أو لمرضٍ أو بردٍ أو خوف سبعٍ أو عدوٍّ أو عطشٍ أو فقد آلةٍ
الشروح عليها
(قَوْلُهُ: أَوْ لِمَرَضٍ) يَعْنِي يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْمَرَضِ وَأَطْلَقَهُ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي مِنْ قَوْلِهِ بِأَنْ يَخَافَ اشْتِدَادَ مَرَضِهِ لَوْ اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ فَعَلِمَ أَنَّ الْيَسِيرَ مِنْهُ لَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ إلَّا مَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ رُخْصَةٌ أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ وَدَفْعِ الْحَرَجِ، وَهُوَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ خَوْفِ الِاشْتِدَادِ وَالِامْتِدَادِ وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ أَنْ يَشْتَدَّ بِالتَّحَرُّكِ كَالْمَبْطُونِ أَوْ بِالِاسْتِعْمَالِ كَالْجُدَرِيِّ أَوْ كَأَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يُوَضِّئُهُ وَلَا يَقْدِرُ بِنَفْسِهِ اتِّفَاقًا،
وَإِنْ وَجَدَ خَادِمًا كَعَبْدِهِ وَوَلَدِهِ وَأَجِيرِهِ لَا يُجْزِيهِ التَّيَمُّمُ اتِّفَاقًا كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمُحِيطِ،
وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَ خَادِمِهِ مَنْ لَوْ اسْتَعَانَ بِهِ أَعَانَهُ وَلَوْ زَوْجَتَهُ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْمَبْسُوطِ وَالْبَدَائِعِ وَغَيْرُهُمَا وَنَقَلَ فِي التَّجْنِيسِ عَنْ شَيْخِهِ خِلَافًا بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ عَلَى قَوْلِهِ يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ وَعَلَى قَوْلِهِمَا لَا قَالَ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا كَانَ مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ أَوْ كَانَ فِي فِرَاشِهِ نَجَاسَةٌ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّحَوُّلِ مِنْهُ وَوَجَدَ مَنْ يُحَوِّلُهُ وَيُوَجِّهُهُ لَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَعَلَى هَذَا الْأَعْمَى إذَا وَجَدَ قَائِدًا لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ وَالْحَجُّ وَالْخِلَافُ فِيهِمَا مَعْرُوفٌ فَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَهُ لَا يُعْتَبَرُ الْمُكَلَّفُ قَادِرٌ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ؛
لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُعَدُّ قَادِرًا إذَا اخْتَصَرَ بِحَالَةٍ يَتَهَيَّأُ لَهُ الْفِعْلُ مَتَى أَرَادَ، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا إذَا بَذَلَ الِابْنُ الْمَالَ وَالطَّاعَةَ لِأَبِيهِ لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ،
وَكَذَا مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَهُوَ مُعْدَمٌ فَبَذَلَ لَهُ إنْسَانٌ الْمَالَ لِمَا قُلْنَا وَعِنْدَهُمَا تَثْبُتُ الْقُدْرَةُ بِآلَةِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ آلَةَ الْغَيْرِ صَارَتْ كَآلَتِهِ بِالْإِعَانَةِ، وَكَانَ حُسَامُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَخْتَارُ قَوْلَهُمَا وَالْفَرْقُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ بَيْنَ مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ وَبَيْنَ الْمَرِيضِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصَّلَاةِ، وَمَعَهُ قَوْمٌ لَوْ اسْتَعَانَ بِهِمْ فِي الْإِقَامَةِ وَالثَّبَاتِ جَازَ لَهُ الصَّلَاةُ قَاعِدًا أَنَّهُ يَخَافُ عَلَى الْمَرِيضِ زِيَادَةَ الْوَجَعِ فِي قِيَامِهِ، وَلَا يَلْحَقُهُ زِيَادَةُ الْوَجَعِ فِي الْوُضُوءِ اهـ.
مَا فِي التَّجْنِيسِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجِيرٌ لَكِنْ مَعَهُ مَا يَسْتَأْجِرُ بِهِ أَجِيرًا لَا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ قَلَّ الْأَجْرُ أَوْ كَثُرَ، فَإِنَّهُ قَالَ أَوْ عِنْدَهُ مِنْ الْمَالِ مِقْدَارُ مَا يَسْتَأْجِرُ بِهِ أَجِيرًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالْمَمْلُوكِ أَنَّ الْمَنْكُوحَةَ إذَا مَرِضَتْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوَضِّئَهَا وَأَنْ يَتَعَاهَدَهَا،
وَفِي الْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ الْوُضُوءَ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ يَعْنِي أَنَّ السَّيِّدَ لَمَّا كَانَ عَلَيْهِ تَعَاهُدَ الْعَبْدِ فِي مَرَضِهِ كَانَ عَلَى عَبْدِهِ أَنْ يَتَعَاهَدَهُ فِي مَرَضِهِ وَالزَّوْجَةُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَاهَدَهَا فِي مَرَضِهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا ذَلِكَ إذَا مَرِضَ فَلَا يُعَدُّ قَادِرًا بِفِعْلِهَا وَفِي الْمُبْتَغَى مَرِيضٌ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَحَدٌ يُوَضِّئُهُ إلَّا بِأَجْرٍ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ قَلَّ الْأَجْرُ أَوْ كَثُرَ وَقَالَا لَا يَتَيَمَّمُ إذَا كَانَ الْأَجْرُ رُبْعَ دِرْهَمٍ اهـ.
وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْجَوَازِ إذَا كَانَ قَلِيلًا
لَا إذَا كَانَ كَثِيرًا لِمَا عُرِفَ مِنْ مَسْأَلَةِ شِرَاءِ الْمَاءِ إذَا وَجَدَهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَبِقَوْلِنَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْأَصَحِّ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} وَالْمُرَادُ مِنْ الْوُجُودِ فِي الْآيَةِ الْقُدْرَةُ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْكَرْدَرِيُّ الْفَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا} لِلْعَطْفِ عَلَى الشَّرْطِ وَفِي {فَتَيَمَّمُوا} لِجَوَابِ الشَّرْطِ وَفِي {فَامْسَحُوا} لِتَفْسِيرِ التَّيَمُّمِ، وَهَذَا إذَا قَدَرَ الْمَرِيضُ عَلَى التَّيَمُّمِ
أَمَّا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أَيْضًا وَلَا عِنْدَهُ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّي عِنْدَهُمَا قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ رَأَيْت فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلْكَرْخِيِّ أَنَّ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إذَا كَانَ بِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ يُصَلِّي بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَلَا يَتَيَمَّمُ وَلَا يُعِيدُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ كَذَا فِي فَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ ذَكَرَهُ مِسْكِينٌ وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: أَوْ بَرْدٌ) أَيْ إنْ خَافَ الْجُنُبُ أَوْ الْمُحْدِثُ إنْ اغْتَسَلَ أَوْ تَوَضَّأَ أَنْ يَقْتُلَهُ الْبَرْدُ أَوْ يُمْرِضَهُ تَيَمَّمَ سَوَاءٌ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ أَوْ فِيهِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَتَيَمَّمُ فِيهِ كَذَا فِي الْكَافِي وَجَوَازُهُ لِلْمُحْدِثِ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخ
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمَا وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الْأَصَحِّ
قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَكَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ الْخَوْفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ وَهْمٍ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْوُضُوءِ عَادَةً اهـ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ جَوَازَهُ لِلْجُنُبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى تَسْخِينِ الْمَاءِ وَلَا عَلَى أُجْرَةِ الْحَمَّامِ فِي الْمِصْرِ وَلَا يَجِدُ ثَوْبًا يَتَدَفَّأُ فِيهِ، وَلَا مَكَانًا يَأْوِيهِ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْبَدَائِعِ وَشَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ، فَصَارَ الْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى قَدَرَ عَلَى الِاغْتِسَالِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لَا يُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ إجْمَاعًا وَقَالَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْبَرْدِ فِي الْمِصْرِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْخِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي هَذِهِ نَشَأَ عَنْ اخْتِلَافِ زَمَانٍ لَا بُرْهَانَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَجْرَ الْحَمَّامِ فِي زَمَانِهِمَا يُؤْخَذُ بَعْدَ الدُّخُولِ،
فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الثَّمَنِ دَخَلَ ثُمَّ تَعَلَّلَ بِالْعُسْرَةِ،
وَفِي زَمَانِهِ قَبْلَهُ فَيُعْذَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ بُرْهَانِيًّا بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِغَيْرِ الْوَاجِدِ قَبْلَ الطَّلَبِ مِنْ رَفِيقِهِ إذَا كَانَ لَهُ رَفِيقٌ فَعَلَى هَذَا يُقَيِّدُ مَنْعُهُمَا بِأَنْ يَتْرُكَ طَلَبَ الْمَاءِ الْحَارِّ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْمِصْرِ
أَمَّا إذَا طَلَبَ فَمُنِعَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا وَالظَّاهِرُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ إلَّا إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ أَوْ الشِّرَاءِ وَعِنْدَ انْتِفَاءِ هَذِهِ الْقُدْرَةِ يَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُفَصِّلْ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ثَمَنُ الْمَاءِ بَيْنَ إمْكَانِ أَخْذِهِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ بِالْحِيلَةِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لَا بَلْ أَطْلَقُوا جَوَازَ التَّيَمُّمِ إذْ ذَاكَ فَمَا أَطْلَقَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَجْرَ الْحَمَّامِ يُؤْخَذُ بَعْدَ الدُّخُولِ فَيَتَعَلَّلُ بِالْعُسْرَةِ بَعْدَهُ فِيهِ نَظَرٌ كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَلَا شَكَّ فِي هَذَا فِيمَا يَظْهَرُ؛
لِأَنَّهُ تَغْرِيرٌ لَمْ يَأْذَنْ الشَّرْعُ فِيهِ،
وَمَنْ ادَّعَى إبَاحَتَهُ فَضْلًا عَنْ تَعْيِينِهِ، فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُرَادَ الْمُحَقِّقِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ قَوْلِهِ لَيْسَ مَعَهُ مَالٌ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ غَائِبٌ أَيْضًا فَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ بِالنَّسِيئَةِ
أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَالٌ، وَلَهُ مَالٌ غَائِبٌ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ بِالنَّسِيئَةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ شَارِحُ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي تِلْمِيذُ الْمُحَقِّقِ وَفِي الْمُبْتَغَى بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَجِيرٌ لَا يَجِدُ الْمَاءَ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَجِدُهُ فِي نِصْفِ مِيلٍ لَا يُعْذَرُ فِي التَّيَمُّمِ،
وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُسْتَأْجِرُ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي ثُمَّ يُعِيدُ وَلَوْ صَلَّى صَلَاةً أُخْرَى، وَهُوَ يَذْكُرُ هَذِهِ تَفْسُدُ اهـ. (قَوْلُهُ: أَوْ خَوْفُ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ فَقْدِ آلَةٍ) يَعْنِي يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِهَذِهِ الْأَعْذَارِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مَعْدُومٌ مَعْنًى لَا صُورَةً
أَمَّا إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ عَدُوٌّ آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَهُ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ إذَا أَتَاهُ؛ فَلِأَنَّ إلْقَاءَ النَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ حَرَامٌ فَيَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَسَوَاءٌ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَفِي الْمُبْتَغَى وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ يَخَافُ عَلَيْهَا إنْ ذَهَبَ إلَى الْمَاءِ يَتَيَمَّمُ وَفِي التَّوْشِيحِ إذَا خَافَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى نَفْسِهَا بِأَنْ كَانَ الْمَاءُ عِنْدَ فَاسِقٍ أَوْ خَافَ الْمَدْيُونُ الْمُفْلِسُ مِنْ الْحَبْسِ بِأَنْ كَانَ صَاحِبُ الدَّيْنِ عِنْدَ الْمَاءِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَفَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِمَا الْأَسِيرُ فِي يَدِ الْعَدُوِّ إذَا مَنَعَهُ الْكَافِرُ عَنْ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ ثُمَّ يُعِيدُ إذَا خَرَجَ
وَكَذَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ إنْ تَوَضَّأْت حَبَسْتُك أَوْ قَتَلْتُك، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ يُعِيدُ كَالْمَحْبُوسِ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ لَمْ تَظْهَرْ فِي مَنْعِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ وَفِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ أَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَمَنَعَهُ إنْسَانٌ عَنْ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِوَعِيدٍ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيُصَلِّيَ ثُمَّ يُعِيدَ الصَّلَاةَ بَعْدَ مَا زَالَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ جَاءَ مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ فَلَا يُسْقِطُ فَرْضَ الْوُضُوءِ عَنْهُ اهـ.
فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْعُذْرَ إنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْعَبْدِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ ثُمَّ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ هَلْ هُوَ مِنْ اللَّهِ فَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ أَوْ هُوَ بِسَبَبِ الْعَبْدِ فَتَجِبُ الْإِعَادَةُ ذَهَبَ صَاحِبُ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ إلَى الْأَوَّلِ وَذَهَبَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ إلَى الثَّانِي وَاَلَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُ مَا فِي النِّهَايَةِ لِمَا نَقَلْنَاهُ مِنْ مَسْأَلَةِ مَنْعِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ بِوَعِيدٍ مِنْ الْحَبْسِ أَوْ الْقَتْلِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الْخَوْفُ لَا الْمَنْعُ الْحِسِّيُّ
وَكَذَا ظَاهِرُ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ التَّجْنِيسِ كَمَا لَا يَخْفَى لَكِنْ قَدْ يُقَالُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ مَا فِي النِّهَايَةِ وَالدِّرَايَةِ،
فَإِنَّ مَا فِي النِّهَايَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا حَصَلَ وَعِيدٌ مِنْ الْعَبْدِ نَشَأَ مِنْهُ الْخَوْفُ فَكَانَ هَذَا مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ وَمَا فِي الدِّرَايَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ وَعِيدٌ مِنْ الْعَبْدِ أَصْلًا بَلْ حَصَلَ خَوْفٌ مِنْهُ فَكَانَ هَذَا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَعِيدٌ بِدَلِيلِ أَنَّ صَاحِبَ الدِّرَايَةِ ذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْخَوْفِ فِي الْأَسِيرِ بِدَارِ الْحَرْبِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّ صَاحِبَ الدِّرَايَةِ نَصَّ عَلَى مُخَالَفَةِ مَا فِي النِّهَايَةِ كَمَا لَا يَخْفَى ثُمَّ بَعْدَ هَذَا رَأَيْت الْعَلَّامَةَ ابْنَ أَمِيرِ حَاجٍّ صَرَّحَ بِمَا فَهِمْته فَقَالَ وَتَحَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ الْخَوْفُ الَّذِي لَمْ يَنْشَأْ عَنْ وَعِيدٍ مِنْ قَادِرٍ عَلَيْهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْخَوْفِ مِنْ السَّبُعِ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا نُسِبَ هَذَا الْخَوْفُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ أَنَّ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْهُ تَعَالَى أَيْضًا خَلْقًا وَإِرَادَةً لِتَجَرُّدِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَنْ مُبَاشَرَةِ سَبَبٍ لَهُ مِنْ الْغَيْرِ فِي حَقِّ الْخَائِفِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ حُبِسَ فِي السَّفَرِ تَيَمَّمَ وَصَلَّى أَوْ لَا يُعِيدُ؛
لِأَنَّهُ انْضَمَّ عُذْرُ السَّفَرِ إلَى الْعُذْرِ الْحَقِيقِيِّ وَالْغَالِبُ فِي السَّفَرِ عَدَمُ الْمَاءِ فَتَحَقَّقَ الْعَدَمُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ اهـ.
وَأَمَّا الْمَاءُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ، فَإِنَّهُ مَشْغُولٌ بِحَاجَتِهِ وَالْمَشْغُولُ بِالْحَاجَةِ كَالْمَعْدُومِ وَعَطَشُ رَفِيقِهِ وَدَابَّتِهِ وَكَلْبِهِ لِمَاشِيَتِهِ أَوْ صَيْدِهِ فِي الْحَالِ أَوْ ثَانِي الْحَالِ كَعَطَشِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ رَفِيقَهُ الْمُخَالِطَ لَهُ أَوْ آخَرَ مِنْ أَهْلِ الْقَافِلَةِ،
فَإِنْ امْتَنَعَ صَاحِبُ الْمَاءِ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ وَهُنَاكَ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ لِلْعَطَشِ كَانَ لَهُ أَخْذُهُ مِنْهُ قَهْرًا وَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ،
فَإِنْ قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ إنْ كَانَ الْمَقْتُولُ صَاحِبَ الْمَاءِ فَدَمُهُ هَدَرٌ وَلَا قِصَاصَ فِيهِ وَلَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَةَ،
وَإِنْ كَانَ الْمُضْطَرُّ فَهُوَ مَضْمُونٌ بِالْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ،
وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَاءِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لِلْعَطَشِ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ،
فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ الْأَجْنَبِيُّ لِلْوُضُوءِ، وَكَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ،
وَلَا يَجُوزُ لِلْأَجْنَبِيِّ أَخْذُهُ مِنْهُ قَهْرًا كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ
وَكَذَا الْمَاءُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ لِلْعَجِينِ لِمَا قُلْنَا،
وَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِاتِّخَاذِ الْمَرَقَةِ لَا يَتَيَمَّمُ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الطَّبْخِ دُونَ حَاجَةِ الْعَطَشِ
وَأَمَّا جَوَازُهُ بِفَقْدِ الْآلَةِ فَلِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُجَدِّدْ لِوَا يَسْتَقِي بِهِ فَوُجُودُ الْبِئْرِ وَعَدَمُهَا سَوَاءٌ
وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُمْكِنَهُ إيصَالُ ثَوْبِهِ إلَيْهِ
أَمَّا إذَا أَمْكَنَهُ إيصَالُ ثَوْبِهِ وَيَخْرُجُ الْمَاءُ قَلِيلًا بِالْبَلَلِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مِنْدِيلٌ طَاهِرٌ لَا يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ، وَهَذَا يُوَافِقُ فُرُوعًا ذَكَرَهَا الشَّافِعِيَّةُ، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ بِئْرًا فِيهَا مَاءٌ وَلَا يُمْكِنُهُ النُّزُولُ إلَيْهِ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يُدْلِيهِ إلَّا ثَوْبُهُ أَوْ عِمَامَتُهُ لَزِمَهُ إدْلَاؤُهُ ثُمَّ يَعْصِرُهُ إنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَةُ الثَّوْبِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمَاءِ،
فَإِنْ زَادَ النَّقْصُ عَلَى ثَمَنِ الْمَاءِ تَيَمَّمَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى اسْتِئْجَارِ مَنْ يَنْزِلُ إلَيْهَا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَزِمَهُ وَلَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ، وَإِلَّا جَازَ بِلَا إعَادَةٍ،
وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبٌ إنْ شَقَّهُ نِصْفَيْنِ وَصَلَ إلَى الْمَاءِ، وَإِلَّا لَمْ يَصِلْ،
فَإِنْ كَانَ نَقْصُهُ بِالشَّقِّ لَا يَزِيدُ عَلَى ثَمَنِ الْمَاءِ وَثَمَنِ آلَةِ الِاسْتِقَاءِ لَزِمَهُ شَقُّهُ وَلَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ، وَإِلَّا جَازَ بِلَا إعَادَةٍ، وَهَذَا كُلُّهُ مُوَافِقٌ لِقَوَاعِدِنَا كَذَا فِي التَّوْشِيحِ وَالْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ مِنْ غَيْرِ لُحُوقِ ضَرَرٍ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ، وَمَا زَادَ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ ضَرَرٌ فَلَا يَلْزَمُهُ
بِخِلَافِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَفِي الْمُبْتَغَى بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ وَبِوُجُودِ آلَةِ التَّقْوِيرِ فِي نَهْرٍ جَامِدٍ تَحْتَهُ مَاءٌ لَا يَتَيَمَّمُ
وَقِيلَ يَتَيَمَّمُ وَفِي سَفَرِهِ جَمَدٌ أَوْ ثَلْجٌ وَمَعَهُ آلَةُ الذَّوْبِ لَا يَتَيَمَّمُ
وَقِيلَ يَتَيَمَّمُ اهـ.
وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا كَمَا لَا يَخْفَى وَفِي الْمُحِيطِ الْمَاءُ الْمَوْضُوعُ فِي الْفَلَاةِ فِي الْحُبِّ وَنَحْوِهِ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِلْوُضُوءِ غَالِبًا، وَإِنَّمَا وُضِعَ لِلشُّرْبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ كَثِيرًا فَيُسْتَدَلُّ بِكَثْرَتِهِ عَلَى أَنَّهُ وُضِعَ لِلشُّرْبِ وَالْوُضُوءِ جَمِيعًا اهـ.
وَكَذَا فِي التَّجْنِيسِ وَفَتَاوَى الْوَلْوَالِجِيِّ وَقَاضِي خَانْ وَالْحُبُّ بِضَمِّ الْحَاءِ الْخَابِيَةُ وَعَنْ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ أَنَّ الْمَوْضُوعَ لِلشُّرْبِ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ مِنْهُ وَالْمَوْضُوعُ لِلْوُضُوءِ لَا يُبَاحُ مِنْهُ الشُّرْبُ وَفِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فِي السَّفَرِ جُنُبٌ وَحَائِضٌ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ وَمَيِّتٌ وَمَعَهُمْ مِنْ الْمَاءِ قَدْرَ مَا يَكْفِي لِأَحَدِهِمْ إنْ كَانَ الْمَاءُ لِأَحَدِهِمْ فَهُوَ أَحَقُّ،
وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ لَهُمْ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَغْتَسِلَ،
وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مُبَاحًا فَالْجُنُبُ أَحَقُّ فَتَتَيَمَّمُ الْمَرْأَةُ وَيُيَمَّمُ الْمَيِّتُ وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْحَائِضِ مُحْدِثٌ يُصْرَفُ إلَى الْجُنُبِ اهـ.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ قَالَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ الْمَيِّتُ أَوْلَى
وَقِيلَ الْجُنُبُ أَوْلَى، وَهُوَ الْأَصَحُّ اهـ.
وَفِي الْمُحِيطِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَصْرِفَا نَصِيبَهُمَا إلَى غُسْلِ الْمَيِّتِ وَيَتَيَمَّمَا فِيمَا إذَا كَانَ مُشْتَرَكًا وَفِي التَّجْنِيسِ رَجُلٌ كَانَ فِي الْبَادِيَةِ وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا قُمْقُمَةٌ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فِي رَحْلِهِ وَقَدْ رَصَّصَ رَأْسَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا كَانَ لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الْعَطَشَ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ وَكَثِيرًا مَا يُبْتَلَى بِهِ الْحَاجُّ الْجَاهِلُ وَيَظُنُّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَالْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَهَبَهُ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَسْتَوْدِعُ مِنْهُ الْمَاءَ اهـ.
قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ إلَّا أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدِي، فَإِنَّهُ لَوْ رَأَى مَعَ غَيْرِهِ مَاءً يَبِيعُهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ بِغَبْنٍ يَسِيرٍ يَلْزَمُهُ الشِّرَاءُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ،
فَإِذَا تَمَكَّنَ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ كَيْفَ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ اهـ.
وَدَفَعَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الرُّجُوعَ تَمَلُّكٌ بِسَبَبٍ مَكْرُوهٍ، وَهُوَ مَطْلُوبُ الْعَدَمِ شَرْعًا فَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ الْمَاءُ مَعْدُومًا فِي حَقِّهِ كَذَلِكَ،
وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ حَقِيقَةً كَمَاءِ الْحُبِّ
بِخِلَافِ الْبَيْعِ اهـ.
وَقِيلَ الْحِيلَةُ فِيهِ أَنْ يَخْلِطَهُ بِمَاءِ الْوَرْدِ حَتَّى يُغَابَ عَلَيْهِ فَلَا يَبْقَى طَهُورًا كَذَا فِي التَّوْشِيحِ وَالْمَحْبُوسُ الَّذِي لَا يَجِدُ طَهُورًا لَا يُصَلِّي عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ ثُمَّ يُعِيدُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ تَشَبُّهًا بِالْمُصَلِّينَ قَضَاءً لِحَقِّ الْوَقْتِ كَمَا فِي الصَّوْمِ وَلَهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْأَدَاءِ لِمَكَانِ الْحَدَثِ فَلَا يَلْزَمُهُ التَّشَبُّهُ كَالْحَائِضِ وَبِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مُتَعَمِّدًا لَيْسَ بِكُفْرٍ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كُفْرًا لَمَا أَمَرَ أَبُو يُوسُفَ بِهِ
وَقِيلَ كُفْرٌ كَالصَّلَاةِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ الثَّوْبِ النَّجَسِ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ كَالْمُسْتَخِفِّ
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ الثَّوْبِ النَّجَسِ لَا يَكْفُرُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ أَدَاؤُهُ بِحَالٍ وَلَوْ صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مُتَعَمِّدًا يَكْفُرُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْرُمُ بِكُلِّ حَالٍ فَإِذَا صَلَّى بِغَيْرِ طَهَارَةٍ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ تَهَاوَنَ وَاسْتَخَفَّ بِأَمْرِ الشَّرْعِ فَيَكْفُرُ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ الْفَتَاوَى الظَّهِيرِيَّةِ أَنَّ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ إذَا كَانَ بِوَجْهِهِ جِرَاحَةٌ يُصَلِّي بِغَيْرِ طَهَارَةٍ وَلَا يَتَيَمَّمُ وَلَا يُعِيدُ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ فَكَانَتْ الصَّلَاةُ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ نَظِيرَ الصَّلَاةِ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ مَعَ الثَّوْبِ النَّجَسِ فَيَنْبَغِي التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ عَدَمُ التَّكْفِيرِ كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ: كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمُحِيطِ) عِبَارَتُهُ عَلَى مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة،
وَأَمَّا إذَا وَجَدَ أَحَدًا يُوَضِّئُهُ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الَّذِي يُوَضِّئُهُ حُرًّا فِي هَذَا الْوَجْهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ وَقَالَا لَا يُجْزِئُهُ الثَّانِي إذَا كَانَ الَّذِي يُوَضِّئُهُ مَمْلُوكًا لَهُ بِأَنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ أَمَةً لَا شَكَّ أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ،
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ وَذَكَرَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ عَنْ فَتَاوَى الْحُجَّةِ سُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَمَّنْ عَجَزَ بِنَفْسِهِ عَنْ الْوُضُوءِ قَالَ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ،
وَإِنْ كَانَ يَجِدُ مَنْ يُوَضِّئُهُ ثُمَّ
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ الْفَضْلِيُّ: هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ،
فَإِنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنْ لَا يَعْتَبِرَ الْمُكَلَّفَ قَادِرًا بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ
(قَوْلُهُ: لَا يَفْتَرِضُ عَلَيْهِ ذَلِكَ عِنْدَهُ) قَيَّدَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِمَا إذَا كَانَ الْمُعِينُ حُرًّا ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ بِمَا سَيَأْتِي وَذَكَرَ قَبْلَهُ إنْ كَانَ مَعَهُ أَحَدٌ يُعِينُهُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ إنْ كَانَ الْمُعِينُ حُرًّا أَوْ أَجْنَبِيًّا جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ،
فَإِنْ كَانَ الْمُعِينُ مَمْلُوكًا اخْتَلَفَتْ الْمَشَايِخُ فِيهِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَيْ
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَمَا مَرَّ قُلْت وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ لَا يُعْتَبَرُ قَادِرًا بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ الْمُرَادُ بِالْغَيْرِ غَيْرُ الْخَادِمِ وَكَأَنَّهُ لِوُجُوبِهِ عَلَى الْخَادِمِ اُعْتُبِرَ قَادِرًا بِهِ كَمَا يَأْتِي فِي الْفَرْقِ تَأَمَّلْ
(قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالْمَمْلُوكِ إلَخْ) لَا يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا وَجَدَ الزَّوْجَةَ أَوْ الْمَمْلُوكَ
(قَوْلُهُ: وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْجَوَازِ إذَا كَانَ قَلِيلًا إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ وَكَلَامُهُ يُعْطِي أَنَّ الْقَلِيلَ ثَمَنُ الْمِثْلِ وَالْكَثِيرُ مَا زَادَ عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيِّدَ بِذَلِكَ إطْلَاقَ مَا فِي التَّجْنِيسِ فَلَا يَلْزَمُ الِاسْتِئْجَارُ حَالَ وُجُودِ الْمَاءِ إذَا طَلَبَ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ اهـ.
أَقُولُ: وَهَذَا الَّذِي اسْتَظْهَرَهُ شَارِحُ الْمُنْيَةِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ أَخْذًا مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ كَلِمَتُهُمْ فِي مَاءِ الْوُضُوءِ إذَا كَانَ يُبَاعُ وَلَا يُوجَدُ مَجَّانًا.
(قَوْلُهُ: تَيَمَّمَ سَوَاءٌ كَانَ إلَخْ) لِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رُوِيَ عَنْ «رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ سَرِيَّةً وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَلَمَّا رَجَعُوا شَكَوْا مِنْهُ أَشْيَاءَ مِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهُمْ قَالُوا صَلَّى بِنَا، وَهُوَ جُنُبٌ فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْنَبْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَخِفْتُ عَلَى نَفْسِي الْهَلَاكَ لَوْ اغْتَسَلْتُ فَذَكَرْتُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: ٢٩] فَتَيَمَّمْتُ وَصَلَّيْتُ بِهِمْ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ أَلَا تَرَوْنَ صَاحِبَكُمْ كَيْفَ نَظَرَ لِنَفْسِهِ وَلَكُمْ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ» وَلَمْ يَسْتَفْسِرْ أَنَّهُ كَانَ فِي مَفَازَةٍ أَوْ مِصْرٍ وَعَلَّلَ بِعِلَّةٍ عَامَّةٍ، وَهُوَ خَوْفُ الْهَلَاكِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَصْوَبَ رَأْيَهُ وَالْحُكْمُ يَتَعَمَّمُ بِعُمُومِ الْعِلَّةِ اهـ حِلْيَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَجَوَازُهُ لِلْمُحْدِثِ قَوْلُ بَعْضِ الْمَشَايِخِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ أَيْ جَوَازُ التَّيَمُّمِ عِنْدَ خَوْفِ الْبَرْدِ لَهُ قَوْلُهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَاخْتَارَهُ فِي الْأَسْرَارِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي النَّهْرِ وَأَقُولُ: يُشْكِلُ عَلَى تَصْحِيحِ عَدَمِ الْجَوَازِ مَسْأَلَةُ الْمَسْحِ الْآتِيَةِ فِي بَابِهِ، وَهِيَ جَوَازُ التَّيَمُّمِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ إذَا خَافَ سُقُوطَ رِجْلِهِ مِنْ الْبَرْدِ كَمَا حَقَّقَهُ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الْهُمَامِ وَاخْتَارَهُ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ وَلَيْسَ هُوَ إلَّا تَيَمُّمُ الْمُحْدِثِ لِخَوْفِهِ عَلَى عُضْوِهِ فَحِينَئِذٍ يُتَّجَهُ اخْتِيَارُ قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَقَدْ ظَهَرَ بِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ إلَخْ أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ يَجُوزُ اتِّفَاقًا وَذَلِكَ؛
لِأَنَّ مِثْلَهُ مَدْفُوعٌ عَنَّا بِالنَّصِّ الشَّرِيفِ تَأَمَّلْ اهـ.
وَلَكِنْ سَيَأْتِي مِنْهُ فِي مَحَلِّهِ تَضْعِيفُ هَذَا التَّصْحِيحِ الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ الْهُمَامِ وَأَنَّ ظَاهِرَ الْمُتُونِ أَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَ خَوْفِ سُقُوطِ رِجْلِهِ مِنْ الْبَرْدِ هُوَ الْمَسْحُ لَا التَّيَمُّمُ وَسَتَطَّلِعُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى تَأْيِيدِنَا لَهُ بِالنُّقُولِ الصَّرِيحَةِ.
(قَوْلُهُ: يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ) أَقُولُ: إنْ كَانَ الْمَنْعُ مِنْ الْوُضُوءِ فَقَطْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الدُّرَرِ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ،
وَإِنْ كَانَ مِنْ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ مَعًا يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ فِي الصُّورَتَيْنِ إذَا زَالَ الْمَانِعُ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الدُّرَرِ لِلْعَلَّامَةِ نُوحٍ
(قَوْلُهُ: فَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ) وَبِهِ جَزَمَ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي شَرْحِ نُورِ الْإِيضَاحِ
(قَوْلُهُ: مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ إلَى الْأَوَّلِ) أَيْ إلَى كَوْنِهِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى
(قَوْلُهُ: صَاحِبُ النِّهَايَةِ إلَى الثَّانِي) أَيْ إلَى كَوْنِهِ مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ
(قَوْلُهُ: وَتَحَرَّرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَوْفِ مِنْ الْعَدُوِّ إلَخْ) وَيُلْحَقُ بِخَوْفِ الْعَدُوِّ وَالسَّبُعِ مَا هُوَ مِثْلُهُ كَخَوْفِ الْحَيَّةِ أَوْ النَّارِ لَكِنْ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ يَجِبُ الْإِعَادَةُ بِالْوُضُوءِ فِيمَا إذَا كَانَ خَائِفًا مِنْ عَدُوٍّ لِمَا أَنَّ الْعُذْرَ جَاءَ مِنْ قِبَلِ الْعِبَادِ، وَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ فَرْضِ الْوُضُوءِ كَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي التَّجْنِيسِ،
وَكَذَا الْمَحْبُوسُ فِي السِّجْنِ وَالْأَسِيرُ وَالْمُقَيَّدُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فِي الْإِعَادَةِ وَفِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي لَوْ صَلَّى بِالْإِيمَاءِ لِخَوْفِ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ طِينٍ لَا يُعِيدُ بِالْإِجْمَاعِ وَالْقَيْدُ إذَا صَلَّى قَاعِدًا يُعِيدُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. اهـ. ابْنُ مَلَكٍ عَلَى التُّحْفَةِ.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا كُلُّهُ مُوَافِقٌ لِقَوَاعِدِنَا) أَقُولُ: هُوَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ مَا مَرَّ عَنْ الْخُلَاصَةِ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: إنْ كَانَ نُقْصَانُ قِيمَةِ الْمِنْدِيلِ قَدْرَ دِرْهَمٍ يَتَيَمَّمُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَ الْمِنْدِيلَ
فَأَمَّا إذَا كَانَ النُّقْصَانُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ دِرْهَمٍ لَا يَتَيَمَّمُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَرَأَى مَنْ يَسْرِقُ مَالَهُ،
فَإِنْ كَانَ مِقْدَارَ دِرْهَمٍ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ،
وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَا يَقْطَعُ كَذَا هُنَا اهـ.
وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ قَرُبَ إلَى الْقَوَاعِدِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْمَاءَ يُبَاعُ يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ بِثَمَنِ الْمِثْلِ وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ وَلَكِنَّ الرُّجُوعَ إلَى الْمَنْقُولِ فِي الْمَذْهَبِ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ وَقَدْ ظَهَرَ لِي فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الشِّرَاءِ أَنَّ الشِّرَاءَ وَإِنْ كَثُرَتْ الْقِيمَةُ مُبَادَلَةٌ بِعِوَضٍ فَلَيْسَ فِيهِ إتْلَافُ مَالٍ
بِخِلَافِ إدْلَاءِ الْمِنْدِيلِ وَشَقِّهِ، فَإِنَّ فِيهِ إتْلَافَ مَالٍ بِلَا عِوَضٍ وَلَا ضَرُورَةَ دَاعِيَةً؛ لِأَنَّهُ حَيْثُ عُدِمَ الْمَاءُ يَعْدِلُ إلَى بَدَلِهِ، وَهُوَ التَّيَمُّمُ فَلَا يَرْتَكِبُ الْمَنْهِيَّ لِأَجْلِهِ تَأَمَّلْ وَقَدْ عَلَّلُوا عَدَمَ لُزُومِ الشِّرَاءِ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَمْ يُقَابِلْهَا عِوَضٌ فَلَا يَلْزَمُهُ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ شَرْعًا وَمِمَّا يُقَرُّ بِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبٌ نَجِسٌ وَلَا مَاءَ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ قَطْعُ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ مِنْهُ كَمَا سَيَأْتِي وَلَمْ يُفَصِّلُوا بَيْنَ كَوْنِهِ إذَا قُطِعَ يَنْتَقِصُ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْمَاءِ أَنْ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا أَوْ بِأَكْثَرَ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِلُزُومِ الضَّرَرِ بِلَا عِوَضٍ
(قَوْلُهُ: وَدَفَعَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَخْ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ أَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا يَكُونُ الرُّجُوعُ مَحْذُورًا إذَا كَانَ عَقْدُ الْهِبَةِ حَقِيقِيًّا
أَمَّا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحِيلَةِ فَلَا، إذْ الْمَوْهُوبُ لَهُ لَا يَتَأَدَّى مِنْ الرُّجُوعِ هُنَا أَصْلًا تَأَمَّلْ. اهـ.
قُلْت عَلَى أَنَّهُ سَيَأْتِي عَنْ الْوَافِي عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَيَطْلُبُهُ مِنْ رَفِيقِهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَ رَفِيقِهِ مَاءٌ فَظَنَّ أَنَّهُ إنْ سَأَلَهُ أَعْطَاهُ لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ،
وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا يُعْطِيهِ يَتَيَمَّمُ،
وَإِنْ شَكَّ فِي الْإِعْطَاءِ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ يُعِيدُ وَهُنَا إنْ لَمْ يَرْجِعْ بِهِبَتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَهُ لِوُجُودِ الظَّنِّ بِإِعْطَائِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَتَعَاهَدَا عَلَى أَنَّهُ إنْ سَأَلَهُ بَعْدَ الْهِبَةِ لَا يُعْطِيهِ تَتْمِيمًا لِلْحِيلَةِ تَأَمَّلْ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.