ولو قطع المقبوض بسببٍ عند البائع ردّه واستردّ الثّمن
الشروح عليها
(قَوْلُهُ وَلَوْ قُطِعَ الْمَقْبُوضُ بِسَبَبٍ عِنْدَ الْبَائِعِ رَدَّهُ وَاسْتَرَدَّ الثَّمَنَ) يَعْنِي لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا قَدْ سَرَقَ عِنْدَ الْبَائِعِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَقْتَ الشِّرَاءِ وَلَا وَقْتَ الْقَبْضِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَأْخُذَ مَا دَفَعَهُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَا يَرْجِعُ بِمَا بَيْنَ قِيمَتِهِ سَارِقًا إلَى غَيْرِ سَارِقٍ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا قُتِلَ بِسَبَبٍ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَهُ وَبِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ عِنْدَهُمَا لَهُمَا أَنَّ الْمَوْجُودَ فِي يَدِ الْبَائِعِ سَبَبُ الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي الْمَالِيَّةَ فَنَفَذَ الْعَقْدُ فِيهِ لَكِنَّهُ مُتَعَيَّبٌ فَيَرْجِع بِنُقْصَانِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ رَدِّهِ وَصَارَ كَمَا إذَا اشْتَرَى حَامِلًا فَمَاتَتْ فِي يَدِهِ بِالْوِلَادَةِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِفَضْلِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا حَامِلًا إلَى غَيْرِ حَامِلٍ وَلَهُ أَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَالْوُجُوبُ يُفْضِي إلَى الْوُجُودِ فَيَكُونُ الْوُجُودُ مُضَافًا إلَى السَّبَبِ السَّابِقِ وَصَارَ كَمَا إذَا قُتِلَ الْمَغْصُوبُ أَوْ قُطِعَ بَعْدَ الرَّدِّ بِجِنَايَةٍ وُجِدَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ وَمَسْأَلَةُ الْحَامِلِ مَمْنُوعَةٌ قَيَّدَ بِكَوْنِهِ بِسَبَبٍ عِنْدَ الْبَائِعِ فَقَطْ لِأَنَّهُ لَوْ سَرَقَ عِنْدَهُمَا فَقُطِعَ بِهِمَا فَعِنْدَهُمَا يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ كَمَا ذَكَرْنَا وَعِنْدَهُ لَا يَرُدّهُ بِدُونِ رِضَا الْبَائِعِ لِلْعَيْبِ الْحَادِثِ وَيَرْجِعُ بِرُبْعِ الثَّمَنِ وَإِنْ قَبِلَهُ الْبَائِعُ فَبِثَلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ لِأَنَّ الْيَدَ مِنْ الْآدَمِيِّ نِصْفُهُ وَقَدْ تَلِفَتْ بِالْجِنَايَتَيْنِ وَفِي أَحَدِهِمَا الرُّجُوعُ فَيَتَنَصَّفُ
فَلَوْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي ثُمَّ قُطِعَ فِي يَدِ الْأَخِيرِ رَجَعَ الْبَاعَةُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَهُ كَمَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَعِنْدَهُمَا يَرْجِعُ الْأَخِيرُ عَلَى بَائِعِهِ وَلَا يَرْجِعُ بَائِعُهُ عَلَى بَائِعِهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمُصَنِّفُ بِعَدَمِ عِلْمِ الْمُشْتَرِي لِسَرِقَتِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ وَقَيَّدَ بِهِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهُوَ مُفِيدٌ عَلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْعَيْبِ رِضًا بِهِ وَلَا يُفِيدُ عَلَى.
(قَوْلُهُ وَمَسْأَلَةُ الْحَامِلِ مَمْنُوعَةٌ) أَيْ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَلْ يَرْجِعُ عَلَى قَوْلِهِ بِكُلِّ الثَّمَنِ قَالَهُ الْقَاضِيَانِ أَبُو زَيْدٍ وَفَخْرُ الدِّينِ قَاضِي خَانْ وَتَمَامُهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ولو قطع) العبد (المقبوض) بيد المشتري (بسبب) كان (عند البائع) أو غيره على ما مر (رده واسترد الثمن) عنده قالا: إنما يرجع بالنقصان بأن يقوم عبدًا وجد عليه القطع وعبدًا لم يجب عليه بإزاء النقصان من الثمن, ولا يخفى ما في جواب المسألة من الإلباس إذ يفيد ظاهره أنه ليس له غير هذا الأمر مع أن المنقول في (شرح الطحاوي) أنه لو اختار إمساك المبيع رجع بنصف الثمن عنده, وعندهما بنقصان العيب إلا أن يرضى البائع فيرجع بجميع الثمن.
قال في (الفتح) : وعبارة (الهداية) أحسن فإنه قال: فله أن يرده ويأخذ الثمن ولو برئ من كل عيب صح فإنها لا تمنع أن له شيئًا آخر لكن لا يجوز الاقتصار على هذا إلا إذا كان ماله من الآخر المسكوت عنه متفقًا عليه فاقتصر على محل الخلاف لكن الغرض أن الخلاف ثابت في الآخر, وعلى هذا الخلاف لو قتل سبب كان البائع
والحاصل أنه بمنزلة الاستحقاق عنده وبمنزلة العيب عندهما حتى لو مات بعد القطع حتف أنفه رجع بنصف الثمن عنده, وعندهما يرجع بالنقصان ولو سرق عند المشتري أيضًا فقطع بهما رجع بالنقصان عندهما وعنده لا يرده بدون رضي البائع ولكن يرجع بربع الثمن,
ولو رضي البائع بأخذه بثلاثة الأرباع ولو تداولته الأيدي فقطع عند الآخر أو قتل رجعت الباعة بعضهم على بعض عنده وعندهما يرجع الأخير على بائعه بالنقصان ثم هو لا يرجع على بائعه, ولم يقيد المص بعدم علم المشتري بالسرقة, كما في (الجامع الصغير) , لأنه لا يفيد على قوله في الصحيح لأن العلم بالاستحقاق لا يمنع الرجوع/ وإن أفاد على قولهما لأن العلم بالعيب رضا به,
وفي هذا يظهر أثر الخلاف وفيما لو أعتقه ثم قطع أو قتل على ما مر قيد بقطعه عنده, لأنه لو قطع عند البائع ثم باعه فمات عند المشترى به رجع بالنقصان اتفاقًا.
(وَلَوْ قَطَعَ الْمَقْبُوضَ بِسَبَبٍ عِنْدَ الْبَائِعِ رَدَّهُ وَاسْتَرَدَّ الثَّمَنَ) مَعْنَاهُ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا قَدْ سَرَقَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا فَقَطَعَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ لِحُدُوثِ الْعَيْبِ عِنْدَهُ وَهُوَ الْقَطْعُ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ قُطِعَ بِسَبَبٍ كَانَ عِنْدَهُ لَكِنَّ الْقَطْعَ غَيْرُ الْوُجُوبِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ عَيْبٍ حَادِثٍ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَتَعَذَّرَ الرَّدُّ وَتَعَيَّنَ الرُّجُوعُ بِالنُّقْصَانِ كَمَا لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً حُبْلَى فَمَاتَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بِالْوِلَادَةِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ فَكَذَا هَذَا، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَوْجُودَ فِي يَدِ الْبَائِعِ سَبَبُ الْقَطْعِ وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي الْمَالِيَّةَ فَيَنْفُذُ الْبَيْعُ فِيهِ لَكِنَّهُ مُتَعَيَّبٌ وَقَدْ حَدَثَ فِيهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي عَيْبٌ فَيَرْجِعُ بِنُقْصَانِهِ وَهُوَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ سَارِقًا إلَى غَيْرِ سَارِقٍ بِأَنْ يُقَوَّمَ سَارِقًا وَغَيْرَ سَارِقٍ فَيَرْجِعُ بِفَضْلِ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الثَّمَنِ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا قَتَلَ بِسَبَبٍ كَأَنْ وُجِدَ فِي يَدِ الْبَائِعِ مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ رِدَّةٍ؛
لِأَنَّ وُجُوبَهُ لَا يُنَافِي الْمَالِيَّةَ، وَلِهَذَا يَقَعُ الْبَيْعُ صَحِيحًا وَلَوْ مَاتَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي يَتَقَرَّرُ الثَّمَنُ عَلَيْهِ وَلَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ وُجِدَ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَالْوُجُوبُ يُفْضِي إلَى الْوُجُودِ فَيَكُونُ الْوُجُودُ مُضَافًا إلَى السَّبَبِ السَّابِقِ فَصَارَ كَمَا إذَا قُتِلَ الْمَغْصُوبُ بَعْدَ الرَّدِّ بِجِنَايَةٍ وُجِدَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ.
وَرَوَى ابْنُ الْمَنْذُورِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً حُبْلَى فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَمَاتَتْ مِنْ الْوِلَادَةِ يَرْجِعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا فَلَنَا أَنْ نَمْنَعَ وَلَئِنْ سَلِمَ فَالسَّبَبُ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ يُوجِبُ انْفِصَالَ الْوَلَدِ لَا مَوْتَ الْأُمِّ إذْ الْغَالِبُ فِي الْوِلَادَةِ السَّلَامَةُ،
وَلَوْ مَاتَ بِسَبَبِ الْقَطْعِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي يَرْجِعُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ مِنْ الْآدَمِيِّ نِصْفُهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مَنْ بَدَّلَهُ بِحِسَابِهِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُسْتَحَقَّةُ بِالسَّرِقَةِ وَالنَّفْسُ غَيْرُ مُسْتَحَقَّةٍ فِي يَدِ الْبَائِعِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُحْسَمُ وَلَا تُقْطَعُ فِي الْبَرْدِ الشَّدِيدِ وَلَا فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ تَوَقِّيًا عَنْ الْهَلَاكِ فَقَبْضُ الْمُشْتَرِي لَا يُنْتَقَضُ فِي النِّصْفِ،
وَإِنْ سَرَى إلَى النَّفْسِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَتَلَ عَبْدَهُ بِسَبَبٍ يُوجِبُ الْقَتْلَ عِنْدَ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ صَارَتْ مُسْتَحَقَّةً فِي يَدِ الْبَائِعِ فَيُنْتَقَضُ بِهِ قَبْضُ الْمُشْتَرِي وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ وَلَوْ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي أَنْ يُمْسِكَ الْعَبْدَ رَجَعَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ بِسَبَبٍ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ كَالِاسْتِحْقَاقِ فَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ بِالثَّمَنِ عِنْدَ اخْتِيَارِ الْأَخْذِ
بِخِلَافِ الْعَيْبِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ الْقَطْعِ حَتْفَ أَنْفِهِ يَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ كَالِاسْتِحْقَاقِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَلَوْ سَرَقَ عِنْدَ الْبَائِعِ ثُمَّ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَقُطِعَ بِهِمَا يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ عِنْدَهُمَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّا وَعِنْدَهُ لَا يَرُدُّهُ بِغَيْرِ رِضَا الْبَائِعِ لِلْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ وَلَكِنْ يَرْجِعُ بِرُبْعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ قُطِعَتْ بِهِمَا فَيَرْجِعُ بِقَدْرِ مَا فَاتَ بِسَبَبِ مَا كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ.
وَإِنْ رَضِيَ الْبَائِعُ بِأَخْذِهِ يَرْجِعُ بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الثَّمَنِ وَيَسْقُطُ الرُّبْعُ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ وَلَوْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي فَقُطِعَ عِنْدَ الْأَخِيرِ أَوْ قُتِلَ يَرْجِعُ الْبَاعَةُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُمَا يَرْجِعُ الْأَخِيرُ عَلَى بَائِعِهِ بِالنُّقْصَانِ ثُمَّ هُوَ لَا يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ وَأَصْلُ الْخِلَافِ أَنَّ الْقَطْعَ أَوْ الْقَتْلَ بِسَبَبٍ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ اسْتِحْقَاقٌ عِنْدَهُ وَفِيهِ يَرْجِعُ الْبَاعَةُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْأَوَّلِ وَعِنْدَهُمَا عَيْبٌ فَيَرْجِعُ مَنْ لَمْ يُفَوِّتْ الرَّدَّ بِالْبَيْعِ وَهُوَ الْأَخِيرُ عَلَى بَائِعِهِ ثُمَّ هُوَ لَا يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ؛
لِأَنَّهُ فَوَّتَ الرَّدَّ بِالْبَيْعِ قَبْلَ امْتِنَاعِ الرَّدِّ بِرِضَاهُ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي هَذَا وَفِيمَا إذَا اشْتَرَاهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِوُجُوبِ الْقَتْلِ أَوْ الْقَطْعِ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالِاسْتِحْقَاقِ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ وَعِنْدَهُمَا يَبْطُلُ حَقُّهُ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْعَيْبِ رِضًا بِهِ وَفِيمَا إذَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ قُتِلَ أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عِنْدَهُ بِشَيْءٍ لِعَدَمِ فَوَاتِ الْمَالِيَّةِ بِهِ وَعِنْدَهُمَا يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَا يُقَالُ يُنْتَقَضُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ بِمَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا مَرِيضًا وَمَاتَ عِنْدَهُ وَبِمَا إذَا قُطِعَ عِنْدَ الْبَائِعِ ثُمَّ بَاعَهُ وَمَاتَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِهِ وَبِمَا إذَا زَنَى عِنْدَ الْبَائِعِ ثُمَّ بَاعَهُ وَجُلِدَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَمَاتَ بِهِ حَيْثُ لَا يَرْجِعُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ إلَّا بِالنُّقْصَانِ عِنْدَهُ مِثْلُ قَوْلِهِمَا،
وَإِنْ مَاتَ بِسَبَبٍ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمَرِيضُ وَالْمَقْطُوعُ عِنْدَ الْبَائِعِ مَاتَا بِزِيَادَةِ الْآلَامِ وَتَرَادُفِهَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَهِيَ لَمْ تُوجَدْ عِنْدَ الْبَائِعِ وَزِنَا الْعَبْدِ يُوجِبُ الْجَلْدَ وَالْقَتْلُ غَيْرُهُ فَلَا يُؤَاخَذُ الْبَائِعُ بِمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ،
بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: وَاسْتَرَدَّ الثَّمَنَ) أَيْ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهُ وَرَجَعَ بِنُقْصَانِ الثَّمَنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ وَكَانَ ذِكْرُهُ هُنَا أَوْلَى اهـ.
(قَوْلُهُ: مَعْنَاهُ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا قَدْ سَرَقَ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا) هَذَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِهِمَا لَمَّا أَنَّهُ عِنْدَهُمَا يَجْرِي مَجْرَى الْعَيْبِ فَإِذَا كَانَ عَالِمًا لَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِشَيْءٍ وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مُبَاحَ الدَّمِ أَوْ كَوْنَهُ مُسْتَحَقَّ الْقَطْعِ عَيْبٌ لَا مَحَالَةَ لَكِنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرَى الِاسْتِحْقَاقِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْعَيْبِ وَالْعِلْمُ بِالْعَيْبِ وَقْتَ الشِّرَاءِ أَوْ وَقْتَ الْقَبْضِ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ،
وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْعِلْمَ وَالْجَهْلَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قِبَلِ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْعِلْمُ بِالِاسْتِحْقَاقِ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ اهـ.
(قَوْلُهُ: كَمَا لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً حُبْلَى) أَيْ وَقَدْ دَلَّسَ الْبَائِعُ الْحَمْلَ. اهـ. غَايَةٌ.
(قَوْلُهُ: فَيَرْجِعُ بِنُقْصَانِهِ) وَهُوَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ سَارِقًا إلَى غَيْرِ سَارِقٍ هَكَذَا فِي أَصْلِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَصَرَّحَ الْعَتَّابِيُّ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ عَيْبِ السَّرِقَةِ لَا بِنُقْصَانِ الْقَطْعِ وَتَعْلِيلُهُ مَبْسُوطٌ فِي الْغَايَةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يُقَوَّمَ سَارِقًا) أَيْ وَاجِبَ الْقَطْعِ وَغَيْرَ وَاجِبِهِ فَيَرْجِعُ بِمَا بَيْنَهُمَا اهـ فِرِشْتَا وَمُصَفَّى
(قَوْلُهُ: فَصَارَ كَمَا إذَا قُتِلَ الْمَغْصُوبُ بَعْدَ الرَّدِّ بِجِنَايَةٍ إلَخْ) فَإِنَّ الْغَاصِبَ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ كَمَا لَوْ قُتِلَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ اهـ
(قَوْلُهُ: وَلَئِنْ سَلَّمَ إلَخْ) أَنَّهَا وِفَاقِيَّةٌ فِي الرُّجُوعِ بِالنُّقْصَانِ فَقَطْ اهـ قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عِنْدَهُ بِشَيْءٍ لِعَدَمِ فَوَاتِ الْمَالِيَّةِ بِهِ)
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ؛ لِأَنَّ بِالْإِعْتَاقِ فَاتَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي فَلَا يُتَصَوَّرُ انْتِقَاضُهُ بِالْقَتْلِ وَالْقَطْعِ. اهـ. .
[بَابُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ] (بَابُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ) لَمَّا فَرَغَ عَنْ بَيَانِ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ بِنَوْعَيْهِ اللَّازِمِ وَغَيْرِ اللَّازِمِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ هُوَ الْأَصْلُ لِكَوْنِهِ مَشْرُوعًا ذَاتًا وَصِفَةً قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ جُمْلَةُ مَا يَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَجْهُولًا أَوْ ثَمَنُهُ أَوْ يَكُونَ مُحَرَّمًا أَوْ ثَمَنُهُ أَوْ يَكُونَ فِي الْمَبِيعِ حَقٌّ لِغَيْرِ بَائِعِهِ لَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ فَسْخُهُ أَوْ أَنْ يَشْتَرِطَ فِيهِ شَرْطًا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ لَا يُوجِبُهَا الْعَقْدُ أَوْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مِمَّا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ أَوْ يَكُونُ فِي الْمَبِيعِ عَرْضٌ أَوْ فِي ثَمَنِهِ فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ
وَكَذَلِكَ بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ أَوْ بَيْعُ مَا يَقْبِضُهُ الْبَائِعُ
وَكَذَلِكَ أَنْ يَبِيعَ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ غَيْرِ الْمُشْتَرِي أَوْ يَشْتَرِي بِهِ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ
وَكَذَلِكَ صَفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ وَشَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ
وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْأَوْصَافِ وَالْأَتْبَاعِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَمَا لَا يَتَبَعَّضُ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ إلَّا بِضَرَرٍ وَإِنْ تَبَعَّضَ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ بِغَيْرِ ضَرَرٍ جَازَ بَيْعُهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الثَّمَنَ إلَى هُنَا لَفْظُ الْكَرْخِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَالْمُرَادُ مِنْ الْجَهَالَةِ فِي الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ جَهَالَةٌ مُفْضِيَةٌ إلَى الْمُنَازَعَةِ الْمُفْضِيَةِ إلَى التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمُ،
بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَمْتَنِعْ التَّسْلِيمُ حَيْثُ يَصِحُّ الْعَقْدُ كَجَهَالَةِ كَيْلِ الصُّبْرَةِ وَعَدَدِ الثِّيَابِ الْمُعَيَّنَةِ،
وَأَمَّا كَوْنُ الْمَبِيعِ أَوْ ثَمَنِهِ مُحَرَّمًا فَهُوَ كَالْبَيْعِ بِالْخَمْرِ أَوْ الْخِنْزِيرِ أَوْ بَيْعِهِمَا وَسَيَجِيءُ بَيَانُ ذَلِكَ،
وَأَمَّا كَوْنُ الْمَبِيعِ حَقًّا لِغَيْرِ الْبَائِعِ فَكَالْمَرْهُونِ وَالْمُسْتَأْجَرِ وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي ذَلِكَ
قَالَ فِي مَوْضِعٍ فَاسِدٌ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ مَوْقُوفٌ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْبَيْعَ مَوْقُوفٌ، وَقَوْلُهُ فَاسِدٌ مَعْنَاهُ لَا حُكْمَ لَهُ فَكَانَ فَاسِدًا فِي حَقِّ الْحُكْمِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كَذَا فِي الْإِيضَاحِ تَفْسِيرُ اشْتِرَاطِ الْمَنْفَعَةِ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ لَا يُوجِبُهَا الْعَقْدُ كَاشْتِرَاطِ الْمَنْفَعَةِ لِلْبَائِعِ كَمَا إذَا قَالَ: عَلَيَّ أَنْ أَهَبَ لَك وَأَقْرِضَ لَك وَكَاشْتِرَاطِهَا لِلْمُشْتَرِي نَحْوَ إنْ قَالَ اشْتَرَيْت عَلَى أَنْ تُقْرِضَنِي وَكَاشْتِرَاطِهَا لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، كَمَا إذَا قَالَ: عَلَيَّ أَنْ تُعْتِقَهُ أَوْ تُدَبِّرَهُ وَكَاشْتِرَاطِهَا لِإِنْسَانٍ آخَرَ نَحْوُ إنْ قَالَ أَنْ تُقْرِضَ فُلَانًا وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ»
أَمَّا إذَا كَانَ شَرْطًا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ لَا يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ كَاشْتِرَاطِ حَبْسِ الْمَبِيعِ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ بَيْعُ الرَّهْنِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَبَيْعُ الطَّيْرِ الَّذِي طَارَ مِنْ يَدِهِ
وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْآبِقِ وَكَذَلِكَ إذَا تَمَكَّنَ الْغَرَرُ فِي الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ كَبَيْعِ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ فَأَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ فَهُوَ بَيْعُ الْغَرَرِ لِعَجْزِهِ عَنْ التَّسْلِيمِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَأْخُذْهُ فَهُوَ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ،
وَكَذَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْإِنْسَانِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك»،
وَكَذَا بَيْعُ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ الْبَائِعُ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ
وَكَذَلِكَ بَيْعُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ تَسْلِيمِ مَا فِي ذِمَّةِ الْغَيْرِ
وَيَجُوزُ بَيْعُهُ مِمَّنْ عَلَيْهِ وَهُوَ كَبَيْعِ الْمَغْصُوبِ يَصِحُّ مِنْ الْغَاصِبِ وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِهِ إذَا كَانَ الْغَاصِبُ مُنْكِرًا وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ عَاجِزٌ عَنْ التَّسْلِيمِ
وَكَذَلِكَ الصَّفْقَتَانِ فِي صَفْقَةٍ نَحْوَ إنْ قَالَ أَبِيعُك هَذَا عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَعَنْ بَيْعَيْنِ فِي بَيْعٍ» وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك هَذَا بِقَفِيزَيْنِ حِنْطَةً أَوْ بِقَفِيزَيْنِ شَعِيرًا وَهَذَا بَيْعَانِ فِي بَيْعٍ وَاحِدٍ
وَكَذَلِكَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ» كَمَا إذَا قَالَ إنْ أَعْطَيْتنِي الثَّمَنَ حَالًّا فَبِكَذَا وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا فَبِكَذَا
وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْأَوْصَافِ مِنْ الْحَيَوَانِ كَبَيْعِ الْأَلْيَة مِنْ الشَّاةِ الْحَيَّةِ؛ لِأَنَّهَا حَرَامٌ قَبْلَ الذَّبْحِ وَإِيجَابُ الذَّبْحِ عَلَى الْبَائِعِ ضَرَرٌ بِهِ،
وَكَذَا بَيْعُ الْأَتْبَاعِ كَبَيْعِ نِتَاجِ الْفَرَسِ وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ لِلنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْحَبَلَةِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ وَفِي اللَّبَنِ غَرَرٌ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ انْتِفَاخٌ،
وَكَذَا بَيْعُ مَا لَا يَتَبَعَّضُ مِنْ غَيْرِ الْحَيَوَانِ إلَّا بِضَرَرٍ كَبَيْعِ ذِرَاعٍ مِنْ ثَوْبٍ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ جَازَ كَبَيْعِ قَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ وَكَبَيْعِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَشِرَاءِ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ فِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ وَسَيَجِيءُ بَيَانُهُ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مُصَنَّفَ الْقُدُورِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَقَّبَ الْبَابَ بِالْفَاسِدِ وَإِنْ ابْتَدَأَ بِالْبَيْعِ الْبَاطِلِ بِقَوْلِهِ كَالْبَيْعِ بِالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ أَعَمُّ مِنْ الْبَاطِلِ؛
لِأَنَّ كُلَّ بَاطِلٍ فَاسِدٌ وَلَا يَنْعَكِسُ وَهَذَا لِأَنَّ الْبَاطِلَ مُضْمَحِلُّ الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ جَمِيعًا وَالْفَاسِدُ مُضْمَحِلُّ الْوَصْفِ دُونَ الْأَصْلِ كَالْجَوْهَرِ إذَا تَغَيَّرَ وَاصْفَرَّ يُقَالُ فَسَدَ وَإِذَا لَمْ يَبْقَ صَالِحًا لِشَيْءٍ يُقَالُ بَطَلَ قَالَهُ الْأَتْقَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثُمَّ وَجْهُ تَقْدِيمِ الصَّحِيحِ عَلَى الْفَاسِدِ أَنَّهُ الْمُوَصِّلُ إلَى تَمَامِ الْمَقْصُودِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ سَلَامَةُ الدِّينِ الَّتِي شُرِّعَتْ لَهَا الْعُقُودُ لِيَنْدَفِعَ التَّغَالُبُ وَالْوُصُولُ إلَى الْحَاجَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا بِالصِّحَّةِ،
وَأَمَّا الْفَاسِدُ فَعَقْدٌ مُخَالِفٌ لِلدِّينِ
ثُمَّ إنْ أَفَادَ الْمِلْكَ وَهُوَ مَقْصُودٌ فِي الْجُمْلَةِ لَكِنْ لَا يُفِيدُ تَمَامَهُ إذْ لَمْ يَنْقَطِعْ بِهِ حَقُّ الْبَائِعِ مِنْ الْمَبِيعِ وَلَا الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ إذْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الْفَسْخُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ ثُمَّ لَفْظُ الْفَاسِدِ فِي قَوْلِهِ بَابُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَفِي قَوْلِهِ إذَا كَانَ الْعِوَضَانِ أَوْ كِلَاهُمَا مُحَرَّمًا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْأَعَمِّ مِنْ الْفَاسِدِ وَالْبَاطِلِ فَالشَّارِحُونَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْفَاسِدَ أَعَمُّ مِنْ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ غَيْرُ الْمَشْرُوعِ بِوَصْفِهِ بَلْ بِأَصْلِهِ وَالْبَاطِلَ غَيْرُ الْمَشْرُوعِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بِوَصْفِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُقَالُ حَقِيقَةً عَلَى الْبَاطِلِ لَكِنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ أَنَّهُ يُبَايِنُهُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا إنَّ حُكْمَ الْفَاسِدِ إفَادَةُ الْمِلْكِ بِطَرِيقِهِ وَالْبَاطِلُ لَا يُفِيدُ أَصْلًا فَقَابَلُوهُ بِهِ وَأَعْطَوْهُ حُكْمًا يُبَايِنُ حُكْمَهُ وَهُوَ دَلِيلُ تَبَايُنِهِمَا بِتَبَايُنِهِمَا وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ فِي مَفْهُومِهِ أَوْ لَازِمٌ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ بِأَصْلِهِ لَا وَصْفِهِ وَفِي الْبَاطِلِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بِأَصْلِهِ فَبَيْنَهُمَا تَبَايُنٌ فَإِنَّ الْمَشْرُوعَ بِأَصْلِهِ وَغَيْرَ الْمَشْرُوعِ مُتَبَايِنَانِ فَكَيْفَ يَتَصَادَقَانِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْفَاسِدِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْأَعَمِّ وَالْأَخَصِّ الْمَشْرُوعِ بِأَصْلِهِ لَا بِوَصْفِهِ فِي الْعُرْفِ لَكِنْ نَجْعَلُهُ مَجَازًا عُرْفِيًّا فِي الْأَعَمِّ؛
لِأَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَلِهَذَا وَجَّهَ بَعْضُهُمْ الْأَعَمِّيَّةَ بِأَنَّهُ يُقَالُ لِلَّحْمِ إذَا صَارَ بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ لِلدُّودِ وَالسُّوسِ بَطَلَ اللَّحْمُ وَإِذَا أَنْتَنَ وَهُوَ بِحَيْثُ يُنْتَفَعُ بِهِ فَسَدَ اللَّحْمُ فَاعْتُبِرَ مَعْنَى اللُّغَةِ وَلِذَا أَدْخَلَهُ بَعْضُهُمْ أَيْضًا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ لِشُمُولِهِ الْمَكْرُوهَ؛ لِأَنَّهُ فَائِتُ وَصْفِ الْكَمَالِ بِسَبَبِ وَصْفِ مُجَاوِرِهِ. اهـ. .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.