فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

البحر الرائقابن نجيم

(قَوْلُهُ: فُرِضَ مَرَّةً عَلَى الْفَوْرِ) أَيْ فُرِضَ الْحَجُّ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ وَالْفَوْرُ فِي اللُّغَةِ مِنْ فَوْرِ الْقِدْرِ غَلَيَانِهَا وَفِعْلُ ذَلِكَ مِنْ فَوْرِهِ أَيْ مِنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ فَوْرِ الْقِدْرِ قَبْلَ أَنْ تَسْكُنَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا} وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ فَرْضِيَّتَهُ قَصْدًا؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَسَائِلِ الِاعْتِقَادِيَّةِ فَلَيْسَتْ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّ مَسَائِلَهُ ظَنِّيَّةٌ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ وَدَلِيلُهُ الْقُرْآنِيُّ {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} وَالسُّنَّةُ كَثِيرَةٌ

٦٬٨٧٧

وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يَتَعَدَّدُ فَلِأَنَّ سَبَبَهُ وَهُوَ الْبَيْتُ كَذَلِكَ

٦٬٨٧٨

وَأَمَّا تَكَرُّرُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَالِ فَلِأَنَّ سَبَبَهُ هُوَ النَّامِي تَقْدِيرًا وَتَقْدِيرُ النَّمَاءِ دَائِرٌ مَعَ حَوْلَانِ الْحَوْلِ إذَا كَانَ الْمَالُ مُعَدًّا لِلِاسْتِنْمَاءِ فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ وَتَقْدِيرُ النَّمَاءِ الثَّابِتِ فِي هَذَا الْحَوْلِ غَيْرُ تَقْدِيرِ النَّمَاءِ فِي حَوْلٍ آخَرَ فَالْمَالُ مَعَ هَذَا النَّمَاءِ غَيْرُ الْمَجْمُوعِ مِنْهُ وَمِنْ النَّمَاءِ الْآخَرِ فَيَتَعَدَّدُ حُكْمًا كَتَعَدُّدِ الْوُجُوبِ بِتَعَدُّدِ النِّصَابِ وَلِرِوَايَةِ أَحْمَدَ مَرْفُوعًا «الْحَجُّ مَرَّةً فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ»

٦٬٨٧٩

وَأَمَّا كَوْنُهُ عَلَى الْفَوْرِ فَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي وَالتَّعْجِيلُ أَفْضَلُ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْأَمْرَ إنَّمَا هُوَ طَلَبُ الْمَأْمُورِ بِهِ وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى الْفَوْرِ وَلَا عَلَى التَّرَاخِي فَأَخَذَ بِهِ مُحَمَّدٌ وَقَوَّاهُ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَجَّ سَنَةَ عَشْرٍ وَفَرْضِيَّةُ الْحَجِّ كَانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ فَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ حَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا وَلَمْ يَحُجَّ هُوَ إلَى الْقَابِلَةِ

٦٬٨٨٠

وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ فَقَالَا الِاحْتِيَاطُ فِي تَعْيِينِ أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ فِي السَّنَةِ وَالْمَوْتُ فِي سَنَةٍ غَيْرُ نَادِرٍ فَتَأْخِيرُهُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ فِي وَقْتِهِ تَعْرِيضٌ لَهُ عَلَى الْفَوَاتِ فَلَا يَجُوزُ وَبِهَذَا حَصَلَ الْجَوَابُ عَنْ تَأْخِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إذْ لَا يَتَحَقَّقُ فِي حَقِّهِ تَعْرِيضُ الْفَوَاتِ وَهُوَ الْمُوجِبُ لِلْفَوْرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعِيشُ حَتَّى يَحُجَّ وَيُعَلِّمَ النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ تَكْمِيلًا لِلتَّبْلِيغِ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ عُلِمَ أَنَّ الْفَوْرِيَّةَ ظَنِّيَّةٌ؛

لِأَنَّ دَلِيلَ الِاحْتِيَاطِ ظَنِّيٌّ وَمُقْتَضَاهُ الْوُجُوبُ فَإِذَا أَخَّرَهُ وَأَدَّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَعَ أَدَاءً وَيَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا أَخَّرَهُ فَعَلَى الصَّحِيحِ يَأْثَمُ وَيَصِيرُ فَاسِقًا مَرْدُودَ الشَّهَادَةِ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِيرَ فَاسِقًا مِنْ أَوَّلِ سَنَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَتَوَالَى عَلَيْهِ سُنُونَ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ صَغِيرَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا وَلَا يَصِيرُ فَاسِقًا بِارْتِكَابِهَا مَرَّةً بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا وَإِذَا حَجَّ فِي آخِرِ عُمُرِهِ ارْتَفَعَ الْإِثْمُ اتِّفَاقًا قَالَ الشَّارِحُ وَلَوْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَثِمَ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ فَإِنَّ الْمَشَايِخَ اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فَقِيلَ يَأْثَمُ مُطْلَقًا

٦٬٨٨١

وَقِيلَ لَا يَأْثَمُ مُطْلَقًا وَقِيلَ إنْ خَافَ الْفَوَاتَ بِأَنْ ظَهَرَتْ لَهُ مَخَائِلُ الْمَوْتِ فِي قَلْبِهِ فَأَخَّرَهُ حَتَّى مَاتَ أَثِمَ وَإِنْ فَجْأَهُ الْمَوْتُ لَا يَأْثَمُ وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَتَضْعِيفُ الْقَوْلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَفُوتُ الْقَوْلُ بِفَرْضِيَّةِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ فَائِدَتَهَا الْإِثْمُ عِنْدَ عَدَمِ الْفِعْلِ سَوَاءٌ كَانَ مُضَيَّقًا، أَوْ مُوَسَّعًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ فَائِدَتُهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وُجُوبُ الْإِيصَاءِ عَلَيْهِ قُبَيْلَ مَوْتِهِ فَإِذَا لَمْ يُوصِ يَأْثَمُ لِتَرْكِ هَذَا الْوَاجِبِ لَا لِتَرْكِ الْحَجِّ وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ فُرِضَ مَرَّةً أَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ تَطَوُّعٌ وَيَشْهَدُ لَهُ الْحَدِيثُ السَّابِقُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْحَجَّ لَا يُوصَفُ بِالنَّفْلِيَّةِ بَلْ الْمَرَّةُ الْأُولَى فَرْضُ عَيْنٍ وَمَا زَادَ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ؛

لِأَنَّ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ أَنْ يَحُجَّ الْبَيْتَ كُلَّ عَامٍ وَلَمْ أَرَهُ لِأَئِمَّتِنَا بَلْ صَرَّحُوا بِالنَّفْلِيَّةِ فَقَالُوا حَجُّ النَّفْلِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا نَذَرَ الْحَجَّ فَإِنَّهُ يَصِيرُ فَرْضًا أَيْضًا وَمِنْ فُرُوعِهِ مَا فِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ مِائَةُ حِجَّةٍ لَزِمَتْهُ كُلُّهَا،

تعليق

وَلَوْ قَالَ أَنَا أَحُجُّ لَا حَجَّ عَلَيْهِ،

تعليق

وَلَوْ قَالَ إذَا دَخَلْت الدَّارَ فَأَنَا أَحُجُّ يَلْزَمُهُ عِنْدَ الشَّرْطِ

تعليق

وَلَوْ قَالَ الْمَرِيضُ إنْ عَافَانِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَرَضِي هَذَا فَعَلَيَّ حِجَّةٌ فَبَرِئَ لَزِمَتْهُ حِجَّةٌ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ عَلَيَّ حِجَّةٌ لِلَّهِ؛ لِأَنَّ الْحِجَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِلَّهِ،

٦٬٨٨٢

وَلَوْ بَرَأَ وَحَجَّ جَازَ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ،

٦٬٨٨٣

وَلَوْ نَوَى غَيْرَ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ. اهـ.

٦٬٨٨٤

وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَى حِجَّةِ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ نِيَّتِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى غَيْرِ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهَا وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ الزَّيْلَعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُضْحِيَّةَ لَكِنْ عَلَّلَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْهُمَامِ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَرِيضَ الَّذِي فَرَّطَ فِي الْفَرْضِ حَتَّى مَرِضَ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْحَجَّ يَتَّصِفُ بِالْحُرْمَةِ إذَا كَانَ الْمَالُ حَرَامًا وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يَكُونُ وَاجِبًا وَهُوَ مَا إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَإِنَّهُمْ قَالُوا يَجِبُ عَلَيْهِ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ

٦٬٨٨٥

إمَّا الْحَجُّ، أَوْ الْعُمْرَةُ فَإِذَا اخْتَارَ الْحَجَّ فَإِنَّهُ يَتَّصِفُ بِالْوُجُوبِ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ يَتَّصِفُ بِالْكَرَاهَةِ وَهُوَ حَجُّهُ بِغَيْرِ إذْنِ أَبَوَيْهِ بِشَرْطِهِ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِ الدَّيْنِ فَتَحَرَّرَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَكُونُ فَرْضًا وَوَاجِبًا وَنَفْلًا وَحَرَامًا وَمَكْرُوهًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَّصِفُ بِالْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَضْعًا.

منحة الخالقابن عابدين، حاشية على البحر الرائق

(قَوْلُهُ: وَهُوَ الْبَيْتُ كَذَلِكَ) أَيْ لَا يَتَعَدَّدُ

(قَوْلُهُ ارْتَفَعَ الْإِثْمُ اتِّفَاقًا) كَذَا فِي التَّبْيِينِ وَقَالَ نُوحٌ أَفَنْدِي الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ بِالْإِثْمِ إثْمُ تَفْوِيتِ الْحَجِّ لَا إثْمُ تَأْخِيرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا مَرَّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَلَوْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَثِمَ بِالْإِجْمَاعِ أَيْ إثْمَ تَفْوِيتِهِ؛ لِأَنَّهُ بِتَأْخِيرِهِ عَرَضَهُ عَلَى الْفَوَاتِ اهـ.

وَفِيمَا اسْتَدَلَّ بِهِ نَظَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بَحْثُ الْمُؤَلِّفِ فِي كَلَامِ الزَّيْلَعِيِّ وَنَقْلُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَمَا ذَاكَ إلَّا فِي التَّأْخِيرِ إذْ لَا شَكَّ فِي إثْمِ تَارِكِ فَرْضٍ قَطْعِيٍّ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فَرْضًا وَلَا وَاجِبًا فَالْمُرَادُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إثْمُ التَّأْخِيرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا

٢٬٧٩١

قَالَ فِي الْفَتْحِ ثُمَّ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ

٢٬٧٩٢

فَلَوْ حَجَّ بَعْدَهُ ارْتَفَعَ الْإِثْمُ اهـ.

٢٬٧٩٣

وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ فَيَأْثَمُ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ بِالتَّأْخِيرِ إلَى غَيْرِهِ بِلَا عُذْرٍ إلَّا إذَا أَدَّى وَلَوْ فِي آخَرِ عُمُرِهِ فَإِنَّهُ رَافِعٌ لِلْإِثْمِ بِلَا خِلَافٍ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ عَنْ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ مِنْ عَدَمِ ارْتِفَاعِ الْإِثْمِ عِنْدَ الثَّانِي

(قَوْلُهُ: فَقِيلَ يَأْثَمُ مُطْلَقًا) قَالَ فِي النَّهْرِ لَمْ أَرَ عَنْ مُحَمَّدٍ الْقَوْلَ بِالْإِثْمِ مُطْلَقًا إذْ بِتَقْدِيرِهِ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا سَهْوٌ نَعَمْ الْمَنْقُولُ عَنْهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي فَلَا يَأْثَمُ إذَا حَجَّ قَبْلَ مَوْتِهِ فَإِذَا مَاتَ بَعْدَ الْإِمْكَانِ وَلَمْ يَحُجَّ ظَهَرَ أَنَّهُ أَثِمَ وَنَقَلَ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَصِحَّةُ الْأَوَّلِ غَنِيَّةٌ عَنْ الْوَجْهِ وَعَلَى اعْتِبَارِهِ قِيلَ يَظْهَرُ الْإِثْمُ مِنْ السَّنَةِ الْأُولَى

٢٬٧٩٤

وَقِيلَ مِنْ الْأَخِيرَةِ مِنْ سَنَةِ رَأَى فِي نَفْسِهِ الضَّعْفَ

٢٬٧٩٥

وَقِيلَ يَأْثَمُ فِي الْجُمْلَةِ غَيْرَ مَحْكُومٍ بِمُعَيَّنٍ بَلْ عِلْمُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى اهـ.

وَلَا يَخْفَى عَلَيْك مَا فِيهِ فَإِنَّ مَا ادَّعَى عَدَمَ رُؤْيَتِهِ نَقَلَهُ بِيَدِهِ وَتَلَفَّظَهُ بِفِيهِ وَهُوَ قَوْلُ الْفَتْحِ فَإِذَا مَاتَ بَعْدَ الْإِمْكَانِ وَلَمْ يَحُجَّ ظَهَرَ أَنَّهُ أَثِمَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ يَأْثَمُ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ فَجَأَهُ الْمَوْتُ أَوْ لَا وَقَوْلُهُ إذْ بِتَقْدِيرِهِ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامَيْنِ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ كَمَا مَرَّ وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَظْهَرُ بِالْمَوْتِ إثْمُهُ وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ فِيمَا إذَا مَاتَ فَالْفَرْقُ وَاضِحٌ تَدَبَّرْ

(قَوْلُهُ: فَقَالُوا حَجُّ النَّفْلِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ) قَالَ الرَّمْلِيُّ قَالَ الْمَرْحُومُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْعِمَادِيُّ مُفْتِي الشَّامِ فِي مَنَاسِكِهِ وَإِذَا حَجَّ حِجَّةَ الْإِسْلَامِ فَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ بَعْدَ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَالْحَجُّ أَفْضَلُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ فَلَمَّا حَجّ وَرَأَى مَا فِيهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشَقَّاتِ الْمُوجِبَةِ لِتَضَاعُفِ الْحَسَنَاتِ رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ اهـ.

قُلْت قَدْ يُقَالُ إنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ فِي زَمَانِنَا أَفْضَلُ لِمَا يَلْزَمُ الْحَاجَّ غَالِبًا مِنْ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ وَمُشَاهَدَتِهِ لِفَوَاحِشِ الْمُنْكَرَاتِ وَشُحِّ عَامَّةِ النَّاسِ بِالصَّدَقَاتِ وَتَرْكِهِمْ الْفُقَرَاءَ وَالْأَيْتَامَ فِي حَسَرَاتٍ وَلَا سِيَّمَا فِي أَيَّامِ الْغَلَاءِ وَضِيقِ الْأَوْقَاتِ وَبِتَعَدِّي النَّفْعِ تَتَضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ ثُمَّ رَأَيْت فِي مُتَفَرِّقَاتِ اللُّبَابِ الْجَزْمَ بِأَنَّ الصَّدَقَةَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَقَالَ شَارِحُهُ الْقَارِي أَيْ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي التَّجْنِيسِ وَمُنْيَةِ الْمُفْتِي وَغَيْرِهِمَا وَلَعَلَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى إعْطَاءِ الْفَقِيرِ الْمَوْصُوفِ بِغَايَةِ الْفَاقَةِ أَوْ فِي حَالِ الْمَجَاعَةِ وَإِلَّا فَالْحَجُّ مُشْتَمِلٌ عَلَى النَّفَقَةِ بَلْ وَزَادَ إنَّ الدِّرْهَمَ الَّذِي يُنْفَقُ فِي الْحَجِّ بِسَبْعِمِائَةٍ إلَخْ قُلْت قَدْ يُقَالُ مَا وَرَدَ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَجِّ الْفَرْضِ عَلَى أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِ الصَّدَقَةِ لِلْمُحْتَاجِ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ سَبْعِمِائَةٍ

(قَوْلُهُ: وَلَا يَخْفَى إلَخْ) قَالَ مُنْلَا عَلِيٌّ فِي شَرْحِ الْمَنْسَكِ الْمُتَوَسِّطِ نَعَمْ قَدْ يُفْرَضُ لِعَارِضٍ كَنَذْرٍ أَوْ قَضَاءٍ بَعْدَ فَسَادٍ أَوْ إحْصَارٍ أَوْ الشُّرُوعِ فِيهِ بِمُبَاشَرَةِ إحْرَامٍ إلَخْ.

النهر الفائقعمر ابن نجيم

(مرة) واحدة في العمر لقوله- صلي الله عليه وسلم- للأقرع بن حابس لما سأله حين إخباره عليه السلام بفرض الله الحج أفي كل عام أم في العمر قال: (لا في العمر ولو قلتها لوجبت ما ولأن سببه البيت وهو واحد فإن

٢٬٩٠٩

قلت: فكيف قال: لو قلتها لوجبت

٢٬٩١٠

قلت: لأنه الشارع هو الذي إليه نصب الأسباب كذا في (التلويح) والآية وإن كانت كافية في الاستدلال على نفي التكرار لأن الأمر لا يحتمله إلا أن إثبات النفي بمقتضى النفي أقوى

تبيين الحقائقالزيلعي

(فُرِضَ مَرَّةً عَلَى الْفَوْرِ بِشَرْطِ حُرِّيَّةٍ وَبُلُوغٍ وَعَقْلٍ وَصِحَّةٍ وَقُدْرَةٍ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ فَضُلَتْ عَنْ مَسْكَنِهِ وَعَمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ وَنَفَقَةِ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ وَعِيَالِهِ)

٢٬٠٦٩

أَمَّا وُجُوبُهُ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ فَلِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَوْ قُلْتهَا لَوَجَبَتْ وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا الْحَجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ؛ وَلِأَنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ، وَهُوَ لَا يَتَكَرَّرُ فَلَا يَتَكَرَّرُ الْوُجُوبُ

٢٬٠٧٠

وَأَمَّا وُجُوبُهُ عَلَى الْفَوْرِ فَلِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِوَقْتٍ خَاصٍّ وَالْمَوْتُ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرُ نَادِرٍ فَيَتَضَيَّقُ احْتِيَاطًا وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّ ابْنَ شُجَاعٍ رَوَى عَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَجَدَ مَا يَحُجُّ بِهِ وَقَدْ قَصَدَ التَّزَوُّجَ قَالَ يَحُجُّ وَلَا يَتَزَوَّجُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ فَرِيضَةٌ أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى هُوَ عَلَى التَّرَاخِي؛ لِأَنَّهُ وَظِيفَةُ الْعُمُرِ فَكَأَنَّ الْعُمُرَ فِيهِ كَالْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ وَلِهَذَا يَنْوِي الْأَدَاءَ فَلَا يُتَصَوَّرُ فَوَاتُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ «- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَجَّ سَنَةَ عَشْرٍ» وَكَانَ فَرْضُ الْحَجِّ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَلَوْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ لَمَا أَخَّرَهُ وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ وَتَضِلُّ الرَّاحِلَةُ وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَعْنَى فِيهِ وَاَلَّذِي نَزَلَ فِي سَنَةِ سِتٍّ قَوْله تَعَالَى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، وَهُوَ أَمْرٌ بِإِتْمَامِ مَا شَرَعَ فِيهِ وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْإِيجَابِ مِنْ غَيْرِ شُرُوعٍ، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} الْآيَةَ، وَهِيَ نَزَلَتْ سَنَةَ تِسْعٍ فَتَأْخِيرُهُ إلَى السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ

٢٬٠٧١

إمَّا؛ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ أَوْ لِلْخَوْفِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ كَرِهَ مُخَالَطَةَ الْمُشْرِكِينَ فِي نُسُكِهِمْ إذْ كَانَ لَهُمْ عَهْدٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَأَخَّرَ الْحَجَّ حَتَّى بَعَثَ أَبَا بَكْرٍ وَعَلِيًّا فَنَادَى أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ ثُمَّ حَجَّ وَكَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَيْهِ أَنَّ التَّقْدِيمَ أَفْضَلُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْلَا أَنَّ لَهُ عُذْرًا لَمَا أَخَّرَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَنِيَّةُ الْأَدَاءِ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّرَاخِي أَلَا تَرَى أَنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عِنْدَهُمَا عَلَى الْفَوْرِ وَمَعَ هَذَا لَوْ أَخَّرَهَا يَنْوِي الْأَدَاءَ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي حَقِّ الْمَأْثَمِ حَتَّى يَفْسُقَ وَتُرَدَّ شَهَادَتُهُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ وَلَوْ حَجَّ فِي آخِرِ عُمُرِهِ لَيْسَ عَلَيْهِ الْإِثْمُ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَثِمَ بِالْإِجْمَاعِ

٢٬٠٧٢

وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ فَمَاتَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ فَإِنْ أَدْرَكَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ وَأَيُّمَا رَجُلٍ مَمْلُوكٍ حَجَّ بِأَهْلِهِ فَمَاتَ فَأَجْزَأَتْ عَنْهُ فَإِنْ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ» ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلِأَنَّ الْحَجَّ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْمَالِيِّ وَالْبَدَنِيِّ وَفِي نِيَّةِ الصَّبِيِّ قُصُورٌ؛ وَلِهَذَا سَقَطَ عَنْهُ الْفَرَائِضُ كُلُّهَا وَلَا مَالَ لِلْعَبْدِ؛ وَلِأَنَّهُ مَشْغُولٌ بِخِدْمَةِ الْمُولَى

٢٬٠٧٣

فَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ لَبَطَلَ حَقُّ الْمَوْلَى فِي زَمَانٍ طَوِيلٍ وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ فَصَارَ كَالْجِهَادِ

٢٬٠٧٤

بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُمَا يَسِيرٌ وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِمَا إلَى الْمَالِ وَالْعَقْلُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّكَالِيفِ وَصِحَّةُ الْجَوَارِحِ مِنْ شَرْطِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ وَالِاسْتِطَاعَةُ مُنْعَدِمَةٌ دُونَهَا.

وَالْأَعْمَى إذَا وَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ مُؤْنَةَ سَفَرِهِ وَوَجَدَا زَادًا وَرَاحِلَةً لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ بِنَفْسِهِ فَلَا تَعْتَبِرُ الْقُدْرَةُ بِغَيْرِهِ وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ هَدَى يُؤَدِّي بِنَفْسِهِ فَأَشْبَهَ الضَّالُّ عَنْ مَوَاضِعِ النُّسُكِ وَالْمُقْعَدُ وَالْمَفْلُوجُ وَالزَّمِنُ وَمَقْطُوعُ الرَّجُلَيْنِ وَالشَّيْخُ الَّذِي لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِنَفْسِهِ وَالْمَحْبُوسُ وَالْأَعْمَى إذَا وَجَدَ زَادًا وَرَاحِلَةً وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَهْدِيهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْحَجُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُمَا وَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُمَا يَجِبُ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ الْإِحْجَاجِ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِحْجَاجُ؛

لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْحَجِّ بِالْبَدَنِ وَالْأَصْلُ لَمْ يَجِبُ فَلَا يَجِبُ الْبَدَلُ وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُمْ لَزِمَهُمْ الْأَصْلُ، وَهُوَ الْحَجُّ بِالْبَدَنِ فِي الذِّمَّةِ وَقَدْ عَجَزُوا عَنْهُ فَيَجِبُ الْبَدَلُ عَلَيْهِمْ وَلَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَسَّرَ الِاسْتِطَاعَةَ بِهِ وَيَعْتَبِرُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لَهُ وَقْتَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ وَلَا يَعْتَبِرُ قَبْلَهُ حَتَّى جَازَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ مَالَهُ فِيمَا أَحَبَّ فَإِذَا صَرَفَهُ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ

٢٬٠٧٥

وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ خَالِيَةً عَنْ الْعِدَّةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً عِنْدَ خُرُوجِهِمْ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَجُّ، وَهُوَ قَدَرَ مَا يَكْتَرِي بِهِ شِقَّ مَحْمَلٍ فَاضِلًا عَمَّا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ الْمَشْغُولَ بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ كَالْمَعْدُومِ شَرْعًا،

٢٬٠٧٦

وَإِنْ قَدَرَ أَنْ يَكْتَرِيَ عُقْبَةً لَا غَيْرُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ وَيُعْتَبَرُ فِي نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ الْوَسَطُ مِنْ غَيْرِ تَبْذِيرٍ وَلَا تَقْتِيرٍ وَلَا يَتْرُكُ نَفَقَتَهُ لِمَا بَعْدَ إيَابِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ

٢٬٠٧٧

وَقِيلَ يَتْرُكُ نَفَقَةَ يَوْمٍ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ نَفَقَةَ شَهْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّكَسُّبَ كَمَا يُقْدِمُ فَيُقَدِّرُ بِالشَّهْرِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهُمْ الرَّاحِلَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُمْ مَشَقَّةٌ فَأَشْبَهَ السَّعْيَ إلَى الْجُمُعَةِ.

قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -

حاشية الشلبيالشلبي، حاشية على تبيين الحقائق

(قَوْلُهُ وَقُدْرَةٍ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ) أَيْ حَتَّى لَوْ كَانَ عَادَتُهُ سُؤَالَ النَّاسِ وَالْمَشْيَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ زَادٌ وَلَا رَاحِلَةٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ. اهـ. غَايَةٌ قَوْلُهُ وَنَفَقَةِ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ) أَيْ وَقَضَاءِ دُيُونِهِ. اهـ. غَايَةٌ

(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ يُضَافُ إلَيْهِ وَالْوَاجِبَاتُ تُضَافُ إلَى أَسْبَابِهَا. اهـ. كَافِي وَكَتَبَ أَيْضًا عَلَى قَوْلِهِ؛ وَلِأَنَّ سَبَبَهُ الْبَيْتُ عَلَى الصَّحِيحِ ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَغَيْرِهِ وَفِي الْمُحِيطِ سَبَبُهُ كَوْنُهُ مُنْعِمًا عَلَيْهِ،

٢٬٣٢٤

وَفِي الذَّخِيرَةِ وَقَدْ رَتَّبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وُجُوبَ الْحَجِّ عَلَى الِاسْتِطَاعَةِ وَتَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يُشْعِرُ بِسَبَبِيَّةِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ كَقَوْلِنَا زَنَى فَرُجِمَ وَسَهَا فَسَجَدَ وَسَرَقَ فَقُطِعَ فَتَكُونُ الِاسْتِطَاعَةُ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ انْتَهَى غَايَةٌ

(قَوْلُهُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إلَخْ) وَفِي الْمُحِيطِ والمرغيناني وَالْكَرْمَانِيِّ أَنَّ أَصَحَّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَفِي قُنْيَةٌ الْمُنْيَةِ يَجِبُ مُضَيَّقًا عَلَى الْمُخْتَارِ وَبِالْأَدَاءِ يَرْتَفِعُ الْإِثْمُ وَفِي الْبَدَائِعِ وَالتُّحْفَةِ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ

٢٬٣٢٥

وَعَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ. اهـ. سَرُوجِيٌّ

(قَوْلُهُ، وَهِيَ نَزَلَتْ سَنَةَ تِسْعٍ إلَخْ) قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْهَدْيِ الصَّحِيحِ، إنَّ الْحَجَّ فُرِضَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ تِسْعٍ وَأَنَّ آيَةَ فَرْضِهِ هِيَ قَوْله تَعَالَى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ}، وَهِيَ نَزَلَتْ عَامَ الْوُفُودِ أَوَاخِرَ سَنَةِ تِسْعٍ وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمْ يُؤَخِّرْ الْحَجَّ بَعْدَ فَرْضِهِ عَامًا وَاحِدًا» وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِهَدْيِهِ وَحَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ بِيَدِ مَنْ ادَّعَى تَقَدُّمَ فَرْضِ الْحَجِّ سَنَةَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ دَلِيلٌ وَاحِدٌ وَغَايَةُ مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ فُرِضَ سَنَةَ سِتٍّ قَوْله تَعَالَى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}، وَهِيَ نَزَلَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ ابْتِدَاءٌ لِفَرْضِ الْحَجِّ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِ إذَا شَرَعَ فِيهِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ وُجُوبِ ابْتِدَائِهِ اهـ

(قَوْلُهُ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ) الَّذِي فِي خَطِّ الشَّارِحِ الِاخْتِلَافُ انْتَهَى (وَلَهُ

٢٬٣٢٦

وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ إلَخْ)

٢٬٣٢٧

أَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَقَدْ خَالَفَتْ فِيهَا الظَّاهِرِيَّةُ وَأَوْجَبُوهُ عَلَى الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ انْتَهَى غَايَةٌ

(قَوْلُهُ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ) هُوَ خَبَرُ أَنَّ أَيْ ثَابِتٌ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ انْتَهَى.

(قَوْلُهُ إذَا وَجَدَ مَنْ يَكْفِيهِ مُؤْنَةَ سَفَرِهِ) أَيْ بِأَنْ وَجَدَ قَائِدًا انْتَهَى

(قَوْلُهُ وَالزَّمِنُ) قَالَ فِي الْمُغْرِبِ الزَّمِنُ الَّذِي طَالَ مَرَضُهُ زَمَانًا انْتَهَى.

(قَوْلُهُ وَالْمَحْبُوسُ) أَيْ مِنْ قِبَلِ الْجَائِرِ انْتَهَى غَايَةٌ

(قَوْلُهُ وَالْأَعْمَى إلَخْ) قَالَ فِي الْمُجْتَبَى الْأَعْمَى إذَا وَجَدَ قَائِدًا حُرًّا يُطَاوِعُهُ لَمْ يَلْزَمْهُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا،

٢٬٣٢٨

وَإِنْ كَانَ عَبْدًا لَهُ أَوْ أَجِيرَهُ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَالذَّخِيرَةِ

٢٬٣٢٩

أَمَّا لَوْ وَجَدَ الْأَعْمَى زَادًا وَرَاحِلَةً وَلَمْ يَجِدْ قَائِدًا لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ فِي قَوْلِهِمْ وَهَلْ يَجِبُ الْإِحْجَاجُ عَلَيْهِ بِالْمَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ،

٢٬٣٣٠

وَإِنْ وَجَدَ قَائِدًا لَا يَلْزَمُهُ بِنَفْسِهِ عِنْدَهُ انْتَهَى كَاكِيٌّ وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا حَجَّ عَلَى الْأَعْمَى،

٢٬٣٣١

وَإِنْ مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَلَهُ أَلْفُ قَائِدٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ فِي مَالِهِ،

٢٬٣٣٢

وَفِي الرَّوْضَةِ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَجٌّ يُبَاشِرُهُ وَلَا جُمُعَةٌ وَلَا جَمَاعَةٌ،

٢٬٣٣٣

وَإِنْ كَانَ لَهُ أَلْفُ قَائِدٍ وَعَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ

٢٬٣٣٤

قَالَ فِي الرَّوْضَةِ ذَكَرَهُ فِي مَنَاسِكِ ابْنِ شُجَاعٍ وَفِي الْمُحِيطِ عِنْدَ فَقْدِ سَلَامَةِ الْبَدَنِ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ بِالْمَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ

٢٬٣٣٥

بِخِلَافِ الْفِدْيَةِ فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ حَالَةَ الْيَأْسِ بِالنَّصِّ انْتَهَى غَايَةٌ.

(قَوْلُهُ وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لَهُ وَقْتَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ إلَخْ) حَتَّى لَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ أَوْ اشْتَرَى بِهِ عُرُوضًا أَوْ حَيَوَانًا قَبْلَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَجُّ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ بَعْدَ خُرُوجِ أَهْلِ بَلَدِهِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَجُّ، وَيَكُونُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى لَوْ مَاتَ لَقِيَ اللَّهَ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ فَاضِلٌ عَنْ سُكْنَى مِثْلِهِ لَا يَسْكُنُ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُؤَجِّرُهُ أَوْ يُعِيرُهُ أَوْ عَبْدٌ لَا يَسْتَخْدِمُهُ أَوْ مَتَاعٌ لَا يَلْبَسُهُ أَوْ كَانَتْ لَهُ كُتُبٌ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَحُجَّ بِثَمَنِهَا؛

لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَاضِلَةٌ عَنْ الْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ فَيُعَدُّ مُسْتَطِيعًا كَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ دَرَاهِمُ وَلَيْسَ لَهُ مَسْكَنٌ وَلَا خَادِمٌ فَالْحَجُّ لَازِمٌ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ صَرَفَهُ إلَى شَيْءٍ آخَرَ يَأْثَمُ لِوُجُودِ الِاسْتِطَاعَةِ بِمِلْكِ الدَّرَاهِمِ فِي الْحَالِ

٢٬٣٣٦

بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ وَاحِدٌ فَإِنَّ ثَمَّةَ يَتَضَرَّرُ بِالْبَيْعِ انْتَهَى كَرْمَانِيٌّ.

١ -

(قَوْلُهُ خَالِيَةً عَنْ الْعِدَّةِ) أَيِّ عِدَّةٍ كَانَتْ زَاهِدِيٌّ

(قَوْلُهُ قَدْرُ مَا يُكْتَرَى بِهِ شِقُّ مَحْمَلٍ) الشِّقُّ الْجَانِبُ، وَهُوَ نِصْفُ بَعِيرٍ يَحْمِلُ عَلَيْهِ الْمُسَافِرُ مَتَاعَهُ وَطَعَامَهُ ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ الْعِدْلُ الَّذِي فِيهِ زَادُ الْحَاجِّ. اهـ. كَاكِيٌّ

(قَوْلُهُ، وَإِنْ قَدَرَ أَنْ يَكْتَرِيَ عُقْبَةً) الْعُقْبَةُ النَّوْبَةُ وَعُقْبَةُ الْأَجِيرِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ اثْنَانِ بَعِيرًا يَتَعَاقَبَانِ فِي الرُّكُوبِ فَرْسَخًا فَرْسَخًا أَوْ مَنْزِلًا مَنْزِلًا. اهـ. كَاكِيٌّ

(قَوْلُهُ، وَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ إلَخْ)

٢٬٣٣٧

أَمَّا الزَّادُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ صَرَّحَ بِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ فَفِي قَوْلِهِ فِي النِّهَايَةِ عَلَيْهِ الْحَجُّ،

٢٬٣٣٨

وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا لَا يَمْلِكُ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ نَظَرٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ إذَا كَانَ يُمْكِنُهُ تَكَسُّبُهُ فِي الطَّرِيقِ. اهـ. كَمَالٌ

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.