ولو شهدوا على زنا امرأةٍ وهي بكرٌ أو والشّهود فسقةٌ أو شهدوا على شهادة أربعةٍ وإن شهد الأصول أيضًا لم يحدّ أحدٌ
الشروح عليها
(قَوْلُهُ: وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى زِنَا امْرَأَةٍ وَهِيَ بِكْرٌ أَوْ الشُّهُودُ فَسَقَةٌ أَوْ شَهِدُوا عَلَى شَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ، وَإِنْ شَهِدَ الْأُصُولُ لَمْ يُحَدَّ أَحَدٌ) بَيَانُ الثَّلَاثِ مَسَائِلَ لَا حَدَّ فِيهَا الْأُولَى: لَوْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِفُلَانَةَ فَوُجِدَتْ فُلَانَةُ بِكْرًا بِقَوْلِ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يَتَحَقَّقُ مَعَ بَقَاءِ الْبَكَارَةِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا لِظُهُورِ الْكَذِبِ وَلَا عَلَى الشُّهُودِ؛ لِأَنَّ سُقُوطَهُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ وَشَهَادَتِهِنَّ حُجَّةٌ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي إيجَابِهِ
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَوُجِدَ مَجْبُوبًا أَوْ شَهِدُوا عَلَيْهَا بِالزِّنَا فَوُجِدَتْ رَتْقَاءَ أَوْ قَرْنَاءَ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى أَحَدٍ لِمَا ذَكَرْنَا وَأَطْلَقَ فِي قَوْلِهِ وَهِيَ بِكْرٌ فَشَمِلَ مَا إذَا ثَبَتَتْ بَكَارَتُهَا بِقَوْلِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ
وَكَذَا فِي الرَّتْقِ، وَالْقَرْنِ وَكُلِّ مَا يُعْمَلُ فِيهِ بِقَوْلِ النِّسَاءِ كَذَا فِي كَافِي الْحَاكِمِ الثَّانِيَةُ لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ فَسَقَةٌ بِالزِّنَا لِاشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فَلَمْ يَثْبُتْ الزِّنَا فَلَا حَدَّ وَلَا حَدَّ عَلَى الشُّهُودِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ مِنْ أَهْلِ الْأَدَاءِ، وَالتَّحَمُّلِ،
وَإِنْ كَانَ فِي أَدَائِهِ نَوْعُ قُصُورٍ لِتُهْمَةِ الْفِسْقِ وَلِهَذَا لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِ يَنْفُذُ عِنْدَنَا فَيَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمْ شُبْهَةُ الزِّنَا فَسَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُمْ وَأَطْلَقَ فِي الْفَسَقَةِ فَشَمِلَ مَا إذَا عُلِمَ فِسْقُهُمْ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْ ظَهَرَ فِسْقُهُمْ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِسُقُوطِ الْحَدِّ عَنْ الشُّهُودِ الْفَسَقَةِ إلَى أَنَّ الْقَاذِفَ لَوْ أَقَامَ أَرْبَعَةً مِنْ الْفُسَّاقِ عَلَى أَنَّ الْمَقْذُوفَ قَدْ زَنَى يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ قَالُوا
بِخِلَافِ الْقَاتِلِ حَيْثُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَتْلُ بِإِقَامَةِ الشُّهُودِ الْفَسَقَةِ عَلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ قَدْ عَفَوْا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَوَدِ بِالْقَتْلِ مُتَيَقَّنٌ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالشَّكِّ، وَالِاحْتِمَالِ وَحْدُ الْقَذْفِ لَمْ يَجِبْ بِالْقَذْفِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ بِالْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَتَمَامُهُ فِي التَّبْيِينِ الثَّالِثَةُ لَوْ شَهِدُوا عَلَى شَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ فَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ لَا تَجُوزُ فِي الْحُدُودِ لِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ الشُّبْهَةِ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْكَذِبِ فِيهَا مِنْ مَوْضِعَيْنِ فِي شَهَادَةِ الْأُصُولِ وَفِي شَهَادَةِ الْفُرُوعِ وَلَا حَدَّ عَلَى الْفُرُوعِ؛
لِأَنَّ الْحَاكِيَ لِلْقَذْفِ لَا يَكُونُ قَاذِفًا
وَكَذَا لَا حَدَّ عَلَى الْأُصُولِ بِالْأَوْلَى،
فَإِذَا شَهِدَ الْفُرُوعُ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ ثُمَّ جَاءَ الْأُصُولُ بَعْدَ ذَلِكَ وَشَهِدُوا عَلَى مُعَايَنَةِ ذَلِكَ الزِّنَا بِعَيْنِهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ وَلَمْ يُحَدُّوا أَيْضًا وَهُوَ الْمُرَادُ
بِقَوْلِهِ: وَإِنْ شَهِدَ الْأُصُولُ لَمْ يُحَدَّ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأُصُولِ قَدْ رُدَّتْ مِنْ وَجْهٍ بِرَدِّ شَهَادَةِ الْفُرُوعِ قُيِّدَ بِالْحَدِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رُدَّتْ شَهَادَةُ الْفُرُوعِ فِي الْأَمْوَالِ،
فَإِنَّ شَهَادَةَ الْأُصُولِ بَعْدَهُ مَقْبُولَةٌ لِثُبُوتِ الْمَالِ مَعَ الشُّبْهَةِ دُونَ الْحَدِّ وَلَوْ رُدَّتْ شَهَادَةُ الْأُصُولِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْأُصُولِ وَلَا الْفُرُوعِ بَعْدَهُ أَبَدًا فِي كُلِّ شَيْءٍ إنْ رُدَّتْ لِتُهْمَةٍ مَعَ بَقَاءِ الْأَهْلِيَّةِ،
وَإِنْ رُدَّتْ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ كَالْعَبِيدِ، وَالْكَفَّارِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَالْإِسْلَامِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ كَذَا فِي التَّبْيِينِ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(ولو شهدوا على زنا امرأة وهي) أي: والحال أنها (بكر) أو رتقاء أو قرناء (أو) كان (الشهود فسقة أو شهدوا على شهادة أربعة وإن شهد الأصول) بعد ذلك (لم يحد أحد) ،
أما في الأولى فلظهور كذب الشهود وهذا لأن شهادة النساء بها حجة في إسقاط الحد وإن لم تكن حجة في إيجابه والواحدة تكفي، كما في (كافي) الحاكم،
وفي كلامه إيماء إلى أنهم شهدوا عليه بالزنا فوجد مجبوبا فلا حد أيضا،
وأما في الثانية فلا انتفاء الزنا لانتفاء العدالة،
وأما في الثلاثة فلامتناع الشهادة على الشهادة في الحدود لما فيها من زيادة الشبهة وشهادة الأصول قد ردت من وجه برد شهادة الفروع، قال الشارح: هذا في الحدود،
وأما الأموال فتقبل ولو ردت شهادة الأصول لم تقبل شهادة الفروع ولا الأصول بعده في كل شيء إن ردت لتهمة مع الأهلية،
وإن ردت لعدمها تقبل بعد ثبوتها كالعتق والإسلام والله الموفق.
(وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى زِنَا امْرَأَةٍ وَهِيَ بِكْرٌ أَوْ وَالشُّهُودُ فَسَقَةٌ أَوْ شَهِدُوا عَلَى شَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ وَإِنْ شَهِدَ الْأُصُولُ أَيْضًا لَمْ يُحَدَّ أَحَدٌ) يَعْنِي لَمْ يُحَدَّ الزَّانِيَانِ وَلَا الشُّهُودُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا
أَمَّا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فَلِأَنَّ الزِّنَا لَا يَتَحَقَّقُ مَعَ الْبَكَارَةِ فَظَهَرَ كَذِبُهُمْ بِيَقِينٍ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا وَلَا عَلَى الشُّهُودِ وَلِأَنَّ عَدَدَهُمْ مُتَكَامِلٌ وَإِنَّمَا سَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُمَا بِقَوْلِ النِّسَاءِ إنَّهَا بِكْرٌ وَقَوْلُهُنَّ حُجَّةٌ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ لَا فِي إيجَابِهِ
وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا وَهُوَ مَجْبُوبٌ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ لِظُهُورِ كَذِبِهِمْ وَلَا يُحَدُّ الشُّهُودُ أَيْضًا لِتَكَامُلِ عَدَدِهِمْ وَلَفْظِ الشَّهَادَةِ صُورَةً وَلِأَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ لِدَفْعِ الْعَارِ عَنْ الْمَقْذُوفِ فِي مَوْضِعِ التُّهْمَةِ وَهُنَا لَا يَلْحَقُهُ الْعَارُ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ وَنَظِيرُهُ إذَا شَهِدُوا عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَا فَوُجِدَتْ رَتْقَاءَ لَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهِمَا وَلَا عَلَى الشُّهُودِ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْبِكْرِ وَالْمَجْبُوبِ
وَأَمَّا إذَا كَانَ الشُّهُودُ فَسَقَةً فَلِأَنَّ الْفَاسِقَ مِنْ أَهْلِ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ وَإِنْ كَانَ فِي أَدَائِهِ نَوْعُ قُصُورٍ لِتُهْمَةِ الْكَذِبِ وَلِهَذَا لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِ يَنْفُذُ عِنْدَنَا لِمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ فَيَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمْ الزِّنَا مِنْ وَجْهٍ بِاعْتِبَارِ الْأَهْلِيَّةِ وَلَا يَثْبُتُ مِنْ وَجْهٍ بِاعْتِبَارِ الْقُصُورِ فَيَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِمَا بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الثُّبُوتِ وَيَسْقُطُ عَنْ الشُّهُودِ بِاعْتِبَارِ الثُّبُوتِ وَلِهَذَا لَوْ أَقَامَ الْقَاذِفُ أَرْبَعَةً مِنْ الْفُسَّاقِ عَلَى أَنَّ الْمَقْذُوفَ قَدْ زَنَى يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ
بِخِلَافِ الْقَاتِلِ حَيْثُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَوَدُ بِإِقَامَةِ الشُّهُودِ الْفَسَقَةِ عَلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَ الْمَقْتُولِ قَدْ عَفَوْا لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَوَدِ بِالْقَتْلِ مُتَيَقَّنٌ بِهِ فَلَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ وَالِاحْتِمَالِ وَحَدُّ الْقَذْفِ لَمْ يَجِبْ بِالْقَذْفِ وَإِنَّمَا يَجِبُ بِالْعَجْزِ عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَهُ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ} الْآيَةَ عَطَفَهُ عَلَى الشَّرْطِ وَالْمَعْطُوفُ عَلَى الشَّرْطِ شَرْطٌ فَكَانَ الْعَجْزُ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ
وَأَمَّا الْقَوَدُ فَمُرَتَّبٌ عَلَى نَفْسِ الْقَتْلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} فَظَهَرَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ بِنَفْسِ الْقَتْلِ وَتَقَرَّرَ
فَلَوْ سَقَطَ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّمَا يَسْقُطُ بِقَبُولِ شَهَادَتِهِمْ وَلَيْسَ لَهُمْ شَهَادَةٌ مُلْزِمَةٌ وَهَذَا وَلِأَنَّ الْعَفْوَ مُسْقِطٌ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَلَيْسَ يَمْنَعُ مِنْ الْوُجُوبِ
بِخِلَافِ حَدِّ الْقَذْفِ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ فِيهِ تَمْنَعُ مِنْ الْوُجُوبِ وَهُوَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ وَالْعَجْزُ مُوجِبٌ فَلَمْ يُتَيَقَّنْ بِالْعَجْزِ مَعَ شَهَادَتِهِمْ فَلَا يَجِبُ
وَأَمَّا إذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى شَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ فَلِمَا فِيهَا مِنْ زِيَادَةِ الشُّبْهَةِ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْكَذِبِ فِيهَا فِي مَوْضِعَيْنِ فِي شَهَادَةِ الْأُصُولِ وَفِي شَهَادَةِ الْفُرُوعِ أَوْ لِأَنَّ الْكَلَامَ إذْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَلْسُنُ يُمْكِنُ فِيهِ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُمَا عَادَةً وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ بَدَلٌ وَالْأَبْدَالُ تُنْصَبُ لِلْحَاجَةِ وَلَا حَاجَةَ فِي الْحُدُودِ إلَى الْبَدَلِ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الدَّرْءِ وَلَا حَدَّ عَلَى الْفُرُوعِ وَلِأَنَّهُمْ مَا نَسَبُوا الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ إلَى الزِّنَا إنَّمَا حَكَوْا شَهَادَةَ الْأُصُولِ وَالْحَاكِي لِلْقَذْفِ لَا يَكُونُ قَاذِفًا لِأَنَّ عَدَدَهُمْ مُتَكَامِلٌ وَالْأَهْلِيَّةُ مَوْجُودَةٌ وَإِنَّمَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ لِنَوْعِ شُبْهَةٍ وَهِيَ كَافِيَةٌ لِدَرْءِ الْحَدِّ لَا لِإِثْبَاتِهِ وَإِنْ جَاءَ الْأُصُولُ وَشَهِدُوا عَلَى مُعَايَنَةِ ذَلِكَ الزِّنَا بِعَيْنِهِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ وَلَمْ يُحَدُّوا أَيْضًا وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ شَهِدَ الْأُصُولُ لَمْ يُحَدَّ أَحَدٌ وَإِنَّمَا لَمْ تُقْبَلْ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ قَدْ رُدَّتْ مِنْ وَجْهٍ بِرَدِّ شَهَادَةِ الْفُرُوعِ فِي عَيْنِ تِلْكَ الْحَادِثَةِ إذْ هُمْ قَائِمُونَ مَقَامَهُمْ بِالْأَمْرِ وَالتَّحْمِيلِ وَالشَّهَادَةُ مَتَى رُدَّتْ لِتُهْمَةٍ لَمْ تُقْبَلْ فِي عَيْنِ تِلْكَ الْحَادِثَةِ أَبَدًا وَإِنَّمَا تُقْبَلُ فِي الْمَالِ شَهَادَةُ الْأُصُولِ بَعْدَمَا رُدَّتْ شَهَادَةُ الْفُرُوعِ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأُصُولِ لَمْ تُرَدَّ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا حَصَلَ فِيهَا شُبْهَةُ الرَّدِّ وَالْمَالُ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ دُونَ الْحَدِّ وَلَا يُحَدُّ الْأُصُولُ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَا وَلَوْ رُدَّتْ شَهَادَةُ الْأُصُولِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةُ الْأُصُولِ وَلَا الْفُرُوعِ بَعْدَهُ أَبَدًا هَذَا إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ لِتُهْمَةٍ مَعَ الْأَهْلِيَّةِ وَإِنْ رُدَّتْ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ كَالْعَبِيدِ وَالْكُفَّارِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَالْإِسْلَامِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِأَنَّهُ زَنَى بِفُلَانَةَ ثُمَّ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الشُّهُودَ هُمْ الَّذِينَ زَنَوْا بِهَا فَلَا يُحَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَالَا يُحَدُّ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ مِنْ الشُّهُودِ وَالْمَرْأَةُ حَدَّ الزِّنَا وَلَا يُحَدُّ الرَّجُلُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الشُّهُودَ الثَّانِيَ جَرَحُوا الشُّهُودَ الْأُوَلَ بِفِعْلِ الزِّنَا وَقَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَعَلَى الْمَرْأَةِ بِشَهَادَتِهِمْ فَيُحَدُّونَ حَدَّ الزِّنَا ثُمَّ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ لِثُبُوتِ فِسْقِهِمْ بِالزِّنَا فَلَا يُحَدُّ الرَّجُلُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ وَلَهُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ يُرَادُ بِهِ النَّفْيُ عَنْ الْأَوَّلِ وَإِثْبَاتُ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ لِلثَّانِي عَادَةً كَمَا إذَا قَالَ زَيْدٌ دَخَلَ عَمْرٌو الدَّارَ وَقَالَ آخَرُ لِزَيْدٍ هُوَ الَّذِي دَخَلَ الدَّارَ فَالشُّهُودُ الْأُوَلُ أَثْبَتُوهُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَالشُّهُودُ الثَّانِي نَفَوْهُ عَنْهُ وَأَثْبَتُوهُ عَلَى الشُّهُودِ وَالْفِعْلُ الْوَاحِدُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَفْعَلَهُ شَخْصَانِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ صَادِقًا وَالْآخَرُ كَاذِبًا وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً فَلَا يُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ وَلَا حَدَّ الزِّنَا لِذَلِكَ فَصَارَ نَظِيرَ مَا لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا عَلَى رَجُلٍ فِي بَلَدٍ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ أَنَّهُ زَنَى فِي بَلَدٍ آخَرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ وَعَلَى هَذَا لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ بِالزِّنَا وَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ عَلَى الشُّهُودِ بِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ زَنَوْا بِهَا وَشَهِدَ أَيْضًا أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ عَلَى الشُّهُودِ الثَّانِي بِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ زَنَوْا بِهَا لَا حَدَّ عَلَى الْكُلِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِمَا ذَكَرْنَا وَعِنْدَهُمَا يُحَدُّ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْفَرِيقُ الْأَوْسَطُ مِنْ الشُّهُودِ حَدَّ الزِّنَا لِأَنَّ الْفَرِيقَ الْأَوْسَطَ صَارُوا فَسَقَةً بِشَهَادَةِ الْفَرِيقِ الْآخَرِ بِالزِّنَا عَلَيْهِمْ فَبَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ عَلَى الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ وَصَارُوا قَذَفَةً لَهُمْ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ حَدُّ الْقَذْفِ لِكَمَالِ النِّصَابِ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ وَيُحَدُّونَ حَدَّ الزِّنَا لِثُبُوتِهِ عَلَيْهِمْ بِالشُّهُودِ الْأَخِيرِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فَظَهَرَ كَذِبُهُمْ بِيَقِينٍ) إذْ لَا بَكَارَةَ مَعَ الزِّنَا وَقَوْلُ النِّسَاءِ حُجَّةٌ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فَتَثْبُتُ بَكَارَتُهَا بِشَهَادَتَيْنِ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ سُقُوطُ الْحَدِّ وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ لَمْ تُعَارِضْ شَهَادَتُهُنَّ شَهَادَتَهُمْ بَلْ تَثْبُتْ بِشَهَادَتِهِنَّ بَكَارَتُهَا وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الزِّنَا لِجَوَازِ أَنْ تَعُودَ الْعَذِرَةُ لِعَدَمِ الْمُبَالَغَةِ فِي إزَالَتِهَا فَلَا تُعَارِضُ شَهَادَةَ الزِّنَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْقُطَ الْحَدُّ وَإِنْ عَارَضَتْ بِأَنْ لَا يُتَحَقَّقَ عَوْدُ الْعَذِرَةِ يَجِبُ أَنْ تَبْطُلَ شَهَادَتُهُنَّ وَلِأَنَّهَا لَا تُقَوِّي قُوَّةَ شَهَادَتِهِمْ قُلْنَا سَوَاءٌ انْتَهَضَتْ مُعَارَضَةٌ أَمْ لَا لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تُورِثَ شُبْهَةً بِهَا يَنْدَرِئُ قَالَهُ الْكَمَالُ
(قَوْلُهُ لِأَنَّ عَدَدَهُمْ مُتَكَامِلٌ) الَّذِي فِي خَطِّ الشَّارِحِ مُتَكَامِلَةٌ اهـ وَكُتِبَ مَا نَصُّهُ أَيْ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا اهـ (قَوْلُهُ وَنَظِيرُهُ إذَا أَشْهَدُوا عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَا فَوُجِدَتْ رَتْقَاءَ إلَخْ) وَتُقْبَلُ فِي الرَّتْقَاءِ وَالْعَذْرَاءِ وَالْأَشْيَاءُ الَّتِي يُعْمَلُ فِيهَا بِقَوْلِ النِّسَاءِ قَوْلُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ كَذَا قَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْكَافِي اهـ أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ وَأَمَّا إذَا كَانَ الشُّهُودُ فَسَقَةً)
قَالَ فِي الْكَافِي وَأَصْلُهُ أَنَّ الشُّهُودَ أَصْنَافٌ صِنْفٌ أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءً كَالْحُرِّ الْعَدْلِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَصِنْفٌ أَهْلٌ لِلتَّحَمُّلِ دُونَ الْأَدَاءِ كَالْأَعْمَى وَالْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ لِاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهِمْ فِيهِمَا إلَّا أَنَّ الْأَدَاءَ فَاتَ فِي الْأَعْمَى لِعَدَمِ التَّمْيِيزِ وَفِي الْمَحْدُودِ لِلنَّصِّ الْوَارِدِ لِأَدَاءِ شَهَادَتِهِ وَصِنْفٌ أَهْلٌ لِلتَّحَمُّلِ وَالْأَدَاء وَلَكِنَّ فِي أَدَائِهِ نَوْعَ قُصُورٍ كَالْفُسَّاقِ لِتُهْمَةِ الْكَذِبِ. اهـ. كَافِي
(قَوْلُهُ بِاعْتِبَارِ الثُّبُوتِ) أَيْ فَاحْتَطْنَا فِي الْحَدَّيْنِ وَالشَّافِعِيُّ خَالَفَنَا فِيهِ وَلِأَنَّ الْفَاسِقَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلشَّهَادَةِ عِنْدَهُ كَالْعَبْدِ. اهـ. كَافِي. قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَلَوْ كَانُوا عُمْيَانًا أَوْ مَحْدُودِينَ) أَيْ أَوْ أَحَدُهُمْ عَبْدًا أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ. اهـ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.