فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

البحر الرائقابن نجيم

(قَوْلُهُ وَالْأَعْلَمُ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ) أَيْ أَوْلَى بِهَا وَلَمْ يُبَيِّنْ الْمَعْلُومَ وَفَسَّرَهُ فِي الْمُضْمَرَاتِ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ،

٣٬٣٦٨

وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ بِمَا يُصْلِحُ الصَّلَاةَ وَيُفْسِدُهَا،

٣٬٣٦٩

وَفِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِالْفِقْهِ وَأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَالظَّاهِرُ هُوَ الْأَوَّلُ وَيَقْرَبُ مِنْهُ الثَّانِي،

٣٬٣٧٠

وَأَمَّا الثَّالِثُ فَمَحْمُولٌ عَلَى الْأَوَّلِ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الْفِقْهِ غَيْرَ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَلِهَذَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ أَكْثَرِهِمْ الْأَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ لَمْ تُسْتَفَدْ إلَّا مِنْ السُّنَّةِ،

٣٬٣٧١

وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْكِتَابِ فَمُجْمَلَةٌ وَقَدَّمَ أَبُو يُوسُفَ الْأَقْرَأَ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ إسْلَامًا وَلَا يُؤَمُّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ وَلَا يُقْعَدُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» وَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ أَقْرَأَهُمْ كَانَ أَعْلَمَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَهُ بِأَحْكَامِهِ فَقُدِّمَ فِي الْحَدِيثِ وَلَا كَذَلِكَ فِي زَمَانِنَا فَقَدَّمْنَا الْأَعْلَمَ وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ يُفْتَقَرُ إلَيْهَا لِرُكْنٍ وَاحِدٍ وَالْعِلْمَ لِسَائِرِ الْأَرْكَانِ،

٣٬٣٧٢

وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ وَأَحْسَنُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِلْمَذْهَبِ حَدِيثُ «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» وَكَانَ ثَمَّةَ مَنْ هُوَ أَقْرَأُ مِنْهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ» وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَهُمْ بِدَلِيلِ قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا وَهَذَا آخِرُ الْأَمْرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الْخُلَاصَةِ الْأَكْثَرُ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَعْلَمِ فَإِنْ كَانَ مُتَبَحِّرًا فِي عِلْمِ الصَّلَاةِ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَظٌّ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْعُلُومِ فَهُوَ أَوْلَى اهـ.

وَقَيَّدَ فِي الْمُجْتَبَى الْأَعْلَمَ بِأَنْ يَكُونَ مُجْتَنِبًا لِلْفَوَاحِشِ الظَّاهِرَةِ،

٣٬٣٧٣

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَرِعًا وَقَيَّدَ فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ تَقْدِيمَ الْأَعْلَمِ بِغَيْرِ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ،

٣٬٣٧٤

وَأَمَّا الْإِمَامُ الرَّاتِبُ فَهُوَ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ،

٣٬٣٧٥

وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَفْقَهَ مِنْهُ وَقَيَّدَ الشَّارِحُ وَجَمَاعَةٌ تَقْدِيمَ الْأَعْلَمِ بِأَنْ يَكُونَ حَافِظًا مِنْ الْقُرْآنِ قَدْرَ مَا تَقُومُ بِهِ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ وَقَيَّدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي بِأَنْ يَكُونَ حَافِظًا قَدْرَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُخْتَارُ قَوْلًا ثَالِثًا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِلْقَدْرِ الْمَفْرُوضِ وَالْوَاجِبِ وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا لَكِنَّ الْقَوَاعِدَ لَا تَأْبَاهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ مُقْتَضَاهُ الْإِثْمُ بِالتَّرْكِ وَيُوَرِّثُ النُّقْصَانَ فِي الصَّلَاةِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ الْأَقْرَأُ) مُحْتَمِلٌ لِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ أَحْفَظُهُمْ لِلْقُرْآنِ وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ، الثَّانِي أَحْسَنَهُمْ تِلَاوَةً لِلْقُرْآنِ بِاعْتِبَارِ تَجْوِيدِ قِرَاءَتِهِ وَتَرْتِيلِهَا وَقَدْ اقْتَصَرَ الْعَلَّامَةُ تِلْمِيذُ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ فِي شَرْحِ زَادِ الْفَقِيرِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ ثُمَّ الْأَوْرَعُ) أَيْ الْأَكْثَرُ اجْتِنَابًا لِلشُّبُهَاتِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى أَنَّ الْوَرَعَ اجْتِنَابُ الشُّبُهَاتِ وَالتَّقْوَى اجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْوَرَعَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِيهِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ الْهِجْرَةَ؛

لِأَنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْفَتْحِ فَلَمَّا انْتَسَخَتْ بَعْدَهُ أَقَمْنَا الْوَرَعَ مَقَامَهَا وَاسْتَثْنَى فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ نَسْخِ وُجُوبِهَا بَعْدَهُ مَا إذَا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ الْهِجْرَةُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لَكِنَّ الَّذِي نَشَأَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْلَى مِنْهُ إذَا اسْتَوَيَا فِيمَا قَبْلَهَا. (قَوْلُهُ ثُمَّ الْأَسَنُّ) لِحَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ وَلِصَاحِبٍ لَهُ إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا ثُمَّ أَقِيمَا ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» وَقَدْ اسْتَوَيَا فِي الْهِجْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالْقِرَاءَةِ وَعَلَّلَ لَهُ فِي الْبَدَائِعِ بِأَنَّ مَنْ امْتَدَّ عُمُرُهُ فِي الْإِسْلَامِ كَانَ أَكْثَرَ طَاعَةً وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسَنِّ الْأَقْدَمُ إسْلَامًا وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ قَوْلِهِ «فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ إسْلَامًا» فَعَلَى هَذَا لَا يُقَدَّمُ شَيْخٌ أَسْلَمَ قَرِيبًا عَلَى شَابٍّ نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ ظَاهِرٌ فِي تَقْدِيمِ الْأَوْرَعِ عَلَى الْأَسَنِّ وَهَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ،

٣٬٣٧٦

وَفِي الْمُحِيطِ مَا يُخَالِفُهُ فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ وَالْآخَرُ أَوْرَعَ فَالْأَكْبَرُ أَوْلَى إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ فِسْقٌ ظَاهِرٌ اهـ.

تعليق

وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُمَا لَوْ اسْتَوَيَا فِي سَائِرِ الْفَضَائِلِ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا أَقْدَمُ وَرَعًا قُدِّمَ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ ثُمَّ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ الْأَرْبَعَةِ أَعْنِي الْعِلْمَ وَالْقِرَاءَةَ وَالْوَرَعَ وَالسِّنَّ وَقَدْ ذَكَرُوا أَوْصَافًا أُخَرَ فَفِي الْمُحِيطِ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي السِّنِّ قَالُوا أَحْسَنُهُمَا خُلُقًا أَوْلَى،

٣٬٣٧٧

فَإِنْ اسْتَوَيَا فَأَحْسَنُهُمَا وَجْهًا أَوْلَى وَفَسَّرَ الشُّمُنِّيُّ الْخُلُقَ بِالْإِلْفِ بَيْنَ النَّاسِ وَفَسَّرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْكَافِي أَحْسَنَهُمْ وَجْهًا بِأَكْثَرِهِمْ صَلَاةً بِاللَّيْلِ لِلْحَدِيثِ «مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ» ،

٣٬٣٧٨

وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا عِنْدَ الْمُحْدِثِينَ، وَذَكَرَ فِي الْبَدَائِعِ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ بَلْ يَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ صَبَاحَةَ الْوَجْهِ سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ خَلْفَهُ وَقُدِّمَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ الْحَسَبُ عَلَى صَبَاحَةِ الْوَجْهِ،

٣٬٣٧٩

فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَشْرَفَهُمْ نَسَبًا وَزَادَ الْإِمَامُ الْإِسْبِيجَابِيُّ عَلَى ذَلِكَ أَوْصَافًا ثَلَاثَةً أُخْرَى وَهِيَ،

٣٬٣٨٠

فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَكْبَرَهُمْ رَأْسًا وَأَصْغَرَهُمْ عُضْوًا،

٣٬٣٨١

فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَكْثَرُهُمْ مَالًا أَوْلَى حَتَّى لَا يَطَّلِعَ عَلَى النَّاسِ،

٣٬٣٨٢

فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ فَأَكْثَرُهُمْ جَاهًا أَوْلَى وَزَادَ فِي الْمِعْرَاجِ ثَانِيَ عَشَرَ وَهُوَ أَنْظَفُهُمْ ثَوْبًا وَاخْتُلِفَ فِي الْمُسَافِرِ مَعَ الْمُقِيمِ قِيلَ هُمَا سَوَاءٌ

٣٬٣٨٣

وَقِيلَ الْمُقِيمُ أَوْلَى وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ كَمَا لَا يَخْفَى،

٣٬٣٨٤

وَفِي الْخُلَاصَةِ، فَإِنْ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ فِي رَجُلَيْنِ فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، أَوْ الْخِيَارُ إلَى الْقَوْمِ

تعليق

وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِالْأَحَقِّيَّةِ إلَى أَنَّ الْقَوْمَ لَوْ قَدَّمُوا غَيْرَ الْأَقْرَأِ مَعَ وُجُودِهِ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَسَاءُوا وَلَكِنْ لَا يَأْثَمُونَ كَمَا فِي التَّجْنِيسِ وَغَيْرِهِ وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُونَا فِي بَيْتِ شَخْصٍ

٣٬٣٨٥

أَمَّا إذَا كَانَا فِي بَيْتِ إنْسَانٍ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ وَيُؤَذِّنَ، وَصَاحِبُ الْبَيْتِ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ سُلْطَانٌ أَوْ قَاضٍ فَهُوَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُمَا عَامَّةٌ كَذَا ذَكَرَ الْإِسْبِيجَابِيُّ وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ السَّابِقُ وَفِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ وَيُقَدَّمُ الْوَالِي عَلَى الْجَمِيعِ وَعَلَى إمَامِ الْمَسْجِدِ وَصَاحِبِ الْبَيْتِ، وَالْمُسْتَأْجِرُ أَوْلَى مِنْ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِمَنَافِعِهِ

٣٬٣٨٦

وَكَذَا الْمُسْتَعِيرُ أَوْلَى مِنْ الْمُعِيرِ اهـ.

٣٬٣٨٧

وَفِي تَقْدِيمِ الْمُسْتَعِيرِ نَظَرٌ لِأَنَّ لِلْمُعِيرِ أَنْ يَرْجِعَ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ

٣٬٣٨٨

بِخِلَافِ الْمُؤَجِّرِ، وَفِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ إنْ كَانَتْ الْكَرَاهِيَةُ لِفَسَادٍ فِيهِ أَوْ؛ لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ،

٣٬٣٨٩

وَإِنْ كَانَ هُوَ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ. اهـ.

٣٬٣٩٠

وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ وَالْكَرَاهَةُ عَلَى الْقَوْمِ وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهَا نَاشِئَةٌ عَنْ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ تَحْرِيمِيَّةً فِي حَقِّ الْإِمَامِ فِي صُورَةِ الْكَرَاهَةِ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُمْ صَلَاةً مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ وَرَجُلٌ أَتَى الصَّلَاةَ دِبَارًا» وَالدِّبَارُ أَنْ يَأْتِيَهَا بَعْدَ أَنْ تَفُوتَهُ «وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرَهُ» كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.

منحة الخالقابن عابدين، حاشية على البحر الرائق

(قَوْلُهُ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ) أَيْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْهِدَايَةِ لِلْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْزُهُ إلَّا لِمُسْلِمٍ وَالْأَرْبَعَةِ،

١٬٤٥٢

وَكَذَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ قَالَ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ

(قَوْلُهُ وَأَجَابَ عَنْهُ فِي الْهِدَايَةِ إلَخْ)

١٬٤٥٣

قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ نَظَرَ فِيهِ بِرِوَايَةِ الْحَاكِمِ عِوَضَ فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَأَفْقَهُهُمْ فِقْهًا وَإِنْ كَانُوا فِي الْفِقْهِ سَوَاءً فَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا وَلَوْ صَحَّ فَإِنَّمَا مُفَادُهُ أَنَّ الْأَقْرَأَ أَعْلَمُ بِأَحْكَامِ الْكِتَابِ فَصَارَ الْحَاصِلُ يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ أَيْ أَعْلَمُهُمْ بِالْقِرَاءَةِ وَأَحْكَامِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ عَلَى مَا ادَّعَى وَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ وَالْعِلْمِ بِأَحْكَامِ الْكِتَابِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، وَهَذَا أَوَّلًا يَقْتَضِي فِي رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا مُتَبَحِّرٌ فِي مَسَائِلِ الصَّلَاةِ وَالْآخَرُ مُتَبَحِّرٌ فِي الْقِرَاءَةِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ وَمِنْهَا أَحْكَامُ الْكِتَابِ أَنَّ التَّقْدِمَةَ لِلثَّانِي لَكِنَّ الْمُصَرَّحَ فِي الْفُرُوعِ عَكْسُهُ بَعْدَ إحْسَانِ الْقَدْرِ الْمَسْنُونِ، وَالتَّعْلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ يُفِيدُهُ حَيْثُ قَالَ لِأَنَّ الْعِلْمَ يُحْتَاجُ فِي سَائِرِ الْأَرْكَانِ وَالْقِرَاءَةَ لِرُكْنٍ وَاحِدٍ، وَثَانِيًا يَكُونُ النَّصُّ سَاكِتًا عَنْ الْحَالِ بَيْنَ مَنْ انْفَرَدَ بِالْعِلْمِ عَنْ الْأَقْرَئِيَّةِ بَعْدَ إحْسَانِ الْمَسْنُونِ وَمَنْ انْفَرَدَ بِالْأَقْرَئِيَّةِ عَنْ الْعِلْمِ لَا كَمَا ظَنَّ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّهُ لَمْ يُقَدَّمْ الْأَعْلَمُ مُطْلَقًا فِي الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ بَلْ مَنْ اجْتَمَعَ فِيهِ الْأَقْرَئِيَّةُ وَالْأَعْلَمِيَّةُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ أَرَادَ بِلَفْظِ الْأَقْرَأِ الْأَعْلَمَ فَقَطْ أَيْ الَّذِي لَيْسَ بِأَقْرَأَ مَجَازًا فَيَكُونُ خِلَافَ الظَّاهِرِ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ الْأَقْرَأَ غَيْرَ أَنَّ الْأَقْرَأَ يَكُونُ أَعْلَمَ بِاتِّفَاقِ الْحَالِ إذْ ذَاكَ،

١٬٤٥٤

فَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ بِالْأَقْرَئِيَّةِ وَالْمُنْفَرِدُ بِالْأَعْلَمِيَّةِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُمَا النَّصُّ فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى الْحَالِ بَيْنَهُمَا كَمَا فَعَلَ الْمُصَنِّفُ

(قَوْلُهُ وَلَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا) قَالَ فِي النَّهْرِ أَقُولُ: ذُكِرَ فِي الدِّرَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى الْمَبْسُوطِ الْأَعْلَمُ أَوْلَى إذَا قَدَرَ عَلَى الْقِرَاءَةِ قَدْرَ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ، وَهَذَا كَمَا تَرَى صَرِيحٌ فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ حَافِظًا لِمِقْدَارِ الْوَاجِبِ أَيْضًا لِظُهُورِ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي تَكْمِيلِ صَلَاتِهِ بَلْ حِفْظُ الْمَسْنُونِ يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَيْضًا اهـ.

أَقُولُ: بِاعْتِرَافِهِ أَنَّ الْمَسْنُونَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَيْضًا خَرَجَ عَمَّا الْكَلَامُ فِيهِ وَرَجَعَ إلَى مَا نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الشَّارِحِ وَغَيْرِهِ

(قَوْلُهُ فَأَكْبَرُهُمْ رَأْسًا وَأَصْغَرُهُمْ عُضْوًا) لِيَنْظُرَ مَا الْمُرَادُ بِالْعُضْوِ، وَقَدْ قِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ بِمَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ

(قَوْلُهُ لِأَنَّ لِلْمُعِيرِ أَنْ يَرْجِعَ إلَخْ)

١٬٤٥٥

قَالَ فِي النَّهْرِ هَذَا لَا أَثَرَ لَهُ يَظْهَرُ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْعَارِيَّةَ تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ كَالْإِجَارَةِ لَكِنْ بِلَا عِوَضٍ بِخِلَافِهَا وَإِذَا رَجَعَ خَرَجَ عَنْ مَوْضُوعِ الْمَسْأَلَةِ. [إمَامَةُ الْعَبْدِ وَالْأَعْرَابِيِّ وَالْفَاسِقِ وَالْمُبْتَدِعِ وَالْأَعْمَى وَوَلَدِ الزِّنَا]

النهر الفائقعمر ابن نجيم

(والأعلم) بأحكام الصلاة أي بما يصلحها ويفسدها وهذا مراد من قال بالفقه وأحكام الشريعة إذ الزائد على ذلك غير محتاج إليه هنا ومن ثم وقع عبارة أكثرهم أي: بالسنة باعتبار أن تفضيل أحكام الصلاة لم تستفد إلا منها وعلم من تقييد الأعلم بما ذكرنا أنه لا بد أن يكون حافظًا لمقدار ما تجوز به الصلاة لأنه إذا خلي عن ذلك لا يكون عالماً بما يصلحها وحينئذ فلا حاجة إلى التقييد به كما قيل نعم شرط الشارح كونه حافظًا لمقدار المسنون منها،

١٬٠٣١

قال في (البحر) : وينبغي أن يكون المختار قولاً ثالثًا وهو كونه حافظًا لمقدار المفروض والواجب ولم أره منقولاً لكن القواعد لا تأباه وأقول: ذكر في (الدراية) معزيًا إلى (المبسوط) الأعلم أولى إذا قدر على القراءة قدر ما يحتاج إليه وهذا كما ترى صريح في اشتراط كونه حافظًا لمقدار الواجب أيضًا لظهور أنه يحتاج إليه في تكميل صلاته بل حفظ المسنون يحتاج إليه أيضًا (أحق) بالإمامة ثم الأقرأ ثم الأروع أي: أولى (بالإمامة) ولو قدموا غير الأولى أساؤوا كذا في (زاد الفقير) ، ثم هذا الإطلاق مقيد بقيود أن لا يكون ثمة راتب فإن كان قدم مطلقًا كما في (السراج) وأن لا يكون مما يطعن في دينه كما في (المعراج) وأن لا تكون الصلاة في منزل إنسان فإن كانت فصاحبها المنزل أولى مطلقًا إلا أن يكون معه سلطان أو قاضٍ قاله الإسبيجابي وصرح الحدادي بتقديم الوالي على الراتب والمستأجر أولى من الممالك والمستعير أولى من المعير

١٬٠٣٢

قال في (البحر) : وفي تقديم المستعير نظر لأن له أن يرجع متى شاء

١٬٠٣٣

بخلاف المؤجر وأقول: هذا لا أثر له يظهر وسيأتي أن العارية تمليك المنافع كالإجارة لكن بلا عوض بخلافها وإذا رجع خرج عن موضوع المسألة. (ثم) تقديم الأعلم قولهما وقدم الثاني (الأقرأ) مطلقًا عملاً بظاهر/ ما في (الصحيحين) : (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله تعالى فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة،

١٬٠٣٤

فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم إسلامًا) ولهما قوله عليه الصلاة والسلام: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) وكان ثمة من هو أقرأ منه بدليل ما روي: (أقرؤكم أبي) فلم يبق إلا لكونه أعلم قال أبو سعيد: وكان أبو بكر أعلمنا وهذا آخر الأمر منه عليه الصلاة والسلام وقدم الأقرأ في الحديث لاستلزامه في زمنه عليه الصلاة والسلام الأعلم لما أنهم كانوا يتلقون القرآن بأحكامه ولا شك في تقديمه حينئذ كذا قالوا وفيه بحث لأن هذا يستلزم أعلمية أبي على الصديق ومن المعلوم أن المدعى إنما هو تقديم الأعلم على القارىء أى غير الأعلم وليس في الحديث ما يدل على تقديم الثاني لا نفيًا ولا إثباتًا فقدمنا الأعلم عليه بالقياس.

ثم الأقرأ أي: الأحفظ للقرآن ويحتمل أن يريد به الأحسن قراءة وعليه اقتصر العلاء في (شرح زاد الفقير) . (ثم الأورع) أي: الأكثر ورعًا يعني اتقاء للشبهات فالورع اتقاء الشبهات والتقوى اتقاء المحرمات وليس في السنة ذكر الورع قبل الهجرة على ما مر فجعلوا ثم الأسن الهجرة من المعاصي مكان الهجرة عن الوطن لنسخها نعم لو أسلم رجل في دار الحرب ولزمته الهجرة فهاجر فالذي نشأ في دار الإسلام أولى منه إذا استويا في غير هذا

١٬٠٣٥

وكذا قالوا لو استويا في الورع فأقدمهما ورعًا أولى كذا في (المعراج) . (ثم الأسن) لخبر: (وليؤمكما أكبركما سنًا) ولأنه بامتداده في الإسلام كان أكثر طاعة كذا في (البدائع) ، وهذا يفيد أن المراد به أقدمهما إسلامًا ويدل عليه ما مر في الحديث من قوله (فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم إسلامًا) فلا يقدم شيخ أسلم على شاب نشأ في الإسلام، وقدم في (المحيط) الأورع والأكثر على ما عليه المصنف فإذا استووا فأحسنهم خلقًا بضم الخاء أي إلفًا بين الناس فإن استووا فأحسنهم وجهًا أي: أكثرهم سماحة له.

وفسره في (الكافي) بأكثرهم صلاة بالليل فإن استووا فأكثرهم حسبًا وقدمه في (الفتح) على صباحة الوجه فإن استووا فأشرفهم نسبًا

١٬٠٣٦

قال الإسبيجابي: فإن استووا فأكبرهم رأسًا وأصغرهم عضوًا فإن استووا فأكثرهم مالاً فإن استووا فأكثرهم جاهًا فإن استووا فأنظفهم ثوبًا،

١٬٠٣٧

وفي (منية المفتي) المتيمم من الجنابة أولى من المتيمم عن حدث وفي (الخلاصة) الحر الأصلي أولى من العتيق واختلف في المقيم مع المسافر قيل: هما سواء

١٬٠٣٨

وقيل: المقيم أولى قال في (البحر) : وينبغي ترجيحه فإن اجتمعت هذه الخصال في رجلين أقرع بينهما أو الخيار للقوم، واعلم أنه وقع في (زاد الفقير) بعد قولهم: فأحسنهم خلقًا فإن تساووا فأحسنهم وجهًا وفسره في (الكافي) بمن يصلي بالليل فإن تساووا فأصبحهم وجهًا انتهى. ولم أر من جمع بينهما غيره وعليه فأحسنهم وجهًا أي: أكثرهم إضاءة له بدليل ما في (الكافي) أنه روي: (من كثرت صلاته بالليل أضاء وجهه بالنهار) وأصبحهم أسمحهم وجهًا، ثم

١٬٠٣٩

قال في (الزاد) بعد النسب: فإن تساووا ولكن أحدهم أقدم ورعًا قدم صرحوا به وقياسه يقتضي مثله في سائر الخصال وعلى هذا فقلَّ ما يحتاج إلى القرعة عند التساوي أو يخير القوم انتهى.

١٬٠٤٠

وكره إمامة العبد والأعرابي والفاسق والمبتدع وعلى هذا فيقال: فإن استووا في العلم فأقدمهم علمًا أولى

١٬٠٤١

وكذا في الأقرأ إلا أن هذا لا يتأتى في الاستواء في السن ونحوه فتدبره.

١٬٠٤٢

[فرع] قال في (الخلاصة) وغيرها: أم قومًا وهم له كارهون: إن الكراهة لفساد فيه أو لأنهم أحق منه بالإمامة كره له ذلك وإن كان هو أحق بالإمامة لا يكره والكراهة على القوم قال الحلبي: ينبغي أن تكون تحريمية لما رواه أبو داوود (لا يقبل الله صلاة من تقدم قومًا وهم له كارهون) .

تبيين الحقائقالزيلعي

(وَالْأَعْلَمُ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ) يَعْنِي الْأَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ الْأَقْرَأُ أَوْلَى لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «يَؤُمُّ الْقَوْمُ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا سَوَاءً فِي الْقِرَاءَةِ فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا وَفِي رِوَايَةٍ سِلْمًا»؛ وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ لَا بُدَّ مِنْهَا وَالْحَاجَةَ إلَى الْفِقْهِ إذَا نَابَتْ نَائِبَةٌ وَلَنَا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يَؤُمُّ الْقَوْمُ أَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءٌ فَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى» الْحَدِيثُ وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ» وَكَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَقْرَأُ لِلْقُرْآنِ مِنْهُ مِثْلُ أُبَيٍّ وَغَيْرِهِ؛

وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْقَوْمِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ صِحَّةً وَفَسَادًا فَتَقْدِيمُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِهَا أَوْلَى إذَا عَلِمَ مِنْ الْقِرَاءَةِ قَدْرَ مَا تَقُومُ بِهِ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ؛ وَلِأَنَّ الْقِرَاءَةَ يُحْتَاجُ إلَيْهَا لِإِقَامَةِ رُكْنٍ وَاحِدٍ وَهُوَ رُكْنٌ زَائِدٌ أَيْضًا وَالْفِقْهُ يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِجَمِيعِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَوَاجِبَاتِهَا وَسُنَنِهَا وَمُسْتَحَبَّاتِهَا وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْأَقْرَأَ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَهُ بِأَحْكَامِهِ حَتَّى يُرْوَى عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ حَفِظَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.

٨٢١

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ مَا كَانَتْ تَنْزِلُ سُورَةٌ إلَّا وَنَعْلَمُ أَمْرَهَا وَنَهْيَهَا وَزَجْرَهَا وَحَلَالَهَا وَحَرَامَهَا وَالرَّجُلُ الْيَوْمَ يَقْرَأُ السُّورَةَ وَلَا يَعْرِفُ مِنْ أَحْكَامِهَا شَيْئًا؛ وَلِأَنَّ مَا رَوَاهُ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ وَكَانَ يُسْتَدَلُّ بِحِفْظِهِ عَلَى عِلْمِهِ لِقُرْبِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ

تعليق

وَلَمَّا طَالَ الزَّمَانُ وَتَفَقَّهُوا قُدِّمَ الْأَعْلَمُ نَصًّا وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَعْلَمُهُمْ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (ثُمَّ الْأَقْرَأُ) لِمَا رَوَيْنَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (ثُمَّ الْأَوْرَعُ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «اجْعَلُوا أَئِمَّتَكُمْ خِيَارَكُمْ فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ»؛ وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَدَّمَ أَقْدَمَهُمْ هِجْرَةً وَلَا هِجْرَةَ الْيَوْمَ فَأَقَمْنَا الْوَرَعَ مَقَامَهَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (ثُمَّ الْأَسَنُّ) لِمَا رَوَيْنَا وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَلِصَاحِبٍ لَهُ «إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاة فَأَذِّنَا، ثُمَّ أَقِيمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» وَلَمْ يَذْكُرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّقْدِيمَ بِالْقِرَاءَةِ وَالْعِلْمِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِيهِمَا؛

وَلِأَنَّ الْأَكْبَرَ سِنًّا يَكُونُ أَخْشَعَ قَلْبًا عَادَةً وَأَعْظَمَهُمْ بَيْنَهُمْ حُرْمَةً وَرَغْبَةً وَالنَّاسُ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ أَكْثَرُ فَيَكُونُ فِي تَقْدِيمِهِ تَكْثِيرُ الْجَمَاعَةِ فَإِنْ كَانُوا سَوَاءً فِي السِّنِّ فَأَحْسَنُهُمْ خُلُقًا فَإِنْ اسْتَوَوْا فَأَصْبَحُهُمْ وَجْهًا فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَكْمَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ كَثْرَةُ الْجَمَاعَةِ وَرَغْبَةُ النَّاسِ فِيهِ أَكْثَرَ وَاجْتِمَاعُهُمْ عَلَيْهِ أَوْفَرُ.

قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

حاشية الشلبيالشلبي، حاشية على تبيين الحقائق

(قَوْلُهُ يَعْنِي الْأَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ) الْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ الْفِقْهُ وَعِلْمُ الشَّرِيعَةِ. اهـ. غَايَةٌ

(قَوْلُهُ وَفِي رِوَايَةٍ سَلَّمَا) أَيْ إسْلَامًا رَوَاهُ مُسْلِمٌ. اهـ. غَايَةٌ

(قَوْلُهُ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ مَا كَانَتْ تَنْزِلُ سُورَةٌ إلَى آخِرِهِ) فَكَانَ الْأَقْرَأُ فِيهِمْ هُوَ الْأَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ وَالْأَحْكَامِ

٦٨٢

فَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَكَثِيرٌ مِنْ الْقُرَّاءِ لَا حَظَّ لَهُمْ فِي الْعِلْمِ. اهـ. غَايَةٌ.

٦٨٣

فَإِنْ قِيلَ: الْكَلَامُ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْجَوَازِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَالْحَدِيثُ بِصِيغَتِهِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ إمَامَةِ الثَّانِي عِنْدَ وُجُودِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ صِيغَتَهُ صِيغَةُ إخْبَارٍ وَهُوَ فِي اقْتِضَاءِ الْوُجُوبِ آكَدُ مِنْ الْأَمْرِ أَوْ أَنَّهُ ذَكَرَهُ بِالشَّرْطِ قُلْنَا صِيغَةُ الْإِخْبَارِ لِبَيَانِ الشَّرْعِيَّةِ لَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ صِيغَةَ الْإِخْبَارِ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ وَلَكِنْ يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِوُجُودِ الْجَوَازِ بِدُونِ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَنْ الْأَقْرَأُ فِي الْحَدِيثِ الْأَعْلَمُ يَلْزَمُ تَكْرَارُ الْأَعْلَمِ فِي الْحَدِيثِ وَيَئُولُ تَقْدِيرُهُ يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَعْلَمُهُمْ فَإِنْ تَسَاوَوْا فَأَعْلَمُهُمْ قُلْنَا: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فَأَعْلَمُهُمْ بِأَحْكَامِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ السُّنَّةِ،

٦٨٤

وَمِنْ قَوْلِهِ أَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ أَعْلَمُهُمْ بِأَحْكَامِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ جَمِيعًا فَكَانَ الْأَعْلَمُ الثَّانِي غَيْرَ الْأَعْلَمِ الْأَوَّلِ. اهـ. دِرَايَةٌ وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لَوْ كَانَ عَالِمًا بِمَسَائِلِ الصَّلَاةِ مُتَبَحِّرًا فِيهَا غَيْرَ مُتَبَحِّرٍ فِي سَائِرِ الْعُلُومِ فَإِنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْمُتَبَحِّرِ فِي سَائِرِ الْعُلُومِ. اهـ. كَاكِيٌّ وَفِي الْمُجْتَبَى فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْعِلْمِ وَأَحَدُهُمَا أَقْرَأُ فَقَدَّمُوا غَيْرَهُ أَسَاءُوا وَلَا يَأْثَمُونَ اهـ.

(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ: ثُمَّ الْأَوْرَعُ)

٦٨٥

قَالَ فِي الدِّرَايَةِ: ثُمَّ الْوَرَعُ لَيْسَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ فِي تَرْتِيبِ الْإِمَامَةِ وَإِنَّمَا فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَعْلَمِ أَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً وَلَكِنْ أَصْحَابُنَا وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ جَعَلُوا مَكَانَ الْهِجْرَةِ الْوَرَعَ؛ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ مُنْقَطِعَةٌ فِي زَمَانِنَا،

٦٨٦

وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَإِنَّمَا الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ» فَجَعَلُوا الْهِجْرَةَ عَنْ الْمَعَاصِي مَكَانَ تِلْكَ الْهِجْرَةِ فَإِنَّ هِجْرَتَهُمْ لِتَعَلُّمِ الْأَحْكَامِ وَعِنْدَ ذَلِكَ يَزْدَادُ الْوَرَعُ وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مِلَاكُ دِينِكُمْ الْوَرَعُ» وَفِي الْحَدِيثِ «الْجِهَادُ جِهَادَانِ أَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْآخَرِ وَهُوَ أَنْ تُجَاهِدَ نَفْسَك وَهَوَاك وَالْهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ إحْدَاهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْأُخْرَى وَهُوَ أَنْ تَهْجُرَ السَّيِّئَاتِ». اهـ.

(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ، ثُمَّ الْأَسَنُّ إلَى آخِرِهِ)

٦٨٧

قَالَ فِي الْبَدَائِعِ؛ لِأَنَّ مَنْ امْتَدَّ عُمُرُهُ إلَى الْإِسْلَامِ كَانَ أَكْثَرَ طَاعَةٍ وَمُدَاوَمَةٍ عَلَى الْإِسْلَامِ قَالَ الثَّوْرِيُّ الْمُرَادُ بِالسِّنِّ سِنٌّ مَضَى فِي الْإِسْلَامِ فَلَا يُقَدَّمُ شَيْخٌ أَسْلَمَ قَرِيبًا عَلَى شَابٍّ نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ أَسْلَمَ قَبْلَهُ. اهـ. غَايَةٌ

(قَوْلُهُ فَأَصْبَحُهُمْ وَجْهًا إلَى آخِرِهِ) وَفَسَّرَ فِي الْكَافِي حَسَنَ الْوَجْهِ بِأَنْ يُصَلِّيَ فِي اللَّيْلِ كَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى مَا رَوَى عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ صَلَّى بِاللَّيْلِ حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ» وَالْمُحَدِّثُونَ لَا يُثْبِتُونَهُ. اهـ. فَتْحٌ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.