ويسمع الإمام من خلفه كقراءته في أولتي غير الظهرين وغيره نفسه
الشروح عليها
(ويسمع الإمام) استحبابا بالتكبير كله (من خلفه) من المأمومين ليتابعوه،
وكذا يجهر بـ " سمع الله لمن حمده " والتسليمة الأولى،
فإن لم يمكنه إسماع جميعهم جهر به بعض المأمومين «لفعل أبي بكر معه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . متفق عليه. (كقراءته) أي كما يسن للإمام أن يسمع قراءته من خلفه (في أولتي غير الظهرين) أي الظهر والعصر فيجهر في أولتي المغرب والعشاء والصبح والجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء والتراويح والوتر بقدر ما يسمع المأمومين (وغيره) أي غير الإمام وهو المأموم، والمنفرد يسر بذلك كله لكن ينطق به بحيث يسمع (نفسه) وجوبا في كل واجب؛
لأنه لا يكون كلاما بدون الصوت وهو ما يأتي استماعه حيث لا مانع،
فإن [كان مانع بأن كان عياط وغيره] فبحيث يحصل السماع مع عدمه.
بـ «سمع الله لمن حمده» . والتسليمة الأولى أي يسن للإمام الجهر بالتسليمة الأولى، ليتابعه المأمومون في السلام،
وكذا بالثانية، اختاره ابن حامد وغيره، لئلا يسابق المأموم الإمام، ولا يقوم قبل تمام الصلاة.
لم يمكن إسماع جميعهم جهر به بعض المأمومين ليسمع من لا يسمع الإمام، لنحو بعد أو كثرة.
والكسوف والإستسقاء والتراويح والوتر بقدر ما يسمع المأمومين إجماعا في غير كسوف، وفيه عند الجمهور، لفعله عليه الصلاة والسلام، وقد ثبت ذلك بنقل الخلف عن السلف، والإسرار فيما عدا ذلك ثبت بإجماع المسلمين، مع الأحاديث الصحيحة المتظاهرة على ذلك، والحكمة في الجهر- والله أعلم- ما ذكره ابن القيم وغيره أن الليل مظنة هدوء الأصوات، وفراغ القلوب، واجتماع الهمم، ومحل مواطأة القلب اللسان، ولهذا كانت السنة تطويل قراءة الفجر، لأن القلب أفرغ ما يكون من الشواغل،
فإذا كان أول ما يقرع سمعه كلام الله تمكن فيه،
ولما كان النهار بضد ذلك، كان الأصل في القراءة فيه الإسرار إلا لعارض راجح، كالمجامع العظام في العيدين والجمعة والإستسقاء والكسوف،
فإن الجهر حينئذ أحسن وأبلغ في تحصيل المقصود، وأنفع للجمع، وفيه من قراءة كلام الله عليهم، وتبليغه في المجامع العظام ما هو من أعظم مقاصد الرسالة.
غير الإمام وهو المأموم والمنفرد ليس بذلك كله أي التكبير والتسميع، والسلام والقراءة، لأنه لا حاجة إليه، وربما لبس على المأمومين إلا أنه يخير منفرد، وقائم لقضاء ما فاته بعد سلام إمامه بين جهره بالقراءة وإخفائه بها،
وفي الإنصاف: لو قضى صلاة سر، لم يجهر فيها، سواء قضاها ليلا أو نهارا، لا أعلم فيه خلافا، وحكاه الشارح وغيره،
وإن قضى صلاة جهر ليلاً جهر فيها ولا أعلم فيها خلافًا ونهارا لم يجهر على الصحيح من المذهب،
وقال النووي: يسن للمنفرد كالإمام، وهو مذهب مالك والشافعي.
به بحيث يسمع (نفسه) وجوبا في كل واجب
وكذا يجب على كل مصل نطق بكل ركن، كتكبيرة إحرام وتشهد أخير وسلام، وواجب كتسميع وتحميد، وباقي تكبير وتشهد أول.
يكون كلاما بدون الصوت، وهو ما يتأتى سماعه أي الصوت، وأقرب السامعين إليه نفسه، فيجب بقدر ما يسمعها، واختار الشيخ الاكتفاء بالحروف،
وإن لم يسمعها، وهو وجه في المذهب، وقدمه في الفروع، ومال إليه في الإنصاف، واختاره الكرخي وغيره. قال الشيخ: يجب أن يحرك لسانه بالذكر الواجب في الصلاة من القراءة ونحوها مع القدرة.
ومن قال: إنها تصح بدونه. يستتاب.
«ويسمع الإِمام من خلفه» أي: حسب ما تقتضيه الحال، إنْ كان مَن خلفَه واحداً فالصوت الخفي يكفي،
وإنْ كان مَن خلفَه جمعاً فلا بُدَّ مِن رَفْعِ الصَّوت،
وإذا كان لا يسمع صوته مَنْ وراءه استعان بمبلِّغٍ يُبلِّغُ عنه؛ كما فَعَلَ النبيُّ ﷺ حين جاء وأبو بكر رضي الله عنه يُصلِّي بالناس، وكان صلوات الله وسلامه عليه مريضاً لا يُسْمِعُ صوته المأمومين، فصلَّى أبو بكر رضي الله عنه عن يمينه؛ وجعل يبلِّغُ الناسَ تكبيرَ رسولِ الله ﷺ، إذا كَبَّرَ الرَّسولُ عليه الصلاة والسلام بصوتٍ منخفضٍ كَبَّرَ أبو بكر بصوت مرتفع فسمعه الناسُ ، وهذا هو أصل التبليغ وراء الإِمام،
فإن كان لا حاجة إلى المبلغ بأن كان صوت الإِمام يبلغ الناسَ مباشرة، أو بواسطة، فلا يُسنُّ أن يبلِّغ أحدٌ تكبيرَ الإِمام باتِّفاقِ المسلمين.
وقول المؤلِّف:«ويُسمع الإِمامُ مَنْ خَلْفَه» هل هذا على سبيل الاستحباب، أو على سبيل الوجوب؟.
المشهور مِن المذهب: أنه على سبيل الاستحباب، وليس على سبيل الوجوب ،
وأن الإِمام له أن يكبِّر تكبيراً خفيًّا لا يُسْمَع، كما أن المنفرد والمأموم لا يرفعان الصوت؛ فللإِمام أن يفعل كذلك؛ فلا يرفع صوتَه، ولكن الأفضل أن يرفع صوتَه. وظاهر كلام المؤلِّفِ: أن هذا على سبيل الوجوب، لا على سبيل الاستحباب؛ لأنه قال:«وغَيْرُه نفسَه» وإسماع غير الإِمام نفسه واجب فيكون قوله: «ويُسمعُ الإِمامُ مَنْ خَلْفَه» واجباً.
وظاهر كلام المؤلِّف: هو القول الصَّحيح؛
أنه يجب على الإِمامِ أن يُكبِّر تكبيراً مسموعاً يَسمعه مَنْ خلفَه:
أولاً: لفعل النبيِّ ﷺ، فإنه لو كان الأمر غير واجب لم يكن هناك داعٍ إلى أن يُبلِّغ أبو بكر رضي الله عنه التَّكبيرَ لمَن خلفَ النَّبيِّ ﷺ.
ثانياً: لأنَّه لا يتمُّ اقتداء المأمومين بالإِمام إلا بسماع التكبير، وما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به فهو واجب،
ولو أن الإِمام إذا قام مِن السُّجودِ لم يرفع صوتَه بالتكبير فمتى يقوم النَّاسُ؟ لا يقومون إلا إذا شرع في الفاتحة وجَهَرَ بها، مع أن جَهْرَه بالفاتحة على سبيل الاستحباب، وليس في كُلِّ صلاة، ولا في كُلِّ ركعة؛ ما عدا الفجر.
كَقِرَاءَتِهِ في أولتي غَيْر الظُّهْرَين، .......... «كقراءته في أولتي غير الظُّهَرين» أي: كما يسمع القراءة في أولتي غير الظُّهرين، وقوله:«أولتي» مثنَّى حُذفت النونُ للإِضافة؛ لأنه يُحذف التنوين والنون عند الإِضافة.
والظُّهران: هما الظُّهر والعصر، وأُطلق عليهما اسمُ «الظُّهْرين» تغليباً، كما نقول: العشائين، والعُمَرَين، والقمرين. فيَجهر في كُلِّ ركعتين أوليين في غير الظُّهرين، ويشمَلُ المغربَ والعشاءَ والفجرَ، لكن الفجر ليس إلا ركعتين، ويشمَلُ الجُمعةَ، والعيدين، والاستسقاءَ، والتراويحَ، والوِترَ، والكسوفَ، وكُلُّ ما تُشرع فيه الجماعةُ، فإنه يُسنُّ أن يجهرَ بالقراءة، ما عدا الظُّهرين،
فإذا قال قائل: صلاةُ الليلِ جهريَّة؛ وصلاةُ النَّهارِ سريَّة؛ لماذا؟
فالجواب: أن الليل تَقِلُّ فيه الوساوسُ، ويجتمعُ فيه القلبُ واللِّسانُ على القراءةِ، فيكون اجتماعُ النَّاسِ على صوتِ الإِمامِ وقراءتِهِ أبلغَ من تفرقهم، ولهذا لا يُشرع الجهر في النهار إلا في صلاة جامعة كصلاة الجُمعة، والعيدين، والاستسقاء، والكسوف، لأنَّ النَّاسَ مجتمعون، ولا شَكَّ أن إنصاتهم على قراءةِ الإِمامِ تجعل قراءتهم قراءة واحدة؛ لأن المستمع كالقارئ،
ولو كان الإِمام يُسِرُّ لكان كُلُّ واحد يقرأ لنفسه، فيكون الجهر أجمع على القراءة،
بخلاف السِرِّ، هذا ما ظهر لي مِن الحكمة في الجهر في صلاة الجمعة والعيدين وشبههما،
وكذلك في صلاة الليل. والله أعلم.
وَغَيْرُهُ نَفْسَهُ ............. «وغيره نفسه». أي: ويُسمِعُ غيره، أي: غيرُ الإِمامِ نفسَه، وهو المأموم، والمنفرد يُسمعُ نفسَه، يعني: يتكلَّم وينطق بحيث يُسمعُ نفسَه،
فإن أبان الحروفَ بدون أن يُسمعَ نفسَه لم تصحَّ قراءته، بل ولم يصحَّ تكبيره،
ولو كبَّر وقال:«الله أكبر»، ولكن على وجه لا يُسمعُ نفسَه لم تنعقد صلاتُه؛ لأن التكبير لم يصحَّ، ولكن يُشترط لوجوب إسماعِ نفسِه أن لا يكون هناك مانع مِن الإسماعِ،
فإن كان هناك مانع؛ سقط وجوبُ الإسماع؛ لوجود المانع،
فلو كان يُصلِّي وحولَه أصواتٌ مرتفعة، فهذا لا يمكن أن يُسمعَ نفسَه إلا إذا رَفَعَ صوته كثيراً، فنقول: يكفي أن تنِطقَ بحيث تُسمعُ نفسَك لولا المانع. ولكن سبق لنا أنه لا دليلَ على اشتراطِ إسماعِ النَّفْسِ ،
وأنَّ الصحيح أنه متى أبان الحروفَ فإنه يصحُّ التكبيرُ والقراءةُ، فكلُّ قولٍ فإنه لا يُشترط فيه إسماعُ النَّفْسِ. والغريب أنهم قالوا هنا رحمهم الله : يُشترط إسماعُ النَّفْسِ في التكبيرِ والقراءةِ، وقالوا فيما إذا قال الإِنسان لزوجته: أنت طالق، تَطْلُقُ،
وإن لم يُسمع نفسَه، وكان مقتضى الأدلَّة أن تكون المعاملة بالأسهل في حقِّ الله، فكيف نعامله بحقِّ الله بالأشدِّ ونقول: لا بُدَّ أن تسمعَ نفسَك.
وفي حقِّ الآدمي ـ ولا سيما الطلاق الذي أصله مكروه ـ نقول: يقع الطلاق وإن لم تُسمعْ نفسَك؟!
ثَم يَقْبِضُ كُوعَ يُسْراه .............
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.