هو تشبيه المنكوحة بمحرّمةٍ عليه على التّأبيد
الشروح عليها
(بَابُ الظِّهَارِ) هُوَ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ ظَاهَرَ امْرَأَتَهُ إذَا قَالَ لَهَا أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كَذَا فِي الصِّحَاحِ وَالْمُغْرِبِ،
وَفِي الْمِصْبَاحِ قِيلَ إنَّمَا خُصَّ ذَلِكَ بِذِكْرِ الظَّهْرِ؛ لِأَنَّ الظَّهْرَ مَنْ الدَّابَّةِ مَوْضِعُ الرُّكُوبِ وَالْمَرْأَةُ مَرْكُوبَةٌ وَقْتَ الْغَشَيَانِ فَرُكُوبُ الْأُمِّ مُسْتَعَارٌ مِنْ رُكُوبِ الدَّابَّةِ ثُمَّ شَبَّهَ رُكُوبَ الزَّوْجَةِ بِرُكُوبِ الْأُمِّ الَّذِي هُوَ مُمْتَنِعٌ وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ لَطِيفَةٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ: رُكُوبُك لِلنِّكَاحِ حَرَامٌ عَلَيَّ وَكَانَ الظِّهَارُ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَنُهُوا عَنْ الطَّلَاقِ بِلَفْظِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ الْكَفَّارَةَ تَغْلِيظًا فِي النَّهْيِ اهـ.
وَالْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ كَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُوجِبُ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً لَا رَجْعَةَ فِيهِ،
وَفِي الشَّرِيعَةِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ
(هُوَ تَشْبِيهُ الْمَنْكُوحَةِ بِمُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ) أَرَادَ بِالْمَنْكُوحَةِ مَا يَصِحُّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَيْهِ مِنْ الزَّوْجَةِ وَهُوَ أَنْ يُشَبِّهَهَا أَوْ عُضْوًا مِنْهَا يُعَبِّرُ بِهِ عَنْهَا أَوْ جُزْءًا شَائِعًا مِنْهَا لِمَا سَيَأْتِي وَأَرَادَ بِالْمُشَبَّهِ بِهِ عُضْوًا يَحْرُمُ إلَيْهِ النَّظَرُ مِنْ عُضْوِ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ لِمَا سَنَذْكُرُهُ أَيْضًا، وَأَرَادَ بِالزَّوْجِ الْمُسْلِمَ؛ لِأَنَّهُ لَا ظِهَارَ لِلذِّمِّيِّ عِنْدَنَا وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ السَّكْرَانَ وَالْمُكْرَهَ وَالْأَخْرَسَ بِإِشَارَتِهِ كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَقَيَّدَ بِالْمَنْكُوحَةِ احْتِرَازًا عَنْ الْأَمَةِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ عَلَى مَا سَيُصَرِّحُ بِهِ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِشَيْءٍ لِيَشْمَلَ الْمَدْخُولَةَ وَغَيْرَهَا الْكَبِيرَةَ وَالصَّغِيرَةَ الرَّتْقَاءَ وَغَيْرَهَا الْعَاقِلَةَ وَالْمَجْنُونَةَ الْمُسْلِمَةَ وَالْكِتَابِيَّةَ وَقَيَّدَ بِالتَّأْبِيدِ؛
لِأَنَّهُ لَوْ شَبَّهَهَا بِأُخْتِ امْرَأَتِهِ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا مُؤَقَّتَةٌ بِكَوْنِ امْرَأَتِهِ فِي عِصْمَتِهِ.
وَكَذَا الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا وَأَطْلَقَ الْحُرْمَةَ فَشَمِلَ الْحُرْمَةَ نَسَبًا وَصِهْرِيَّةً وَرَضَاعًا وَأَرَادَ بِالتَّأْبِيدِ تَأْبِيدَ الْحُرْمَةِ بِاعْتِبَارِ وَصْفٍ لَا يُمْكِنُ زَوَالُهُ بِاعْتِبَارِ وَصْفٍ يُمْكِنُ زَوَالُهُ فَإِنَّ الْمَجُوسِيَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى التَّأْبِيدِ،
وَلَوْ قَالَ كَظَهْرِ مَجُوسِيَّةٍ لَا يَكُونُ ظِهَارًا ذَكَرَهُ فِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّ التَّأْبِيدَ بِاعْتِبَارِ دَوَامِ الْوَصْفِ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ لِجَوَازِ إسْلَامِهَا
بِخِلَافِ الْأُمِّيَّةِ وَالْأُخْتِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ حُرْمَةَ الْمَجُوسِيَّةِ لَيْسَتْ بِمُؤَبَّدَةٍ بَلْ هِيَ مُؤَقَّتَةٌ بِإِسْلَامِهَا أَوْ بِصَيْرُورَتِهَا كِتَابِيَّةً فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا ذَكَرَهُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَلِذَا عَلَّلَ فِي الْمُحِيطِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُحَرَّمَةٍ عَلَى التَّأْبِيدِ وَضَمَّ إلَى الْمَجُوسِيَّةِ الْمُرْتَدَّةَ وَشَمِلَ كَلَامُهُ التَّشْبِيهَ الصَّرِيحَ وَالضِّمْنِيَّ فَدَخَلَ مَا لَوْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى: أَنْت عَلَيَّ مِثْلُ هَذِهِ يَنْوِي الظِّهَارَ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُظَاهِرًا وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَعْدَ التَّكْفِيرِ بِاعْتِبَارِ تَضَمُّنِ قَوْلِهِ لَهَا أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَالتَّشْبِيهُ فِيهَا بِاعْتِبَارِ خُصُوصِ وَجْهِ الشَّبَهِ الْمُرَادِ لَا بِاعْتِبَارِ نَفْسِ التَّشْبِيهِ بِهَا.
وَكَذَا لَوْ كَانَتْ امْرَأَةُ رَجُلٍ آخَرَ ظَاهَرَ زَوْجُهَا مِنْهَا فَقَالَ: أَنْت عَلَيَّ مِثْلُ فُلَانَةَ يَنْوِي ذَلِكَ صَحَّ وَلَوْ كَانَ بَعْدَ مَوْتِهَا،
وَكَذَا لَوْ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ قَالَ لِأُخْرَى: أَشْرَكْتُك فِي ظِهَارِهَا فَالْحَاصِلُ أَنَّ حَقِيقَةَ الظِّهَارِ الشَّرْعِيِّ تَشْبِيهُ الزَّوْجَةِ أَوْ جُزْءٍ شَائِعٍ مِنْهَا أَوْ مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْكُلِّ بِمَا لَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى التَّأْبِيدِ كَذَا قَالُوا،
وَلَوْ قَالُوا مِنْ مُحَرَّمٍ دُونَ مُحَرَّمَةٍ صِفَةٌ لِشَخْصٍ الْمُتَنَاوِلِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْت عَلَيَّ كَفَرْجِ أَبِي أَوْ قَرِيبِي كَانَ مُظَاهِرًا؛ إذْ فَرْجُهُمَا فِي الْحُرْمَةِ كَفَرْجِ أُمِّهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَيَنْبَغِي عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِالْأَبِ وَالْقَرِيبِ؛ لِأَنَّ فَرْجَ الرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ مُحَرَّمٌ عَلَى التَّأْبِيدِ أَيْضًا
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ بِمُحَرَّمَةٍ إلَى أَنَّ الْمُشَبِّهَ الرَّجُلُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ امْرَأَةً بِأَنْ قَالَتْ: أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ أَنَا عَلَيْك كَظَهْرِ أُمِّك فَالصَّحِيحُ كَمَا فِي الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَلَا حُرْمَةَ وَلَا كَفَّارَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةَ ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارٍ وَرَجَّحَ ابْنُ الشِّحْنَةِ أَنَّهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبَانَ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ أَنَّهَا تَجِبُ بِالْحِنْثِ إنْ كَانَتْ كَفَّارَةَ يَمِينٍ وَإِنْ كَانَتْ كَفَّارَةَ ظِهَارٍ فَإِنْ كَانَ تَعْلِيقًا يَجِبُ مَتَى تَزَوَّجَتْ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ فِي نِكَاحِهِ تَجِبُ لِلْحَالِ مَا لَمْ يُطَلِّقْهَا؛
لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهَا الْعَزْمُ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ الْجِمَاعِ. اهـ. .
وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَلَوْ شَبَّهَهَا بِمُزَنِّيَةٍ الْأَبِ أَوْ الِابْنِ قَالَ مُحَمَّدٌ لَا يَكُونُ ظِهَارًا،
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَكُونُ ظِهَارًا وَهُوَ الصَّحِيحُ،
وَلَوْ شَبَّهَهَا بِأُمِّ امْرَأَةٍ أَوْ ابْنَةِ امْرَأَةٍ قَدْ زَنَى بِهَا يَكُونُ ظِهَارًا. اهـ.
وَلَوْ قَبَّلَ أَجْنَبِيَّةً بِشَهْوَةٍ ثُمَّ شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِابْنَتِهَا لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ كَذَا فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ فَلِذَا زَادَ فِي النِّهَايَةِ لَفْظَةَ اتِّفَاقًا فِي التَّعْرِيفِ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ وَمَا فِي الدِّرَايَةِ أَنَّهُ لَوْ شَبَّهَهَا بِأُمِّ امْرَأَةٍ زَنَى بِهَا أَبُوهُ أَوْ ابْنُهُ كَانَ مُظَاهِرًا مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ تَكُونَ كَأُمِّ زَوْجَةِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ وَهِيَ حَلَالٌ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ، وَقَدْ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى قَيْدِ الِاتِّفَاقِ،
أَمَّا فِي تَشْبِيهِهَا بِمَزْنِيَّةِ الْأَبِ أَوْ الِابْنِ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ يَكُونُ مُظَاهِرًا عَلَى الصَّحِيحِ مَعَ أَنَّهُ لَا اتِّفَاقَ عَلَى تَحْرِيمِهَا لِمُخَالَفَةِ الشَّافِعِيِّ،
وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ تَشْبِيهِهَا بِابْنَةِ الْمُقَبَّلَةِ بِشَهْوَةٍ فَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْبِنْتِ عَلَيْهِ لَيْسَتْ مُؤَبَّدَةً لِارْتِفَاعِهَا بِقَضَاءِ الشَّافِعِيِّ بِحِلِّهَا كَمَا فِي الْمُحِيطِ فَارِقًا بَيْنَ التَّقْبِيلِ وَالْوَطْءِ بِأَنَّ حُرْمَةَ الْوَطْءِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فَلَمْ يَنْفُذْ قَضَاءُ الشَّافِعِيِّ بِحِلِّ أُصُولِ الْمَزْنِيَّةِ وَفُرُوعِهَا
بِخِلَافِ التَّقْبِيلِ وَعَلَى هَذَا لَوْ شَبَّهَهَا بِالْمُلَاعَنَةِ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا مُوَقَّتَةٌ بِتَكْذِيبِهِ نَفْسَهُ.
وَلَوْ شَبَّهَهَا بِالْأُخْتِ مِنْ لَبَنِ الْفَحْلِ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا مُؤَقَّتَةٌ بِقَضَاءِ الشَّافِعِيِّ بِحِلِّهَا فَهِيَ كَالْمُقَبَّلَةِ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى اسْتَغْنَى عَمَّا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَطْلَقَ فِي التَّشْبِيهِ فَشَمِلَ الْمُعَلَّقَ وَلَوْ بِمَشِيئَتِهَا كَالطَّلَاقِ وَالْمُوَقَّتَ كَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي يَوْمًا أَوْ شَهْرًا فَإِنْ أَرَادَ قُرْبَانَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ كَفَّارَةٍ وَيَرْتَفِعُ الظِّهَارُ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ،
وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي كُلَّ يَوْمٍ فَهُوَ ظِهَارٌ وَاحِدٌ،
وَلَوْ قَالَ: فِي كُلِّ يَوْمٍ، تَجَدَّدَ الظِّهَارُ كُلَّ يَوْمٍ،
فَإِذَا مَضَى يَوْمٌ بَطَلَ ظِهَارُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَكَانَ مُظَاهِرًا مِنْهَا فِي الْيَوْمِ الْآخَرِ وَلَهُ أَنْ يَقْرَبَهَا لَيْلًا،
وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي الْيَوْمَ وَكُلَّمَا جَاءَ يَوْمٌ كَانَ مُظَاهِرًا مِنْهَا الْيَوْمَ وَإِذَا مَضَى بَطَلَ هَذَا الظِّهَارُ وَلَهُ أَنْ يَقْرَبَهَا فِي اللَّيْلِ،
فَإِذَا جَاءَ غَدٌ كَانَ مُظَاهِرًا ظِهَارًا آخَرَ دَائِمًا غَيْرَ مُوَقَّتٍ،
وَكَذَا كُلَّمَا جَاءَ يَوْمٌ صَارَ مُظَاهِرًا ظِهَارًا آخَرَ مَعَ بَقَاءِ الْأَوَّلِ،
وَإِذَا قَالَ: أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي رَمَضَانَ كُلَّهُ وَرَجَبَ كُلَّهُ فَكَفَّرَ فِي رَجَبٍ سَقَطَ ظِهَارُ رَجَبٍ وَظِهَارُ رَمَضَانَ اسْتِحْسَانًا وَالظِّهَارُ وَاحِدٌ وَإِنْ كَفَّرَ فِي شَعْبَانَ لَمْ يَجُزْ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ كَفَّرَ إنْ كَفَّرَ فِي يَوْمِ الِاسْتِثْنَاءِ لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا يَجُوزُ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إلَى شَهْرٍ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا قَبْلَهُ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة وَغَيْرِهَا وَفِيهَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إذَا جَاءَ غَدٌ كَانَ بَاطِلًا،
وَلَوْ قَالَ: أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَمْسِ كَانَ بَاطِلًا اهـ.
وَالْفَرْعَانِ مُشْكِلَانِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الظِّهَارِ أَوْ تَعْلِيقِهِ اهـ.
وَهُمَا صَحِيحَانِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِمَا فِي الْبَدَائِعِ وَالثَّانِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالطَّلَاقِ إنْ كَانَ نَكَحَهَا قَبْلَ أَمْسِ كَانَ مُظَاهِرًا الْآنَ وَإِنْ كَانَ نَكَحَهَا الْيَوْمَ كَانَ لَغْوًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ هُنَا أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: الْمُشَبِّهُ وَالْمُشَبَّهُ وَالْمُشَبَّهُ بِهِ وَأَدَاةُ التَّشْبِيهِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْمُشَبِّهُ وَهُوَ بِكَسْرِ الْبَاءِ فَهُوَ الزَّوْجُ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الْمُسْلِمُ وَزَادَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة الْعَالِمُ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ الْمُشَبَّهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمَنْكُوحَةُ أَوْ عُضْوٌ مِنْهَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ كُلِّهَا أَوْ جُزْءٍ شَائِعٍ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ: وَهُوَ الْمُشَبَّهُ بِهِ عُضْوٌ وَلَا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيْهِ مِنْ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ تَأْبِيدًا،
وَأَمَّا الرَّابِعُ وَهُوَ الدَّالُّ عَلَيْهِ وَهُوَ رُكْنُهُ وَهُوَ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ فَالصَّرِيحُ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَمِنِّي وَعِنْدِي وَمَعِي كَعَلَيَّ وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَا إذَا قَالَ: أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي بِدُونِ إضَافَةٍ لَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مُظَاهِرًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ قَصَدَ أَنَّهَا كَظَهْرِ أُمِّهِ عَلَى غَيْرِهِ وَأَنَا مِنْكِ مُظَاهِرٌ وَظَاهَرْتُ مِنْكِ مِنْ الصَّرِيحِ،
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَوْ قَالَ: أَنْت مِنِّي مُظَاهَرَةٌ أَنَّهُ يَكُونُ بَاطِلًا
وَشَرْطُهُ فِي الْمَرْأَةِ كَوْنُهَا زَوْجَةً،
وَلَوْ أَمَةً فَلَا يَصِحُّ مِنْ أَمَتِهِ وَلَا مِنْ مُبَانَتِهِ وَلَا مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ إلَّا إذَا أَضَافَهُ إلَى التَّزَوُّجِ كَمَا سَيَأْتِي،
وَفِي الرَّجُلِ كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ فَلَا يَصِحُّ مِنْ ذِمِّيٍّ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ،
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة يَلْزَمُ الذِّمِّيَّ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ إذَا ظَاهَرَ،
وَفِي صِحَّتِهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ نَظَرٌ إنَّمَا نَقَلَهُ الْمَشَايِخُ عَنْ الشَّافِعِيِّ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَعَالَى قَيَّدَ بِقَوْلِهِ مِنْكُمْ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَهُوَ قَوْله تَعَالَى {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} .
وَلَمَّا شَرَعَ فِي بَيَانِ الْكَفَّارَةِ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِقَوْلِهِ مِنْكُمْ فَقَالَ {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْكَفَّارَةِ لَمْ يَصِحَّ ظِهَارُهُ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَيَّدَ الرَّقَبَةَ بِالْإِيمَانِ وَلَمْ يُجَوِّزْ أَنْ يَمْلِكَ الْكَافِرُ الْمُؤْمِنَ وَصَحَّحَ ظِهَارَهُ فَكَانَ تَنَاقُضًا وَرَدَّهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّا عَيَّنَّا لِكَفَّارَتِهِ الْإِطْعَامَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الظِّهَارِ أَنْ يَكُونَ الْمُظَاهِرُ أَهْلًا لِكُلِّ الْأَنْوَاعِ بِدَلِيلِ أَنَّ ظِهَارَ الْعَبْدِ صَحِيحٌ عِنْدَنَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِغَيْرِ الصَّوْمِ،
وَلَوْ ظَاهَرَ الْمُسْلِمُ ثُمَّ ارْتَدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى بَقِيَ ظِهَارُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ لَا يَحِلُّ الْقُرْبَانُ إلَّا بِالْكَفَّارَةِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَبْقَى؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَيْسَ أَهْلًا لِحُكْمِهِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ وَلَهُ أَنَّ الْحَالَ حَالُ بَقَاءِ حُكْمِهِ وَهُوَ الْحُرْمَةُ لَا حَالُ الِانْعِقَادِ وَالْكُفْرُ لَيْسَ بِمُنَافٍ لِلْحُرْمَةِ وَحُكْمُهُ حُرْمَةُ الْوَطْءِ وَدَوَاعِيهِ إلَى غَايَةِ الْكَفَّارَةِ.
[بَابُ الظِّهَارِ] (قَوْلُهُ الْمُسْلِمَةَ وَالْكِتَابِيَّةَ) الْأَوْلَى الْمُسْلِمَةَ وَالْكَافِرَةَ لِمَا سَيَأْتِي عَنْ الْمُحِيطِ أَسْلَمَ زَوْجُ الْمَجُوسِيَّةِ فَظَاهَرَ مِنْهَا قَبْلَ عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهَا صَحَّ لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ
(قَوْلُهُ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ حُرْمَةَ الْمَجُوسِيَّةِ إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ وَعِنْدِي أَنَّ التَّحْقِيقَ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَلَا تَرَى قَوْلَهُمْ إنَّ اللِّعَانَ يُوجِبُ حُرْمَةً مُؤَبَّدَةً،
وَلَوْ شَبَّهَهَا بِامْرَأَتِهِ الْمُلَاعَنَةِ لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا كَمَا فِي الْجَوَامِعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يُمْكِنُ زَوَالُهُ بِأَنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ كَمَا سَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالُوا مِنْ مَحْرَمٍ إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ قَالَ فِي الْبَدَائِعِ مِنْ شَرَائِطِ الظِّهَارِ الَّتِي تَرْجِعُ عَلَى الْمُظَاهَرِ بِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ النِّسَاءِ حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أَبِي أَوْ ابْنِي لَا يَصِحُّ الظِّهَارُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا عُرِفَ بِالشَّرْعِ وَالشَّرْعُ إنَّمَا هُوَ وَرَدَ بِهَا فِيمَا إذَا كَانَ الْمُظَاهَرُ بِهِ امْرَأَةً اهـ.
وَبِهِ عُرِفَ جَوَابُ مَا فِي الْمُحِيطِ لَوْ شَبَّهَهَا بِفَرْجِ أَبِيهِ وَقَرِيبِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُظَاهِرًا؛ إذْ فَرْجُهُمَا فِي الْحُرْمَةِ كَفَرْجِ أُمِّهِ وَانْدَفَعَ مَا فِي الْبَحْرِ حَيْثُ نُقِلَ مَا فِي الْمُحِيطِ وَجَزَمَ بِهِ وَلَمْ يَنْقُلْهُ بَحْثًا وَأَنْتَ قَدْ عَلِمْتَ مَا هُوَ الْوَاقِعُ نَعَمْ يُرَدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ مَا فِي الْخَانِيَّةِ أَنْتِ عَلَيَّ كَالدَّمِ وَالْخِنْزِيرِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا نَوَى طَلَاقًا أَوْ ظِهَارًا فَكَمَا نَوَى وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَانَ إيلَاءً اهـ.
قُلْت: لَا يَخْفَى أَنَّهُ سَلِمَ مَا صَحَّحَهُ فِي الْخَانِيَّةِ أُشْكِلَ مَا فِي الْبَدَائِعِ وَكَانَ مُقَوِّيًا لِمَا فِي الْمُحِيطِ وَإِلَّا يَسْلَمْ لَمْ يَتَوَجَّهْ الْإِيرَادُ عَلَى الْمُصَنِّفِ لَكِنَّ الَّذِي رَأَيْته فِي نُسْخَةِ الْخَانِيَّةِ الَّتِي عِنْدِي مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ فِي النَّهْرِ نَصُّهُ،
وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْت عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِيهِ
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا لَا يَكُونُ إيلَاءً وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ يَكُونُ طَلَاقًا وَإِنْ نَوَى الظِّهَارَ لَا يَكُونُ ظِهَارًا اهـ. بِحُرُوفِهِ.
وَهَكَذَا قَالَ فِي الشرنبلالية قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَإِنْ نَوَى ظِهَارًا لَا يَكُونُ ظِهَارًا
وَكَذَلِكَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة نَقَلَ عِبَارَةَ الْخَانِيَّةِ كَمَا نَقَلْنَاهُ فَعُلِمَ أَنَّ النُّسْخَةَ الَّتِي نَقَلَ عَنْهَا فِي النَّهْرِ سَقَطَ مِنْهَا لَفْظَةُ لَا فَأَوْرَدَ مَا أَوْرَدَ لَكِنْ رَأَيْتُ فِي الْخَانِيَّةِ أَيْضًا مَا نَصُّهُ وَلَوْ شَبَّهَهَا بِظَهْرِ امْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ كَالْمَجُوسِيَّةِ وَالْمُرْتَدَّةِ وَمَنْكُوحَةِ الْغَيْرِ لَا يَكُونُ ظِهَارًا،
وَكَذَا التَّشْبِيهُ بِالرَّجُلِ أَيِّ رَجُلٍ كَانَ اهـ.
وَكَذَلِكَ صَرَّحَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ التَّهْذِيبِ بِأَنَّهُ لَوْ شَبَّهَهَا بِالرَّجُلِ لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا وَبِهِ تَأَيَّدَ مَا فِي الْبَدَائِعِ وَبِمَا عَلِمْتَ مِنْ النَّقْلِ السَّابِقِ انْدَفَعَ الْإِشْكَالُ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
(قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَبْقُ قَلَمٍ) الضَّمِيرُ يَعُودُ إلَى مَا فِي الدِّرَايَةِ
قَالَ فِي النَّهْرِ وَكَأَنَّهُ؛ لِأَنَّ الْمُشْكِلَ يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ وَعِنْدِي أَنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ فِي شَبَهِهَا إلَى الزَّانِي الْمُسْتَفَادِ مِنْ الزِّنَا وَعَلَيْهِ فَلَا إشْكَالَ إذْ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا شَبَّهَهَا بِالزَّانِي وَإِكْمَالُ أَدَبِ الْكَمَالِ دَعَاهُ إلَى مَحْضِ الْإِشْكَالِ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ شَبَّهَهَا بِالْأُخْتِ مِنْ لَبَنِ الْفَحْلِ)
قَالَ فِي النَّهْرِ كَأَنْ رَضَعَ عَلَى امْرَأَةٍ لَهَا لَبَنٌ مِنْ زَوْجٍ لَهُ بِنْتٌ مِنْ غَيْرِ الْمُرْضِعَةِ فَإِنَّ الْمُرْضَعَ بَعْدَ بُلُوغِهِ لَوْ شَبَّهَ زَوْجَتَهُ بِهَذِهِ الْبِنْتِ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا
قَالَ فِي الْفَتْحِ كَأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِيهَا
أَمَّا إنْ أُرِيدَ مَنْ أَرْضَعَهُ نَفْسُ الْفَحْلِ فَلَا إشْكَالَ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ اهـ. وَسَيَذْكُرُهُ الْمُؤَلِّفُ.
(قَوْلُهُ وَالْفَرْعَانِ مُشْكِلَانِ إلَخْ) قَالَ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ وَالْجَوَابُ
أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ لِمُخَالَفَتِهَا الْمَشْهُورَ فِي الْكُتُبِ،
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَالْفَرْقُ الَّذِي ذَكَرَهُ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ مِنْ أَنَّهُ يَصِحُّ تَوْقِيتُهُ
بِخِلَافِ الطَّلَاقِ يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ فَلَا تَتَعَدَّى الْحُرْمَةُ مِنْ أَمْسِ إلَى الْيَوْمِ وَمَا بَعْدَهُ
(قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مُظَاهِرًا)
قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُظَاهِرًا فَتَدَبَّرْهُ اهـ.
وَقَالَ الرَّمْلِيُّ لَا يَكُونُ ظِهَارًا مَا لَمْ يَنْوِ الظِّهَارَ؛ لِأَنَّ حَذْفَ الظَّرْفِ عِنْدَ الْعِلْمِ بِهِ جَائِزٌ وَإِذَا نَوَاهُ صَحَّ تَأَمَّلْ.
(هو تشبيه المنكوحة) مصدر مضاف إلى مفعوله أي: تشبيه الزوج المنكوحة يعني المسلم العاقل ولو حكمًا، البالغ فلا يصح ظهار الذمي والمجنون والصبي والمعتوه والمدهوش والمبرسم والمغمى عليه والنائم،
أما السكران فيصح ظهاره وكذا المكره والمخفي والآخرس بإشارته المفهمة ولو بكتابة الناطق أو بشرط الخيار كما في (البدائع) وأراد بالمنكوحة المملوكة بملك النكاح من كل وجه مسلمة أو كتابية صغيرة أو كبيرة مدخولاً بها أو لا عاقلة أو لا،
ولو رتقاء فلا يصح الظهار من الأمة والمدبرة وأم الولد والمكاتبة والمستسعاة ولا من الأجنبية إلا إذا أضافه إلى سبب الملك كإن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي، ولا من المبانة بواحدة أو ثلاثة وسيأتي أن الجزء الشائع أو العضو الذي يعبر به عن الكل كالكل، (بمحرمة) أي: بأنثى محرمة (عليه) أي: المشبه خرج بذلك ما لو شبهها بظهر أبيه.
قال في (البدائع) : من شرائط الظهار التي ترجع إلى المظاهر به أن يكون من جنس النساء، حتى لو قال لها: أنت على كظهر أبي أو ابني لا يصح الظهار، لأنه إنما عرف بالشرع والشرع إنما هو ورد بها فيما إذا كان المظاهر به امرأة انتهى. وبه عرف الجواب ما في (المحيط) لو شبهها بفرج أبيه وقريبه، ويبنغي أن يكون مظاهرًا إذ فرجهما في الحرمة كفرج أمه واندفع ما في (البحر) من أنهم لو قالوا من محرم صفة شخص المتناول للذكر والأنثى لكان أولى، أخذا ما في (المحيط) وجزم ولم ينقله بحثًا وأنت قد علمته ما هو الواقع، نعم يرد على المصنف ما في (الخانية) أنت علي كالدم والخنزير فالصحيح أنه إن نوى طلاقًا أو ظهارًا فكما نوى وإن لم ينو شيئًا كان إيلاء على التأبيد خرج بذلك ما لو شبهها بأخت زوجته أو بأمتعة الغير وأمواله والمراد تأبد الحرمة باعبتار وصف لا يمكن زواله، لا باعتبار وصف يمكن زواله فإن المجوسية محرمة (على التأبيد)
ولو قال: كظهر مجوسية لا يكون ظهارًا ذكره في (الجامع) لأن التأبيد باعتبار دوام الوصف وهو غير لازم لجواز إسلامها
بخلاف الأمية والأختية كذا في (الفتح) .
لكن قال في (البحر) : والتحقيق أن حرمة المجوسية ليست مؤبدة لما في (المحيط) إن حرمة المجوسية ليست مؤبدة
وكذا المرتدة وعندي أن التحقيق ما في (فتح القدير) ، ألا ترى إلى قولهم أن اللعان يوجب حرمة مؤبدة ولو شبهها بامرأته الملاعنة لا يصير مظاهرًا كما في (الجوامع) أيضًا لأن هذا الوصف يمكن زواله بأن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يكذب نفسه كما سيأتي فإن
قلت: لو ظاهر من امرأته فكفر أو ماتت ثم قال لأخرى: أنت علي مثل هذه كان مظاهرًا مع أن المشبه بها ليست محرمة على التأبيد
وكذا لو ظاهر رجل من امرأته فقال لها: أنت علي مثل فلانة
قلت: إنما كان مظاهرًا باعتبار تضمن قوله لها أنت علي مثل أمي لأن تشبيهها بمن قبل لها ذلك إنما هو في ذلك، واقتضى كلامه أنها لو قالت له: أنت علي كظهر أمي أو أنا عليك كظهر أمك لا يكون ظهارًا قالوا: ولا يمينًا أيضًا وهو الصحيح وفي (الجوهرة) وعليه الفتوى، بقي أنه لا بد أن يكون المشبه بها لا يكون مظاهرًا نص عليه في (شرح الطحاوي) كذا في (النهاية) لكن هذا قول محمد وقال أبو يوسف: يكون مظاهرًا قيل: وهو قول الإمام قال القاضي والإمام ظهير الدين: وهو الصحيح لكن رجح العمادي قول محمد والخلاف مبني على نفاذ/ حكم الحاكم لو قضى بحلها عند محمد وقال أبو يوسف: لا ينفذ.
قال في (الفتح) : فظهر أن مبنى ثبوت الخلاف في الظهار وعدمه ليس كون الحرمة المؤبدة مجمعًا عليها أو لا، بدليل بل كونها يسوغ فيها الاجتهاد أو لا، وعدم تسويغ الاجتهاد لوجود الإجماع أو النص الغير المحتمل للتأويل من غير معارضة نص آخر في نظر المجتهد انتهى. على أنك قد علمت ترجيح قول أبي يوسف،
وأن الإمام معه وحينئذ فلا حاجة إلى ما زيد في (الدراية) ، زنى أبوه بامرأة أو ابنه فشبهها بأمها أو بنتها يصير مظاهرًا عند أبي يوسف ولا ينفذ حكم الحاكم بحلها له، وعند محمد لا يصير مظاهرًا وينفذ حكم الحاكم.
قال في (الفتح) : وهذا مشكل لأن غاية أم مزنية الأب والابن أن تكون كأم زوجة الأب والابن ولا تحرم أم زوجة الأب ولا أم زوجة الابن على الأب انتهى.
وادعى في (البحر) أن التعبير يكون ما في (الدراية) غلط أو سبق قلم أولى من كونه مشكلاً فقط، وكأنه لأن المشكل يمكن الجواب عنه وهذا لا يمكن الجواب عنه وعندي أن الضمير يرجع في شبهها إلى الزاني المستفاد من الزنى وعليه فلا إشكال، إذ الخلاف المذكور إنما هو فيما إذا شبهها بالزاني وإكمال أدب الكمال دعاه إلى محض الإشكال والله الموفق، وفيها أيضًا أنت علي كظهر أختي من لبن الفحل لا يكون مظاهرًا كأن وضع على امرأة لها لبن من زوج له بنت من غير المرضعة فإن الرضيع بعد بلوغه لو شبه زوجته بهذه البنت لا يكون مظاهرًا.
قال في (الفتح) : كأنهم اتفقوا على تسويغ الاجتهاد فيها
أما إن أريد من حرم عليه الوطء، ودواعيه، بأنت عليَّ كظهر أمي حتى يكفر
فلو وطىء قبله استغفر ربه فقط، وعوده عزمه على ...
أرضعه نس الفحل فلا إشكال لكنه بعيد انتهى،
(بَابُ الظِّهَارِ) .
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(هُوَ تَشْبِيهُ الْمَنْكُوحَةِ بِمُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ) وَزَادَ فِي النِّهَايَةِ لَفْظَةَ اتِّفَاقًا لِيُخْرِجَ أُمَّ الْمَزْنِيِّ بِهَا وَبِنْتَهَا لِأَنَّهُ لَوْ شَبَّهَهَا بِهِمَا لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا وَعَزَاهُ إلَى شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ،
وَفِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ يَكُونُ مُظَاهِرًا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَاضِي إذَا قَضَى بِجَوَازِ نِكَاحِهِمَا يَنْفُذُ عِنْدَهُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ لَوْ قَبَّلَ امْرَأَةً وَلَمَسَهَا أَوْ نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ ثُمَّ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِابْنَتِهَا لَمْ يَكُنْ مُظَاهِرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْوَطْءَ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا، وَحُرْمَةَ الدَّوَاعِي غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مُقَابَلَةُ الظَّهْرِ بِالظَّهْرِ لِأَنَّهُمَا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا شَحْنَاءُ يَجْعَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ظَهْرَهُ إلَى ظَهْرِ الْآخَرِ.
.
وَشَرْطُهُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ مَنْكُوحَةً، وَالرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ حَتَّى لَا يَصِحَّ ظِهَارُ الذِّمِّيِّ وَرُكْنُهُ قَوْلُهُ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
وَحُكْمُهُ حُرْمَةُ الْوَطْءِ، وَالدَّوَاعِي إلَى وُجُودِ الْكَفَّارَةِ، وَكَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَرَّرَ الشَّرْعُ أَصْلَهُ، وَنَقَلَ حُكْمَهُ إلَى تَحْرِيمٍ مُؤَقَّتٍ بِالْكَفَّارَةِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
[ بَابُ الظِّهَارِ] (قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ هُوَ تَشْبِيهُ الْمَنْكُوحَةِ) احْتِرَازٌ عَنْ الْأَمَةِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ اهـ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ بِمُحَرَّمَةٍ) احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا لَمْ تَكُنْ حَرَامًا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُظَاهِرٍ كَمَا إذَا شَبَّهَ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ بِالْأُخْرَى عَلَى التَّأْبِيدِ وَاحْتِرَازٌ عَمَّا إذَا شَبَّهَ بِأُخْتِ امْرَأَتِهِ أَوْ بِمَجُوسِيَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ. اهـ. رَازِيٌّ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ عَلَى التَّأْبِيدِ) أَيْ كَالْأُمِّ وَالْأُخْتِ وَالْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ نَسَبٍ أَوْ مِنْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا شَحْنَاءُ) ضَبَطَهَا الشَّارِحُ بِالْقَلَمِ بِكَسْرِ الشِّينِ. اهـ.
(قَوْلُهُ وَالرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْكَفَّارَةِ وَإِلَخْ) وَأَهْلُهُ مَنْ كَانَ أَهْلًا لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ وَهُوَ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إلَخْ) فَيَقَعُ الظِّهَارُ بِهِ سَوَاءٌ وُجِدَتْ النِّيَّةُ أَوْ لَمْ تُوجَدْ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الظِّهَارِ
وَكَذَا إذَا شَبَّهَ بِعُضْوٍ شَائِعٍ أَوْ مُعَبَّرٍ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ كَمَا فِي الطَّلَاقِ اهـ أَتْقَانِيٌّ وَمِنْ شَرَائِطِهِ أَنْ يَكُونَ لِمَرْأَةٍ مُحَلَّلَةٍ بِالنِّكَاحِ لَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ حَتَّى لَوْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ أَوْ مُدَبَّرَتِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ لَا يَصْلُحُ لِأَنَّ حُكْمَ الظِّهَارِ ثَابِتٌ
بِخِلَافِ الْقِيَاسِ لِكَوْنِهِ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا فَاقْتَصَرَ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ قَالَ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ}. اهـ.
(قَوْلُهُ إلَى وُجُودِ الْكَفَّارَةِ) أَيْ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ النِّكَاحِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلْمُظَاهِرِ الْمُوَاقِعِ اسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَلَا تَعُدْ حَتَّى تُكَفِّرَ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ وَنُقِلَ حُكْمُهُ إلَى تَحْرِيمٍ مُوَقَّتٍ) أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ الظِّهَارُ مُزِيلًا لِلنِّكَاحِ كَالْحَيْضِ يَحْرُمُ بِهِ الْوَطْءُ إلَى وُجُودِ الطُّهْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزُولَ النِّكَاحُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ وَكَتَبَ مَا نَصُّهُ
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَهَذَا لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ لِكَوْنِهِ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا فَيُنَاسِبُ الْمُجَازَاةَ عَلَيْهَا بِالْحُرْمَةِ وَارْتِفَاعَهَا بِالْكَفَّارَةِ اهـ وَقَوْلُهُ وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى نَقْلِ حُكْمِ الظِّهَارِ إلَى تَحْرِيمٍ مُوَقَّتٍ بِالْكَفَّارَةِ بَيَانُهُ أَنَّ الظِّهَارَ جِنَايَةٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّاهُ فِي آيَةِ الظِّهَارِ مُنْكَرًا وَزُورًا قَالَ تَعَالَى {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} أَرَادَ بِالْمُنْكَرِ مَا تُنْكِرُهُ الْحَقِيقَةُ وَالشَّرْعُ وَبِالزُّورِ الْكَذِبَ وَالْبَاطِلَ فَنَاسَبَ أَنْ يُجَازِيَ بِثُبُوتِ الْحُرْمَةِ وَارْتِفَاعِ تِلْكَ الْحُرْمَةِ بِالْكَفَّارَةِ زَجْرًا لَهُ اهـ أَتْقَانِيٌّ قَوْلُهُ ابْنُ الصَّامِتِ) هُوَ أَخُو عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.