وله رد المار بين يديه
الشروح عليها
(و) يسن (له) أي للمصلي (رد المار بين يديه) ؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدعن أحدا يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله فإن معه القرين» ، رواه مسلم عن ابن عمر، وسواء كان المار آدميا، أو غيره والصلاة فرضا أو نفلا، بين يديه ستره فمر دونها، أو لم تكن فمر قريبا منه، ومحل ذلك ما لم يغلبه، أو يكن المار محتاجا إلى المرور، أو بمكة،
ويحرم المرور بين المصلي وسترته ولو بعيدة،
وإن لم يكن سترة ففي ثلاثة أذرع فأقل،
فإن أبى المار الرجوع دفعه المصلي،
فإن أصر فله قتاله ولو مشى،
فإن خاف فسادها لم يكرر دفعه ويضمنه، وللمصلي دفع العدو من سيل وسبع، أو سقوط جدار ونحوه،
وإن كثر لم تبطل في الأشهر قاله في " المبدع "
يسن (له) أي: للمصلي (رد المار بين يديه) صرف الشارح معنى العبارة من الإباحة إلى السنة لثبوتها برده
وعنه يجب عليه رده لظاهر الأخبار.
فإن معه القرين» رواه مسلم عن ابن عمر وله عن أبي سعيد مرفوعا: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدا يمر بين يديه، وليدرأ ما استطاع،
فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان» ولهما «فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفع في نحره» الحديث ولحديث أم سلمة: وكان يصلي في حجرتها فمر بين يديه عبد الله فقال بيده فرجع، فمرت زينب فقال بيده هكذا فمضت فلما صلى قال: «هن أغلب» رواه ابن ماجه، وأكثر الروايات عن أحمد وغيره أن على المصلي أن يجتهد في رده، ما لم يخرجه ذلك إلى إفساد صلاته بكثرة العمل فيها، قال القاضي عياض وغيره، أجمعوا على أنه لا يجوز له المشي كثيرا ليدفعوا ولا العمل الكثير في مدافعته، لأن ذلك أشد في الصلاة من المرور.
دونها . أو لم تكن فمر قريبا منه أي من المصلي، وقدر بنحو ثلاثة أذرع فأقل فيسن رده قال عثمان: محله إذا كان قريبا منه، بأن لا يكون بين المار وقدمي المصلي ثلاثة أذرع، كما يعلم من الإقناع وشرحه.
فمر قريبا منه ومحل ذلك ما لم يغلبه يعني المار، لما تقدم في بنت أم سلمة وغيره،
فإن غلبة لم يرده وفاقًا.
فأقل . فإن أبى المار الرجوع دفعه المصلي لحديث «فليدرأ ما استطاع» رواه أبو داود ولغيره من الأحاديث.
دفعه المصلي فإن أصر فله قتاله ولو مشى له قليلا لقوله «فليدفعه فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان» متفق عليه، ولا تفسد صلاته، لكن لا بسيف، ولا بما يهلكه، بل بالدفع باليد واللكز فإن مات بذلك فدمه هدر قاله الشيخ.
«وله ردٌّ المارِّ بين يديه». «له»: الضمير يعود على المُصلِّي، واللام هنا للإباحة كما هي القاعدة في أصول الفقه: أن العلماء إذا عَبَّروا باللام فهي للإباحة، كما أنَّهم إذا عَبَّروا بـ «على» فهي للوجوب،
فإذا قالوا:
عليه أن يفعل … أي: واجب.
له أن يفعل .. أي: جائز.
فقول المؤلِّف:«له رَدُّ المارِّ بين يديه» يقتضي أن هذا مُباح.
وقوله:«ردُّ المَارِّ» يشمَلُ الآدمي وغير الآدمي،
ومَنْ تبطل الصَّلاةُ بمروره، ومَنْ لا تبطل الصَّلاةُ بمروره.
وعلى هذا فإذا أراد أحدٌ أن يَمُرَّ بين يدي المُصلِّي؛ قلنا للمُصلِّي: أنت بالخيار؛ إنْ شئت فردَّه،
وإنْ شئت فلا تردَّه، وإن رددته فليس لك أجر،
وإنْ لم تردَّه فليس عليك وِزْر؛ لأن هذا شأن المباح، حتى لو أرادت امرأة أن تمُرَّ بين يديك ـ على كلام المؤلِّف ـ فأنت بالخيار؛ إنْ شئت فردَّها،
وإن شئت فلا تردَّها. ولكن ما يقتضيه كلام المؤلِّف رحمه الله خِلاف المذهب.
فالمذهب: أن الرَّدَّ سُنَّة ، أي: يُسَنُّ للمُصلِّي، ويُطلب منه شرعاً أن يردَّ المارَّ بين يديه.
ودليل ذلك: أمرُ النبيِّ ﷺ بهذا؛ حيث قال:«إذا صَلَّى أحدُكم إلى شيء يستره مِن الناس، فأرادَ أحدٌ أن يجتاز بين يديه؛ فَلْيَدْفَعْهُ، فإن أبى فَلْيُقَاتِلْهُ فإنَّما هُو شيطان» فأمر بِدَفْعِهِ، وأقلُّ أحوال الأمر الاستحباب.
وقال أيضاً:«إذا كان أحدُكم يصلِّي، فلا يدعْ أحداً يمرُّ بين يديه، فإن أبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فإنَّ معه القَرِينَ».
وعن الإمام أحمد رحمه الله رواية ثالثة: أنَّ رَدَّ المارِّ واجب ،
فإن لم يفعل فهو آثم، ولا فَرْقَ بين ما يقطع الصَّلاة مروره، أو لا يقطع.
واستدلُّوا لهذا بقوله ﷺ :«فليدفعه» والأصلُ في الأمر الوجوب.
ويقوِّي الوجوب: أن النبيَّ ﷺ قال: «فإن أبى فَلْيُقَاتِلْهُ» وأصل مقاتلة المسلم حرام، لقول النبيِّ ﷺ :«سبابُ المسلم فُسُوق، وقتاله كُفْرٌ».
لكن من المعلوم أن المراد بالمقاتلة في رَدِّ المَارِّ الدَّفْع بشدة،
لا أن تقتله بسلاح معك، أي: ليس قَتْلاً، ولكن مقاتلة، ومقاتلة كل شيء بحسبه، وحتى المقاتلة التي لا تؤدِّي إلى قتل هي حرام بالنسبة للمسلم مع أخيه إلا إذا وُجِدَ ما يسوِّغها.
قالوا: ولا يؤمر بما أصله الحرام إلا لتحصيل واجب، فلا يُؤمر بالقتال إلا إذا كان الدَّفْعُ واجباً؛ لأنه لا يبيح المُحَرَّم إلا الشيء الواجب. وقالوا أيضاً: في هذا
فائدة وهي تعزير المعتدي؛ لأن المَارَّ بين يديك معتدٍ عليك،
ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام :«فإنَّما هو شيطان» وفي لفظ: «فإن معه القَرِينَ» أي: أنَّ الشيطان يأمره، ورَدْعُ المعتدي أمْرٌ واجب.
وقالوا أيضاً: إنَّ فيه إحياء قلوب الغافلين؛ لأن كثيراً مِن النَّاسِ يمشي في المسجد وعيناه في السَّماءِ، ولا يبالي أكان الذي بين يديه مصلِّين أو غير مصلِّين،
فإذا رَدَدتَهُ نبَّهتَه فيكون بذلك تنبيهاً للغافلين. وهذه الرواية عن أحمد كما ترى دليلُها الأثريُّ والنظريُّ قويان. ويحتمل أن يُقال: يُفرَّق بين المارِّ الذي يقطعُ الصَّلاةَ مروره، والمَارِّ الذي لا يقطع الصَّلاةَ مروره، فالذي يقطع الصَّلاةَ مروره يجب رَدُّه، والذي لا يقطع الصَّلاةَ مروره لا يجب رَدُّه؛ لأن غاية ما يحصُل منه أن تنقص الصَّلاةُ ولا تبطل،
بخلاف الذي يقطع الصَّلاةَ مروره؛ فإنه سوف يبطل صلاتك ويفسدها عليك، ولا سيما إذا كانت فرضاً،
فإن تمكينك مِن شخص يقطع صلاة الفَرْض عليك يعني أنك قطعت فرضك، والأصل في قَطْعِ الفرض التحريم.
وهذا قول وسطٌ بين قول مَن يقول بالوجوب مطلقاً،
ومن يقول بالاستحباب مطلقاً، وهو قول قويٌّ.
مثال ذلك: إذا مَرَّت امرأة؛ فإنه يجب عليك أن تردَّها،
وإذا مَرَّ كلبٌ أسود يجب أن تردَّه،
وإذا مَرَّ حِمار يجب أن تردَّه،
بخلاف ما إذا مَرَّ رَجُلٌ، أو بَهيمة غير حِمار، أو كلب غير أسود، أو أُنثى دون البلوغ، فإنه لا يجب عليك رَدُّه، ولكن يُسَنُّ ذلك.
ويحتمل أن يُفرَّق بين الفرض والنَّفل،
فإذا كانت الصَّلاة فريضة ومَرَّ مَنْ يقطعها وجب رَدُّه، لأن الفريضة إذا شَرَعَ فيها حَرُمَ أن يقطعَها إلا لضرورة، وإلا لم يجب رَدُّه، بل يُسَنُّ. ولهذا كثيراً ما يأتي في كلام شيخ الإسلام رحمه الله مثل هذا التَّفصيل بين القولين، ويقول: وهو بعضُ قول من يقول بالوجوب، أو ما أشبه ذلك، مثل قوله في الوِتر: إنَّ الوتر واجب على مَن كان له وِرْدٌ في الليل. قال: وهو بعض قول من يوجبه مطلقاً، لأن الوتر فيه ثلاثة أقوال للعلماء: سنة مطلقاً ـ وهو الصحيح، وواجب مطلقاً، وتفصيل؛
وهو اختيار شيخ الإسلام . والشاهد أنه يقول: وهو بعضُ قول من يوجبه مطلقاً.
فإذا قلنا: يجب مَنْعُ المار إذا كان ممن يقطع الصَّلاةَ، صار بعض قول مَن يوجبه مطلقاً،
فإن قال قائل: كيف نعتذر عن كلام المؤلِّف حيث إن ظاهره الإباحة مع ورود السُّنَّة بالأمر به؟
فالجواب: أنه يمكن أن يُحمل على أن الإباحة هنا في مقابلة توهُّمِ المَنْعِ، أو في مقابلة الكراهة، لأن رَدَّ المار عَمَلٌ وحركة مِن غير جنس الصَّلاة، والأصل فيها
إما الكراهة؛ وإما المنع، فتكون الإباحة هنا يُراد بها نفي الكراهة، أو نفي المنع، فلا ينافي أن يكون الحكم مستحبًّا، يعني: يمكن أن يُقال هذا، لكن يمنعه أن هذه المسألة فيها قول بالإباحة مستقلٌّ معروف.
وقوله:«بين يديه». أي: بين يدي المصلِّي.
وقد اختُلف في المراد بما بين يديه ، فقيل: إنه بمقدار ثلاثة أذرع مِن قدمي المصلِّي.
وقيل: بمقدار رَمية حَجَر، يعني بالرَّمي المتوسط لا بالقويِّ جدًّا ولا بالضعيف.
وقيل: ما للمصلِّي أن يتقدَّم إليه بدون بطلان صلاتِه.
وقيل: إن مَرْجِعَ ذلك إلى العُرف، فما كان يعدُّ بين يديه، فهو بين يديه، وما كان لا يُعدُّ عُرفاً بين يديه، فليس بين يديه.
وقيل: ما بين رجليه وموضع سجوده. وهذا أقرب الأقوال، وذلك لأن المصلِّي لا يستحقُّ أكثر مما يحتاج إليه في صلاته، فليس له الحقُّ أن يمنعَ النَّاس مما لا يحتاجه.
أما إذا كان له سُترة فلا يجوز المرور بينه وبينها، لكن ينبغي أن يقرُبَ منها، بحيث يكون سجودُه إلى جنبها؛ لئلا يتحجَّر أكثر مما يحتاج، وقد كان بين مصلَّى النبيِّ ﷺ وبين الجدار الذي صَلَّى إليه قَدْرَ ممرِّ شاة.
وظاهرُ كلام المؤلِّف: أنه لا فَرْقَ بين أن يكون المَارُّ محتاجاً للمرور أو غير محتاج، فالمحتاج للمرور مثل: أن يكون باب المسجد على يمين المُصلِّي أو على يساره، وهو يريد أن يَعْبُرَ إلى باب المسجد، فهذا محتاجٌ للمرور، وذلك لعموم الأمر:« … فأراد أحدٌ أن يجتاز بين يديه … »، ولم يفصِّل النبيُّ ﷺ بين أن يكون المارُّ محتاجاً أو غير محتاج.
والغالب أن الإنسان لا يمرُّ بين يدي المصلِّي إلا وهو محتاج إلى المرور، فكيف نُخرِج ما كان هو الغالب مِن دلالة الحديث إلى ما ليس بغالب.
فالصحيح: أنه لا فَرْقَ بين أن يكون محتاجاً أو غير محتاج، فليس له الحقُّ أن يمرَّ بين يدي المصلِّي، وقد قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام :«لو يعلمُ المارُّ بين يديِ المصلِّي ماذا عليه؛ لكان أن يقفَ أربعينَ خيراً له من أن يَمُرَّ بين يديه» أي: أربعين خريفاً؛ كما في رواية البزَّار:«لكان أنْ يقومَ أربعين خريفاً … ». وظاهرُ كلام المؤلِّف أيضاً: أنه لا فَرْقَ بين مَكَّة وغيرها، وهذا هو الصَّحيح، ولا حُجَّة لمن استثنى مَكَّة بما يُروى عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام: «أنه كان يُصلِّي والنَّاسُ يمرُّون بين يديه، وليس بينهما سُترة» وهذا الحديث فيه راوٍ مجهول، وجهالة الرَّاوي طعنٌ في الحديث.
وعلى تقدير صحَّتِه فهو محمولٌ على أنَّ رسول الله ﷺ كان يُصلِّي في حاشية المطاف، والطائفون هم أحقُّ النَّاسِ بالمطاف؛ لأنه لا مكان لهم إلا هذا،
أما المصلِّي فيستطيع أن يُصلِّي في أيِّ مكان آخر، لكن الطائف ليس له مكان إلا ما حول الكعبة، فهو أحقُّ به. هذا إن صحَّ الحديث، ولهذا بوَّبَ البخاريُّ رحمه الله في «صحيحه» باب: السُّتْرة بمَكَّة وغيرها . يعني: أن مكَّة وغيرها سواء.
فإن قال قائل: إذا غلبه المَارُّ ومَرَّ فما الحكم؟
فالجواب: الإثم على المَارِّ، أما أنت إذا كنت قد قمت بما أمرك به النبيُّ عليه الصلاة والسلام، ولم تتمكَّن مِن دَفْعِ هذا المَارِّ فإنَّ صلاتك لا تنقص، ولكن هل تبطل بمرور المرأة؟ الظَّاهر: أنها تبطل، وأنه يلزم استئنافها،
وفي نفسي مِن هذا شيء، لأن المُصلِّي إذا فَعَلَ ما أُمِرَ به، وجاء الأمرُ بغير اختياره ولم يحصُل ذلك عن تفريط منه أو تهاون، فكيف نبطِلُ عبادته بفعل غيره؟ لأن الآثم هنا هو المَارُّ.
أما إذا كان هذا بتهاون منه، وعدم مبالاة كما يفعل بعضُ الناس، فهذا لا شَكَّ أن صلاته تبطل.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.