فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

البحر الرائقابن نجيم

(قَوْلُهُ: وَبِمَنِيٍّ يَابِسٍ بِالْفَرْكِ وَإِلَّا يُغْسَلُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْمَاءِ يَعْنِي يَطْهُرُ الْبَدَنُ وَالثَّوْبُ وَالْخُفُّ إذَا أَصَابَهُ مَنِيٌّ بِفَرْكِهِ إنْ كَانَ يَابِسًا وَبِغَسْلِهِ إنْ كَانَ رَطْبًا وَهُوَ

٢٬٣٠٨

فَرْعُ نَجَاسَةِ الْمَنِيِّ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْسِلُ الْمَنِيَّ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الْغَسْلِ فِيهِ» ،

٢٬٣٠٩

فَإِنْ حُمِلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ مِنْ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِنَفْسِهِ فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طَاهِرًا لَمْ يَغْسِلْهُ؛ لِأَنَّهُ إتْلَافُ الْمَاءِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَهُوَ سَرَفٌ أَوْ هُوَ عَلَى مَجَازِهِ وَهُوَ أَمْرُهُ بِذَلِكَ فَهُوَ

٢٬٣١٠

فَرْعُ عِلْمِهِ أَطْلَقَ مَسْأَلَةَ الْمَنِيِّ فَشَمَلَ مَنِيَّهُ وَمَنِيَّهَا وَفِي طَهَارَةِ مَنِيِّهَا بِالْفَرْكِ اخْتِلَافٌ قَالَ الْفَضْلِيُّ لَا يَطْهُرُ بِهِ لِرِقَّتِهِ

٢٬٣١١

وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنِيِّ الرَّجُلِ وَمَنِيِّ الْمَرْأَةِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَشَمَلَ الْبَدَنَ وَالثَّوْبَ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ لِلْبَلْوَى وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْبَدَنَ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ لِرُطُوبَتِهِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ لِابْنِ الْمَلَكِ وَشَمَلَ مَا إذَا تَقَدَّمَهُ مَذْيٌ أَوَّلًا

٢٬٣١٢

وَقِيلَ إنَّمَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إذَا لَمْ يَسْبِقْهُ مَذْيٌ،

٢٬٣١٣

فَإِنْ سَبَقَهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ مَسْأَلَةُ الْمَنِيِّ مُشْكِلَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ فَحْلٍ يُمْذِي، ثُمَّ يُمْنِي إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَغْلُوبٌ بِالْمَنِيِّ مُسْتَهْلَكٌ فِيهِ فَيُجْعَلُ تَبَعًا. اهـ.

٢٬٣١٤

وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ إذَا كَانَ الْوَاقِعُ أَنَّهُ لَا يُمْنِي حَتَّى يُمْذِيَ، وَقَدْ طَهَّرَهُ الشَّرْعُ بِالْفَرْكِ يَابِسًا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ الِاعْتِبَارَ لِلضَّرُورَةِ

٢٬٣١٥

بِخِلَافِ مَا إذَا بَالَ وَلَمْ يَسْتَنْجِ بِالْمَاءِ حَتَّى أَمْنَى فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ حِينَئِذٍ إلَّا بِالْغَسْلِ لِعَدَمِ الْمُلْجِئِ كَمَا قِيلَ

٢٬٣١٦

وَقِيلَ وَلَوْ بَالَ وَلَمْ يَنْتَشِرْ الْبَوْلُ عَلَى رَأْسِ الذَّكَرِ بِأَنْ لَمْ يَتَجَاوَزْ الثُّقْبَ فَأَمْنَى لَا يُحْكَمُ بِتَنْجِيسِ الْمَنِيِّ

٢٬٣١٧

وَكَذَا إذَا جَاوَزَ لَكِنْ خَرَجَ الْمَنِيُّ دَفْقًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَشِرَ عَلَى رَأْسِ الذَّكَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ سِوَى مُرُورِهِ عَلَى الْبَوْلِ فِي مَجْرَاهُ وَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ اهـ.

وَظَاهِرُ الْمُتُونِ الْإِطْلَاقُ أَعْنِي سَوَاءٌ بَالَ وَاسْتَنْجَى أَوْ لَمْ يَسْتَنْجِ بِالْمَاءِ فَإِنَّ الْمَنِيَّ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ؛ لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ مُسْتَهْلَكٌ كَالْمَذْيِ وَلَمْ يَعْفُ فِي الْمَذْيِ إلَّا لِكَوْنِهِ مُسْتَهْلَكًا لَا لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ وَأَطْلَقَ فِي الثَّوْبِ فَشَمَلَ الْجَدِيدَ وَالْغَسِيلَ فَيَطْهُرُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْفَرْكِ وَقَيَّدَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِكَوْنِ الثَّوْبِ غَسِيلًا احْتِرَازًا عَنْ الْجَدِيدِ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ وَلَمْ أَرَهُ فِيمَا عِنْدِي مِنْ الْكُتُبِ لِغَيْرِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ كَمَا لَا يَخْفَى وَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ لِلثَّوْبِ بِطَانَةٌ نَفَذَ إلَيْهَا وَفِيهِ اخْتِلَافٌ،

٢٬٣١٨

وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْبِطَانَةَ تَطْهُرُ بِالْفَرْكِ كَالظِّهَارَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَنِيِّ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ نَجَاسَةُ الْمَنِيِّ عِنْدَنَا مُغَلَّظَةٌ كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ مَعْزِيًّا إلَى خِزَانَةِ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ وَحَقِيقَةُ الْفَرْكِ الْحَكُّ بِالْيَدِ حَتَّى يَتَفَتَّتَ، كَذَا فِي شَرْحِ ابْنِ الْمَلَكِ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِطَهَارَةِ الْمَحِلِّ بِالْفَرْكِ

٢٬٣١٩

وَكَذَا فِي الْكُلِّ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ نَذْكُرُهُ فِي آخِرِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي الْمُجْتَبَى وَبَقَاءُ أَثَرِ الْمَنِيِّ بَعْدَ الْفَرْكِ لَا يَضُرُّ كَبَقَائِهِ بَعْدَ الْغَسْلِ وَفِي الْمَسْعُودِيِّ مَنِيُّ الْإِنْسَانِ نَجَسٌ

٢٬٣٢٠

وَكَذَا مَنِيُّ كُلِّ حَيَوَانٍ وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْعَلَقَةَ وَالْمُضْغَةَ نَجِسَانِ كَالْمَنِيِّ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي النِّهَايَةِ وَالتَّبْيِينِ

٢٬٣٢١

وَكَذَا الْوَلَدُ إذَا لَمْ يَسْتَهِلَّ فَهُوَ نَجَسٌ وَلِهَذَا قَالَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ الْوَلَدُ إذَا نَزَلَ مِنْ الْمَرْأَةِ وَلَمْ يَسْتَهِلَّ وَسَقَطَ فِي الْمَاءِ أَفْسَدَهُ سَوَاءٌ غُسِّلَ أَوْ لَا

٢٬٣٢٢

وَكَذَا لَوْ حَمَلَهُ الْمُصَلِّي لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ. اهـ.

٢٬٣٢٣

وَفِي الْمُجْتَبَى أَصَابَ الثَّوْبَ دَمٌ عَبِيطٌ فَيَبِسَ فَحَتَّهُ طَهُرَ الثَّوْبُ كَالْمَنِيِّ اهـ.

وَفِيهِ نَظَرٌ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ طَهَارَةَ الثَّوْبِ بِالْفَرْكِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَنِيِّ لَا فِي غَيْرِهِ وَفِي الْبَدَائِعِ،

٢٬٣٢٤

وَأَمَّا سَائِرُ النَّجَاسَاتِ إذَا أَصَابَتْ الثَّوْبَ أَوْ الْبَدَنَ وَنَحْوَهُمَا فَإِنَّهَا لَا تَزُولُ إلَّا بِالْغَسْلِ سَوَاءٌ كَانَتْ رَطْبَةً أَوْ يَابِسَةً وَسَوَاءٌ كَانَتْ سَائِلَةً أَوْ لَهَا جُرْمٌ وَلَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ خَمْرٌ فَأَلْقَى عَلَيْهَا الْمِلْحَ وَمَضَى عَلَيْهِ مِنْ الْمُدَّةِ مِقْدَارُ مَا يَتَخَلَّلُ فِيهَا لَمْ يُحْكَمْ بِطَهَارَتِهِ حَتَّى يَغْسِلَهُ،

٢٬٣٢٥

وَلَوْ أَصَابَهُ عَصِيرٌ فَمَضَى عَلَيْهِ مِنْ الْمُدَّةِ مِقْدَارُ مَا يَتَخَمَّرُ الْعَصِيرُ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ. اهـ.

منحة الخالقابن عابدين، حاشية على البحر الرائق

(قَوْلُهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْمَاءِ) لَيْسَ بِظَاهِرٍ

(قَوْلُهُ فَإِنَّ الْمَنِيَّ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إلَخْ)

٨٣١

قَالَ فِي النَّهْرِ مَمْنُوعٌ إذْ الْأَصْلُ أَنْ لَا يُجْعَلَ النَّجَسُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَقَدْ قَامَ فِي الْمَذْيِ دُونَ الْبَوْلِ. اهـ.

إذْ لَا ضَرُورَةَ فِي الْبَوْلِ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ إسْمَاعِيلُ النَّابُلُسِيُّ وَهُوَ وَجِيهٌ كَمَا لَا يَخْفَى

٨٣٢

وَكَذَا قَالَ فِي الشرنبلالية وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ عَلَى جَعْلِ عِلَّةِ الْعَفْوِ الضَّرُورَةَ كَمَا بَيَّنَهُ الْكَمَالُ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْبَوْلِ

(قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ) قَالَ فِي النَّهْرِ الظَّاهِرُ تَخْرِيجُهُ عَلَى مَا لَوْ أَصَابَ ثَوْبًا لَهُ بِطَانَةٌ فَنَفَذَ إلَيْهَا.

(قَوْلُهُ: وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْعَلَقَةَ وَالْمُضْغَةَ نَجِسَتَانِ إلَخْ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ الْآتِي وَنَظِيرُهُ فِي الشَّرْعِ النُّطْفَةُ نَجِسَةٌ، ثُمَّ تَصِيرُ عَلَقَةً وَهِيَ نَجِسَةٌ وَتَصِيرُ مُضْغَةً فَتَطْهُرُ. (قَوْلُهُ: وَالْخَشَبَ الْخَرَّاطِيَّ) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ بَعْدَهَا أَلِفٌ وَكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ آخِرَهُ يَاءٌ مُشَدَّدَةٌ نِسْبَةٌ إلَى الْخَرَّاطِ وَهُوَ خَشَبٌ يَخْرُطُهُ الْخَرَّاطُ فَيَصِيرُ صَقِيلًا كَالْمِرْآةِ.

النهر الفائقعمر ابن نجيم

لا يتكلم على هذه المسألة.

تبيين الحقائقالزيلعي

(وَبِمَنِيِّ آدَمِيٍّ يَابِسٍ بِالْفَرْكِ، وَإِلَّا يُغْسَلُ) أَيْ إذَا تَنَجَّسَ الْخُفُّ أَوْ الثَّوْبُ بِمَنِيٍّ وَيَبِسَ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَابِسًا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْمَنِيُّ لَيْسَ بِنَجِسٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ «كُنْت أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ وَلَا يَغْسِلُهُ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «قَالَتْ كُنْت أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهُوَ يُصَلِّي» وَالْوَاوُ لِلْحَالِ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ مَعَهُ

تعليق

وَلَمَا اكْتَفَى بِالْفَرْكِ فِيهِ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ «سُئِلَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَ إنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبُصَاقِ وَالْمُخَاطِ وَإِنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَمْسَحِيهِ بِخِرْقَةٍ أَوْ بِإِذْخِرَةٍ»؛ وَلِأَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ الْبَشَرِ فَصَارَ كَالطِّينِ.

وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ «كُنْت أَغْسِلُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ» الْحَدِيثَ وَحَدِيثُ عَمَّارٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ «إنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ وَعَدَّ مِنْهَا الْمَنِيَّ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ إنْ رَأَيْته فَاغْسِلْهُ، وَإِلَّا فَاغْسِلْ الثَّوْبَ كُلَّهُ، وَعَنْ الْحَسَنِ الْمَنِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْبَوْلِ؛ وَلِأَنَّهُ دَمٌ اسْتَحَالَ بِالنُّضْجِ مِنْ حَرَارَةِ الشَّهْوَةِ وَلِهَذَا مَنْ كَثُرَ مِنْهُ الْوِقَاعُ حَتَّى فَتَرَتْ شَهْوَتُهُ يُخْرِجُ دَمًا أَحْمَرَ، وَإِنَّمَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «اغْسِلِيهِ رَطْبًا وَافْرُكِيهِ يَابِسًا»؛

وَلِأَنَّهُ لَزِجٌ فَلَا تَتَدَاخَلُ أَجْزَاؤُهُ وَمَا عَلَى ظَاهِرِهِ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ أَوْ يَقِلُّ وَالْقَلِيلُ مَعْفُوٌّ وَمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ الْإِمَاطَةِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَلِيلًا أَوْ عَلَى أَنَّهُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْغَسْلِ وَتَشْبِيهُهُ بِالْمُخَاطِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَنْظَرِ فِي الْبَشَاعَةِ لَا فِي الْحُكْمِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «كُنْت أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ» مِنْ حَيْثُ إنَّ الْوَاوَ لِلْحَالِ؛

لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَأَمْرُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - آكَدُ فِي اقْتِضَاءِ الْوُجُوبِ مِنْ خَبَرِهَا؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ لِلْوُجُوبِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ تَتَشَبَّثَ بِثِيَابِهِ وَتُشْغِلَهُ عَنْ الصَّلَاةِ وَهَذَا كَمَا يُقَالُ هَيَّأْت لَهُ الطَّعَامَ وَهُوَ يَأْكُلُ أَيْ يَأْكُلُ بَعْدَهُ

٥٣١

وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَشَرُ مِنْ النَّجَسِ، ثُمَّ يَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ فَإِنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ نَجِسًا وَيَتَوَلَّدُ مِنْهُ الطَّاهِرُ كَاللَّبَنِ فَإِنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الدَّمِ وَهُوَ أَصْلُهُ فَاعْتَبَرَهُ بِالْعَلَقَةِ وَالْمُضْغَةِ؛ لِأَنَّهُمَا يُخْلَقُ مِنْهُمَا الْبَشَرُ وَإِنْ كَانَا نَجِسَيْنِ.

ثُمَّ قِيلَ إنَّمَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إذَا خَرَجَ الْمَنِيُّ قَبْلَ الْمَذْيِ

٥٣٢

أَمَّا لَوْ خَرَجَ الْمَذْيُ أَوَّلًا، ثُمَّ خَرَجَ الْمَنِيُّ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ مَسْأَلَةُ الْمَنِيِّ مُشْكِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْفَحْلَ يُمْذِي، ثُمَّ يُمْنِي وَالْمَذْيُ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ مَغْلُوبٌ بِالْمَنِيِّ فَيُجْعَلُ تَبَعًا لَهُ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي رَأْسِ ذَكَرِهِ نَجَاسَةٌ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَقَالَ الْفَقِيهُ أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عِنْدِي أَنَّ الْمَنِيَّ إذَا خَرَجَ مِنْ رَأْسِ الْإِحْلِيلِ عَلَى سَبِيلِ الدَّفْقِ وَلَمْ يَنْتَشِرْ عَلَى رَأْسِهِ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ؛

لِأَنَّ الْبَوْلَ الَّذِي هُوَ دَاخِلُ الذَّكَرِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَمُرُورُ الْمَنِيِّ عَلَيْهِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ

٥٣٣

بِخِلَافِ مَا إذَا انْتَشَرَ عَلَى رَأْسِ الْإِحْلِيلِ حَيْثُ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْفَرْكِ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ الَّذِي خَارِجَ الْإِحْلِيلِ مُعْتَبَرٌ فَلَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ حَتَّى لَوْ بَالَ وَلَمْ يُجَاوِزْ الْبَوْلُ ثُقْبَ الْإِحْلِيلِ يُكْتَفَى بِالْفَرْكِ وَلَوْ أَصَابَ الْمَنِيُّ شَيْئًا لَهُ بِطَانَةٌ فَنَفَذَ إلَى الْبِطَانَةِ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ هُوَ الصَّحِيحُ وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَ الْمَنِيُّ غَلِيظًا فَجَفَّ يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ وَأَسْفَلُهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُصِيبُهُ الْبِلَّةُ دُونَ الْجِرْمِ، ثُمَّ إذَا فُرِكَ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ عِنْدَهُمَا وَفِي أَظْهَرْ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ تَقِلُّ النَّجَاسَةُ بِالْفَرْكِ وَلَا يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ حَتَّى لَوْ أَصَابَهُ مَاءٌ عَادَ نَجِسًا عِنْدَهُ وَلَا يَعُودُ عِنْدَهُمَا وَلَهَا أَخَوَاتٌ مِنْهَا أَنَّ الْخُفَّ إذَا أَصَابَهُ نَجَسٌ وَدَلَّكَهُ، ثُمَّ وَصَلَ الْمَاءُ إلَيْهِ وَمِنْهَا الْأَرْضُ إذَا أَصَابَهَا نَجَاسَةٌ وَذَهَبَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ، ثُمَّ وَصَلَ إلَيْهَا الْمَاءُ وَمِنْهَا جِلْدُ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَ بِالشَّمْسِ أَوْ التَّتْرِيبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الدَّبَّاغِ الْحُكْمِيِّ، ثُمَّ أَصَابَهُ الْمَاءُ وَمِنْهَا الْبِئْرُ إذَا وَجَبَ نَزْحُ مَائِهَا فَغَارَ الْمَاءُ، ثُمَّ عَادَ فَكُلُّهَا تُحْكَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، ثُمَّ الْمَنِيُّ إذَا أَصَابَ الْبَدَنَ لَا يَجْزِي فِيهِ الْفَرْكُ فِيمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لِرُطُوبَةِ الْبَدَنِ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَطْهُرُ؛

لِأَنَّ الْبَلْوَى فِي حَقِّهِ أَشَدُّ وَعَنْ الْفَضْلِيِّ أَنَّ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ لَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ؛ لِأَنَّهُ رَقِيقٌ.

قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

حاشية الشلبيالشلبي، حاشية على تبيين الحقائق

(قَوْلُهُ: فَيُجْعَلُ تَبَعًا لَهُ) وَهَذَا ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْوَاقِعُ أَنَّهُ لَا يُمْنِي حَتَّى يُمْذِيَ وَقَدْ طَهَّرَهُ الشَّرْعُ بِالْفَرْكِ يَابِسًا يَلْزَمُ أَنَّهُ اعْتَبَرَ ذَلِكَ الِاعْتِبَارَ أَعْنِي اعْتَبَرَهُ مُسْتَهْلِكًا لِلضَّرُورَةِ

٤٠٩

بِخِلَافِ مَا إذَا بَالَ وَلَمْ يَسْتَنْجِ بِالْمَاءِ حَتَّى أَمْنَى فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ حِينَئِذٍ إلَّا بِالْغُسْلِ لِعَدَمِ الْمُلْجِئِ كَمَا قِيلَ. اهـ. كَمَالٌ.

(قَوْلُهُ: يَطْهُرُ بِالدَّلْكِ) وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَرْكِ اهـ قَالَ الْكَمَالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي زَادِ الْفَقِيرِ وَتَطْهِيرُ الْأَرْضِ إذَا كَانَتْ رَخْوَةً بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا ثَلَاثًا وَإِنْ كَانَتْ صَلْبَةً قَالُوا يُصَبُّ عَلَيْهَا، ثُمَّ تُنَشَّفُ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَإِنْ صَبَّ عَلَيْهَا كَثِيرًا حَتَّى تَصَرَّفَتْ النَّجَاسَةُ وَلَمْ يَبْقَ رِيحُهَا وَلَا لَوْنُهَا وَتُرِكَتْ حَتَّى جَفَّتْ طَهُرَتْ اهـ

( قَوْلُهُ: وَمِنْهَا الْبِئْرُ إذَا وَجَبَ نَزْحُ مَائِهَا فَغَارَ الْمَاءُ، ثُمَّ عَادَ فَكُلُّهَا تُحْكَى عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) قَالَ الْكَمَالُ

٤١٠

وَظَاهِرُهُ كَوْنُ الظَّاهِرِ النَّجَاسَةَ فِي الْكُلِّ وَالْأَوْلَى اعْتِبَارُ الطَّهَارَةِ فِي الْكُلِّ كَمَا اخْتَارَهُ شَارِحُ الْمَجْمَعِ فِي الْأَرْضِ وَهِيَ أَبْعَدُ الْكُلِّ إذْ لَا صُنْعَ فِيهَا أَصْلًا لِيَكُونَ تَطْهِيرًا؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ شَرْعًا بِالْجَفَافِ عَلَى مَا فَسَّرَ بِهِ مَعْنَى الزَّكَاةِ فِي الْآثَارِ وَمُلَاقَاةِ الطَّاهِرِ الطَّاهِرَ لَا تُوجِبُ التَّنْجِيسَ

٤١١

بِخِلَافِ الْمُسْتَنْجِي بِالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ لَوْ دَخَلَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ نَجُسَ عَلَى مَا قَالُوهُ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَاءِ لَمْ يُعْتَبَرْ مُطَهِّرًا فِي الْبَدَنِ إلَّا فِي الْمَنِيِّ عَلَى رِوَايَةٍ وَالْجَوَازُ بِغَيْرِهِ لِسُقُوطِ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ عَفْوًا لَا لِطَهَارَتِهِ فَعَنْهُ أَخَذُوا كَوْنَ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فِي النَّجَاسَاتِ عَفْوًا اهـ

(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ رَقِيقٌ) أَيْ فَيُلْحَقُ بِنَجَسٍ لَا جِرْمَ لَهُ. اهـ. .

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.