فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

البحر الرائقابن نجيم

(قَوْلُهُ وَسُنَّ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْإِحْرَامِ وَعَرَفَةَ) أَيْ وَسُنَّ الْغُسْلُ لِأَجْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ

٥٧٥

أَمَّا الْجُمُعَةُ فَلِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ أَيْ فَبِالسُّنَّةِ أَخَذَ وَنِعْمَتْ هَذِهِ الْخَصْلَةُ

٥٧٦

وَقِيلَ فَبِالرُّخْصَةِ أَخَذَ وَنِعْمَتْ الْخَصْلَةُ هَذِهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِذَا اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةٌ لَا رُخْصَةٌ كَذَا فِي الطِّلْبَةِ وَالضَّمِيرُ فِي فَبِهَا يَعُودُ إلَى غَيْرِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ جَائِزٌ إذَا كَانَ مَشْهُورًا، وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَمَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ أَنَّهُ وَاجِبٌ عِنْدَ مَالِكٍ فَقَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ: إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالْوُجُوبِ إلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ وَتَمَسَّكُوا بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ.

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ»

وَقَدْ أَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْهُ بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْوُجُوبَ قَدْ كَانَ وَنُسِخَ وَدُفِعَ بِأَنَّ النَّاسِخَ،

٥٧٧

وَإِنْ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ لَا يَقْوَى قُوَّةَ حَدِيثِ الْوُجُوبِ وَلَيْسَ فِيهِ تَارِيخٌ أَيْضًا فَعِنْدَ التَّعَارُضِ يُقَدَّمُ الْمُوجِبُ ثَانِيهَا أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ انْتِهَاءِ الْحُكْمِ بِانْتِهَاءٍ عِلَّتِهِ كَمَا يُفِيدُهُ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ جَاءُوا فَقَالُوا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ: أَتَرَى الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبًا فَقَالَ: لَا وَلَكِنَّهُ طَهُورٌ وَخَيْرٌ لِمَنْ اغْتَسَلَ وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ وَسَأُخْبِرُكُمْ كَيْفَ بَدَأَ الْغُسْلُ «كَانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَيَعْمَلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَكَانَ مَسْجِدُهُمْ ضَيِّقًا مُقَارِبَ السَّقْفِ إنَّمَا هُوَ عَرِيشٌ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمٍ حَارٍّ وَعَرِقَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الصُّوفِ حَتَّى ثَارَتْ مِنْهُ رِيَاحٌ حَتَّى أَذَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلَمَّا وَجَدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تِلْكَ الرِّيَاحَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ فَاغْتَسِلُوا وَلْيَمَسَّ أَحَدُكُمْ أَمْثَلَ مَا يَجِدُ مِنْ دُهْنِهِ وَطِيبِهِ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ وَكُفُوا الْعَمَلَ وَوُسِّعَ مَسْجِدُهُمْ وَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ الْعَرَقِ وَثَالِثُهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ النَّسَبُ وَبِالْوُجُوبِ الثُّبُوتُ شَرْعًا عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ كَأَنَّهُ قَالَ: وَاجِبٌ فِي الْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ وَحُسْنُ السُّنَّةِ بِقَرِينَةٍ مُتَّصِلَةٍ وَمُنْفَصِلَةٍ

٥٧٨

أَمَّا الْمُتَّصِلَةُ، فَهِيَ أَنَّهُ قَرَنَهُ بِمَا لَا يَجِبُ اتِّفَاقًا كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ «غُسْلُ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَالسِّوَاكُ وَالطِّيبُ مَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطِّيبَ وَالسِّوَاكَ لَيْسَا بِوَاجِبَيْنِ، فَكَذَلِكَ الْغُسْلُ

٥٧٩

وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، فَإِنَّمَا أَرَادَ التَّشْبِيهَ فِي الْهَيْئَةِ وَالْكَيْفِيَّةِ لَا فِي كَوْنِهِ فَرْضًا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَدَنَا وَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا» ، وَهَذَا نَصٌّ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْوُضُوءِ،

٥٨٠

وَأَمَّا الْقَرِينَةُ الْمُنْفَصِلَةُ فَهِيَ قَوْلُهُ «وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» ،

٥٨١

وَأَمَّا كَوْنُ الْغُسْلِ سُنَّةً لِلْعِيدَيْنِ وَعَرَفَةَ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْ الْفَاكِهِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ وَزَادَ فِيهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَيْضًا وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ» ،

٥٨٢

وَأَمَّا كَوْنُهُ سُنَّةً لِلْإِحْرَامِ فَبِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْحَجِّ وَحَسَّنَهُ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ» وَذَهَبَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا إلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَغْسَالَ الْأَرْبَعَةَ مُسْتَحَبَّةٌ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي الْأَصْلِ إنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ حَسَنٌ

٥٨٣

قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَهُوَ النَّظَرُ؛ لِأَنَّا إنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْوُجُوبَ انْتَسَخَ لَا يَبْقَى حُكْمٌ آخَرُ بِخُصُوصِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَالدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ يُفِيدُ الِاسْتِحْبَابَ،

٥٨٤

وَكَذَا إنْ قُلْنَا بِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ انْتِهَاءِ الْحُكْمِ بِانْتِهَاءِ عِلَّتِهِ وَإِنْ حَمَلْنَا الْأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ فَدَلِيلُ النَّدْبِ يُفِيدُ الِاسْتِحْبَابَ إذْ لَا سُنَّةَ دُونَ مُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ ذَلِكَ لَازِمَ النَّدْبِ ثُمَّ يُقَاسُ عَلَيْهِ بَاقِي الْأَغْسَالِ، وَإِنَّمَا يَتَعَدَّى إلَى الْفَرْعِ حُكْمُ الْأَصْلِ، وَهُوَ الِاسْتِحْبَابُ،

٥٨٥

وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي الْعِيدَيْنِ وَعَرَفَةَ مِنْ حَدِيثَيْ الْفَاكِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمَا فَضَعِيفَانِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ،

٥٨٦

وَأَمَّا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْإِهْلَالِ فَوَاقِعَةُ حَالٍ لَا تَسْتَلْزِمُ الْمُوَاظَبَةَ فَاللَّازِمُ الِاسْتِحْبَابُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إهْلَالُهُ اسْمُ جِنْسٍ فَيَعُمُّ لَفْظًا كُلَّ إهْلَالٍ صَدَرَ مِنْهُ فَثَبَتَتْ سُنِّيَّةُ هَذَا الْغُسْلِ اهـ.

لَكِنْ قَالَ تِلْمِيذُهُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ اسْتِنَانُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ لِمَا عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ الْجَنَابَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ وَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَمِنْ الْحِجَامَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ،

٥٨٧

فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ظَاهِرُهُ يُفِيدُ الْمُوَاظَبَةَ وَمَا تَقَدَّمَ يُفِيدُ جَوَازَ التَّرْكِ مِنْ غَيْرِ لَوْمٍ، وَبِهَذَا الْقَدْرِ تَثْبُتُ السُّنَّةُ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْغُسْلُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ لِلصَّلَاةِ لَا لِلْيَوْمِ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْوَقْتِ، وَعِنْدَ الْحَسَنِ لِلْيَوْمِ إظْهَارًا لِفَضِيلَتِهِ هَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ،

٥٨٨

وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمِعْرَاجِ ذُكِرَ مُحَمَّدٌ مَكَانَ الْحَسَنِ وَقَالُوا الصَّحِيحُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ فِيمَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ هَلْ يُسَنُّ لَهُ الْغُسْلُ أَوْ لَا وَفِيمَنْ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى بِهِ الْجُمُعَةَ لَا يَكُونُ لَهُ فَضْلُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ خِلَافًا لِلْحَسَنِ وَفِيمَنْ اغْتَسَلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَعِنْد أَبِي يُوسُفَ لَا وَعِنْدَ الْحَسَنِ نَعَمْ كَذَا ذَكَرَ الشَّارِحُونَ وَالْمَنْقُولُ فِي فَتَاوَى قَاضِي خان فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا يُعْتَبَرُ بِالْإِجْمَاعِ، وَهُوَ الْأَوْلَى فِيمَا يَظْهَرُ لِي؛

لِأَنَّ سَبَبَ مَشْرُوعِيَّةِ هَذَا الْغُسْلِ لِأَجْلِ إزَالَةِ الْأَوْسَاخِ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ اللَّازِمِ مِنْهَا حُصُولُ الْأَذَى عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَحْصُلُ بِالْغُسْلِ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَالْحَسَنُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنْ كَانَ يَقُولُ هُوَ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الصَّلَاةِ وَلَا يَضُرُّ تَخَلُّلُ الْحَدَثِ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَضُرُّ وَفِي الْكَافِي لِلْمُصَنِّفِ وَخُلَاصَةِ الْفَتَاوَى تَظْهَرُ

٥٨٩

فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ اغْتَسَلَ قَبْلَ الصُّبْحِ وَصَلَّى بِهِ الْجُمُعَةَ نَالَ فَضْلَ الْغُسْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ الْحَسَنِ لَا وَتَعَقَّبَ الزَّيْلَعِيُّ الْحَسَنَ بِأَنَّهُ مُشْكِلٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ الِاغْتِسَالِ بِمَا سُنَّ الِاغْتِسَالُ لِأَجْلِهِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا بِطَهَارَةِ الِاغْتِسَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا يُوسُفَ لَا يَشْتَرِطُ الِاغْتِسَالَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَشْتَرِطُ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِطَهَارَةِ الِاغْتِسَالِ، فَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُنَا مُتَطَهِّرًا بِطَهَارَتِهِ فِي سَاعَةٍ مِنْ الْيَوْمِ عِنْدَ الْحَسَنِ

٥٩٠

لَا أَنْ يُنْشِئَ الْغُسْلَ فِيهِ اهـ.

وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ مَا اسْتَشْهَدَ بِهِ بِقَوْلِهِ أَلَا تَرَى إلَى آخِرِهِ لَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِشْهَادِ؛ لِأَنَّ مَا سُنَّ الِاغْتِسَالُ لِأَجْلِهِ عِنْدَ الْحَسَنِ، وَهُوَ الْيَوْمُ يُمْكِنُ إنْشَاءُ الْغُسْلِ فِيهِ

٥٩١

فَلَوْ قِيلَ بِاشْتِرَاطِهِ أَمْكَنَ بِخِلَافِ مَا سُنَّ الِاغْتِسَالُ لِأَجْلِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ الصَّلَاةُ لَا يُمْكِنُ إنْشَاءُ الْغُسْلِ فِيهَا فَافْتَرَقَا لَكِنَّ الْمَنْقُولَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خان مِنْ بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ إنْ اغْتَسَلَ قَبْلَ الصُّبْحِ وَصَلَّى بِذَلِكَ الْغُسْلِ كَانَتْ صَلَاةً بِغُسْلٍ عِنْدَ الْحَسَنِ وَفِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ لَوْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْخَمِيسِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ اسْتَنَّ بِالسُّنَّةِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ قَطْعُ الرَّائِحَةِ اهـ. وَلَمْ يَنْقُلْ خِلَافًا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَحْصُلَ السُّنَّةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِاشْتِرَاطِهِ أَنْ لَا يَتَخَلَّلَ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ حَدَثٌ وَالْغَالِبُ فِي مِثْلِ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الزَّمَانِ حُصُولُ حَدَثٍ بَيْنَهُمَا، وَلَا تَحْصُلُ السُّنَّةُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَسَنِ عَلَى مَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ

٥٩٢

أَمَّا عَلَى مَا فِي الْكَافِي فَظَاهِرٌ

٥٩٣

وَأَمَّا عَلَى مَا فِي غَيْرِهِ؛ فَلِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا بِطَهَارَةِ الِاغْتِسَالِ فِي الْيَوْمِ لَا قَبْلَهُ،

٥٩٤

وَلَوْ اتَّفَقَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَيَوْمُ الْعِيدِ أَوْ عَرَفَةَ وَجَامَعَ ثُمَّ اغْتَسَلَ يَنُوبُ عَنْ الْكُلِّ كَذَا فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ ثُمَّ فِي الْبَدَائِعِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غُسْلُ عَرَفَةَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ أَيْضًا يَعْنِي أَنْ يَكُونَ لِلْوُقُوفِ أَوْ لِلْيَوْمِ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لِلْوُقُوفِ، وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا ذَهَبَ إلَى اسْتِنَانِهِ لِيَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ عَرَفَاتٍ وَفِي الْمَنْبَعِ شَرْحِ الْمَجْمَعِ،

٥٩٥

فَإِنْ قُلْت هَلْ يَتَأَتَّى هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي غُسْلِ الْعِيدِ أَيْضًا قُلْت يُحْتَمَلُ ذَلِكَ وَلَكِنِّي مَا ظَفِرْت بِهِ اهـ.

قُلْت وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لِلصَّلَاةِ أَيْضًا، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا صَحَّ فِي مُوَطَّإِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ اهـ.

٥٩٦

وَعِبَارَةُ الْمَجْمَعِ أَوْلَى مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ: وَفِي عَرَفَةَ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ لَا يَنَالُ السُّنَّةَ إلَّا إذَا اغْتَسَلَ فِي نَفْسِ الْجَبَلِ

٥٩٧

بِخِلَافِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، فَإِنَّهَا صَادِقَةٌ بِمَا إذَا اغْتَسَلَ خَارِجَهُ لِأَجْلِهِ ثُمَّ دَخَلَهُ. .

منحة الخالقابن عابدين، حاشية على البحر الرائق

(قَوْلُهُ: وَتَعَقَّبَ الزَّيْلَعِيُّ الْحَسَنَ بِأَنَّهُ مُشْكِلٌ جِدًّا إلَخْ)

٢٤٥

قَالَ فِي النَّهْرِ مَا فِي الْكَافِي مَسْطُورٌ فِي الْخُلَاصَةِ وَعَزَاهُ فِي النِّهَايَةِ إلَى مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَإِذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ الْحَسَنِ كَذَلِكَ فَالْأَوْلَى صَرْفُ النَّظَرِ فِي إبْدَاءِ وَجْهِهَا وَلَا مَانِعَ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا اشْتَرَطَ إيقَاعَ الْغُسْلِ فِيهِ إظْهَارًا لِشَرَفِهِ وَمَزِيدِ اخْتِصَاصِهِ عَنْ غَيْرِهِ كَعَرَفَةَ عَلَى مَا يَأْتِي، وَإِنَّمَا لَمْ يُشْتَرَطْ لِلثَّانِي إيقَاعُهُ فِي الصَّلَاةِ لِلْمُنَافَاةِ نَعَمْ فِي الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ يُقَالُ أَيْضًا عِنْدَ الْحَسَنِ فَيَجُوزُ أَنَّ عَنْهُ رِوَايَتَيْنِ اهـ.

وَلَا يَخْفَى مَا فِي صَدْرِ كَلَامِهِ لِإِيهَامِهِ أَنَّ كَلَامَ الزَّيْلَعِيِّ فِي ثُبُوتِ الرِّوَايَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إشْكَالُهُ فِي كَلَامِ الْحَسَنِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ

(قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ) أَيْ فِي الْحِلْيَةِ عَلَى الْمُنْيَةِ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ عَلَى نَظْمِ الْكَنْزِ أَقُولُ: وَلَا يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَقُولَ أَحَدٌ بِسُنِّيَّتِهِ لِلْيَوْمِ لِفَضِيلَتِهِ حَتَّى لَوْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ فِي أَفْضَلِ أَيَّامِ الْعَامِّ تَطْلُقُ يَوْمَ عَرَفَةَ ذَكَرَهُ ابْنُ مَلَكٍ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ وَقَدْ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَدَارَ بَيْنَ الْأَقْوَامِ وَكَتَبَ بَعْضُهُمْ بِأَفْضَلِيَّةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَالْعَقْلُ بِخِلَافِهِ. اهـ.

(قَوْلُهُ: قُلْت وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لِلصَّلَاةِ أَيْضًا)

٢٤٦

قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: فِي الدُّرَرِ لِمُنْلَا خُسْرو مَا لَفْظُهُ

٢٤٧

وَيُسَنُّ لِصَلَاةِ جُمُعَةٍ وَلِعِيدٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ أَعَادَ اللَّامَ لِئَلَّا يُفْهَمَ كَوْنُهُ سُنَّةً لِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لِلْيَوْمِ فَقَطْ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ السُّرُورَ فِيهِ عَامٌّ فَيُنْدَبُ فِيهِ التَّنْظِيفُ لِكُلِّ قَادِرٍ عَلَيْهِ صَلَّى أَمْ لَا اهـ.

أَقُولُ: نَقَلَ الْقُهُسْتَانِيُّ عَنْ التُّحْفَةِ أَنَّ غُسْلَ الْعِيدَيْنِ فِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ وَالْحَسَنِ.

[الْغُسْل الواجب]

النهر الفائقعمر ابن نجيم

(وسن الغسل للجمعة) أي لصلاتها وهذا قول الثاني وهو الأصح وفي إيضاح الإصلاح وهو ظاهر الرواية وقال محمد ليومها ونسبه كثير إلى الحسن وأثر الخلاف فيمن لا جمعة عليه لو اغتسل وفيمن أحدث بعد الغسل وصلى بالوضوء قال الحسن الفضل عند الحسن لا عند الثاني قيل وفيمن اغتسل قبل الغروب إلا أن المذكور في الخانية انه لو اغتسل بعد الصلاة لا يعتبر إجماعا لأنه شرع لدفع الأذى عند الاجتماع وقد فات قلا في (الكافي) وتظهر أيضا فيمن اغتسل قبل الفجر وصلى بها ينال عند الثاني لا عند الحسن واستشكله الشارح بان ما لا يسن الاغتسال لأجله لا يشترط فيه وجود الاغتسال بل كونه وللعيدين والإحرام وعرفه ووجب للميت ولمن اسلم جنبا وإلا ندب متطهرا بطهارته قبله إلا ترى أن الثاني لا يشترطه في الصلاة وأقول ما في (الكافي) مسطور (الخلاصة) وعزاه في (النهاية) إلى (مبسوط) شيخ الإسلام وإذ ثبت أن الرواية عن الحسن كذلك فالأولى صرف النظر في إبداء وجهها ولا مانع أن يقال إنما اشترط إيقاع الغسل فيه إظهارا لشرفه ومزيد اختصاصه عن غيره كعرفة على ما يأتي وإنما لم يشترط الثاني إيقاعه في الصلاة للمنافاة نعم في (الخانية) انه ينال أيضا عند الحسن فيجوزان عنه روايتين وفي (الدراية) عن (صلاة الجلابي) اغتسل يوم الخميس أو ليلة الجمعة استسن بالسنة لحصول المقصود وهو قطع الرائحة

٢٠٧

قال في (البحر) وينبغي أن لا تحصل السنة أي اتفاقا

٢٠٨

أما على قول الثاني فلاشتراط الصلاة ب هاو الغالب وجود الحدث

٢٠٩

وأما على الحسن على ما في (الكافي) فظاهر

٢١٠

وأما على غيره فلأنه يشترط أن يكون متطهرا بطهارة الاغتسال في اليوم لا قبله انتهى. يعني والغالب وجود الحدث أيضا. (و) سن أيضا (للعيدين) قال العيني في (شرح المجمع) يحتمل أن يجري فيهما الخلاف السابق لكني لم اظفر به وفي الظاهر انه للصلاة أيضا وأقول في (الدرر) لمنلا خسرو ما لفظه

٢١١

ويسن لصلاة الجمعة ولعيد قال المصنف في شرحه أعاد اللام لئلا يفهم كونه سنه لصلاة العيد وهذا صريح في انه لليوم فقط وذلك لأن السرور في عام فيندب فيه التنظيف لكل قادر عليه صلى أم لا (والإحرام) أي لأجله ولا أظن أحدا قال أن لليوم فقط (و) للوقوف في (عرفة)

٢١٢

قال في (البدائع) يجوز أن يكون غسل عرفة على الخلاف السابق قال ابن أمير حاج ولا أظن أحدا قال انه لليوم فقط بل الظاهر للوقوف وبقي انه لا بد في تحصيل السنة من كونه داخلها

تعليق

فلو قال كما في (المجمع) يعني لعدم المواظبة لكن قد نقلت في الجمعة ومن ثم قال الحلبي الذي يظهر استنانه والله الموفق

تبيين الحقائقالزيلعي

(وَسُنَّ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالْإِحْرَامِ وَعَرَفَةَ) أَيْ سُنَّ الِاغْتِسَالُ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ

١٤٣

أَمَّا الْجُمُعَةُ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى وُجُوبِهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ»، وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ تَوَضَّأَ لِلْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَذَلِكَ أَفْضَلُ» وَلِأَنَّهُ يَوْمُ اجْتِمَاعٍ فَيُسَنُّ فِيهِ الِاغْتِسَالُ كَيْ لَا يَتَأَذَّى بَعْضُهُمْ بِرَوَائِحِ بَعْضٍ وَمَا رَوَاهُ مَنْسُوخٌ بِهِ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، ثُمَّ هَذَا الِاغْتِسَالُ لِلْيَوْمِ عِنْدَ الْحَسَنِ إظْهَارًا لِفَضِيلَتِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ عَلَى مَا قَالَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «سَيِّدُ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: هُوَ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْوَقْتِ، وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ تَخْتَصُّ بِهَا، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْجُمُعَةَ لَا يَكُونُ لَهُ فَضْلُ مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَهُ يَكُونُ لَهُ فَضْلُهُ أَوْ اغْتَسَلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْغُرُوبِ، أَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ كَأَهْلِ الْبَرِّيَّةِ وَالْمُسَافِرِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ، فَإِنَّهُ لَا يُسَنُّ الِاغْتِسَالُ فِي حَقِّهِمْ عِنْدَهُ خِلَافًا لِلْحَسَنِ وَفِي الْكَافِي لَوْ اغْتَسَلَ قَبْلَ الصُّبْحِ وَصَلَّى بِهِ الْجُمُعَةَ نَالَ فَضْلَ الْغُسْلِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ الْحَسَنِ، لَا وَهُوَ مُشْكِلٌ جِدًّا لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ وُجُودَ الِاغْتِسَالِ فِيمَا سُنَّ الِاغْتِسَالُ لِأَجْلِهِ، وَإِنَّمَا يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ، وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ بِطَهَارَةِ الِاغْتِسَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا يُوسُفَ لَا يَشْتَرِطُ الِاغْتِسَالَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يَشْتَرِطُ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِطَهَارَةِ الِاغْتِسَالِ، فَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هُنَا مُتَطَهِّرًا بِطَهَارَتِهِ فِي سَاعَةٍ مِنْ الْيَوْمِ عِنْدَ الْحَسَنِ

١٤٤

لَا أَنْ يُنْشِئَ الْغُسْلَ فِيهِ،

١٤٥

وَأَمَّا غُسْلُ الْعِيدَيْنِ وَعَرَفَةَ فَلِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُقْبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَيَوْمَ الْفِطْرِ»،

١٤٦

وَأَمَّا الْإِحْرَامُ فَلِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اغْتَسَلَ لِإِهْلَالِهِ.»

قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

حاشية الشلبيالشلبي، حاشية على تبيين الحقائق

(قَوْلُهُ فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ) أَيْ وَهُوَ مَالِكٌ وَالظَّاهِرِيَّةُ. اهـ.

(قَوْلُهُ «مَنْ تَوَضَّأَ لِلْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ» ) أَيْ فَبِالسُّنَّةِ أَخَذَ وَنِعْمَتْ هَذِهِ الْخَصْلَةُ

٩٥

وَقِيلَ أَيْ بِالرُّخْصَةِ أَخَذَ وَنِعْمَتْ الْخَصْلَةُ هَذِهِ، وَهَذَا أَوْلَى أَيْ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ قَالَ وَإِنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةٌ لَا رُخْصَةٌ كَذَا فِي الطِّلْبَةِ وَالضَّمِيرُ فِي بِهَا يَعُودُ إلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ،

٩٦

وَيَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَشْهُورًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {حَتَّى تَوَارَتْ} أَيْ الشَّمْسُ. اهـ. كَاكِيٌّ وَنِعْمَتْ بِتَاءٍ مَمْدُودَةٍ وَالْمُدَوَّرَةُ خَطَأٌ،

٩٧

وَكَذَا الْمَدُّ مَعَ الْفَتْحِ فِي قَوْلِهِ فِيهَا وَهُوَ لِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَبَهَاءٌ وَنِعْمَةٌ حَاشِيَةُ الْهِدَايَةِ لِلدَّامَغَانِيِّ

(قَوْلُهُ وَمَا رَوَاهُ مَنْسُوخٌ) وَالْمُرَادُ بِالنَّسْخِ نَسْخُ صِفَةِ الْوُجُوبِ دُونَ شَرْعِيَّتِهِ. اهـ. كَاكِيٌّ

(قَوْلُهُ ثُمَّ هَذَا الِاغْتِسَالُ لِلْيَوْمِ) وَنَقَلَ الْكَاكِيُّ عَنْ الْكَافِي أَنَّهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِلْيَوْمِ اهـ.

(قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ) قُلْت فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ خِلَافُ هَذَا قَالَ الْغُسْلُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ مِنْ السُّنَّةِ الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاخْتَلَفُوا أَنَّ الْغُسْلَ لِلصَّلَاةِ أَمْ لِلْيَوْمِ قَالَ س لِلْيَوْمِ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ،

٩٨

وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالِاغْتِسَالُ لِلصَّلَاةِ لَا لِلْيَوْمِ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا يُعْتَبَرُ وَلَوْ كَانَ الِاغْتِسَالُ لِلْيَوْمِ وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ،

٩٩

وَإِذَا اغْتَسَلَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى لَمْ يَكُنْ صَلَاةً بِغُسْلٍ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ حَتَّى صَلَّى كَانَ صَلَاةً بِغُسْلٍ،

١٠٠

وَقَالَ الْحَسَنُ إنْ اغْتَسَلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَصَلَّى بِذَلِكَ الْغُسْلِ كَانَ صَلَاةً بِغُسْلٍ وَإِنْ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى لَا يَكُونُ بِغُسْلٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَشَهِدَ الْجُمُعَةَ قَالَ س لَا يَكُونُ هَذَا كَاَلَّذِي شَهِدَ الْجُمُعَةَ عَلَى غُسْلٍ،

١٠١

وَقَالَ إنْ كَانَ الْغُسْلُ لِلْيَوْمِ فَهُوَ غُسْلٌ تَامٌّ،

١٠٢

وَإِنْ كَانَ لِلصَّلَاةِ فَإِنَّمَا شَهِدَ الصَّلَاةَ عَلَى وُضُوءٍ

١٠٣

وَكَذَا إذَا اغْتَسَلَ لِلْإِحْرَامِ فَبَالَ وَتَوَضَّأَ ثُمَّ أَحْرَمَ كَانَ إحْرَامُهُ عَلَى وُضُوءٍ اهـ.

قُلْت قَوْلُهُ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ اغْتَسَلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَا يُعْتَبَرُ، وَقَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ فِي مُخْتَارَاتِ الْفَتَاوَى وَلَوْ اغْتَسَلَ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لَا يُعْتَبَرُ بِالْإِجْمَاعِ يَرُدُّ مَا يُشِيرُ إلَيْهِ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلزَّيْلَعِيِّ أَنَّ عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ تَحْصُلُ السُّنَّةُ بِالْغُسْلِ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَاَلَّذِي جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ يَقْتَضِي إنْشَاءَ الْغُسْلِ فِي الْيَوْمِ وَالصَّلَاةَ بِهِ، رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ وَمَسَّ طِيبًا إنْ كَانَ عِنْدَهُ ثُمَّ مَشَى إلَى الْجُمُعَةِ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَلَمْ يَتَخَطَّ أَحَدًا وَلَمْ يُؤْذِهِ، ثُمَّ رَكَعَ مَا قُضِيَ لَهُ بِهِ ثُمَّ يَنْتَظِرُ حَتَّى يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ»، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَنْ اغْتَسَلَ وَمَسَّ طِيبًا إنْ كَانَ عِنْدَهُ وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ ثُمَّ خَرَجَ ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَلَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ وَأَنْصَتَ إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا»، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَخَطَايَاهُ وَإِذَا أَخَذَ فِي الْمَشْيِ إلَى الْجُمُعَةِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ عِشْرِينَ سَنَةً»، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّارُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ دَنَا حَيْثُ يَسْمَعُ خُطْبَةَ الْإِمَامِ» الْحَدِيثَ، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَهُ كَفَّارَةُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةِ ثَلَاثَة أَيَّامٍ» اهـ مِنْ حَاشِيَةِ شَرْحِ الْمُجْمَعِ لِلْعَلَّامَةِ زَيْنِ الدِّينِ قَاسِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اهـ.

(قَوْلُهُ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ) الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الْحَسَنِ وُجُودُ طَهَارَةِ الْغُسْلِ فِي الْيَوْمِ لَا إيقَاعُهَا فِيهِ، وَقَدْ وُجِدَتْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَيَنَالُ فَضْلَ الْغُسْلِ عِنْدَ الْحَسَنِ أَيْضًا اهـ. وَقَدْ يُقَالُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ السُّنَّةُ فِيهِ إنْشَاءَهُ فِيهِ وَلَا يَلْزَمُ مَا ذَكَرَ فِي الصَّلَاةِ لِلتَّنَافِي بَيْنَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ فَلَا يُمْكِنُ إنْشَاؤُهُ فِيهَا، وَجَمِيعُ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدُلُّ عَلَى إنْشَائِهِ فِي الْيَوْمِ إذْ أَلْفَاظُهُ «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ»«اغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ»«غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ»«لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا»«مَنْ رَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ»«مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ». اهـ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.