فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

البحر الرائقابن نجيم

(قَوْلُهُ: وَالْهِرَّةُ وَالدَّجَاجَةُ الْمُخَلَّاةُ وَسِبَاعُ الطَّيْرِ وَسَوَاكِنُ الْبُيُوتِ مَكْرُوهٌ) أَيْ سُؤْرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَكْرُوهٌ،

١٬٣٩٣

وَفِي التَّبْيِينِ وَإِعْرَابُهُ بِالرَّفْعِ أَجْوَدُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى وَيَعْنِي مِنْ السُّؤْرِ الْمَكْرُوهِ أَنَّهُ طَاهِرٌ لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَتَوَضَّأَ بِغَيْرِهِ اهـ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَكْرُوهَ إذَا أُطْلِقَ فِي كَلَامِهِمْ فَالْمُرَادُ مِنْهُ التَّحْرِيمُ إلَّا أَنْ يَنُصَّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ فَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى: لَفْظُ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُرَادُ بِهَا التَّحْرِيمُ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: قُلْت لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إذَا قُلْت فِي شَيْءٍ أَكْرَهُ فَمَا رَأْيُك فِيهِ قَالَ: التَّحْرِيمُ اهـ.

وَقَدْ صَرَّحُوا بِالْخِلَافِ فِي كَرَاهَةِ سُؤْرِ الْهِرَّةِ فَمِنْهُمْ كَالطَّحَاوِيِّ وَمَنْ مَالَ إلَى أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ نَظَرَ إلَى حُرْمَةِ لَحْمِهَا، وَمِنْهُمْ كَالْكَرْخِيِّ مَنْ مَالَ إلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ نَظَرًا إلَى أَنَّهَا لَا تَتَحَامَى النَّجَاسَةَ قَالُوا، وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْأَصْلِ،

١٬٣٩٤

فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ تَوَضَّأَ بِغَيْرِهِ أَحَبُّ إلَيَّ لَكِنْ صَرَّحَ بِالْكَرَاهَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَكَانَتْ لِلتَّحْرِيمِ لِمَا تَقَدَّمَ،

١٬٣٩٥

وَأَمَّا سُؤْرُ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ فَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ خِلَافًا فِي الْمُرَادِ مِنْ الْكَرَاهَةِ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَحَامَى النَّجَاسَةَ

١٬٣٩٦

وَكَذَا فِي سِبَاعِ الطَّيْرِ وَسَوَاكِنِ الْبُيُوتِ

١٬٣٩٧

أَمَّا سُؤْرُ الْهِرَّةِ فَظَاهِرُ مَا فِي شُرُوحِ الْهِدَايَةِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِسُؤْرِهَا وَظَاهِرُ مَا فِي الْمَنْظُومَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مُخَالِفٌ لَهُمَا مُسْتَدِلًّا بِمَا رُوِيَ عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي قَتَادَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَسَكَبَتْ لَهُ وُضُوءً فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ مِنْهُ فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ قَالَتْ كَبْشَةُ فَرَآنِي أَنْظُرُ إلَيْهِ فَقَالَ أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي فَقُلْت نَعَمْ قَالَ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَمَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي الْبَابِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ وَالنَّجَسُ بِفَتْحَتَيْنِ كُلُّ مَا يُسْتَقْذَرُ قَالَ النَّوَوِيُّ

١٬٣٩٨

أَمَّا لَفْظُ أَوْ الطَّوَّافَاتِ فَرُوِيَ بِأَوْ وَبِالْوَاوِ قَالَ صَاحِبُ مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلشَّكِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّقْسِيمِ وَيَكُونَ ذِكْرُ الصِّنْفَيْنِ مِنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحْتَمِلٌ

١٬٣٩٩

وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لِلنَّوْعَيْنِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الطَّوَّافُونَ الْخَدَمُ وَالْمَمَالِيكُ

١٬٤٠٠

وَقِيلَ هُمْ الَّذِينَ يَخْدُمُونَ بِرِفْقٍ وَعِنَايَةٍ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الطَّوَّافِينَ مِنْ الْخَدَمِ وَالصِّغَارِ الَّذِينَ سَقَطَ فِي حَقِّهِمْ الْحِجَابُ وَالِاسْتِئْذَانُ فِي غَيْرِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْعِشَاءِ وَحِينَ الظَّهِيرَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا سَقَطَ فِي حَقِّهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ لِلضَّرُورَةِ وَكَثْرَةِ مُدَاخَلَتِهِمْ

١٬٤٠١

بِخِلَافِ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ فَلِهَذَا يُعْفَى عَنْ الْهِرَّةِ لِلْحَاجَةِ اهـ.

وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي سُقُوطِ النَّجَاسَةِ، الْمُفَادِ بِالْحَدِيثِ بِعِلَّةِ الطَّوْفِ الْمَنْصُوصَةِ يَعْنِي أَنَّهَا تَدْخُلُ الْمَضَايِقَ وَلَازِمُهُ شِدَّةُ الْمُخَالَطَةِ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ صَوْنُ الْأَوَانِي مِنْهَا بَلْ صَوْنُ النَّفْسِ مُتَعَذِّرٌ فَلِلضَّرُورَةِ اللَّازِمَةِ مِنْ ذَلِكَ سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ إنَّمَا الْكَلَامُ بَعْدَ هَذَا فِي ثُبُوتِ الْكَرَاهَةِ فَإِنْ كَانَتْ الْكَرَاهَةُ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ كَمَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ لَمْ يَنْهَضْ بِهِ وَجْهٌ فَإِنْ قَالَ سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ فَبَقِيَتْ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ مُنِعَتْ الْمُلَازَمَةُ إذْ سُقُوطُ وَصْفٍ أَوْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ آخَرَ إلَّا بِدَلِيلٍ

١٬٤٠٢

وَالْحَاصِلُ أَنَّ إثْبَاتَ كُلِّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ يَسْتَدْعِي دَلِيلًا فَإِثْبَاتُ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ،

١٬٤٠٣

وَإِنْ كَانَتْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ عَلَى الْأَصَحِّ كَفَى فِيهِ أَنَّهَا لَا تَتَحَامَى النَّجَاسَةَ فَيُكْرَهُ كَمَاءٍ غَمَسَ الصَّغِيرُ يَدَهُ فِيهِ وَأَصْلُهُ كَرَاهَةُ غَمْسِ الْيَدِ فِي الْإِنَاءِ لِلْمُسْتَيْقِظِ قَبْلَ غَسْلِهَا نُهِيَ عَنْهُ فِي حَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ لِتَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ فَهَذَا أَصْلٌ صَحِيحٌ مُنْتَهِضٌ يَتِمُّ بِهِ الْمَطْلُوبُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى التَّمَسُّكِ بِالْحَدِيثِ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السِّنَّوْرُ سَبُعٌ» وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُرِدْ الْحَقِيقَةَ؛

لِأَنَّهُ مَا بُعِثَ لِبَيَانِ الْحَقَائِقِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الْحُكْمَ وَالْحُكْمُ أَنْوَاعٌ نَجَاسَةُ السُّؤْرِ وَكَرَاهَتُهُ وَحُرْمَةُ اللَّحْمِ ثُمَّ لَا يَخْلُو

١٬٤٠٤

إمَّا أَنْ يَلْحَقَ بِهِ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ قَوْلًا بِنَجَاسَةِ السُّؤْرِ مَعَ كَرَاهَتِهِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَوْ فِي حُرْمَةِ اللَّحْمِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا أَنَّهَا ثَابِتَةٌ بِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ أَوْ فِي كَرَاهَةِ السُّؤْرِ، وَهُوَ الْمَرَامُ أَوْ فِي نَجَاسَتِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَيْضًا إذْ النَّجَاسَةُ مُنْتَفِيَةٌ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ بِالْحَدِيثِ أَوْ بِالضَّرُورَةِ فَبَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ أَوْ فِي الْأَوَّلِ مَعَ الثَّانِي أَوْ فِي الْأَوَّلِ مَعَ الثَّالِثِ أَوْ فِي الثَّانِي مَعَ الثَّالِثِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَا مَرَّ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ هَذَا الْكَلَامُ أَنْ لَوْ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ وَارِدًا بَعْدَ تَحْرِيمِ السِّبَاعِ قُلْنَا حُرْمَةُ لَحْمِ السِّبَاعِ قَبْلَ وُرُودِ هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَخْلُو

١٬٤٠٥

إمَّا أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً أَوْ لَمْ تَكُنْ،

١٬٤٠٦

فَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً فَظَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ثَابِتَةً لَا تَكُونُ الْحُرْمَةُ مِنْ لَوَازِمِ كَوْنِهِ سَبُعًا فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ مَجَازًا عَنْهَا أَوْ نَقُولُ ابْتِدَاءً لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ حُرْمَةُ اللَّحْمِ مُرَادَةً مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ فِيهِ حَمْلَ كَلَامِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى الْإِعَادَةِ لَا عَلَى الْإِفَادَةِ سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْحَدِيثُ سَابِقًا أَوْ مَسْبُوقًا تَأَمَّلْ تَدْرِ اهـ.

فَثَبَتَ بِهَذَا كَرَاهَةُ سُؤْرِهَا وَيُحْمَلُ إصْغَاءُ أَبِي قَتَادَةَ الْإِنَاءَ عَلَى زَوَالِ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ بِأَنْ كَانَتْ بِمَرْأًى مِنْهُ فِي زَمَانٍ يُمْكِنُ فِيهِ غَسْلُهَا فَمَهَا بِلُعَابِهَا

١٬٤٠٧

وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَيُمْكِنُ كَوْنُهُ بِمُشَاهَدَةِ شُرْبِهَا مِنْ مَاءٍ كَثِيرٍ أَوْ مُشَاهَدَةِ قُدُومِهَا عَنْ غِيبَةٍ يَجُوزُ مَعَهَا ذَلِكَ فَيُعَارِضُ هَذَا التَّجْوِيزَ تَجْوِيزُ أَكْلِهَا نَجَسًا قُبَيْلَ شُرْبِهَا فَيُسْقِطُهُ فَتَبْقَى الطَّهَارَةُ دُونَ كَرَاهَةٍ؛ لِأَنَّهَا مَا جَاءَتْ إلَّا مِنْ ذَلِكَ التَّجْوِيزِ وَقَدْ سَقَطَ وَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي إطْلَاقُ كَرَاهَةِ أَكْلِ فَضْلِهَا وَالصَّلَاةِ إذَا لَحِسَتْ عُضْوًا قَبْلَ غَسْلِهِ كَمَا أَطْلَقَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرُهُ بَلْ يُقَيَّدُ بِثُبُوتِ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ،

١٬٤٠٨

فَأَمَّا لَوْ كَانَ زَائِلًا بِمَا قُلْنَا فَلَا وَقَدْ تَسَامَحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ حَيْثُ قَالَ: وَمِنْ الْوَاجِبِ عَلَى الْعَوَامّ أَنْ يَغْسِلُوا مَوَاضِعَ لَحْسِ الْهِرَّةِ إذَا دَخَلَتْ تَحْتَ لِحَافِهِمْ لِكَرَاهَةِ مَا أَصَابَهُ فَمُهَا، فَإِنَّا قَدَّمْنَا أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ تَنْزِيهِيَّةٌ وَتَرْكُ الْمَكْرُوهِ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ مُسْتَحَبٍّ لَا وَاجِبٌ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْوَاجِبِ الثَّابِتُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَرَاهَةَ أَكْلِ فَضْلِهَا تَنْزِيهًا إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْغَنِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى غَيْرِهِ

١٬٤٠٩

أَمَّا فِي حَقِّ الْفَقِيرِ فَلَا يُكْرَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالُوا إنَّ السُّؤْرَ الْمَكْرُوهَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ وُجُودِ غَيْرِهِ

١٬٤١٠

أَمَّا عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ فَلَا كَرَاهَةَ أَصْلًا.

وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ الْأَصْلَ فِي سُؤْرِ الْهِرَّةِ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ بِعِلَّةِ الطَّوَافِ يُفِيدُ أَنَّ سُؤْرَ الْهِرَّةِ الْوَحْشِيَّةِ نَجِسٌ،

١٬٤١١

وَإِنْ كَانَ النَّصُّ بِخِلَافِهِ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الطَّوَافُ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ إذَا كَانَتْ ثَابِتَةً بِالنَّصِّ وَعُرِفَ قَطْعًا أَنَّ الْحُكْمَ مُتَعَلِّقٌ بِهَا فَالْحُكْمُ يَدُورُ عَلَى وُجُودِهَا لَا غَيْرَ كَعَدَمِ حُرْمَةِ التَّأْفِيفِ لِلْوَالِدَيْنِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْوَلَدُ مَعْنَاهُ أَوْ اسْتَعْمَلَهُ بِجِهَةِ الْإِكْرَامِ ذَكَرَهُ فِي كَشْفِ الْأَسْرَارِ فِي بَحْثِ دَلَالَةِ النَّصِّ

١٬٤١٢

وَأَمَّا سُؤْرُ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ؛ فَلِأَنَّهَا تُخَالِطُ النَّجَاسَةَ فَمِنْقَارُهَا لَا يَخْلُو عَنْ قَذَرٍ

١٬٤١٣

وَكَذَا الْبَقَرُ الْجَلَّالَةُ وَالْإِبِلُ الْجَلَّالَةُ إلَّا أَنْ تَكُونَ مَحْبُوسَةً وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهَا فَقِيلَ هِيَ الَّتِي تُحْبَسُ فِي بَيْتٍ وَيُغْلَقُ بَابُهُ وَتُعْلَفُ هُنَاكَ لِعَدَمِ النَّجَاسَةِ عَلَى مِنْقَارِهَا لَا مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ وَلَا مِنْ حَيْثُ الِاعْتِبَارُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِدُ عَذِرَاتٍ غَيْرَهَا حَتَّى تَجُولَ فِيهَا، وَهِيَ فِي عَذِرَاتِ نَفْسِهَا لَا تَجُولُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ وَحُكِيَ عَنْ الْإِمَامِ الْحَاكِمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يُرِدْ بِكَوْنِهَا مَحْبُوسَةً أَنْ تَكُونَ مَحْبُوسَةً فِي بَيْتِهَا؛

لِأَنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَحْبُوسَةً تَجُولُ فِي عَذِرَاتِ نَفْسِهَا فَلَا يُؤْمَنُ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى مِنْقَارِهَا قَذَرٌ فَيُكْرَهُ كَمَا لَوْ كَانَتْ مُخَلَّاةً، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ تُحْبَسَ فِي بَيْتٍ لِتَسْمَنَ لِلْأَكْلِ فَيَكُونَ رَأْسُهَا وَعَلَفُهَا وَمَاؤُهَا خَارِجَ الْبَيْتِ فَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَجُولَ فِي عَذِرَاتِ نَفْسِهَا كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَاخْتَارَ الثَّانِيَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَغَيْرُهُ وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَالْحَقُّ أَنَّهَا لَا تَأْكُلُهُ بَلْ تُلَاحِظُ الْحَبَّ بَيْنَهُ فَتَلْتَقِطُهُ

١٬٤١٤

وَأَمَّا سُؤْرُ سِبَاعِ الطَّيْرِ كَالصَّقْرِ وَالْبَازِي فَالْقِيَاسُ نَجَاسَتُهُ لِنَجَاسَةِ لَحْمِهَا لِحُرْمَةِ أَكْلِهِ كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ حُرْمَةَ لَحْمِهَا،

١٬٤١٥

وَإِنْ اقْتَضَتْ النَّجَاسَةَ لَكِنَّهَا تَشْرَبُ بِمِنْقَارِهَا، وَهُوَ عَظْمٌ جَافٌّ طَاهِرٌ لَكِنَّهَا تَأْكُلُ الْمَيْتَاتِ وَالْجِيَفَ غَالِبًا فَأَشْبَهَ الدَّجَاجَةَ الْمُخَلَّاةَ فَأَوْرَثَ الْكَرَاهَةَ

١٬٤١٦

بِخِلَافِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ، فَإِنَّهَا تَشْرَبُ بِلِسَانِهَا وَهُوَ رَطْبٌ بِلُعَابِهَا الْمُتَوَلِّدِ مِنْ لَحْمِهَا، وَهُوَ نَجِسٌ فَافْتَرَقَا؛ وَلِأَنَّ فِي سِبَاعِ الطَّيْرِ ضَرُورَةً وَبَلْوَى، فَإِنَّهَا تَنْقَضُّ مِنْ الْهَوَاءِ فَتَشْرَبُ وَلَا يُمْكِنُ صَوْنُ الْأَوَانِي عَنْهَا خُصُوصًا فِي الْبَرَارِي وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ لِتَوَهُّمِ النَّجَاسَةِ فِي مِنْقَارِهَا لَا لِوُصُولِ لُعَابِهَا إلَى الْمَاءِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ مَحْبُوسَةً يُعْلَمُ لِصَاحِبِهَا أَنَّهُ لَا قَذَرَ فِي مِنْقَارِهَا لَا يُكْرَهُ التَّوَضُّؤُ بِسُؤْرِهَا وَاسْتَحْسَنَ الْمَشَايِخُ الْمُتَأَخِّرُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَأَفْتَوْا بِهَا كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي التَّجْنِيسِ يَجُوزُ أَنْ يُفْتَى بِهَا،

١٬٤١٧

وَأَمَّا سُؤْرُ سَوَاكِنِ الْبُيُوتِ كَالْحَيَّةِ وَالْفَأْرَةِ؛ فَلِأَنَّ حُرْمَةَ اللَّحْمِ أَوْجَبَتْ النَّجَاسَةَ لَكِنَّهَا سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ بِعِلَّةِ الطَّوَافِ وَبَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ وَالْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي. الْحَدِيثِ فِي الْهِرَّةِ مَوْجُودَةٌ بِعَيْنِهَا فِي سَوَاكِنِ الْبُيُوتِ وَهِيَ الطَّوْفُ فَيَثْبُتُ ذَلِكَ الْحُكْمُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهَا، وَهُوَ سُقُوطُ النَّجَاسَةِ وَتَثْبُتُ الْكَرَاهَةُ لِتَوَهُّمِهَا

١٬٤١٨

فَرْعٌ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ مَعَ حَمْلِ مَا سُؤْرُهُ مَكْرُوهٌ كَالْهِرَّةِ كَذَا فِي التَّوْشِيحِ نُكْتَةٌ قِيلَ سِتٌّ تُورِثُ النِّسْيَانَ سُؤْرُ الْفَأْرَةِ وَإِلْقَاءُ الْقَمْلَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ وَالْبَوْلُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَقَطْعُ الْقِطَارِ وَمَضْغُ الْعِلْكِ وَأَكْلُ التُّفَّاحِ وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَهُ حَدِيثًا لَكِنْ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ: إنَّهُ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ

منحة الخالقابن عابدين، حاشية على البحر الرائق

(قَوْلُهُ: ثُمَّ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُلْحَقَ بِهِ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ) أَيْ الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ نَجَاسَةُ السُّؤْرِ وَكَرَاهَتُهُ وَحُرْمَةُ اللَّحْمِ

(قَوْلُهُ: أَوْ فِي الْأَوَّلِ مَعَ الثَّانِي) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ

(قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي إطْلَاقُ كَرَاهَةِ أَكْلِ فَضْلِهَا إلَخْ)

٤٦٤

قَالَ فِي النَّهْرِ لَوْ خَرَجَ الْإِطْلَاقُ عَلَى قَوْلِ الطَّحَاوِيِّ لَكَانَ أَوْلَى، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَبِهِ يَسْتَغْنِي عَمَّا فِي الْبَحْرِ مِنْ حَمْله عَلَى التَّسَامُحِ أَوْ تَأْوِيلِ الْوَاجِبِ الثَّابِتِ اهـ وَنَحْوِهِ فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ. [الصَّلَاةُ مَعَ حَمْلِ مَا سُؤْرُهُ مَكْرُوهٌ كَالْهِرَّةِ]

(قَوْلُهُ: تُكْرَهُ الصَّلَاةُ مَعَ حَمْلِ مَا سُؤْرُهُ مَكْرُوهٌ إلَخْ) وَقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلَ صَفْحَةٍ أَنَّ الْكَرَاهَةَ إنَّمَا هِيَ عِنْدَ التَّوَهُّمِ فَرَاجِعْهُ لَكِنْ يُمْكِنُ الْفَرْقُ بَيْنَ سُؤْرِهَا وَحَمْلِهَا بِأَنَّ السُّؤْرَ فِيهِ ضَرُورَةٌ بِخِلَافِ الْحَمْلِ تَأَمَّلْ.

النهر الفائقعمر ابن نجيم

لا يتكلم على هذه المسألة.

تبيين الحقائقالزيلعي

(وَالْهِرَّةُ وَالدَّجَاجَةُ الْمُخْلَاةُ وَسِبَاعُ الطَّيْرِ وَسَوَاكِنُ الْبُيُوتِ مَكْرُوهٌ) أَيْ سُؤْرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَكْرُوهٌ وَإِعْرَابُهُ بِالرَّفْعِ أَجْوَدُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ قُبَيْلَ هَذَا

٢٧٦

أَمَّا كَرَاهِيَةُ سُؤْرِ الْهِرَّةِ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْهِرَّةُ سَبُعٌ» وَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ الْحُكْمِ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بُعِثَ لَهُ لَا لِبَيَانِ الصُّوَرِ، ثُمَّ قَالَ الطَّحَاوِيُّ كَرَاهَةُ سُؤْرِ الْهِرَّةِ لِحُرْمَةِ لَحْمِهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا إلَى التَّحْرِيمِ أَقْرَبُ كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْكَرَاهَةِ لَازِمٌ غَيْرُ عَارِضٍ وَقَالَ الْكَرْخِيُّ كَرَاهِيَتُهُ لِأَجْلِ أَنَّهَا لَا تَتَحَامَى النَّجَاسَةُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّنَزُّهِ وَهَذَا أَصَحُّ.

وَالْأَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ فِيهَا «إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» فَجَعَلَهَا كَالطَّوَّافِينَ عَلَيْنَا وَهُمْ الْمَمَالِيكُ أَيْ كَمَا سَقَطَ الِاسْتِئْذَانُ فِي حَقِّ مَنْ مَلَّكْته أَيْمَانَنَا بِعِلَّةِ الطَّوْفِ سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ فِي حَقِّ الْهِرَّةِ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ إذْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَرَجٌ، وَهُوَ مَدْفُوعٌ هَذَا إذَا كَانَ وَاجِدًا لِلْمَاءِ وَلَا يُكْرَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ لَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَى التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِهِ،

٢٧٧

وَيُكْرَهُ أَنْ تَلْحَسَ الْهِرَّةُ كَفَّ إنْسَانٍ ثُمَّ يُصَلِّيَ قَبْلَ غَسْلِهَا أَوْ يَأْكُلَ مِنْ بَقِيَّةِ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلَتْ مِنْهُ لِقِيَامِ رِيقِهَا بِذَلِكَ،

٢٧٨

وَلَوْ أَكَلَتْ فَأْرَةٌ فَشَرِبَتْ عَلَى فَوْرِهَا الْمَاءَ تَنَجَّسَ كَشَارِبِ الْخَمْرِ إذَا شَرِبَ الْمَاءَ عَلَى فَوْرِهِ وَلَوْ مَكَثَتْ سَاعَةً ثُمَّ شَرِبَتْ لَا يَتَنَجَّسُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِغَسْلِهَا فَاهَا بِلُعَابِهَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ نَجِسٌ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَا تَجُوزُ عِنْدَهُ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَأَبُو يُوسُفَ قِيلَ مَعَ مُحَمَّدٍ لِعَدَمِ الصَّبِّ، وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَهُ

٢٧٩

وَقِيلَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ.

وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الصَّبِّ لِلضَّرُورَةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا يَتَعَيَّنُ كَرَاهِيَةُ السُّؤْرِ أَنْ لَوْ انْحَصَرَتْ أَحْكَامُ السَّبُعِ فِيهَا قُلْنَا الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسِّبَاعِ ثَلَاثَةٌ نَجَاسَةُ السُّؤْرِ كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَكَرَاهِيَتُهُ كَسِبَاعِ الطَّيْرِ وَحُرْمَةِ اللَّحْمِ فَنَجَاسَةُ السُّؤْرِ لَا تُرَادُ إجْمَاعًا لِمَا رَوَيْنَا وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ»، وَحُرْمَةُ اللَّحْمِ لَا تُرَادُ إجْمَاعًا لِأَنَّهَا ثَابِتَةٌ بِنَهْيِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ فَثَبَتَتْ الْكَرَاهَةُ،

٢٨٠

وَأَمَّا كَرَاهَةُ سُؤْرِ الدَّجَاجَةِ الْمُخْلَاةِ فَلِعَدَمِ تَحَامِيهَا النَّجَاسَةَ وَهِيَ تَصِلُ مِنْقَارَهَا إلَى رِجْلَيْهَا وَيَلْحَقُ بِهَا الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ الْجَلَّالَةُ

٢٨١

وَأَمَّا كَرَاهِيَةُ سُؤْرِ سِبَاعِ الطَّيْرِ فَقَدْ قِيلَ هُوَ جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا؛ لِأَنَّ لَحْمَهَا حَرَامٌ كَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهَا تَشْرَبُ بِمِنْقَارِهَا وَهُوَ عَظْمٌ جَافٌّ

٢٨٢

بِخِلَافِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ فَإِنَّهَا تَشْرَبُ بِلِسَانِهَا، وَهُوَ رَطْبٌ بِلُعَابِهَا وَلِأَنَّ فِي سُؤْرِ سِبَاعِ الطَّيْرِ ضَرُورَةً وَعُمُومَ بَلْوَى فَإِنَّهَا تَنْقُضُ مِنْ عُلُوٍّ وَهَوَاءٍ فَلَا يُمْكِنُ صَوْنُ الْأَوَانِي عَنْهَا لَا سِيَّمَا فِي الْبَرَارِي فَأَشْبَهَتْ الْحَيَّةَ وَنَحْوَهَا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَا يَقَعُ مِنْهَا عَلَى الْجِيَفِ فَسُؤْرُهُ نَجِسٌ، وَمَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ الْمُذَكَّى لَا يُكْرَهُ سُؤْرُهُ،

٢٨٣

وَأَمَّا سُؤْرُ سَوَاكِنِ الْبَيْتِ فَلِلضَّرُورَةِ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا؛ لِأَنَّ لَحْمَهَا نَجِسٌ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ طَوْفَهَا أَلْزَمُ وَهُوَ الْعِلَّةُ فِي الْبَابِ لِسُقُوطِ النَّجَاسَةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ فِي الْهِرَّةِ «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ.»

قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

حاشية الشلبيالشلبي، حاشية على تبيين الحقائق

(قَوْلُهُ أَمَّا كَرَاهِيَةُ سُؤْرِ الْهِرَّةِ) عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصْغِي الْإِنَاءَ لِلْهِرَّةِ فَتَشْرَبُ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ» وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّوَضُّؤَ لَا يُنَافِي كَرَاهِيَةَ التَّنَزُّهِ لِأَنَّهُ لِلتَّشْرِيعِ أَوْ كَانَ عِنْدَ عَدَمِ مَاءٍ آخَرَ أَوْ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ لَحْمِهَا. اهـ. يَحْيَى

(قَوْلُهُ «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» ) سَيَأْتِي فِي بَابِ التَّلْبِيَةِ أَنَّ إنَّ هُنَا لِلتَّعْلِيلِ وَإِنْ كَانَتْ مَكْسُورَةً اهـ رُوِيَ بِالْوَاوِ وَالْمَقْصُودُ تَشْبِيهُ الْهِرَّةِ بِذُكُورِ الْخَدَمِ وَإِنَاثِهِمْ أَيْ الْمَمَالِيكِ وَالْجَوَارِي، وَإِنَّمَا جُعِلَتْ مِنْ الطَّوَّافِينَ وَهِيَ صِيغَةُ الْعُقَلَاءِ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهَا فِعْلُ الْعُقَلَاءِ وَهُوَ الطَّوَافُ، وَرُوِيَ بِأَوْ أَيْضًا وَهُوَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي. اهـ. يَحْيَى.

(قَوْلُهُ لِقِيَامِ رِيقِهَا بِذَلِكَ) قَالَ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ،

٢١٥

وَإِذَا ثَبَتَ كَرَاهَةُ سُؤْرِهَا يُكْرَهُ أَكْلُ مَا تَتَنَاوَلُهُ الْهِرَّةُ مِنْ الثَّرِيدِ وَمَا سَقَطَ مِنْهَا مِنْ قِطَعِ الْخُبْزِ وَنَحْوِ ذَلِكَ،

٢١٦

وَكَذَا إذَا لَحِسَتْ عُضْوًا لَا يُصَلِّي فِيهِ قَبْلَ الْغَسْلِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ لُعَابِهَا اهـ

٢١٧

قَالَ فِي الدِّرَايَةِ وَكَذَا لَوْ قَاءَ صَبِيٌّ عَلَى ثَدْيِ أُمِّهِ، ثُمَّ مَصَّهَا مِرَارًا أَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ أَوْ عُضْوَهُ نَجَاسَةٌ فَلَحِسَهَا بِلِسَانِهِ حَتَّى زَالَ أَثَرُهَا يَطْهُرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. اهـ. كَاكِيٌّ

(قَوْلُهُ، وَأَمَّا كَرَاهَةُ سُؤْرِ الدَّجَاجَةِ الْمُخْلَاةِ) أَيْ وَلَوْ كَانَتْ مَحْبُوسَةً لَمْ يُكْرَهْ، وَهِيَ أَنْ تُحْبَسَ فِي بَيْتٍ وَتُعْلَفَ هُنَاكَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفْتِشُ نَجَاسَةَ نَفْسِهَا عَادَةً وَلَا تَجِدُ غَيْرَهَا فَنَأْمَنُ عَنْ تَفْتِيشِ النَّجَاسَةِ،

٢١٨

وَقِيلَ أَنْ يُجْعَلَ لَهَا بَيْتٌ فَيَكُونُ رَأْسُهَا وَعَلَفُهَا وَمَاؤُهَا خَارِجَ الْبَيْتِ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ مِنْقَارُهَا إلَى مَا تَحْتَ قَدَمَيْهَا؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا تَفْتِشُ نَجَاسَةَ نَفْسِهَا فَهِيَ وَالْمُخْلَاةُ سَوَاءٌ اهـ كَافِي (قَوْلُهُ إنَّ طَوَافَهَا أَلْزَمُ) أَيْ مِنْ طَوَافِ الْهِرَّةِ؛ لِأَنَّ الْفَأْرَةَ تَدْخُلُ مَا لَا تَقْدِرُ الْهِرَّةُ دُخُولَهُ اهـ .

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.