليدين إلى المنكبين فماذا يصنع؟ الجواب: يرفعُ إلى حيث يقدِرُ عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ، كذلك إذا قُدِّرَ أنَّ في الإِنسان آفةً لا يستطيعُ أن يرفعهما إلى حَذوِ المنكبين، بل إلى أكثر مِن ذلك، كما لو كانت مرافقُه لا تنحني، بل هي واقفة، فهل يرفع؟
الجواب: يرفع، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ .
وإذا كان لا يستطيع رَفْعَ واحدةٍ رَفَعَ الأُخرى للآية، ولأنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا كان واقفاً بعرفة فَسَقَطَ خِطامُ ناقتِه، وكان رافعاً يديه يدعو؛ أخذه بإحدى يديه، والأخرى مرفوعة يدعو اللهَ بها .
وله أن يرفعهما إلى فُروع أُذنيه؛ لورود ذلك عن النَّبيِّ ﷺ، فتكون صفة الرَّفْعِ مِن العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة.
والعلماءُ رحمهم الله اختلفوا في العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة، هل الأفضل الاقتصار على واحدة منها، أو الأفضل فِعْلُ جميعها في أوقات شتَّى، أو الأفضل أنْ يجمعَ بين ما يمكن جَمْعُه ؟
والصَّحيح: القول الثاني الوسط، وهو أن العبادات الواردة على وجوهٍ متنوِّعة تُفعل مرَّة على وجهٍ، ومرَّة على الوجه الآخر، فهنا الرَّفْعُ وَرَدَ إلى حَذوِ منكبيه، ووَرَدَ إلى فُرُوع أُذنيه؛ وكُلٌّ سُنَّة، والأفضل أن تَفعلَ هذا مرَّة، وهذا مرَّة؛ ليتحقَّقَ فِعْلُ السُّنَّةِ على الوجهين، ولبقاء السُّنَّةِ حيَّة؛ لأنك لو أخذت بوجهٍ، وتركت الآخر مات الوجهُ الآخر، فلا يُمكن أن تبقى السُّنَّةُ حيَّة إلا إذا كُنَّا نعمل بهذا مرَّة، وبهذا مرَّة، ولأن الإِنسان إذا عَمِلَ بهذا مرَّة، وبهذا مرَّة صار قلبُه حاضراً عند أداء السُّنَّة،
بخلاف ما إذا اعتاد الشيء دائماً فإنه يكون فاعلاً له كفعل الآلة عادة، وهذا شيء مشاهد، ولهذا مَن لزم الاستفتاح بقوله:«سبحانك اللهمَّ وبحمدك» دائماً تجده مِن أول ما يُكبِّر يشرع «بسبحانك اللهم وبحمدك» مِن غير شعور؛ لأنه اعتاد ذلك، لكن لو كان يقول هذا مرَّة،
والثاني مرَّة صار منتبهاً، ففي فِعْلِ العباداتِ الواردة على وجوهٍ متنوِّعة فوائد:
١ ـ اتِّباعُ السُّنَّة.
٢ ـ إحياءُ السُّنَّة.
٣ ـ حضورُ القلب.
وربما يكون هناك فائدة رابعة: إذا كانت إحدى الصِّفات أقصرَ مِن الأخرى، كما في الذِّكرِ بعد الصَّلاةِ؛
فإن الإِنسان أحياناً يحبُّ أن يُسرع في الانصراف؛ فيقتصر على «سبحان الله» عشر مرات، و «الحمد لله» عشر مرات، و «الله أكبر» عشر مرات، فيكون هنا فاعلاً للسُّنَّة قاضياً لحاجته، ولا حَرَجَ على الإِنسان أن يفعل ذلك مع قصد الحاجة، كما قال تعالى في الحُجَّاج: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .
وقال بعضُ العلماءِ: إلى فُروع الأذنين باعتبار أعلى الكفِّ، وإلى حَذوِ المنكبين باعتبار أسفله . ولكنَّا نقول: لا حاجة إلى هذا الجَمْعِ؛ لأنَّ الأصلَ أنَّ المراد الكفُّ نفسُه؛ لا أعلاه ولا أسفله؛ والظَّاهر أنَّ الأمر في هذا واسع؛ لتقارب الصِّفات بعضها مِن بعض.
وقوله:«رافعاً يديه». الأحاديث الواردة في ابتداءِ رَفْعِ اليدين وَرَدَتْ أيضاً على وجوهٍ متعدِّدة؛ فبعضُها يدلُّ على أنه يرفع ثم يكبِّر ، وبعضها على أنه يكبِّر ثم يرفع ، وبعضها على أنه يرفع حين يكبِّر يعني يكون ابتداء التَّكبير مع ابتداء الرَّفْعِ، وانتهاؤه مع انتهاء الرَّفْعِ، ثم يضع يديه. ونحن نقول: إن الأمرَ أيضاً في هذا واسع، يعني سواء رَفعتَ ثم كبَّرت، أو كبَّرت ثم رفعتَ، أو رَفعتَ مع التَّكبيرِ،
فإنْ فعلتَ أيَّ صفة مِن هذه الصِّفات فأنت مصيبٌ للسُّنَّة.
كَالسُّجُودِ ............. «كَالسُّجُودِ» أي: كما يفعل في السجود إذا سَجَدَ، فإنه يَجعلُ يديه حَذوَ منكبيه، وهذه إحدى الصفتين في السُّجودِ، وسيأتي إن شاء الله كيف تكون الذراعان. والصِّفة الأخرى: أن يَسجدَ بين كفَّيه، لكن المؤلِّف ذكر هذا استطراداً؛ لأنه ليس هذا موضع ذِكُر اليدين في حال السُّجود.
وَيُسْمِعُ الإِمَامُ مَنْ خَلْفَهُ ...........
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.