فإن قطعها بذكر أو سكوت "غير مشروعين" وطال أو ترك منها تشديدة "أو حرفا" أو ترتيبا لزم "غير مأموم" إعادتها
الشروح عليها
(فإن قطعها بذكر، أو سكوت غير مشروعين وطال) عرفا أعادها،
فإن كان مشروعا كسؤال الرحمة عند تلاوة آية رحمة وكالسكوت لاستماع قراءة إمامه وكسجوده للتلاوة مع إمامه لم يبطل ما مضى من قراءتها مطلقا، (أو ترك منها تشديدة، أو حرفا، أو ترتيبا لزم غير مأموم إعادتها) أي إعادة الفاتحة فيستأنفها إن تعمد،
ويستحب أن يقرأها مرتلة معربة يقف عند كل آية كقراءته - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -،
ويكره الإفراط في التشديد والمد،
كان مشروعا كسؤال الرحمة عند تلاوة آية رحمة والتعوذ عند آية عذاب لم يبطل ما مضى من قراءتها، لوروده ويأتي.
تلاوة آية رحمة ، وكالسكوت لاستماع قراءة إمامه بعد شروعه في قراءة الفاتحة، لم يعد ما قرأ منها، لأنه سكوت مشروع،
لقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} وقوله عليه الصلاة والسلام: وإذا قرأ فأنصتوا
فيستأنفها إن تعمد . ويستحب أن يقرأها مرتلة لقوله {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً *} والترتيل التمهيل والترسل والتبيين في القرآن من غير بغي، قال أحمد: يعجبني من قراءة القرآن السهلة،
وقال في قوله: زينوا القرآن بأصواتكم قال: يحسنه بصوته من غير تكلف،
وقال الشيخ: هو التحسين والترنم بخشوع وحضور قلب وتفكر وتفهم، ينفذ اللفظ إلى الأسماع، والمعاني إلى القلوب، لا صرف الهمة إلى ما حجب به أكثر الناس بالوسوسة في خروج الحروف إلخ، ويأتي.
إن تعمد . ويستحب أن يقرأها مرتلة معربة بتخفيف الراء، فلا يسكن الكاف من مالك، والنون من الذين ونحو ذلك محسنة مفصحة غير ملحون فيها، لقوله: زينوا أصواتكم بالقرآن، وقوله: ما أذن الله لشيء كما أذن لنبي حسن الصوت، يتغنى بالقرآن يجهر به، ما أذن أي استمع وفي لفظ حسن الترنم بالقرآن، وهي آكد.
«فإن قطعها بذِكْرٍ، أو سكوت غير مشروعين، وطَالَ» أي: قَطَعَ الفاتحةَ فلم يواصلْ قراءتها، يعني: لما قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *﴾ جعل يُثني على الله سبحانه وتعالى: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، والله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وقام يدعو بدعاء، ثم قال: ﴿الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾. نقول: هذا غيرُ مشروع،
فإذا طال الفصلُ وَجَبَ عليك الإِعادة، كذلك لو قَطَعَها بسكوت، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *﴾ ثم سَمِعَ ضَوضاءَ فسكت يستمعُ ماذا يقول النَّاسُ، وطال الفصلُ، فإنه يعيدها مِن جديد؛ لأنه لا بُدَّ فيها من التَّوالي، لكن اشترط المؤلِّفُ فقال:«غير مشروعين» أي: الذِّكْر والسُّكوت،
فإن كانا مشروعين كما لو قَطَعَها ليسأل الله أن يكون مِن الذين أنعمَ اللَّهُ عليهم، مثل لما مرَّ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ قال: اللَّهُمَّ اجْعلنِي منهم، وألحقني بالصَّالحين. فهذا يسير، ثم هو مشروعٌ في صلاةِ الليل. كذلك إذا سكتَ لاستماعِ قراءةِ إمامِه، وكان يعلم أن إمامَه يسكتُ قبل الرُّكوعِ سكوتاً يتمكَّن معه أن يكملها، فسكتَ استماعاً لقراءة إمامِه، ثم أتمَّها حين سكتَ الإِمامُ قبل الرُّكوعِ،
فإن هذا السُّكوتَ مشروعٌ، فلا يضرُّ ولو طال.
أَوْ تَرَكَ مِنْهَا تَشْدِيدَةً، أَوْ حَرْفاً، أو تَرْتِيباً لَزِمَ غَيْرَ مَأْمُومٍ إعَادَتُها. «أو ترك منها تشديدة» أي: لو تَرَكَ تشديدة حرف منها فقرأه بالتَّخفيف، مثل تخفيف الباء من قوله: ﴿رب العالمين﴾ لم تصحَّ، وإنما لم تَصحَّ؛ لأن الحرف المشدّد عبارة عن حرفين،
فإذا تَرَكَ التشديدَ أنقصَ حرفاً. «أو حرفاً» أي: تَرَكَ حرفاً مِن إحدى كلماتها، مثل: أن يترك (أل) في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وهذا يقعُ كثيراً مِن الذين يُدغمون بسبب إسراعهم في القراءة، فلا تصحُّ. «أو ترتيباً» يعني: إذا أخلَّ بترتيب آياتِها أو كلماتِها فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *﴾ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *﴾ ﴿الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾ أو قال: الرحيم الرحمن، مالك يوم الدين. فإنها لا تصحُّ؛ لأنه أخلَّ بالترتيب، وترتيب الآيات والكلمات توقيفي عن النبيِّ ﷺ وليس اجتهادياً، ولهذا كان النبيُّ ﷺ يقول:«ضعوا هذه الآية في السُّورة التي يُذكر فيها كذا»،
ولو لم يكن بالنسبة للفاتحة إلا قراءةُ النبيِّ ﷺ إيَّاها على هذا الترتيب الذي أجمعَ عليه المسلمون. «لزم غير مأموم إعادتها»«غير» بالنصب على أنها مفعول مقدَّم للزم، و «إعادة» فاعل مؤخَّر، يعني: لزمت إعادتُها على غير مأموم؛ لأن قراءة الفاتحة في حقِّ المأموم ـ على المشهور من المذهب ـ ليست بواجبة،
فلو تَرَكَها المأمومُ عمداً لم يلزمه إعادة الصَّلاةِ، ولكن مع ذلك يحرم عليه أن ينكِّس الآيات، أو أن يُنكِّس الكلمات، إنما من حيث وجوبُ إعادة الفاتحة لا يجبُ على المأموم إذا فَعَلَ ذلك؛ لأنها لا تجب عليه، ولكن هل تبطل صلاته من أجل مخالفة التَّرتيب في الكلمات أو الآيات؛ لأنه مُحرَّمٌ عليه؟ هذا محلُّ نَظَر.
وقوله:«لزم غير مأموم إعادتها» ظاهر كلامه: أنه يعيدُها من أولها،
فلو أسقطَ «أل» مِن قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ فظاهرُ كلامِه أنه يلزمه إعادة الفاتحة كلها؛ وليس هذا بوجيه، وقد لا يكون هذا مراده، بل يلزمه إعادة ما أخلَّ به وما بعدَه؛ لأن ما قبلَه وَقَعَ صحيحاً، والمدَّة ليست طويلة حتى يُقال: إنه لو أعاد مِن حيث أخلَّ لَزِمَ طول الفصل بين الجزء الصَّحيح الأول والجزء الصَّحيح الثاني؛ لأن كلَّ الفاتحة لا تستوعب زمناً طويلاً، وعلى هذا؛
فإذا أخلَّ بشيءٍ مِن آخرِها، فإنه لا يلزمه إلاَّ إعادة ما أخلَّ به وما بعدَه، مراعاةً للترتيب،
فإن كان في أول آية مثل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *﴾ بتخفيف الباء لزمتُه الإِعادة مِن الأول.
مسألة: كيف يقرأُ هذه السُّورة؟.
نقول: يقرؤها معربةً مرتَّبةً متواليةً، وينبغي أن يفصِلَ بين آياتِها، ويقفَ عند كلِّ آية، فيقف سبعَ مرَّات، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *﴾ ـ فيقف ـ ﴿الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ﴾ ـ فيقف ـ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ *﴾ ـ فيقف ـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ *﴾ ـ فيقف ـ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *﴾ ـ فيقف ـ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ـ فيقف ـ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ـ فيقف. لأنَّ النبيَّ ﷺ كان يُقطِّعُ قراءَتَهُ، فيَقِفُ عند كلِّ آية وإن لم يقفْ فلا حرجَ؛
لأنَّ وقوفه عند كلِّ آيةٍ على سبيلِ الاستحبابِ، لا على سبيلِ الوجوبِ؛ لأنَّه مِن فِعْلِ النَّبيِّ ﷺ دون أمْرِه، وما فَعَلَه النبيُّ عليه الصلاة والسلام دون أَمْرٍ به مما يُتعبَّد به فهو مِن قبيل المستحبِّ، كما ذُكر ذلك في أصول الفقه: أنَّ الفعلَ المجرَّدَ مما يُتعبَّدُ به يفيد الاستحباب، ولأنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا عَلَّمَ المسيءَ في صلاتِه أمره أن يقرأ ما تيسَّر مِن القرآن ولم يقل: ورتِّل، أو: قِفْ عند كلِّ آية.
فإنْ قال قائل: ذكرتم أنه إذا أبدل حرفاً بحرف فإنَّها لا تصحُّ، فما تقولون فيمَن أبدَل الضَّادَ في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بالظاء؟
قلنا: في ذلك وجهان لفقهاء الحنابلة:
الوجه الأول: لا تصحُّ؛ لأنه أبدلَ حَرْفاً بحرف.
الوجه الثاني: تصحُّ، وهو المشهور مِن المذهب، وعلَّلوا ذلك بتقارب المخرجين، وبصعوبة التفريق بينهما، وهذا الوجه هو الصَّحيح، وعلى هذا فمَن قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بالظاء فصلاته صحيحة، ولا يكاد أحدٌ من العامة يُفرِّق بين الضَّاد والظاء.
وَيَجْهُرُ الكُلُّ بِآمِينَ في الجَهْرِيَّة ..........
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.