وللمسافر
الشروح عليها
(قَوْلُهُ: وَلِلْمُسَافِرِ وَصَوْمُهُ أَحَبُّ إنْ لَمْ يَضُرَّهُ) أَيْ جَازَ لِلْمُسَافِرِ الْفِطْرُ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يَعْرَى عَنْ الْمَشَقَّةِ فَجُعِلَ فِي نَفْسِهِ عُذْرًا
بِخِلَافِ الْمَرَضِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَخِفُّ بِالصَّوْمِ فَشَرَطَ كَوْنَهُ مُفْضِيًا إلَى الْحَرَجِ وَإِنَّمَا كَانَ الصَّوْمُ أَفْضَلَ إنْ لَمْ يَضُرَّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} وَلِأَنَّ رَمَضَانَ أَفْضَلُ الْوَقْتَيْنِ فَكَانَ فِيهِ الْأَدَاءُ أَوْلَى وَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا الْقَصْرُ فِي الصَّلَوَاتِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ حَتَّى يَأْثَمَ بِالْإِتْمَامِ؛ لِأَنَّ الْقَصْرَ هُوَ الْعَزِيمَةُ وَتَسْمِيَتُهُمْ لَهُ رُخْصَةً إسْقَاطُ مَجَازٍ، وَقَوْلُ صَاحِبِ غَايَةِ الْبَيَانِ إنَّ الْقَصْرَ أَفْضَلُ تَسَامُحٌ
وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَصَوْمُهُمَا أَحَبُّ إنْ لَمْ يَضُرَّهُمَا لَكَانَ أَوْلَى لِشُمُولِهِ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ إنْ لَمْ يَضُرَّهُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ إنْ ضَرَّهُ بِأَنْ شَقَّ عَلَيْهِ فَالْفِطْرُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» قَالَهُ لِرَجُلٍ صَائِمٍ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ أَرَادَ الْمُسَافِرُ أَنْ يُقِيمَ فِي مِصْرٍ أَوْ يَدْخُلَ مِصْرَهُ كُرِهَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي الْيَوْمِ الْمُبِيحُ وَهُوَ السَّفَرُ وَالْمُحَرِّمُ وَهُوَ الْإِقَامَةُ فَرَجَّحْنَا الْمُحَرِّمَ احْتِيَاطًا وَصَرَّحَ فِي الْخُلَاصَةِ بِكَرَاهَةِ الصَّوْمِ إنْ أَجْهَدَهُ وَأَطْلَقَ الضَّرَرَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِضَرَرِ بَدَنِهِ؛
لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَضُرَّهُ الصَّوْمُ لَكِنْ كَانَ رُفَقَاؤُهُ أَوْ عَامَّتُهُمْ مُفْطِرِينَ وَالنَّفَقَةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمْ فَالْإِفْطَارُ أَفْضَلُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَالظَّهِيرِيَّةِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الْمَالِ كَضَرَرِ الْبَدَنِ
وَأَشَارَ إلَى أَنَّ إنْشَاءَ السَّفَرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ جَائِزٌ لِإِطْلَاقِ النَّصِّ خِلَافًا لِعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي الْوَلْوَالِجيَّةِ وَالسَّفَرُ الَّذِي يُبِيحُ الْفِطْرَ هُوَ الَّذِي يُبِيحُ الْقَصْرَ؛ لِأَنَّ كِلَاهُمَا قَدْ ثَبَتَتْ رُخْصَتُهُ وَأَطْلَقَ السَّفَرَ فَشَمِلَ سَفَرَ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ لِمَا عُرِفَ وَأَرَادَ بِالضَّرَرِ الضَّرَرَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ خَوْفُ الْهَلَاكِ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ خَوْفَ الْهَلَاكِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ فَالْإِفْطَارُ فِي مِثْلِهِ وَاجِبٌ لَا أَنَّهُ أَفْضَلُ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَمِنْهُ مَا إذَا أُكْرِهَ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ فَإِنَّ الْإِفْطَارَ وَاجِبٌ وَلَا يَسَعُهُ الصَّوْمُ حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِفْطَارِ فَقُتِلَ يَأْثَمُ كَالْإِكْرَاهِ عَلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ صَحِيحًا مُقِيمًا فَأُكْرِهَ بِقَتْلِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُرَخَّصُ لَهُ الْفِطْرُ وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِفْطَارِ حَتَّى قُتِلَ يُثَابُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ ثَابِتٌ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ وَأَثَرُ الرُّخْصَةِ بِالْإِكْرَاهِ فِي سُقُوطِ الْإِثْمِ بِالتَّرْكِ لَا فِي سُقُوطِ الْوَاجِبِ كَالْإِكْرَاهِ عَلَى الْكُفْرِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِهِ أُكْرِهَ بِقَتْلِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ لَهُ لَتُفْطِرَنَّ أَوْ لَأَقْتُلَنَّ وَلَدَك فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ كَقَوْلِهِ لَتَشْرَبَنَّ الْخَمْرَ أَوْ لَأَقْتُلَنَّ وَلَدَك فَصَارَ كَتَهْدِيدِهِ بِالْحَبْسِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ الْمُسَافِرُ إذَا تَذَكَّرَ شَيْئًا قَدْ نَسِيَهُ فِي مَنْزِلِهِ فَدَخَلَ فَأَفْطَرَ ثُمَّ خَرَجَ قَالَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ قِيَاسًا؛
لِأَنَّهُ مُقِيمٌ عِنْدَ الْأَكْلِ حَيْثُ رَفَضَ سَفَرَهُ بِالْعَوْدِ إلَى مَنْزِلِهِ وَبِالْقِيَاسِ نَأْخُذُ. اهـ.
(قَوْلُهُ: فَجَعَلَ نَفْسَهُ عُذْرًا أَيْ نَفْسَ السَّفَرِ عُذْرًا وَإِنْ عَرَا) عَنْ الْمَشَقَّةِ؛ لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِيهِ غَالِبًا، وَالنَّادِرُ كَالْعَدَمِ فَأُنِيطَتْ الرُّخْصَةُ بِنَفْسِ السَّفَرِ وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ بَلَدًا وَلَمْ يَنْوِ فِيهِ إقَامَةَ نِصْفِ شَهْرٍ أَنَّ لَهُ الْفِطْرَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي قَرِيبًا فِي كَلَامِهِ مِنْ عِبَارَةِ الْمُحِيطِ حَيْثُ عَلَّقَ كَرَاهَةَ الْفِطْرِ عَلَى الْإِقَامَةِ فِي مِصْرٍ أَوْ دُخُولِهِ إلَى مِصْرِهِ فَفَرَّقَ بَيْنَ مِصْرِهِ وَغَيْرِ مِصْرِهِ فَعَلَّقَ الْكَرَاهَةَ فِي مِصْرِهِ عَلَى الدُّخُولِ وَفِي غَيْرِ مِصْرِهِ عَلَى الْإِقَامَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا يَذْكُرُهُ عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ مِنْ أَنَّ السَّفَرَ الْمُبِيحَ لِلْفِطْرِ هُوَ الْمُبِيحُ لِلْقَصْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(قَوْلُهُ: وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ أَرَادَ الْمُسَافِرُ إلَخْ) أَيْ إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُسَافِرًا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَأَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ مِصْرًا غَيْرَ مِصْرِهِ وَيَنْوِيَ فِيهِ الْإِقَامَةَ أَوْ يَدْخُلَ مِصْرَهُ مُطْلَقًا يَجِبُ عَلَيْهِ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ تَرْجِيحًا لِلْمُحَرَّمِ وَهُوَ الْإِقَامَةُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا إذَا كَانَ دُخُولُهُ الْمِصْرَ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ كَمَا يُفِيدُهُ مَا سَيَأْتِي فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِفْطَارَ إلَخْ حِينَئِذٍ يَكُونُ قَدْ اجْتَمَعَ فِيهِ الْمُبِيحُ وَالْمُحَرِّمُ
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي وَقْتِ النِّيَّةِ مُسَافِرًا؛ لِأَنَّهُ تَمَحَّضَ فِيهِ الْمُبِيحُ. نَعَمْ بَعْدَ إقَامَتِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُ بَقِيَّةِ يَوْمِهِ كَمَا سَيَأْتِي هَذَا مَا ظَهَرَ لِي، تَأَمَّلْ.
لَكِنْ رَأَيْت فِي الْبَدَائِعِ مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ عِبَارَةَ الْمُحِيطِ الْمَذْكُورَةَ فَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّهُ يَتَّفِقُ دُخُولُهُ الْمِصْرَ حِينَ تَغِيبُ الشَّمْسُ فَلَا بَأْسَ بِالْفِطْرِ فِيهِ اهـ.
ذَكَرَ ذَلِكَ قُبَيْلَ بَابِ الِاعْتِكَافِ
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ ضَرَرَ الْمَالِ كَضَرَرِ الْبَدَنِ)
قَالَ فِي النَّهْرِ عَلَّلَ فِي الْفَتَاوَى أَفْضَلِيَّةَ الْإِفْطَارِ بِمُوَافَقَةٍ
(وللمسافر) الفطر أيضًا لما قلنا.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَلِلْمُسَافِرِ وَصَوْمُهُ أَحَبُّ إنْ لَمْ يَضُرَّهُ) أَيْ لِلْمُسَافِرِ الْفِطْرُ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِمَنْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ وَإِنَّمَا جَازَ الْفِطْرُ لِأَنَّ السَّفَرَ لَا يَخْلُو عَنْ الْمَشَقَّةِ وَلِهَذَا قِيلَ الْمَسَافَةُ مَسُّ آفَةٍ وَأُقِيمَ نَفْسُ السَّفَرِ مَقَامَهَا وَأُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ
بِخِلَافِ الْمَرَضِ لِأَنَّهُ يَزِيدُ بِالْأَكْلِ وَيَخِفُّ بِتَرْكِهِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ الْمُبِيحُ بِمُجَرَّدِهِ وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ إنْ لَمْ يَضُرَّهُ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الْفِطْرُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» وَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الظَّاهِرِ لَا يَجُوزُ لِمَا رَوَيْنَا وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فَقِيلَ إدْرَاكُ الْعِدَّةِ يَكُونُ قَبْلَ وُجُودِ السَّبَبِ فَصَارَ رَمَضَانُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ كَشَعْبَانَ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} وقَوْله تَعَالَى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} عَامٌّ فِي حَقِّ الْكُلِّ وَإِنَّمَا أُجِيزَ لَهُ التَّأْخِيرُ رُخْصَةً فَإِذَا أَخَذَ بِالْعَزِيمَةِ كَانَ أَفْضَلَ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْوَقْعُ الْإِنْكَارُ وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» خَرَجَ فِي مُسَافِرٍ ضَرَّهُ الصَّوْمُ عَلَى مَا رُوِيَ فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُ غُشِيَ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ رَمَضَانَ أَفْضَلُ الْوَقْتَيْنِ فَكَانَ الْأَدَاءُ فِيهِ أَفْضَلَ وَلِهَذَا كَانُوا يَجْتَهِدُونَ عَلَى تَحْصِيلِهِ فِي رَمَضَانَ حَتَّى رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ حَتَّى إنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ مَا فِينَا صَائِمٌ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ «سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} أَيْ يُشْرَعُ الْإِفْطَارُ فِي رَمَضَانَ وَالْقَضَاءُ بَعْدَهُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ فَلَمْ يُرِدْ الْعُسْرَ بِنَا وَإِنَّمَا أَرَادَ الْيُسْرَ وَلَا يَتَعَيَّنُ الْيُسْرُ بِالتَّأْخِيرِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ مُوَافَقَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي الصَّوْمِ أَيْسَرُ عِنْدَهُ مِنْ أَنْ يَصُومَ بَعْدَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ فَيَتَخَيَّرَ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ وَأُقِيمَ نَفْسُ السَّفَرِ مَقَامَهَا) لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ أَمْرٌ بَاطِنٌ فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ لَهُ الْإِفْطَارُ وَبِمُجَرَّدِ السَّفَرِ لَحِقَتْهُ الْمَشَقَّةُ أَوَّلًا انْتَهَى أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْمَرَضِ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
بِخِلَافِ الْمَرَضِ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ ثَمَّةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِحَقِيقَةِ الْعَجْزِ لِأَنَّ الْمَرَضَ الَّذِي يَنْفَعُهُ الِاحْتِمَاءُ لَا يُبِيحُ الْإِفْطَارَ فَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ الْإِفْطَارُ بِمُجَرَّدِ الْمَرَضِ مَا لَمْ يَكُنْ صَوْمُهُ مُفْضِيًا إلَى الْحَرَجِ انْتَهَى
(قَوْلُهُ وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُسَافِرَ يَجُوزُ لَهُ الْإِفْطَارُ كَيْفَمَا كَانَ يُمْكِنُ وَإِذَا لَحِقَتْهُ الْمَشَقَّةُ مِنْ الصَّوْمِ فَالْإِفْطَارُ أَفْضَلُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِذَا لَمْ تَلْحَقْهُ الْمَشَقَّةُ فَعِنْدَنَا الصَّوْمُ أَفْضَلُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْإِفْطَارُ أَفْضَلُ انْتَهَى وَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا الْقَصْرُ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِكْمَالِ لِأَنَّ ذَاكَ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ وَهَذَا رُخْصَةُ تَرْفِيهٍ انْتَهَى أَتْقَانِيٌّ
(قَوْلُهُ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ الْفِطْرُ أَفْضَلُ إلَخْ) الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ كَمَذْهَبِنَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ ذَكَرَ الْخُرَاسَانِيُّونَ قَوْلًا شَاذًّا ضَعِيفًا مُخَرَّجًا مِنْ الْقَصْرِ أَنَّ الْفِطْرَ أَفْضَلُ انْتَهَى غَايَةٌ وَفِي الْحِلْيَةِ قَالَ أَحْمَدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ الْفِطْرُ أَفْضَلُ وَفِي الْمُغْنِي عِنْدَ ابْنِ حَنْبَلٍ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ مَكْرُوهٌ انْتَهَى كَاكِيٌّ
(قَوْلُهُ وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» إلَخْ) مَخْصُوصٌ بِسَبَبِهِ انْتَهَى فَتْحٌ
(قَوْلُهُ عَلَى مَا رُوِيَ فِي الْقِصَّةِ) هُوَ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا صَائِمٌ فَقَالَ لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» انْتَهَى فَتْحُ الْقَدِيرِ قَوْلُهُ فِي السَّفَرِ أَيْ لِمَنْ هَذَا حَالُهُ انْتَهَى كَافِي
(قَوْلُهُ حَتَّى رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ) وَاسْمُهُ عُوَيْمِرُ بْنُ عَامِرٍ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنْصَارِيٌّ حَارِثِيٌّ مَدَنِيٌّ نَزَلَ الشَّامَ انْتَهَى غَايَةٌ
(قَوْلُهُ مَا فِينَا صَائِمٌ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ إلَخْ) فَعُلِمَ أَنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ اخْتِيَارُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّ الصَّوْمَ عَمَلٌ بِالْعَزِيمَةِ وَالْإِفْطَارَ رُخْصَةٌ وَالْعَمَلُ بِالْعَزِيمَةِ أَوْلَى مَعَ اعْتِقَادِ الرُّخْصَةِ كَمَا فِي غُسْلِ الرَّجُلِ مَعَ الْمَسْحِ انْتَهَى غَايَةُ الْبَيَانِ
(قَوْلُهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ) أَيْ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ انْتَهَى غَايَةٌ
( قَوْلُهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَأَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ وَفِي رَمَضَانَ عَامَ الْفَتْحِ انْتَهَى غَايَةٌ
(قَوْلُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّ مُوَافَقَةَ الْمُسْلِمِينَ إلَخْ) فَإِنَّ الِانْتِسَاءَ تَخْفِيفٌ وَلِأَنَّ النَّفْسَ تَوَطَّنَتْ عَلَى هَذَا الزَّمَانِ مَا لَمْ تَتَوَطَّنْ عَلَى غَيْرِهِ فَالصَّوْمُ فِيهِ أَيْسَرُ عَلَيْهَا وَبِهَذَا التَّعْلِيلِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} لَيْسَ مَعْنَاهُ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بَلْ الْمَعْنَى فَأَفْطَرَ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ أَوْ الْمَعْنَى فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يَحِلُّ لَهُ التَّأْخِيرُ إلَيْهَا لَا كَمَا ظَنَّهُ أَهْلُ الظَّوَاهِرِ انْتَهَى فَتْحٌ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.