ثم يركع مكبرا رافعا يديه ويضعهما على ركبتيه "مفرجتي الأصابع" مستويا ظهره
الشروح عليها
(ثم) بعد فراغه من قراءة السورة (يركع مكبرا) لقول أبي هريرة: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يكبر إذا قام إلى الصلاة، ثم يكبر حين يركع» ، متفق عليه. (رافعا يديه) مع ابتداء الركوع لقول ابن عمر: «رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا استفتح للصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع وبعدما يرفع رأسه» متفق عليه. (ويضعهما) أي يديه (على ركبتيه مفرجتي الأصابع) استحبابا،
ويكره التطبيق بأن يجعل إحدى كفيه على الأخرى، ثم يجعلهما بين ركبتيه إذا ركع، وهذا كان في أول الإسلام، ثم نسخ، ويكون المصلي (مستويا ظهره) ويجعل رأسه حيال ظهره فلا يرفعه، ولا يخفضه، روى ابن ماجه عن وابصة بن معبد قال: «رأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصلي، وكان إذا ركع سوى ظهره حتى لو صب الماء عليه لاستقر» ، ويجافي مرفقيه عن جنبيه والمجزئ الانحناء بحيث يمكن مس ركبتيه بيديه إن كان وسطا في الخلقة، أو قدره من غيره،
ومن قاعد مقابلة وجهه ما وراء ركبتيه من الأرض أدنى مقابلة وتتمتها الكمال،
إلى الصلاة ثم يكبر حين يركع، متفق عليه ولحديث ابن مسعود: يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود، صححه الترمذي ونحوه في الصحيحين وغيرهما، وعليه عامة الصحابة والتابعين، ما عدا الرفع من الركوع، قال البغوي: اتفقت الأمة على هذه التكبيرات،
وقال ابن عباس: في رجل كبر في الظهر اثنتين وعشرين تكبيرة، تلك صلاة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم رواه البخاري.
يركع، متفق عليه (رافعا يديه) مع ابتداء الركوع رفع يديه قول أكثر الصحابة، ومذهب مالك والشافعي وأهل الحديث للأخبار وكونه مع ابتداء الركوع تقدم.
يديه (على ركبتيه (٤) . مفرجتي الأصابع) استحبابا لما في الصحيح: وفرج بين أصابعه، أي فرق بينهما، وركع أبو مسعود فجافى يديه ووضع يديه على ركبتيه وفرج بين أصابعه من وراء ركبتيه،
وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود وغيره، وإسناده ثقات.
على الأخرى، ثم يحطهما بين ركبتيه إذا ركع التطبيق هو الإلصاق بين باطني الكفين، وأصل الطبق الشيء على مقدار الشيء مطبقا له من جميع جوانبه، وطابق بين الشيئين جعلهما على حذو واحد وألزقهما.
. ويجعل رأسه حياله، فلا يرفعه ولا يخفضه أي عن محاذاة ظهره، بل يجعله إزاء ظهره،
وقبالته لما في الصحيحين: وإذا ركع لم يرفع رأسه ولم يصوبه، ولكن بين ذلك.
سوى ظهره، حتى لو صب عليه الماء لاستقر أي ثبت وسكن على ظهره في قعر عظم الصلب، ويقع ذلك القعر عند استوائه،
ولو كان مائلا إلى أحد الجوانب لخرج الماء من تلك الجانب، وسوى الشيء تسوية جعله سويا، وضعه مستويا،
وفي السنن فإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، ووابصة بن معبد هو ابن عقبة بن الحارث بن مالك الأسدي، وفد سنة تسع، وسكن الكوفة، ثم تحول إلى الرقة، ومات بها رضي الله عنه.
وسطا في الخلقة . أو قدره من غيره أي والمجزئ في الركوع قدر الانحناء من غير الوسط، كطويل اليدين أو قصيرهما بحيث يمكنه مس ركبتيه بيديه لو كان وسطا.
وجهه ما وراء ركبتيه من الأرض أدنى مقابلة أي والمجزئ في الركوع من قاعد مقابلة وجهه ما أمام ركبتيه أقل مقابلة، لأنه ما دام قاعدا معتدلا لا ينظر ما قدام ركبتيه من الأرض،
فإذا انحنى بحيث يرى ما قدام ركبتيه منها أجزأ ذلك في الركوع، وقوله: ما وراء، كقوله: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} أي أمامهم، والأولى أن يقول: قدام ركبتيه، لأنه المعروف.
«ثم يركع مكبِّراً». أي: بعد القراءة يركع مكبِّراً، وقوله:«ثم يركع» نقول فيها مثل ما قلنا في «ثم يقرأ بعد الفاتحة» أنها للترتيب والتراخي، فينبغي قبل أن يركع أن يسكت سكوتاً؛ لكنه ليس سكوتاً طويلاً، بل بقَدْرِ ما يرتدُّ إليه نَفَسُه،
فإن ذلك قد جاء في حديث سَمُرَة بن جُندب رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يسكتُ سكتتين: إذا دَخَلَ في الصَّلاةِ،
وإذا فَرَغَ مِن قراءة فاتحةِ الكتابِ وسورة عند الرُّكوعِ. فأنكر ذلك عليه عمران بن حصين! فكتبوا إلى أُبَيٍّ في ذلك إلى المدينة. قال: فَصَدَقَ سَمُرة .
وقوله:«يركع» الركوع: هو الانحناء، والانحناء في الظَّهْرِ، وهذا الرُّكوع المقصودُ به تعظيم الله عز وجل،
فإنَّ هذه الهيئة مِن هيئات التَّعظيم؛ ولذلك كان النَّاسُ يفعلونها أمام الملوك والكبراء والسَّادة ينحنون لهم ورُبَّما يركعون، ورُبَّما يسجدون والعياذ بالله، فالرُّكوعُ هيئةٌ تدلُّ على تعظيم الرَّاكعِ بين يدي مَنْ رَكَعَ له،
ولهذا قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام : «أما الرُّكوع فَعَظِّموا فيه الربَّ عز وجل» ليجتمع فيه التعظيم القولي والتعظيم الفِعلي.
وقوله:«مكبِّراً» حال من فاعل «يركع» حال مقارنة، يعني: في حال هويه إلى الرُّكوعِ يكبِّرُ فلا يبدأ قبل، ولا يؤخِّره حتى يَصِل إلى الرُّكوعِ، أي: يجب أن يكون التَّكبيرُ فيما بين الانتقالِ والانتهاءِ، حتى قال الفقهاءُ رحمهم الله :«لو بدأ بالتَّكبير قبل أن يهويَ، أو أتمَّهُ بعد أن يَصِلَ إلى الرُّكوع؛ فإنه لا يجزئه». لأنهم يقولون: إنَّ هذا تكبيرٌ في الانتقال فمحلُّه ما بين الرُّكنين،
فإنْ أدخلَه في الرُّكن الأول لم يصحَّ،
وإن أدخله في الرُّكن الثاني لم يصحَّ؛ لأنه مكان لا يُشرع فيه هذا الذِّكرُ، فالقيامُ لا يُشرع فيه التَّكبيرُ، والرُّكوع لا يُشرع فيه التكبيرُ، إنما التكبيرُ بين القيام وبين الرُّكوعِ.
ولا شَكَّ أن هذا القولَ له وجهة مِن النَّظر؛ لأن التَّكبيرَ علامةٌ على الانتقالِ؛ فينبغي أن يكون في حالِ الانتقال.
ولكن؛ القول بأنه إن كمَّلَه بعد وصول الرُّكوع، أو بدأ به قبل الانحناء يُبطلُ الصَّلاةَ فيه مشقَّةٌ على النَّاس، لأنك لو تأملت أحوال الناس اليوم لوجدت كثيراً مِن النَّاسِ لا يعملون بهذا، فمنهم من يكبِّرُ قبل أن يتحرَّك بالهوي، ومنهم مَن يَصِلُ إلى الرُّكوعِ قبل أن يُكمل.
والغريب أن بعض الأئمة الجُهَّالِ اجتهد اجتهاداً خاطئاً وقال: لا أكبِّرُ حتى أصل إلى الرُّكوع، قال: لأنني لو كبَّرت قبل أن أَصِلَ إلى الرُّكوع لسابقني المأمومون، فيهوُون قبل أن أَصِلَ إلى الرُّكوع، وربما وصلوا إلى الرُّكوع قبل أنْ أَصِلَ إليه، وهذا مِن غرائب الاجتهاد؛ أن تُفسد عبادتك على قول بعض العلماء؛ لتصحيح عبادة غيرك؛ الذي ليس مأموراً بأن يسابقك، بل أُمر بمتابعتك.
ولهذا نقول: هذا اجتهادٌ في غير محلِّه، ونُسمِّي المجتهدَ هذا الاجتهاد:«جاهلاً جهلاً مركَّباً»؛ لأنه جَهِلَ، وجَهِلَ أنه جاهلٌ.
إذاً؛ نقول: كَبِّرْ مِن حين أن تهويَ، واحرصْ على أن ينتهي قبل أن تَصِلَ إلى الرُّكوع، ولكن لو وصلت إلى الرُّكوع قبل أن تنتهي فلا حرجَ عليك، والقولُ بأن الصَّلاةَ تفسدُ بذلك حَرَج، ولا يمكن أن يُعملَ به إلا بمشقَّةٍ.
فالصوابُ: أنه إذا ابتدأ التَّكبيرَ قبل الهوي إِلى الرُّكوعِ، وأتمَّه بعدَه فلا حرج،
ولو ابتدأه حين الهوي، وأتمَّه بعد وصولِهِ إلى الرُّكوعِ فلا حَرَجَ، لكن الأفضل أن يكون فيما بين الرُّكنين بحسب الإمكان. وهكذا يُقال في:«سمعَ الله لمن حمده» وجميعِ تكبيرات الانتقال.
أمَّا لو لم يبتدئ إلا بعد الوصول إلى الرُّكن الذي يليه، فإنه لا يعتدُّ به.
رَافِعاً يَدَيْهِ، ............ «رافعاً يديه» أي: إلى حَذوِ مَنكبيه، أو إلى فُروع أُذنيه كما سبق عند تكبيرة الإِحرام . ويرفع يديه إذا أراد أن يركع، ثم يضعهما على رُكبتيه، ودليل ذلك: حديث ابن عُمر أنَّ النبيَّ ﷺ: «كان يرفعُ يديه إذا كَبَّرَ للرُّكوعِ» والحديث ثابت في «الصحيحين» وغيرهما . «ويضعهما على رُكبتيه»«ويضعهما» أي: اليدين، والمراد باليدين هنا: الكَفَّان؛ لأنه سبق لنا بيان قاعدة: أنَّ اليدَ إذا أُطلقت فهي الكَفُّ. ودليل هذه القاعدة: أنَّ الله لما أراد ما زَادَ عن الكَفِّ بَيَّنه في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الآية .
ولهذا يُقطع السارق مِن مفصل الكَفِّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ الآية ولا يُقطع من المِرفق؛ لأن الله لو أرادَ ذلك لقيَّده.
وَيَضَعُهُمَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ مُفَرَّجَتَيْ الأَصَابِع، ............
وقوله:«يضعهما على رُكبتيه» هذا هو السُّنَّة، وهي السُّنَّة الأخيرة، وقد كانت السُّنَّة قبل ذلك التطبيق، وهي: أن يضعَ المصلِّي بطن كَفِّه على بطن كَفِّه الأُخرى، ثم يضعهما بين رُكبتيه أو فخذيه، ثم نُسِخَ هذا بعد ذلك، كما في «صحيح مسلم»، وقد كان عبدُ الله بن مسعود رضي الله عنه يَعملُ بذلك؛ لأنه لم يبلغه الناسخ .
وعلى هذا؛ فيضعُ الكفَّين على الرُّكبتين معتمداً عليهما؛ وليس مجرد لَمْسٍ. «مفرَّجتي الأصابع» يعني: لا مضمومة بل مفرَّجة؛ كأنه قابض رُكبتيه، كما جاءت بذلك السُّنَّة .
مُسْتَوِياً ظَهْرُهُ، وَيَقُولُ:«سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، .......... «مستوياً ظهره». الاستواء: يشمل استواء الظهر في المَدِّ، واستواءه في العلوِّ والنزول، يعني لا يقوِّس ظهره، ولا يهصره حتى ينزل وسطه، ولا ينزل مقدم ظهره، بل يكون ظهره مستوياً، وقد جاء ذلك عن النبيِّ ﷺ، قالت عائشة رضي الله عنها :«كان إذا ركع لم يُشْخِصْ رأسه ولم يُصَوِّبْهُ» لم يُشْخِصْه يعني: لم يرفعه، ولم يُصوِّبْه: لم ينزله، ولكن بين ذلك.
وجاء فيما رواه الإِمام أحمد أن النبيَّ ﷺ :«كان يسوِّي ظهره» وجاء عنه أيضاً: «أنه كان يُسوِّيه، حتى لو صُبَّ عليه الماء لاستقرَّ» وهذا يدلُّ على كمالِ التَّسوية، فيكون الظَّهرُ والرأسُ سواء، ويكون الظَّهرُ ممدوداً مستوياً.
وينبغي كذلك أن يفرِّج يديه عن جنبيه، ولكنه مشروط بما إذا لم يكن فيه أذيَّة،
فإنْ كان فيه أذيَّة لِمَن كان إلى جنبه؛ فإنه لا ينبغي للإِنسان أن يفعل سُنَّة يؤذي بها غيره؛ لأن الأذية فيها تشويش على المصلِّي إلى جنبه وتلبيس عليه، ثم إنه يُخشى أن يكون ذلك داخلاً في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْمًا مُبِيناً *﴾ [الأحزاب] فإنَّ هذا يشمَل الأذى القولي والفِعلي.
والواجبُ مِن الرُّكوع: أن ينحني بحيث يكون إلى الرُّكوع التَّامِّ أقربَ منه إلى الوقوفِ التَّامِّ، يعني: بحيث يعرف مَن يراه أنَّ هذا الرَّجُلَ راكعٌ. هكذا قال بعض العلماء .
والمشهور من المذهب : أنه ينحني بحيث يمكن أن يَمَسَّ رُكبتيه بيديه إذا كان وسطاً، يعني: إذا كانت يداه ليستا طويلتين ولا قصيرتين، لكن القول الأول أظهر.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.