ومواقيت الإحرام ذو الحليفة وذات عرقٍ وجحفة وقرنٌ ويلملم لأهلها ولمن مرّ بها
الشروح عليها
(قَوْلُهُ: وَمَوَاقِيتُ الْإِحْرَامِ ذُو الْحُلَيْفَةِ وَذَاتُ عِرْقٍ وَالْجُحْفَةُ وَقَرْنٌ وَيَلَمْلَمُ لِأَهْلِهَا وَلِمَنْ مَرَّ بِهَا) أَيْ الْأَمْكِنَةُ الَّتِي لَا يَتَجَاوَزُهَا الْآفَاقِيُّ إلَّا مُحْرِمًا خَمْسَةٌ فَالْمِيقَاتُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ وَالْمَكَانِ الْمُعَيَّنِ وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي وَسَيَأْتِي الْأَوَّلُ وَذُو الْحُلَيْفَةِ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْفَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ نَحْوُ عَشْرِ مَرَاحِلَ، أَوْ تِسْعٌ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ
وَقِيلَ سَبْعَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ وَبِهَذَا الْمَكَانِ آبَارٌ تُسَمِّيهِ الْعَوَامُّ آبَارَ عَلِيٍّ قِيلَ؛ لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَاتَلَ الْجِنَّ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْآبَارِ وَهُوَ كَذِبٌ مِنْ قَائِلِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَلَبِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ وَذَاتُ عِرْقٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَهِيَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مِنْ مَكَّةَ قِيلَ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ وَالْجُحْفَةُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَاسْمُهَا فِي الْأَصْلِ مَهْيَعَةُ نَزَلَ بِهَا سَيْلٌ جَحَفَ أَهْلَهَا أَيْ اسْتَأْصَلَهُمْ فَسُمِّيَتْ جُحْفَةً قَالَ النَّوَوِيُّ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثُ مَرَاحِلَ وَهِيَ قَرْيَةٌ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالشَّمَالِ مِنْ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ تَبُوكَ وَهِيَ طَرِيقُ أَهْلِ الشَّامِ وَنَوَاحِيهَا الْيَوْمَ وَهِيَ مِيقَاتُ أَهْلِ مِصْرَ وَالْمُغْرِبِ وَالشَّامِ وَقَرْنُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَهُوَ جَبَلٌ مُطِلٌّ عَلَى عَرَفَاتٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ نَحْوُ مَرْحَلَتَيْنِ وَفِي الصِّحَاحِ أَنَّهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَأَنَّ أُوَيْسًا الْقَرَنِيَّ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَأَنَّ أُوَيْسًا مَنْسُوبٌ إلَى قَبِيلَةٍ يُقَالُ لَهَا بَنُو قَرْنٍ بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ وَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ نَجْدٍ
وَأَمَّا يَلَمْلَمُ فَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ الْيَمَنِ وَهُوَ مَكَانٌ جَنُوبِيِّ مَكَّةَ وَهُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ تِهَامَةَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لِأَهْلِهَا وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ مَا عَدَا ذَاتَ عِرْقٍ ثَابِتَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَذَاتُ عِرْقٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَقَوْلُهُ لِمَنْ مَرَّ بِهَا يَعْنِي مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا وَقَدْ أَفَادَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُجَاوَزَةُ الْجَمِيعِ إلَّا مُحْرِمًا فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَدَنِيِّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَفْضَلُ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ آخِرِهَا عِنْدَنَا وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ الشَّامِيَّ إذَا مَرَّ عَلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي ذَهَابِهِ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مِنْهُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْجُحْفَةِ.
كَالْمِصْرِيِّ لَكِنْ قِيلَ إنَّ الْجُحْفَةَ قَدْ ذَهَبَتْ أَعْلَامُهَا وَلَمْ يَبْقَ بِهَا إلَّا رُسُومٌ خَفِيَّةٌ لَا يَكَادُ يَعْرِفُهَا إلَّا سُكَّانُ بَعْضِ الْبَوَادِي وَلِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اخْتَارَ النَّاسُ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمَكَانِ الْمُسَمَّى بِرَابِضَ وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهُ بَالِغِينَ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْجُحْفَةِ بِنِصْفِ مَرْحَلَةٍ، أَوْ قَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ قَالُوا وَمَنْ كَانَ فِي بَرٍّ، أَوْ بَحْرٍ لَا يَمُرُّ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ الْمَذْكُورَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ إذَا حَاذَى آخِرَهَا وَيُعْرَفُ بِالِاجْتِهَادِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِحَيْثُ يُحَاذِي فَعَلَى مَرْحَلَتَيْنِ إلَى مَكَّةَ وَلَعَلَّ مُرَادَهُمْ بِالْمُحَاذَاةِ الْمُحَاذَاةُ الْقَرِيبَةُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَإِلَّا فَآخِرُ الْمَوَاقِيتِ بِاعْتِبَارِ الْمُحَاذَاةِ قَرْنُ الْمَنَازِلِ ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ الْمُقِيمِينَ بِمَكَّةَ فِي الْحِجَّةِ الرَّابِعَةِ لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ أَنَّ الْمُحَاذَاةَ حَاصِلَةٌ فِي هَذَا الْمِيقَاتِ فَيَنْبَغِي عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ لَا يَلْزَمَ الْإِحْرَامُ مِنْ رَابِغٍ بَلْ مِنْ خُلَيْصٍ الْقَرْيَةِ الْمَعْرُوفَةِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُحَاذِيًا لَآخِرِ الْمَوَاقِيتِ وَهُوَ قَرْنٌ فَأَجَبْته بِجَوَابَيْنِ الْأَوَّلِ أَنَّ إحْرَامَ الْمِصْرِيِّ وَالشَّامِيِّ لَمْ يَكُنْ بِالْمُحَاذَاةِ وَإِنَّمَا هُوَ بِالْمُرُورِ عَلَى الْجُحْفَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً وَإِحْرَامُهُمْ قَبْلَهَا احْتِيَاطًا وَالْمُحَاذَاةُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُرُورِ عَلَى الْمَوَاقِيتِ الثَّانِي أَنَّ مُرَادَهُمْ الْمُحَاذَاةُ الْقَرِيبَةُ وَمُحَاذَاةُ الْمَارِّينَ لِقَرْنٍ بَعِيدَةٌ؛
لِأَنَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ بَعْضَ جِبَالٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ أَطْلَقَ فِي الْإِحْرَامِ فَشَمِلَ إحْرَامَ الْحَجِّ وَإِحْرَامَ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي حَقِّ الْآفَاقِيِّ وَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ قَاصِدًا عِنْدَ الْمُجَاوَزَةِ الْحَجَّ، أَوْ الْعُمْرَةَ أَوْ التِّجَارَةَ، أَوْ الْقِتَالَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَصَدَ دُخُولَ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لِتَعْظِيمِ هَذِهِ الْبُقْعَةِ الشَّرِيفَةِ فَاسْتَوَى فِيهِ الْكُلُّ
وَأَمَّا دُخُولُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ يَوْمَ الْفَتْحِ فَكَانَ مُخْتَصًّا بِتِلْكَ السَّاعَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ «مَكَّةُ حَرَامٌ لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ حَرَامًا» يَعْنِي الدُّخُولَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حِلِّ الدُّخُولِ بَعْدَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلْقِتَالِ وَقَيَّدْنَا بِقَصْدِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ الْآفَاقِيَّ إذَا قَصَدَ مَوْضِعًا مِنْ الْحِلِّ كَخُلَيْصٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَإِذَا وَصَلَ إلَيْهِ الْتَحَقَ بِأَهْلِهِ وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ فَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ وَهِيَ الْحِيلَةُ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَجُوزَ هَذِهِ الْحِيلَةُ لِلْمَأْمُورِ بِالْحَجِّ؛
لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ سَفَرُهُ لِلْحَجِّ وَلِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِجَّةٍ آفَاقِيَّةٍ وَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ صَارَتْ حِجَّتُهُ مَكِّيَّةً فَكَانَ مُخَالِفًا وَهَذِهِ. الْمَسْأَلَةُ يَكْثُرُ وُقُوعُهَا فِيمَنْ يُسَافِرُ فِي الْبَحْرِ الْمِلْحِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْحَجِّ وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي وَسَطِ السَّنَةِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَقْصِدَ الْبَنْدَرَ الْمَعْرُوفَ بِجُدَّةِ لِيَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ حَتَّى لَا يَطُولَ الْإِحْرَامُ عَلَيْهِ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِالْحَجِّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ.
(قَوْلُهُ: فَالْمِيقَاتُ مُشْتَرَكٌ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ الْمَوَاقِيتُ جَمْعُ مِيقَاتٍ بِمَعْنَى الْوَقْتِ الْمَحْدُودِ اُسْتُعِيرَ لِلْمَكَانِ أَعْنِي مَكَانَ الْإِحْرَامِ كَمَا اُسْتُعِيرَ الْمَكَانُ لِلْوَقْتِ فِي قَوْله تَعَالَى {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ} قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ وَوَقْتُهُ الْبُسْتَانُ وَهُوَ سَهْوٌ ظَاهِرٌ إذْ الْمَعْنَى كَمَا فِي الْمُغْرِبِ وَغَيْرِهِ مِيقَاتُهُ بُسْتَانُ بَنِي عَامِرٍ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ الْمِيقَاتُ مَوْضِعُ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ رَأْيِهِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَكَأَنَّهُ فِي الْبَحْرِ اسْتَنَدَ إلَى ظَاهِرِ مَا فِي الصِّحَاحِ فَزَعَمَ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوَقْتِ وَالْمَكَانِ الْمُعَيَّنِ وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي وَأَعْرَضَ عَنْ كَلَامِهِمْ السَّابِقِ وَقَدْ عَلِمْت مَا هُوَ الْوَاقِعُ
(قَوْلُهُ: الْحَلَبِيُّ) أَيْ الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ الْحَلَبِيُّ تِلْمِيذُ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ وَشَارِحُ تَحْرِيرِهِ الْأُصُولِيِّ وَشَارِحُ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي وَهُوَ أَقْدَمُ مِنْ الْحَلَبِيِّ صَاحِبِ الْمُلْتَقَى وَشَارِحِ الْمُنْيَةِ أَيْضًا وَاسْمُهُ إبْرَاهِيمُ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَفْضَلُ) ذَكَرَ مُنْلَا عَلِيٌّ الْقَارِي فِي شَرْحِ اللُّبَابِ أَنَّهُ يُكْرَهُ وِفَاقًا بَيْنَ عُلَمَائِنَا خِلَافًا لِابْنِ أَمِيرِ حَاجٍّ حَيْثُ قَالَ هُوَ الْأَفْضَلُ اهـ.
أَيْ الْأَفْضَلُ تَأْخِيرُ الْمَدَنِيِّ إحْرَامَهُ إلَى الْجُحْفَةِ وَعِبَارَةُ مَتْنِ اللُّبَابِ وَالْمَدَنِيُّ إذَا جَاوَزَ وَقْتَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ كُرِهَ وَفِي لُزُومِ الدَّمِ خِلَافٌ وَصُحِّحَ سُقُوطُهُ اهـ.
وَقَالَ شَارِحُهُ وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إلَى مَا فِي النُّخْبَةِ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي طَرِيقِهِ مِيقَاتَانِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى إلَى الثَّانِي عَلَى الْأَصَحِّ فَالدَّمُ يَكُونُ مُتَفَرِّعًا عَلَى الْقَوْلِ الْمُقَابِلِ لِلْأَصَحِّ لَكِنْ الْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ وَصُحِّحَ عَدَمُ وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ فِي طَرِيقِهِ مِيقَاتَانِ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خُرُوجًا عَنْ الْخِلَافِ فَإِنَّهُ مُتَعَيِّنٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَوْ يُحْرِمَ مِنْ الثَّانِي فَإِنَّهُ رُخْصَةٌ لَهُ
وَقِيلَ إنَّهُ فَضْلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَكْثَرِ أَرْبَابِ النُّسُكِ فَإِنَّهُمْ إذَا أَحْرَمُوا مِنْ الْمِيقَاتِ الْأَوَّلِ ارْتَكَبُوا كَثِيرًا مِنْ الْمَحْظُورَاتِ بِعُذْرٍ وَبِغَيْرِهِ قَبْلَ وُصُولِهِمْ إلَى الْمِيقَاتِ الثَّانِي فَيَكُونُ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِمْ التَّأْخِيرَ وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا فِي الْبَدَائِعِ مَنْ جَاوَزَ مِيقَاتًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ مِنْ غَيْرِ إحْرَامٍ إلَى مِيقَاتٍ آخَرَ جَازَ إلَّا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ الْأَوَّلِ كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ
قَالَ فِي غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إذَا مَرُّوا عَلَى الْمَدِينَةِ فَجَاوَزُوهَا إلَى الْجُحْفَةِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُحْرِمُوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا وَصَلُّوا إلَى الْمِيقَاتِ الْأَوَّلِ لَزِمَهُمْ مُحَافَظَةُ حُرْمَتِهِمْ فَيُكْرَهُ لَهُمْ تَرْكُهَا اهـ.
وَمِثْلُهُ ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَوَجْهُ عَدَمِ التَّنَافِي أَنَّ حُكْمَ الِاسْتِحْبَابِ الْمَذْكُورِ نَظَرًا إلَى الْأَحْوَطِ خُرُوجًا عَنْ الْخِلَافِ وَلِلْمُسَارَعَةِ وَالْمُبَادَرَةِ إلَى الطَّاعَةِ وَأَنَّ قَوْلَهُ الْأَفْضَلُ التَّأْخِيرُ بِنَاءً عَلَى فَسَادِ الزَّمَانِ وَمُكَاثَرَةِ مُبَاشَرَةِ الْعِصْيَانَ
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ التَّقْدِيمُ عَلَى الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ حَتَّى قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ مِنْ إتْمَامِ الْحَجِّ الْإِحْرَامُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَنْ يَكُونُ مَأْمُونًا عَنْ الْوُقُوعِ فِي مَحْظُورَاتِ إحْرَامِهِ إلَّا أَنَّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إشَارَةً إلَى أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُجَاوِزُوا عَنْ مِيقَاتِهِمْ الْمُعَيَّنِ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ الشَّرْعِ وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَعَنْهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْرِمْ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَحْرَمَ مِنْ الْجُحْفَةِ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ
وَعَنْهُ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ لَا بَأْسَ فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْمَدَنِيِّينَ وَعَدَمِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَآخِرُ الْمَوَاقِيتِ إلَخْ) أَيْ وَإِلَّا نُقِلَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُحَاذَاةِ الْمُحَاذَاةُ الْقَرِيبَةُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى الشَّامِيِّ كَالْمِصْرِيِّ الْإِحْرَامُ مِنْ الْجُحْفَةِ بَلْ يَجُوزُ لَهُ مُجَاوَزَتُهَا وَالْإِحْرَامُ بَعْدَهَا حِينَ يُحَاذِي قَرْنَ الْمَنَازِلِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ الْمَوَاقِيتِ بِاعْتِبَارِ الْمُحَاذَاةِ فَيُنَافِي مَا مَرَّ مِنْ وُجُوبِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَقَوْلُهُ ذَكَرَ لِي إلَخْ بَيَانٌ لِذَلِكَ مَعَ زِيَادَةٍ
(قَوْلُهُ: ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ) يَعْنِي بِهِ الشَّيْخَ شِهَابَ الدِّينِ بْنَ حَجَرٍ شَارِحَ الْمِنْهَاجِ وَالشَّمَائِلِ وَغَيْرِهِمَا وَكَانَ مِنْ أَجِلَّائِهِمْ وَقَدْ أَدْرَكْته فِي آخِرِ عُمُرِهِ كَذَا فِي النَّهْرِ ثُمَّ قَالَ وَأَقُولُ: فِي الْجَوَابِ الثَّانِي مَا لَا يَخْفَى؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَمُرُّ عَلَى الْمَوَاقِيتِ يُحْرِمُ إذَا حَاذَى آخِرَهَا قَرُبَتْ الْمُحَاذَاةُ أَوْ بَعُدَتْ
(قَوْلُهُ: عِنْدَ عَدَمِ الْمُرُورِ عَلَى الْمَوَاقِيتِ) أَخَذَ التَّقْيِيدَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ الْمَنْقُولِ سَابِقًا وَمَنْ كَانَ فِي بَحْرٍ أَوْ بَرٍّ لَا يَمُرُّ بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ إلَخْ
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ سَفَرُهُ لِلْحَجِّ) هَذَا التَّعْلِيلُ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا تَرْتَفِعُ الْمُخَالَفَةُ بِخُرُوجِهِ بَعْدُ إلَى أَحَدِ الْمَوَاقِيتِ وَإِحْرَامِهِ مِنْهُ وَنَقَلَ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ هُنَا الشَّيْخُ حَنِيفُ الدِّينِ الْمُرْشِدِيُّ فِي شَرْحِ مَنْسَكِهِ وَأَقَرَّهُ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْقَاضِي مُحَمَّدٌ عِيدٌ فِي شَرْحِ مَنْسَكِهِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْمَدَنِيِّ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ ثُمَّ قَالَ فِيهَا وَنَقَلَ الْمُنْلَا عَلِيٌّ الْقَارِي فِي رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بَيَانَ فِعْلِ الْخَيْرِ إذَا دَخَلَ مَكَّةَ مَنْ حَجَّ عَنْ الْغَيْرِ أَنَّهُ وَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ اضْطَرَبَ فِيهَا فُقَهَاءُ الْعَصْرِ وَهِيَ أَنَّ الْآفَاقِيَّ الْحَاجَّ عَنْ الْغَيْرِ إذَا انْفَصَلَ عَنْ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِلْحَجِّ هَلْ هُوَ مُخَالِفٌ أَمْ لَا فَقِيلَ نَعَمْ فَيَبْطُلُ حَجُّهُ عَنْ الْآمِرِ وَإِنْ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ وَأَحْرَمَ
وَقِيلَ لَا بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمِيقَاتِ
وَيُحْرِمَ عَنْ الْآمِرِ وَاعْتَمَدَ الْأَوَّلُونَ عَلَى ظَاهِرِ مَا فِي الْمَنْسَكِ الْكَبِيرِ لِلسِّنْدِيِّ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْحَجِّ عَنْ الْآمِرِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ
فَلَوْ اعْتَمَرَ وَقَدْ أَمَرَهُ بِالْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ يَضْمَنُ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحِجَّةٍ مِيقَاتِيَّةٍ اهـ.
وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فَرْضٌ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، فَمُجَرَّدُ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ نَقْلِهِ عَنْ مُجْتَهِدٍ أَوْ إسْنَادِهِ إلَى دَلِيلٍ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَأَطَالَ إلَى أَنْ قَالَ وَبِمَا ذَكَرْنَاهُ أَفْتَى الشَّيْخُ قُطْبُ الدِّينِ وَشَيْخُنَا سِنَانٌ الرُّومِيُّ فِي مَنْسَكِهِ وَأَفْتَى بِهِ أَيْضًا الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْمَقْدِسِيَّ وَنَقَلَ فَتْوَاهُ فَرَاجِعْهَا اهـ.
مَا فِي الْحَاشِيَةِ مُلَخَّصًا أَقُولُ: وَفِي رَدِّهِ مَا ذَكَرَهُ السِّنْدِيُّ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَنْقُولَةٌ وَالْمُقَلِّدُ مُتَّبِعٌ لِلْمُجْتَهِدِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ دَلِيلُهُ فَفِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُحِيطِ وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فَاعْتَمَرَ ثُمَّ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ فَهُوَ مُخَالِفٌ فِي قَوْلِهِمْ وَفِي الْخَانِيَّةِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَنْ حِجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنْ نَفْسِهِ
وَكَذَا لَوْ حَجَّ ثُمَّ اعْتَمَرَ كَانَ مُخَالِفًا عِنْدَ الْعَامَّةِ وَفِي الْمُحِيطِ وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْعُمْرَةِ فَاعْتَمَرَ أَوَّلًا ثُمَّ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا وَإِنْ حَجَّ أَوَّلًا ثُمَّ اعْتَمَرَ فَهُوَ مُخَالِفٌ اهـ.
فَلْيُتَأَمَّلْ فَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ جُعِلَ مُخَالِفًا لِكَوْنِهِ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِغَيْرِ مَا أُمِرَ بِهِ فَقَدْ جَعَلَ سَفَرَهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ إحْرَامِ الْمَأْمُورِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ وَإِنْ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ إذَا لَمْ يَفْعَلْ أَوَّلًا نُسُكًا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ فَيَنْبَغِي التَّفْصِيلُ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ قَاصِدًا الْبُسْتَانَ ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ وَقْتَ الْإِحْرَامِ فَأَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ عَنْ الْآمِرِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ آفَاقِيًّا كَمَا يَأْتِي وَإِنْ فَعَلَ نُسُكًا غَيْرَ مَا أُمِرَ بِهِ قَبْلَ إحْرَامِهِ عَنْ الْآمِرِ يَكُونُ مُخَالِفًا وَإِنْ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ وَأَحْرَمَ عَنْهُ مِنْ الْمِيقَاتِ فَتَأَمَّلْ.
[تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمَوَاقِيتِ]
(ومواقيت الإحرام) جمع ميقات بمعنى الوقت المحدد استعير للمكان أعني مكان الإحرام كما استعير للوقت في قوله تعالى: {هنالك ابتلي المؤمنون} قال بعض المتأخرين: ومنه قولهم ووقته البستان وهو سهو ظاهر إذ المعنى كما في (المغرب) وغيره ميقات بستان بني عامر ولا ينافيه قول الجوهري الميقات موضع الإحرام لأنه ليس من دأبه التفرقة بين الحقيقة والمجاز وكأنه في (البحر) استند إلى ظاهر ما في لا الصحاح (فزعم أنه مشترك بين الوقت والمكان المعين والمواد هنا الثاني وأعرض محن كلامهم السابق وقد علمت ما هو الواقع.
واعلم أن الفرق بين الوقت والمدة والزمان أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها والزمان مدة مقسومة والوقت الزمان المفروض للأمر قاله البيضاوي وأن المواقيت ثلاث: ميقات الآفاقي وأهل الحل وأهل الحرم بدأ المصنف بالأصول وهو خمسة جمعت في قوله: عرق العراق يلملم اليمني ... وبذي الحليفة يحوم المدني للشام تحفة إن مررت بها ... ولأهل نجد قرن فاستبن ... على الأخريين (ذو الحليفة) بحاء مهملة مضمومة وفاء لأهل المدينة على ستة أميال منها
وقيل: سبعة بها آبار تسميها العوام آبار علي لأنه قاتل الجن في وذات عرق والجحفة وقرن ويلملم لأهلها ولمن هو بها، وعيه تقديمه عليها لا عكسه، بعضها قال الحلبي: وهو كذب (وذات عرق)
بكاسر العين وسكون الراء لأهل العراق على مرحلتين من مكة قيل: وفي الحد بين نجد وشهامة والعرق في الأصل الأرض التي أحياها قوم بعد عثورها
وقيل: في السبعة التي تنبت الطرفة ونحوها، (والجحفة) بضم المعجمة ومعاون المهملة موضع قريب من رابع والعوام يسمونها به وليس كذلك سميت بذلك لأن السيل صحف أهلها أي: استأصلهم لأهل مصر والشام (وقرن) بفتح القاف ومعاون الراء جبل مطل على عرفات لا خلاف في ضبطه بهذا بين رواة الحديث واللغة والفقه وأصحاب الأخبار وغيره ما وغلطوا الجوهري في قوله: إنه بفتح الراء وفي قوله: إن أليسا منسوب إليه كذا في (تهذيب الأسماء واللغات لا لأهل اليمن والحجاز ونجد وهامة والطائف، (ويلملم) بفتح المثناة التحتية وللأمين وربما أبدلوا الياء همزة جبل في جبال وهامة تهامة لأهل اليمن أي: لبعض أهلها لما أنه نجد وشهامة (لأهلها) أي: المواقيت (ولمن مر بها) من غير أهلها لخبر (الصحيحين) أنه- صلي الله علي وسلم- وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجافة ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم وقال: (هن لها
ولما أتى عليهن من غير أهلهن) وفي (أبي داود) و (النسائي) ووقت لأهل العراق ذات عرق ولم يكونوا مسلمين لأنه علم بإسلامهم بعد ذلك وحيا.
(وَمَوَاقِيتُ الْإِحْرَامِ ذُو الْحُلَيْفَةِ وَذَاتُ عِرْقٍ وَالْجُحْفَةُ وَقَرْنٌ وَيَلَمْلَمَ لِأَهْلِهَا وَلِمَنْ مَرَّ بِهَا) أَيْ الْمَوَاقِيتُ الَّتِي لَا يَتَجَاوَزُهَا الْإِنْسَانُ إلَّا مُحْرِمًا لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةُ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ وَقْتٌ لِأَهْلِهَا وَلِمَنْ مَرَّ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ فَقَالَ هُنَّ لَهُمْ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ وَكَذَلِكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد فِي أَكْثَرِ طُرُقِهِ هُنَّ لَهُنَّ وَالْأَوَّلُ الْأَصَحُّ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالثَّانِي بِطَرِيقِ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ تَقْدِيرُهُ هُنَّ لِأَهْلِهِنَّ فَحَذَفَ الْأَهْلَ وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَمَنْ سَلَكَ مِيقَاتًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ أَحْرَمَ مِنْهُ لِمَا رَوَيْنَا،
وَإِنْ سَلَكَ مِيقَاتَيْنِ فِي الْبَحْرِ أَوْ الْبَرِّ اجْتَهَدَ أَوْ أَحْرَمَ إذَا حَاذَى مِيقَاتًا مِنْهُمَا وَأَبْعَدُهُمَا أَوْلَى بِالْإِحْرَامِ مِنْهُ وَمَنْ لَمْ يُحْرِمْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَحْرَمَ مِنْ الْجُحْفَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَكَذَا مَنْ مَرَّ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا
وَكَذَا كُلَّمَا كَانَ الثَّانِي أَقْرَبَ إلَى مَكَّةَ وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ وَكَانَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - إذَا أَرَادَتْ الْحَجَّ أَحْرَمَتْ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ،
وَإِذَا أَرَادَتْ الْعُمْرَةَ أَحْرَمَتْ مِنْ الْجُحْفَةِ فَكَأَنَّهَا طَلَبَتْ زِيَادَةَ الْأَجْرِ فِي الْحَجِّ لِزِيَادَةِ فَضْلِهِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْجُحْفَةُ مِيقَاتًا لَهَا لَمَا جَازَ لَهَا تَأْخِيرُ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي حَقِّ الْآفَاقِيِّ فِي الْمِيقَاتِ ثُمَّ الْآفَاقِيُّ إذْ انْتَهَى إلَى الْمِيقَاتِ عَلَى قَصْدِ دُخُولِ مَكَّةَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ قَصَدَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ،
وَإِذَا أَرَادَ غَيْرَهُمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ؛ وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ شُرِعَ لِأَدَاءِ النُّسُكِ فَإِذَا نَوَاهُ لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا؛ وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ لِتَحِيَّةِ الْبُقْعَةِ فَإِذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَلَنَا مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «قَالَ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ إلَّا بِالْإِحْرَامِ» الْحَدِيثَ؛
وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ لِتَعْظِيمِ هَذِهِ الْبُقْعَةِ الشَّرِيفَةِ فَيَسْتَوِي فِيهِ التَّاجِرُ وَالْمُعْتَمِرُ وَغَيْرُهُمَا وَهَذَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْبَيْتَ مُعَظَّمًا وَجَعَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِنَاءً لَهُ وَجَعَلَ مَكَّةَ فِنَاءً لِلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَجَعَلَ الْمِيقَاتَ فِنَاءً لِلْمُحْرِمِ وَالشَّرْعُ وَرَدَ بِكَيْفِيَّةِ تَعْظِيمِهِ، وَهُوَ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ عَلَى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ وَمَا رَوَاهُ كَانَ مُخْتَصًّا بِتِلْكَ السَّاعَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ «مَكَّةُ حَرَامٌ لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ حَرَامًا» يَعْنِي الدُّخُولَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حِلِّ الدُّخُولِ بَعْدَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلْقِتَالِ وَقَوْلُهُ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ مَمْنُوعٌ؛
لِأَنَّهُ سُنَّةٌ وَالْإِحْرَامُ وَاجِبٌ عِنْدَنَا؛ وَلِهَذَا وَجَبَ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ عِنْدَ إرَادَةِ النُّسُكِ إجْمَاعًا وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِحَاجَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يُكْثِرُ دُخُولَهُ مَكَّةَ وَفِي إيجَابِ الْإِحْرَامِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ حَرَجٌ بَيِّنٌ فَأَلْحَقُوا بِأَهْلِ مَكَّةَ حَيْثُ يُبَاحُ لَهُمْ الدُّخُولُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ بَعْدَمَا خَرَجُوا مِنْهَا لِحَاجَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ حَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلِهَذَا أُلْحِقُوا بِهِمْ فِي عَدَمِ تَحَقُّقِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ
بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدُوا أَدَاءَ النُّسُكِ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامُ مِنْ مِيقَاتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ الْتَزَمُوهُ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ فِي الْمَتْنِ وَمَوَاقِيتُ الْإِحْرَامِ إلَخْ) لَمَّا فَرَغَ عَنْ بَيَانِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَمَنْ لَا وَعَنْ شَرَائِطِهِ أَخَذَ فِي بَيَانِ مَوَاقِيتِ الْإِحْرَامِ اهـ
قَالَ فِي الْمُغْرِبِ الْوَقْتُ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُبْهَمَةِ وَالْمَوَاقِيتُ جَمْعُ الْمِيقَاتِ، وَهُوَ الْوَقْتُ الْمَحْدُودُ فَاسْتُعِيرَ لِلْمَكَانِ وَمِنْهُ مَوَاقِيتُ الْحَجِّ لِمَوَاضِع الْإِحْرَامِ وَقَدْ فَعَلَ بِالْوَقْتِ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مَنْ تَعَدَّى وَقْتُهُ إلَى وَقْتٍ أَقْرَبَ مِنْهُ أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَوَقْتُهُ الْبُسْتَانُ أَيْ مِيقَاتُهُ بُسْتَانُ بَنِي عَامِرٍ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ حَدٍّ وَمِنْهُ قَوْلُهُ هَلْ فِي ذَلِكَ وَقْتٌ أَيْ حَدٌّ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَقَدْ اشْتَقُّوا فِيهِ فَقَالُوا وَقَتَ اللَّهُ الصَّلَاةَ وَوَقَّتَهَا بِالتَّشْدِيدِ أَيْ بَيَّنَ وَقْتَهَا وَحَدَّدَهُ
(قَوْلُهُ وَقَرَنَ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْقَرَنُ بِفَتْحِ الرَّاءِ مَوْضِعٌ، وَهُوَ مِيقَاتُ أَهْلِ نَجْدٍ وَمِنْهُ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ وَالْقَرْنُ بِالسُّكُونِ الْجَبَلُ الصَّغِيرُ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ فِي مَكَانَيْنِ فِيهِ فِي تَحْرِيكِ الرَّاءِ وَنِسْبَةُ أُوَيْسٍ إلَى الْمَكَانِ، وَإِنَّمَا نُسِبَ إلَى قَرَنٍ، وَهُوَ بَطْنٌ مِنْ مُرَادِ قَبِيلَةٍ. اهـ. سَرُوجِيٌّ
(قَوْلُهُ ذُو الْحُلَيْفَةِ) كَذَا بِخَطِّ الشَّارِحِ
(قَوْلُهُ وَلِأَهْلِ النَّجْدِ) بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي خَطِّهِ
(قَوْلُهُ فَقَالَ هُنَّ لَهُمْ) هُنَّ ضَمِيرُ جَمَاعَةِ الْمُؤَنَّثِ الْعَاقِلِ فِي الْأَصْلِ وَقَدْ يُعَادُ عَلَى مَا لَا يَعْقِلُ وَأَكْثَرُ ذَلِكَ فِي الْعَشَرَةِ فَدُونٍ فَإِذَا جَاوَزَهَا قَالُوهُ بِهَاءِ التَّأْنِيثِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} ثُمَّ قَالَ {فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} اهـ شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلْقُرْطُبِيِّ
(قَوْلُهُ فَمُهَلُّهُ) هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ مَوْضِعُ إهْلَالِهِمْ. اهـ. تَنْقِيحٌ الزَّرْكَشِيّ وَضَبَطَهُ الشَّارِحُ بِالْقَلَمِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْهَاءِ
(قَوْلُهُ وَمَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ إلَخْ) الْمُتَبَادِرُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمَوَاقِيتِ لَكِنَّ الْوَاقِعَ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ بَعْدَهَا أَوْ فِيهَا نَفْسِهَا فِي نَصِّ الرِّوَايَةِ. اهـ. كَمَالٌ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.