ورجليه بكعبيه
الشروح عليها
(قَوْلُهُ: وَرِجْلَيْهِ بِكَعْبَيْهِ) أَيْ مَعَ كَعْبَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْكَعْبَانِ هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاشِزَانِ مِنْ جَانِبَيْ الْقَدَمِ أَيْ الْمُرْتَفِعَانِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَقْعَدِ الشِّرَاكِ قَالُوا هُوَ سَهْوٌ مِنْ هِشَامٍ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي الْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ حَيْثُ يَقْطَعُ خُفَّيْهِ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ
وَأَشَارَ مُحَمَّدٌ بِيَدِهِ إلَى مَوْضِعِ الْقَطْعِ فَنَقَلَهُ هِشَامٌ إلَى الطَّهَارَةِ وَيُرَدُّ عَلَى هِشَامٍ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَيْضًا بِأَنَّ مَا يُوجَدُ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ،
فَإِنَّ تَثْنِيَتَهُ بِعِبَارَةِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} أَيْ قَلْبَاكُمَا وَمَا كَانَ اثْنَيْنِ مِنْ خَلْقِهِ فَتَثْنِيَتُهُ بِلَفْظِهَا،
وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَهُ هِشَامٌ لَقِيلَ الْكِعَابُ كَالْمَرَافِقِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِجَوَازِ أَنْ يُعْتَبَرَ الْكَعْبَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا لِلْمَرْءِ مِنْ جِنْسِ الرِّجْلِ، وَهُوَ اثْنَانِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى كُلِّ رِجْلٍ وَحْدَهَا فَالْأَوْلَى الرَّدُّ عَلَيْهِ مِنْ اللُّغَةِ وَالسُّنَّةِ
أَمَّا اللُّغَةُ فَقَدْ صَرَّحَ فِي الصِّحَاحِ بِأَنَّهُ الْعَظْمُ النَّاشِزُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ قَوْلَ النَّاسِ إنَّهُ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ اهـ.
قَالُوا الْكَعْبُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعُلُوِّ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْكَعْبَةُ لِارْتِفَاعِهَا
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَرْفُوعًا «وَاَللَّهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَن اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالَ فَرَأَيْت الرَّجُلَ يَلْزَقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَرُكْبَتَهُ بِرُكْبَةِ صَاحِبِهِ وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ» وَمَا وَقَعَ فِي الشُّرُوحِ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي غَسْلُ يَدٍ وَاحِدَةٍ وَرِجْلٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسَامَ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ.
وَالْجَوَابُ بِأَنَّ وُجُوبَ وَاحِدَةٍ بِالْعِبَارَةِ وَالْأُخْرَى بِالدَّلَالَةِ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ عَلَى افْتِرَاضِهِمَا بِحَيْثُ صَارَ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ،
وَمِنْ الْبَحْثِ فِي إلَى وَفِي الْقِرَاءَتَيْنِ فِي الْأَرْجُلِ،
فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى غَسْلِهِمَا وَلَا اعْتِبَارَ
بِخِلَافِ الرَّوَافِضِ فَلِذَا تَرَكْنَا مَا قَرَّرُوهُ هُنَا وَالزَّائِدُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ كَالزَّائِدِ عَلَى الْيَدَيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُجْتَبَى،
وَلَوْ قَالَ وَرِجْلَيْهِ بِكَعْبَيْهِ أَوْ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ لَكَانَ أَوْلَى
لا يتكلم على هذه المسألة.
(ورجليه بكعبيه) أي: معهما، وهما العظمان الناتئان من جانبي القدم أي: المرتفعان، هذا هو المنقول عن أهل اللغة، وأنكر الأصمعي قول الناس أنه في ظهر القدم،
ومن ثم قال القدوري: لا خلاف بين أصحابنا في تفسيره بذلك.
وأما ما رواه هشام عن محمد من أنه المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك فاتفق الشارحون تبعاً لما في المبسوط أنه سهو منه. وما قاله محمد إنما هو المحرم إذا لم يجد ذعلين، فإنه يقطع خفية أسفل من هذين الكعبين.
فأما كعب الطهارة ففسره في الزيادات أي بما قلنا وفي الآية إشارة إليه، وذلك أنه لما كان في كل يد مرفق واحد قوبل جمع الأيدي بجمع المرافق على اعتبار انقسام آحاد أحد الجمعين على آحاد الجمع الآخر، وهو من الإيجاز البليغ ولو اتخذ في الرجل لقبح الكلام فيه بهذا المنوال، فلما عدل عن ذلك الأسلوب وقوبل جمع الرجل بتثنية ومسح ربع رأسه الكعب علم أنه في كل رجل متعدد،
وفي أبي داود حين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بتسوية الصفوف فكان الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعبه، ولم يتحقق الإلصاق إلا بما قلنا.
وأما الاستدلال بأن ما كان موحدا من خلق الإنسان فتثنيته بلفظ الجمع، ومنه {فقد صغت قلوبكما} وما تعدد بلفظ التثنية،
ولو كان كما قال هشام: لقيل إلى الكعاب كالمرافق فرده في البحر بأنه غير متعين لجواز أن يعتبر الكعبان بالنسبة إلى ما للمرء من جنس الرجل وهو اثنان.
وأقول: هذا الاعتبار غير معتبر إذ مقابلة الجمع بالجمع المقتضي لانقسام الآحاد على الآحاد أوجبت غسل يد واحدة ورجل واحدة ووقعت الغاية فيها إلى الكعبين فاقتضى أن في كل رجل كعبين، ووجوب الثانية منهما،
إما بالسنة، أو بدلالة النص على ما قيل، وبهذا ظهر سر قول القدوري بعد افتتاحه بالآية الشريفة، ففرض الوضوء غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس فتدبره.
واعلم أن لوقوع الجمع موقع التثنية شروطا نبه عليها السمين، فقال: كل جزأين أضيفا إلى كليتهما لفظا أو تقديرا أو كانا مفردين من صاحبهما جاز فيهما ثلاثة أوجه أحسنها الجمع، ويليه الإفراد عند بعضهم، ويليه التثنية،
وقيل: التثنية ثم الإفراد تقول: قطعت رأس الكبشين، ورأسي الكبشين.
(وَرِجْلَيْهِ بِكَعْبَيْهِ) وَالْكَلَامُ فِيهِمَا كَالْكَلَامِ فِي الْيَدِ، وَالْكَعْبُ هُوَ الْعَظْمُ النَّاتِئُ، وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ الْمَفْصِلُ الَّذِي عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ، وَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ فِي الْمُحْرِمِ إذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ يَقْطَعُ خُفَّيْهِ مِنْ أَسْفَلِ الْكَعْبِ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى {إِلَى الْكَعْبَيْنِ} بِتَثْنِيَةِ الْكَعْبِ؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ مِنْ وَاحِدٍ فَتَثْنِيَتُهُ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ،
وَمِنْ اثْنَيْنِ وَهُوَ جُزْءٌ لَهُ فَتَثْنِيَتُهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} وَلَمْ يَقُلْ قَلْبَاكُمَا وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَهُ لَقِيلَ إلَى الْكِعَابِ كَالْمَرَافِقِ فَبَطَلَ زَعْمُهُ،
وَمِنْ النَّاسِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ وَظِيفَةَ الرِّجْلِ الْمَسْحُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَرْجُلَكُمْ} بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الرَّأْسِ، وَلَنَا قِرَاءَةُ النَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْيَدَيْنِ «، وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَمَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ»،
(قَوْلُهُ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ) أَيْ لَمَّا قَالَ إلَى الْكَعْبَيْنِ دَلَّ أَنَّهُ ثَنَّى فِي كُلِّ رِجْلٍ
(قَوْلُهُ وَمِنْ النَّاسِ) وَهُمْ الرَّوَافِضُ
قَالَ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَعِنْدَ الرَّوَافِضِ الْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِ الْقَدَمِ وَالْأَصَابِعِ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَالْغَسْلُ غَيْرُ جَائِزٍ.
(قَوْلُهُ عَلَى مَنْ قَرَأَ بِالْجَرِّ) أَيْ هُوَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفْصٌ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.