وبإكراهٍ
الشروح عليها
(قَوْلُهُ: وَبِإِكْرَاهٍ) أَيْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالزِّنَا بِإِكْرَاهٍ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْمُكْرِهُ السُّلْطَانَ أَوْ غَيْرَهُ
أَمَّا إذَا كَانَ الْمُكْرِهُ السُّلْطَانَ فَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ أَوَّلًا يَقُولُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ؛ لِأَنَّ الزِّنَا مِنْ الرَّجُلِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بَعْدَ انْتِشَارِ الْآلَةِ وَهَذَا آيَةُ الطَّوْعِ وَوَجْهُ قَوْلِهِ الْآخَرِ أَنَّ السَّبَبَ الْمُلْجِئَ قَائِمٌ ظَاهِرٌ أَوْ هُوَ قِيَامُ السَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ، وَالِانْتِشَارُ دَلِيلٌ مُحْتَمَلٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَمَا فِي النَّائِمِ فَلَا يَزُولُ الْيَقِينُ بِالْمُحْتَمَلِ،
وَأَمَّا إذَا أَكْرَهَهُ غَيْرُ السُّلْطَانِ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَا لَا يُحَدُّ لِتَحَقُّقِ الْإِكْرَاهِ مِنْ غَيْرِ سُلْطَانٍ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ خَوْفُ الْهَلَاكِ وَيَتَحَقَّقُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَهُ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِ لَا يَدُومُ إلَّا نَادِرًا لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الِاسْتِغَاثَةِ بِالسُّلْطَانِ وَبِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَيُمْكِنُهُ دَفْعُ شَرِّهِ بِنَفْسِهِ بِالسِّلَاحِ، وَالنَّادِرُ لَا حُكْمَ لَهُ فَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ
بِخِلَافِ السُّلْطَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِغَاثَةُ بِغَيْرِهِ وَلَا الْخُرُوجُ بِالسِّلَاحِ عَلَيْهِ قَالُوا: هَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْ فِي زَمَنِ أَبِي حَنِيفَةَ لِغَيْرِ السُّلْطَانِ مِنْ الْقُوَّةِ مَا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا بِالسُّلْطَانِ وَفِي زَمَنِهِمَا ظَهَرَتْ الْقُوَّةُ لِكُلِّ مُتَغَلِّبٍ فَيُفْتَى بِقَوْلِهِمَا كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ فَلِذَا أَطْلَقَ فِي الْمُخْتَصَرِ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(و) لا يجب أيضا (بإكراه) فيه إيماء إلى أن الإكراه عليه يتحقق وهذا ما رجع إليه الإمام وكان أولا يقول: إن الرجل يحد لأنه لا يتصور إلا بانتشار الآلة وهو آية الطواعية فافترق بالإكراه ما ينفيه قبل تحقق الفعل المكره عليه
بخلاف المرأة إذ ليس معها دليل الطواعية فلم تحد إجماعا قلنا: السبب المجني إلى الفعل قائم ظاهر والانتشار لا يستلزم الطواعية بل محتمل له إذ يكون معه ويكون طبعا لقوة الفحولية وقد يكون لريح حتى يوجد من النائم فلا يترك أمر اليقين إلى المحتمل، نعم هو عنده خاص بالسلطان ولو بأمر منه كما في (جامع الأصولين) فيحد بإكراه غيره وقالا: لا يحد لتحققه من غيره.
قالوا: هذا اختلاف عصر ففي زمنه لم يكن لغيره من القوة مما لا يمكن دفعه وكانت في زمنهما لكل متغلب ولا يسمى في زماننا فيفتى بقولهما
(وَبِإِكْرَاهٍ) أَيْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِالزِّنَا بِإِكْرَاهٍ وَهَذَا إذَا أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَوَّلًا يَقُولُ يَجِبُ الْحَدُّ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِأَنَّ الزِّنَا مِنْ الرَّجُلِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ انْتِشَارِ الْآلَةِ وَذَلِكَ دَلِيلُ الِاخْتِيَارِ وَالطَّوَاعِيَةِ فَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ
بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ حَيْثُ لَا تُحَدُّ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا دَلِيلُ الِاخْتِيَارِ وَلِأَنَّهَا مُرَخَّصٌ لَهَا هَذَا الْفِعْلُ إذَا خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا لِكَوْنِ نَسَبِ الْوَلَدِ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا وَلِهَذَا يُوجِبُ الْقَاصِرُ مِنْ الْإِكْرَاهِ فِي حَقِّهَا شُبْهَةً وَلَا عُقُوبَةَ فِي الْمُرَخَّصِ
بِخِلَافِ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَخَّصٍ لَهُ فَيُمْكِنُ تَرْتِيبُ الْعُقُوبَةِ عَلَى فِعْلِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ لَا يُحَدُّ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلزَّجْرِ وَهُوَ مُنْزَجِرٌ وَإِنَّمَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ لِيَدْفَعَ الْهَلَاكَ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يُحَدُّ كَالْمَرْأَةِ وَانْتِشَارُ الْآلَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِيَارِ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ طَبْعًا كَمَا يَكُونُ طَوْعًا أَلَا تَرَى أَنَّ النَّائِمَ قَدْ تَنْتَشِرُ آلَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ وَاخْتِيَارٌ وَإِنْ أَكْرَهَهُ غَيْرُ السُّلْطَانِ حُدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَعِنْدَهُمَا لَا يُحَدُّ لِتَحَقُّقِ الْإِكْرَاهِ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ خَوْفُ التَّلَفِ وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ قَادِرٍ وَقَادِرٍ بَلْ فِي غَيْرِ السُّلْطَانِ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى عَجَلَةٍ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ فَيَسْتَعْجِلُ قَبْلَ ظُهُورِ الْأَمْرِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْإِكْرَاهَ مِنْ غَيْرِهِ لَا يَدُومُ إلَّا نَادِرًا لِأَنَّ الْمُبْتَلَى بِهِ يَسْتَغِيثُ بِالسُّلْطَانِ أَوْ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ بِالسِّلَاحِ أَوْ بِالْحِيَلِ وَهَذَا اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ لَا اخْتِلَافُ حُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ فَكَانَ فِي زَمَنِهِ لِلسُّلْطَانِ قُوَّةٌ وَلَا يَسْتَجْرِئُ أَحَدٌ عَلَى الِاجْتِمَاعِ عَلَى الْفَسَادِ وَفِي زَمَنِهِمَا ظَهَرَتْ قُوَّةُ الْمُفْسِدِينَ فَأَفْتَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى مَا شَاهَدَ فِي زَمَنِهِ وَزَمَانُنَا كَزَمَانِهِمَا أَوْ أَفْسَدُ فَيُفْتَى بِقَوْلِهِمَا وَلِذَا أَطْلَقَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالسُّلْطَانِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ) أَيْ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ. اهـ. فَتْحٌ
(قَوْلُهُ أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا) أَيْ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْقَتْلِ. اهـ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ طَبْعًا) أَيْ لِقُوَّةِ الْفُحُولِيَّةِ وَقَدْ يَكُونُ لِرِيحٍ تَسْفُلُ إلَى الْحُجْرَةِ اهـ فَتْحٌ قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَبِإِقْرَارٍ) أَيْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ اهـ
قَالَ فِي الْهِدَايَةِ وَمَنْ أَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ أَنَّهُ زَنَى بِفُلَانَةَ وَقَالَتْ هِيَ تَزَوَّجَنِي أَوْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا وَقَالَ الرَّجُلُ تَزَوَّجْتهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ فِي ذَلِكَ قَالَ الْأَتْقَانِيُّ أَيْ فِيمَا إذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ وَادَّعَتْ الْمَرْأَةُ النِّكَاحَ وَفِيمَا إذَا أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ وَادَّعَى الرَّجُلُ النِّكَاحَ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ بِالْإِقْرَارِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ لِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَإِنَّمَا الْإِقْرَارُ الْمُوجِبُ لِلْحَدِّ هُوَ الَّذِي يَتَكَرَّرُ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ مَجَالِسِ الْمُقِرِّ كُلَّمَا أَقَرَّ يَرُدُّهُ الْقَاضِي إلَى أَنْ يَعُودَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ثُمَّ إذَا أَقَرَّ أَحَدُهُمَا هَكَذَا أَوْ سَأَلَ الْقَاضِي عَنْ الزِّنَا مَا هُوَ وَكَيْفَ هُوَ وَمَتَى هُوَ وَأَيْنَ هُوَ وَادَّعَى الْآخَرُ النِّكَاحَ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُمَا
وَيَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ الْعُقْرَ وَذَلِكَ لِأَنَّ دَعْوَى النِّكَاحِ تَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَصَارَ احْتِمَالُ الصِّدْقِ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْحَدِّ عَنْ الْمُدَّعِي فَإِذَا سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ سَقَطَ عَنْ الْآخَرِ أَيْضًا لِأَنَّ النِّكَاحَ إذَا وُجِدَ قَامَ بِالطَّرَفَيْنِ فَتَعَدَّتْ الشُّبْهَةُ إلَى جَانِبِ الْآخَرِ ثُمَّ لَمَّا سَقَطَ الْحَدُّ وَجَبَ الْعُقْرُ بِأَنَّهُ لِخَطَرِ الْمَحِلِّ لَكِنَّ هَذَا فِيمَا إذَا كَانَتْ دَعْوَى النِّكَاحِ قَبْلَ أَنْ يُحَدَّ الْمُقِرُّ فَإِذَا كَانَتْ دَعْوَى النِّكَاحِ بَعْدَ الْحَدِّ فَلَا مَهْرَ لَهَا لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يُنْقَضُ بَعْدَ الْإِقَامَةِ
قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَإِنْ لَمْ تَدَّعِ الْمَرْأَةُ النِّكَاحَ وَأَنْكَرَتْ وَادَّعَتْ عَلَى الرَّجُلِ حَدَّ الْقَذْفِ يُحَدُّ الرَّجُلُ حَدَّ الْقَذْفِ وَلَا يُحَدُّ حَدَّ الزِّنَا ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ سُقُوطَ الْحَدِّ وَوُجُوبَ الْمَهْرِ فِيمَا إذَا ادَّعَى غَيْرُ الْمُقِرِّ النِّكَاحَ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ خِلَافٌ
أَمَّا إذَا أَقَرَّ أَحَدُهُمَا وَنَفَى الْآخَرُ الزِّنَا وَلَمْ يَدَّعِ النِّكَاحَ فَفِيهِ خِلَافٌ قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَنَّهُ زَنَى بِفُلَانَةَ وَقَالَتْ كَذَبَ مَا زَنَى بِي وَلَا أَعْرِفُهُ لَمْ يُحَدَّ الرَّجُلُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ يُحَدُّ وَإِنْ قَالَتْ زَنَى بِي مُسْتَكْرَهَةً حُدَّ الرَّجُلُ دُونَهَا وَإِنْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَنَّ هَذَا زَنَى بِهَا وَكَذَّبَهَا الرَّجُلُ لَمْ تُحَدَّ الْمَرْأَةُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ تُحَدُّ وَإِنْ قَالَ الرَّجُلُ صَدَقَتْ حُدَّتْ الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُحَدَّ الرَّجُلُ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً إلَى هُنَا لَفْظُ الشَّارِحِ اهـ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.