فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

البحر الرائقابن نجيم

(قَوْلُهُ: وَأَثِمَ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ) أَيْ أَثِمَ إثْمًا عَظِيمًا كَمَا فِي الْحَاوِي الْقُدْسِيِّ فِي الْيَمِينِ الْأُولَى وَهِيَ يَمِينُ الْغَمُوسِ دُونَ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ يَمِينُ اللَّغْوِ وَالْإِثْمُ فِي اللُّغَةِ الذَّنْبُ وَقَدْ سُمِّيَ الْخَمْرُ إثْمًا،

١٤٬٣٩٦

وَفِي الِاصْطِلَاحِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ اسْتِحْقَاقُ الْعُقُوبَةِ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لُزُومُ الْعُقُوبَةِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الْعَفْوِ وَعَدَمِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْأَكْمَلُ فِي تَقْرِيرِهِ فِي بَحْثِ الْحَقِيقَةِ فِي بَحْثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وَإِنَّمَا أَثِمَ فِي الْأُولَى لِحَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ مَرْفُوعًا «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَدْخَلَهُ النَّارَ» وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ،

١٤٬٣٩٧

وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ مَصْبُورَةٍ كَاذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» .

وَالْمُرَادُ بِالْمَصْبُورَةِ الْمُلْزِمَةُ بِالْقَضَاءِ أَيْ الْمَحْبُوسُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا مَصْبُورٌ عَلَيْهَا كَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ، وَالْأَوْلَى الِاسْتِدْلَال بِحَدِيثِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، أَوْ لَا وَقَدْ صُرِّحَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَغَيْرِهَا بِأَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ كَبِيرَةٌ وَهُوَ أَعَمُّ كَمَا ذَكَرْنَا وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَبِيرَةً إذَا اقْتَطَعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، أَوْ أَذَاهُ وَتَكُونُ صَغِيرَةً إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا مَفْسَدَةٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يَأْثَمْ فِي الثَّانِيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} وَلِهَذَا جَزَمَ الْمُصَنِّفُ بِعَدَمِ الْإِثْمِ فِي اللَّغْوِ لَكِنَّ الْإِمَامَ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ وَإِنَّمَا عَلَّقَهُ بِالرَّجَاءِ فَقَالَ الْأَيْمَانُ ثَلَاثَةٌ يَمِينٌ مُكَفِّرَةٌ وَيَمِينٌ غَيْرُ مُكَفِّرَةٍ وَيَمِينٌ نَرْجُو أَنْ لَا يُؤَاخِذَ بِهَا اللَّهُ تَعَالَى صَاحِبَهَا فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَيْفَ يُعَلِّقُهُ بِالرَّجَاءِ مَعَ أَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ فَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ فَفِي الْهِدَايَةِ إلَّا أَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالرَّجَاءِ لِلِاخْتِلَافِ فِي تَفْسِيرِهِ اهـ.

وَتَعَقَّبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ اللَّغْوَ بِالتَّفْسِيرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ

١٤٬٣٩٨

وَكَذَا بِالثَّالِثِ مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ

١٤٬٣٩٩

وَكَذَا بِالدُّنْيَا بِالْكَفَّارَةِ فَلَمْ يَتِمَّ الْعُذْرُ عَنْ التَّعْلِيقِ بِالرَّجَاءِ فَالْأَوْجَهُ مَا قِيلَ إنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّعْلِيقَ بَلْ التَّبَرُّكَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّأَدُّبَ فَهُوَ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَهْلِ الْمَقَابِرِ «وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ»

١٤٬٤٠٠

وَأَمَّا بِالتَّفْسِيرِ الرَّابِعِ فَغَيْرُ مَشْهُورٍ وَكَوْنُهُ لَغْوًا هُوَ اخْتِيَارُ سَعِيدٍ اهـ.

وَأَرَادَ بِالتَّفْسِيرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ تَفْسِيرَنَا وَتَفْسِيرَ الشَّافِعِيِّ وَبِالثَّالِثِ مَا عَنْ الشَّعْبِيِّ وَمَسْرُوقٍ لَغْوُ الْيَمِينِ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَيَنْزِلُ لَاغِيًا بِيَمِينِهِ وَبِالرَّابِعِ قَوْلَ سَعِيدٍ أَنْ يُحَرِّمَ عَلَى نَفْسِهِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ.

١٤٬٤٠١

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَوْلَى الْجَزْمُ كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ لِقَطْعِيَّةِ الدَّلِيلِ كَالْجَزْمِ فِي نَظَائِرِهِ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ اخْتِلَافٌ. .

منحة الخالقابن عابدين، حاشية على البحر الرائق

(قَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً إلَخْ) اعْتَرَضَهُ فِي النَّهْرِ بِأَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ مُنَافٍ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ، وَقَوْلُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ إنَّ إطْلَاقَ الْيَمِينِ عَلَيْهَا مَجَازٌ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ مَشْرُوعٌ وَهَذِهِ كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ صَرِيحٌ فِيهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ إثْمَ الْكَبَائِرِ مُتَفَاوِتٌ اهـ.

وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُؤَلِّفَ مُعْتَرِفٌ بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ وَلِذَا اسْتَدْرَكَ بِهِ عَلَى الْفَتْحِ وَمُرَادُهُ الْبَحْثُ فِي تَقْيِيدِهِ حَيْثُ لَمْ يَتَرَتَّبْ مَفْسَدَةٌ تَسْتَدْعِي كَوْنَهَا كَبِيرَةً، وَكَوْنُ كَلَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ صَرِيحًا فِيمَا قَالَهُ فِي النَّهْرِ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ هُوَ كَالْحَدِيثِ تَأَمَّلْ. نَعَمْ بَحْثُ الْمُؤَلِّفِ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ،

٥٬٥٩٧

وَفِي شَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ أَيُّ مَفْسَدَةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى.

(قَوْلُهُ: فَالْأَوْجَهُ مَا قِيلَ إلَخْ)

٥٬٥٩٨

قَالَ فِي النَّهْرِ وَأَقُولُ: اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي الْمُؤَاخَذَةِ الْمَنْفِيَّةِ فَقِيلَ: هِيَ الْمُعَاقَبَةُ فِي الْآخِرَةِ

٥٬٥٩٩

وَقِيلَ هِيَ الْمُؤَاخَذَةُ بِالْكَفَّارَةِ، كَذَا فِي الْكَشَّافِ وَغَيْرِهِ،

٥٬٦٠٠

وَالثَّانِي أَظْهَرُ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ تَفْسِيرَ اللَّغْوِ عَلَى رَأْيِنَا لَيْسَ أَمْرًا مَقْطُوعًا بِهِ؛ إذْ الشَّافِعِيُّ قَائِلٌ بِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمُنْعَقِدَةِ فَلَا جَرَمَ عَلَّقَهُ بِالرَّجَاءِ وَهَذَا مَعْنًى دَقِيقٌ وَلَمْ أَرَ مَنْ عَرَّجَ عَلَيْهِ اهـ.

وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ فِيهِ بِأَنَّ خِلَافَ الشَّافِعِيِّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّ مُحَمَّدًا عَلَّقَهُ بِالرَّجَاءِ بِاعْتِبَارِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا مَحِيصَ عَمَّا قَالَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ اهـ.

فَالْأَنْسَبُ أَنْ يَقُولَ فِي النَّهْرِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فَحَيْثُ كَانَ الْمَنْفِيُّ الْمُؤَاخَذَةَ بِالْكَفَّارَةِ كَانَ اللَّغْوُ بِالنَّظَرِ إلَى حُكْمِ الْآخِرَةِ مَسْكُوتًا عَنْهُ فِي الْآيَةِ فَلَا نَصَّ عَلَيْهِ فَلِذَا عَلَّقَهُ بِالرَّجَاءِ وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا: إنَّ اجْتِهَادَ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ بِأَنَّ اللَّغْوَ هُوَ كَذَا لَيْسَ قَطْعِيًّا نَافِيًا لِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ بِخِلَافِهِ فَحَيْثُ كَانَ مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ مَبْنِيًّا عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ هُوَ اللَّغْوُ لَمْ يَجْزِمْ بِحُكْمِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ اللَّغْوَ هُوَ غَيْرُهُ تَأَمَّلْ.

النهر الفائقعمر ابن نجيم

(وأثم) الحالف أي: استحق العقوبة (في الأولى) أي: في الغموس لرواية البخاري (الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس واليمين الغموس) ومن ثم قال السرخسي: إن إطلاق اليمين عليها مجاز لأنها عقد مشروع وهذه كبيرة محضة، وجاء في كثير من الروايات تقييد الوعيد فيها بأن يقطع بها حق امرئ مسلم ومن ثم [٢٧٦/ب]

٦٬٢٠٧

قال في (البحر) : ينبغي / أن تكون كبيرة إذا اقتطع بها ما مسلم أو أذاه، وصغيرة إذا لم يترتب عليها مفسدة، وأنت خبير بأن هذه ينافي إطلاق ما روينا وما قدمناه عن شمس الأئمة صريح فيه ومعلوم أن إثم الكبائر متفاوت (دون الثانية) وهو اللغو لقوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} (البقرة: ٢٢٥) وقول محمد فهذه اليمين نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحبها على ما علمت من النص مشكل، وأجيب إنما علق نفي المؤاخذة بالرجاء للاختلاف في تفسير اللغو فإن تفسير الشافعي له بكل يمين صدر من غير قصد في الماضي والمستقبل لبيان ما مر من أن تفسيره إذ الظن لا يكون إلا عند قصد،

٦٬٢٠٨

وقال ابن جبير: هو أن يحرم على نفسه ما أحل الله من قول أو عمل فلما اختلف في معناه علقه بالرجاء.

٦٬٢٠٩

قال في (الفتح) : والأصح أن اللغو بما ذكر من التفاسير متفق على عدم المؤاخذة به في الآخرة

٦٬٢١٠

وكذا في الدنيا بالكفارة فلم يتم العذر عن التعليق بالرجاء فالأوجه ما قيل: إنه لم يرد به التعليق بل التبرك باسمه تعالى والتأدب انتهى.

وأقول: اختلف المتأخرون في المؤاخذة المنفية فقيل: المعاقبة قي الآخرة

٦٬٢١١

وقيل: هي المؤاخذة بالكفارة كما في (الكشاف) وغيره،

٦٬٢١٢

والثاني أظهر بدليل ما بعده ولا شك أن تفسير اللغو على أمرنا ليس أمرا مقطوعا به إذ الشافعي قائل بأن هذا من المنعقدة فلا جرم علقه بالرجاء وهذا معنى دقيق ولم أر من عرج عليه

تبيين الحقائقالزيلعي

(وَأَثِمَ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ) يَعْنِي يَأْثَمُ فِي الْغَمُوسِ وَلَا يَأْثَمُ فِي اللَّغْوِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فَقَالَ رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا قَالَ وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْيَمِينُ الْفَاجِرَةُ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ» أَيْ خَالِيَةً وَلَا تَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ إلَّا التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} وَالْمُرَادُ الْقَصْدُ لِأَنَّهُ فِعْلُ الْقَلْبِ وَالْمُرَادُ بِالْمُؤَاخَذَةِ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ تَعَالَى فَسَّرَهَا بِهَا فِي آيَةٍ أُخْرَى بِقَوْلِهِ {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} الْآيَةَ وَالْمُرَادُ بِالْعَقْدِ الْقَصْدُ أَيْضًا وَفِيهِ تَوْفِيقٌ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ شُرِعَتْ لِرَفْعِ ذَنْبِ هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ تَحَقَّقَ بِالِاسْتِشْهَادِ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَاذِبًا فَأَشْبَهَ الْمَعْقُودَ وَلَنَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَمْسٌ مِنْ الْكَبَائِرِ لَا كَفَّارَةَ فِيهِنَّ وَعَدَّ مِنْهَا الْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ» وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كُنَّا نَعُدُّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ مِنْ الْكَبَائِرِ الَّتِي لَا كَفَّارَةَ فِيهَا وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى الصَّحَابَةِ وَحِكَايَةٌ لِإِجْمَاعِهِمْ وَلِأَنَّهَا كَبِيرَةٌ مَحْضَةٌ وَالْكَفَّارَةُ عِبَادَةٌ فَلَا تُنَاطُ بِهَا كَسَائِرِ الْكَبَائِرِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمَشْرُوعَاتِ اللَّازِمَةَ لِلْعِبَادِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ وَسَبَبُهَا مُبَاحٌ وَعُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ وَسَبَبُهَا مَحْظُورٌ مَحْضٌ وَمُتَرَدَّدٌ بَيْنَ الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ وَهِيَ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى تَتَأَدَّى بِالصَّوْمِ

٥٬١١٦

وَيُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ وَعُقُوبَةٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ أَجْزِيَةً زَاجِرَةً كَالْحُدُودِ فَيَكُونُ سَبَبُهَا أَيْضًا مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ لِتَكُونَ الْعِبَادَةُ مُتَعَلِّقَةً بِالْمُبَاحِ وَالْعُقُوبَةُ بِالْمَحْظُورِ كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ مِثْلُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُنْكَرِ مِنْ الْقَوْلِ الزُّورِ، وَالْعَوْدُ وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ تَجِبُ بِالْخَطَأِ وَهُوَ بِالتَّقْصِيرِ فِي التَّثَبُّتِ وَهُوَ مَحْظُورٌ وَبِالْحَرَكَةِ الْمُبَاحَةِ مِثْلِ الْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ

٥٬١١٧

وَكَذَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ تَجِبُ بِالْحَلِفِ وَالْحِنْثِ وَالْأَوَّلُ مُبَاحٌ وَالثَّانِي مَحْظُورٌ

٥٬١١٨

وَأَمَّا الْغَمُوسُ فَمَحْظُورٌ مَحْضٌ لِأَنَّ الْكَذِبَ بِدُونِ الِاسْتِشْهَادِ بِاَللَّهِ تَعَالَى حَرَامٌ فَمَعَهُ أَوْلَى لِأَنَّهُ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى لِتَرْوِيجِ الْكَذِبِ وَهُوَ فِي نِهَايَةِ الْحَظْرِ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ اللِّعَانَ اسْتِشْهَادٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَأَحَدُهُمَا كَاذِبٌ بِيَقِينٍ وَلَمْ يُوجِبْ الشَّارِعُ عَلَى الْكَاذِبِ مِنْهُمَا كَفَّارَةً وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ فَمَنْ أَوْجَبَهُ فِي الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ صَارَ مُخَالِفًا لِلنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَهَذَا لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَخْبَرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا كَاذِبٌ فَقَالَ هَلْ فِيكُمَا مِنْ تَائِبٍ فَبَيَّنَ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْكَاذِبِ مِنْهُمَا فِي يَمِينِهِ التَّوْبَةُ لَا غَيْرُ وَلَوْ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ تَجِبُ بِهَا لَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ عَلَيْهِ أَرْبَعَ كَفَّارَاتٍ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيمَا تَلَا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْمَعْقُودَةُ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِحِفْظِ الْأَيْمَانِ بَعْدَ مَا شَرَعَ الْكَفَّارَةَ فِيهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} وَالْحِفْظُ إنَّمَا يَتَأَتَّى فِي الْمُسْتَقْبِلِ الَّذِي يَقْبَلُ التَّضْيِيعَ وَالْغَمُوسُ لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِيهَا فَلَا تَتَنَاوَلُهَا الْآيَةُ

٥٬١١٩

وَكَذَلِكَ الْعَقْدُ لَا يَكُونُ إلَّا فِيمَا يَقْبَلُ الْحِلَّ لِأَنَّهُ ضِدُّهُ قَالَ قَائِلُهُمْ خَطَرَاتُ الْهَوَى تَرُوحُ وَتَغْدُو ... وَلِقَلْبِ الْمُحِبِّ حِلٌّ وَعَقْدُ وَالْمُؤَاخَذَةُ الْمُطْلَقَةُ يُرَادُ بِهَا الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهَا دَارُ الْجَزَاءِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا وَقِيَاسُهُ عَلَى الْمَعْقُودِ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْمَعْقُودَةَ مُبَاحَةٌ فَلَا يَأْثَمُ بِمُبَاشَرَتِهَا وَلَوْ كَانَ فِيهَا ذَنْبٌ فَهُوَ مُتَأَخِّرٌ مُتَعَلِّقٌ بِاخْتِيَارِهِ الْحِنْثَ ابْتِدَاءً فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَالْإِثْمُ فِي الْغَمُوسِ مُلَازِمٌ وَهُوَ أَعْظَمُ جُرْمًا فَامْتَنَعَ الْإِلْحَاقُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي اللَّغْوِ فَهَذِهِ يَمِينٌ نَرْجُو أَنْ لَا يُؤَاخِذَ اللَّهُ بِهَا صَاحِبَهَا مَعَ أَنَّ عَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ مَقْطُوعٌ بِهِ لِكَوْنِهِ ثَابِتًا بِالْكِتَابِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ فِي صُورَتِهَا اخْتِلَافًا فَمَذْهَبُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - اللَّغْوُ مَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَاضِي أَوْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَا وَاَللَّهِ بَلَى وَاَللَّهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِثْلُهُ وَمَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ مَذْهَبِنَا وَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ صَادِقٌ وَهَذَا يَكُونُ فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ فَلِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ صُورَتُهَا خِلَافَ ذَلِكَ عَلَّقَهُ بِالرَّجَاءِ يَعْنِي نَرْجُو أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصُّورَةُ هِيَ الَّتِي لَا يُؤَاخَذُ بِهَا أَوْ قَالَ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لِلْأَمْرِ وَإِظْهَارًا لِلتَّوَاضُعِ لِأَنَّهُ يُذْكَرُ لِذَلِكَ كَمَا يُذْكَرُ لِلطَّمَعِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

حاشية الشلبيالشلبي، حاشية على تبيين الحقائق

(قَوْلُهُ وَلَا يَأْثَمُ فِي اللَّغْوِ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ ثُمَّ يَمِينُ اللَّغْوِ لَا حُكْمَ لَهَا أَصْلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} أَيْ لَا يُؤَاخِذُكُمْ بِلَغْوِ الْيَمِينِ الَّذِي يَحْلِفُهُ أَحَدُكُمْ بِالظَّنِّ هَذَا عَلَى مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ وَمَعْنَاهُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُكُمْ الْكَفَّارَةُ بِلَغْوِ الْيَمِينِ الَّذِي لَا قَصْدَ مَعَهُ اهـ قَوْلُهُ وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْيَمِينُ) الَّذِي فِي خَطِّ الشَّارِحِ بِلَا أَلِفٍ وَلَامٍ. اهـ.

لا زيادة له على هذه المسألة.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.